نقرر فيها ضَعف ما مضى الناس عليه في تحديد الأداء والقضاء، ثم نذكرُ الحَدّ الذي يَصْلُحُ لَهما، فأقول أولا:
الجاري عند الناس أن الأداء كنايةٌ عن إيقاع الفِعلِ في وقته المحدُود له، والقضاءُ كناية عن ايقاع الفعل بعد خروج وقته المحدود له. وهذا ينتفض بالأمر الفَوْري، كَرَدِّ الغصوب والودائع، فإن الشرع حدد له (٦٩). زمان الوقوع، فأولُهُ أوَّلُ زمانِ التكليف، وآخرهُ الفراغ منها بحسبها في طولها وقصرها، فزمانه محدودٌ شرعًا، مع انتفاء الاداء والقضاء عنها في الوقت وبعده، فيبطل حَد الأداء فإنه يتناولها وليست أداء، ويَبطُل حد القضاء، فإنه يتناولها وليْسَتْ قضاءً والأوْلى أن يقول: الأداء إيقاع الواجِبِ الأدآء في وقته المحدود له شرعا لمصلحة اشتمل عليها الوقتُ بالأمر الاول. والقضاء إيقاع الواجب خارج وقته الذى حدّ له شرعا لأجل مصلحة فيه بالامر الثاني.
_________________
(١) هى موضوع الفرق السادس والستين بين قاعدة ما تعَيَّن وقته فيوصَفُ بالأداء، وبعدهُ بالقضاء، وبيْن قاعدة ما تعَيَّن وقته ولا يوصَفُ فيه بالأداء، ولا بعْدَهُ بالقضاء، والتعيين في القسمين شرعى" وفيه يقول الامام القرافي ﵀: "إعْلَمْ أن هذا الموضع وهذا الفرقَ لم أرهُ لأحد من العلماء، فيما رأيته، ولم يقع التصريح به فيما وجدته ولا التعريض، بل التصريح في حد الاداء والقضاء بضده في كتب الاصول والفروع، فيقولون في حد الأداء هو: إيقاع الواجب في وقته المحدود له شرعا، وفي حد القضاء هو: إيقاع الواجب خارج وقته المحدود له شرعا، وهذان التفسيران باطلان بسبب أن الواجبات الفورية كرد الغصوب والودائع إذا طلبتْ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأقضية الحكام إذا نهضت الحجاج، كل ذلك واجب على الفور، ومع ذلك لا يقال لهذه إنها اداء إذا وقعت في وقتها، ولا قضاء إذا وقعت بعده، فإن الشارع حدد لها زمانا وهو زمان الوقوع. جـ ٢. ص ٥٥. ولم يعلق عليه ابن الشاط بشئ من التحقيق والتصوب كعادته مع اغلب قواعد القرافي رحمهما الله جميعا.
(٢) في نسخة ح حدد لها، (بضمير التأيث على تلك الامثلة، وهو ما في كناب الفروق أيضا، ويتناسب مع بقية الكلام بالضمائر المؤنثة، ولعل الضمير بالتذكير في له كما في نسخة ع يعود إلى المصدر الذى هو الامر الفوري، أو ردّ الغصوب والودائع، والأمر سهل ما دام المعنى جليا واضحا.
[ ١ / ١٤٦ ]
فقولنا: في وقته، يخرج القضاء، وقولنا: المحدود له، يخرج المقيَّد بجميع العُمر، وقولُنا: شرعا، احترازا ممّا يحدده أهل العرف، وقولنا: لمصلحة اشتمل علها الوقت، يخرج النقيض المذكور. وهذا من حيث إن ما عينه الشرع كرمضان للصوم، والزوال للظهر، ذلك كله لمصلحة، فيها وإن كنا لا نَعْلَمُها. وتعْيين الفَوريات ليس كذلك، بل يتْبع المامورات وطَرَيان الاسباب، فالغربق - لو تأخر سقوطه في البحر تأخر الزمان، أو تعجل، تعجّل الزمان قبل ذلك، وليس القصد إلا حصولَ ذلك، وليس لزمان خصوصيةٌ في ذلك.
وقولنا في القضاء: بالأمر الثاني، وفي الأداء: بالامر الأول، لأن القضاء واجب بأمر جديد، وبهذا يَسْلَمُ من نقضٍ، وذلك أن شهر رمضان إذا تعذَّر صومه، فالله تعالى عَيَّن ما بعده إلى رمضان وقْتًا لقضائه، فيصْدق عليه ايقاع الفعل الواجب في وقته المحدود له شرعًا لمصلحة اشتمل عليها الوقت، كما يصدق على الأداء فإذا قلنا: بالأمر الأول، خرج القضاء، وإذا قلنا: بالأمر الثاني، خرج الأداء، وصدق على القضاء.
ثم اعْلَمْ بعد هذا أن القضاءَ لفظٌ مشتركٌ، يُقال على معانٍ مختلفةٍ، فيقال: قُضى الفِعل، إذا فعِل، ومنه: "فإذا قُضِيَتْ الصلاة" (٧٠)، وهذا معنى لغوي، ويقال على ما قلناه وحددناه، ويقال على إيقاع الواجب بعد تَعَيُّنِه بالشروع، ومنه حَجّة القضاء (٧١)، وقضاءُ النوافل بعد الشروع فيها.
ويقال على ما وقع على خلافِ وضْعه في الشريعة، مع قطع النظر عن الوقت والتعَيُّن بالشروع، ومنه قضاء الماموم، لأن الركعتين الأخِيرتين من العشاء،
_________________
(١) سورة الجمعة، الآية: ١٥
(٢) المعروف في كتب الحديث والسور النبوية عُمرة القضاء، لا حَجة القضاء إلا أن يطلَق ذلك من باب التجوز، والنظر إلى أن العمرة تشمل على بعض مناسك الحج. والله أعلم، والمراد عمرة القضاء التي أداها النبي - ﷺ - وصحابته الكرام في السنة السابعة من الهجرة بعد ما حال الكفار دون دخوله إلى مكة وادائه للعمرة في السنة السادسة من الهجرة.
[ ١ / ١٤٧ ]
إذا صُلِّيتا جهرا فهو خلاف الوضع الشرعي، وكون اللفظ مشتركا ثمَّ يُحَدَّدُ بِمعنى واحدٍ مِمَّا يَدُلُّ عليه، لا يضرنا ولا يقدَحُ في فِعلنا.
ثم لِتعلمْ أن العبادات على ثلاثة أقسام:
منها ما يوصف بالأداء والقضاء، كالصلوات الخمس ورمضان، ومنها مالا يوصف بهما كالنوافل، ومنها ما يوصف بالأداء فقطْ كالجمعة.
فائدة:
على ما ذكرناه في الحدَّيْن المذكورين تَعَيَّنَ أن مذهب الغزالي أرجح من مذهب القاضى فيمن غلب على ظنه أنه لا يعيش إلى آخر الوقت، فيَضيقُ الوقت لأجل ذلك، ثم إنه عاش إلى آخره، هل يصليها أداءً كما قال الغزالي، أو قضاء كما قال القاضى؟ الأرجح ما قاله الغزالي، لأن تعيين الوقت لم يكن لمصلحة فيه، وإنما
كان لظن كاذب، واللهُ أعلم.