في تقرير مقتضى إن، ولو، الشرطيتين، بحسب الزمان (٤٢).
إعلم أن إن، المقرر في كلام العرب، وهو قول أئمة النحو - أن الفعل الذي بعدها - كان مضارعًا، أو ماضيًا - تخلصه للاستقبال. والجزاء - أيضًا - كذلك تخلصه للاستقبال، وأنها لا تدخل على المحقَّقَ، وإنما تدخل على المشكوك فيه. هذا هو المقرر عندهم في إن (٤٣).
وأما لو، فشأنها أن الفعل الذي بعدها للدلالة على الزمان الماضى، كان ماضيًا من حيث صيغته، أو مضارعًا ماضيًا، كقولك: لو تام زيد أمس، قام عمرو. ومضارعًا، كقولك: لو يقوم زيد أمس، قام عمرو. ثم هي إذا دخلت على ثبوتين كانا نفيين، أو على نفيين كانا ثبوتين، أو نفى وثبوت كان النفى ثبوتًا، وكان الثبوت نفيًا، ويقولون لها: حرف امتناع الشيء لامتناع غيره (٤٤). هذا هو المقرر في الحرفين.
_________________
(١) هذه القاعدة هي الفرق الرابع في كتاب الفروق للإمام القرافي جـ ١ ص ٨٣.
(٢) علق الشيخ ابن الشاط ﵀ على قول القرافي هنا "بأن إن لا تتعلق إلا بمعدوم مستقبل" بقوله: ليس الأمر كذلك، بل تتعلق. بالماضي، لكن الأكثر فيها تعلقها بالمستقبل. ومما اختاره يلزم منه دعوى المجاز في استعمالها في الماضي، والمجاز على خلاف الأصل الخ. اهـ.
(٣) فهي كما يقولون ويوضحون: حرف امتناع الجواب لامتناع الشرط، نحو: لو جاء زيد اكرمته، ولو صبر لنال مطلوبه ومرغوبه.
[ ١ / ٧٨ ]
ولنذكر مسائل متعلقة بالقاعدة المقررة بحسب الحرفين (٤٥):
المسألة الأولى:
قال الله تعالى، حكاية عن عيسى ﵇: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ (٤٦). فقال بعض المفسرين: إن ذلك وقع منه في الدنيا، وإن سؤال الله تعالى له قبل أن يدعيٍ ذلك عليه، فيكون التقدير: إن أكن أقوله فأنت تعلمه، فهما مستقبلان، جريًا على ما أصَّلنَاه (٤٧).
وقيل: السؤال يكون يوم القيامة، وهذا هو المشهور، فيكونان ماضيين، وتخْرِمُ هذه الآية ما أصلناه. فقال ابن السراج: يجب تأويلهما بفعلين مستقبلين، تقديرهما: إن يثبت في المستقبل (٤٨) أني قلته في الماضي يثبت أنك تعلم ذلك.
ومما يؤكد أن السؤال في الدنيا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (٤٩) وإذ للماضي، والمخبر بهذا هو محمد في دار الدنيا. وقيل: هذا كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (٥٠).
ذكر شهاب الدين ﵀ في هذه المسألة فائدة، ثم رتب عليها سؤالا.
فالفائدة قَال: اعلم أن عشرة أشياء في كلام العرب هي للاستقبال: الشرط، وجزاؤه، والأمر، والنهي، والدعاء، والوعد، والوعيد، والترجي، والتمني،
_________________
(١) وصفها الإمام القرافي ﵀ بأنها مسائل غريبة جليلة، وذكر أنها أربع عشر مسألة، وتحدث عنها بإسهاب وتفصيل، اقتصر الشيخ البقوري على إيراد تسع منها، سيرًا على منهجه في الاختصار.
(٢) سورة المائدة: الآية ١١٦.
(٣) وهو أن الفعل الذي يكون بعد إن، وكذا جوابها يتخلص للاستقبال، سواء أكان ماضيًا أو مضارعًا.
(٤) كذا في نسخة ح، ونسخة أخرى بصيغة الفعل المضارع، وهي أظهر وأوضح. والسبب مع ما قبلها من العبارة. وفي نسخة ع: إن ثبت في المستقبل بصيغة الماضى، وهي حينئذ تؤول بالفعل المضارع.
(٥) سورة المائدة: الآية ١١٦.
(٦) سورة النحل: الآية ١.
[ ١ / ٧٩ ]
والإباحة، فهذه العشرة لا تتصور بحسب ماض ولا حاضر.
ثم قال: سؤال كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ يورده، وهو أن الصلاة على النبي - ﷺ - هي: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. وجاء في ذلك غير هذا مما يقرب لهذا، وهنا قاعدة (٥١)، وهي أن المشبه بالشيء، أعلى رتبته أن يكون. مِثلا، وقد يكون أدنى، وأما أعلى فلا يكون (٥٢). ومن المعلوم في القواعد أن نبينا - ﷺ - أفضل من إبراهيم، فكيف يخرج عن ظاهر هذا الحديث إلى القاعدة المقررة.
فأجاب عز الدين رحمه الله تعالى بما مقتضاه أن التشبيه وقع بين المجموعين، فهنا النبي - ﷺ - وآله، وهنا النبي إبراهيم ﵇ وآله، فطلب في هذا الحديث أن يعطي الله من فضله وإحسانه لهذا النبي وآله مثل ما أعطى لإبراهيم وآله (٥٣).
ثم إن آل إبراهيم كثير، فهم الأنبياء، وليس في آل نبينا نبي، والعطاء على نسبة المعطى إليه. ففضله على النبي لا يكون كفضله على غير النبي. فهذا المجموع الذي تصور في حزب إبراهيم وآله، إذا أخذ آله منه أنصباءهم كان الذي يأخذ إبراهيم من ذلك لا يساوي نصيب نبينا بوجه، فإن نبينا عليه الصلاة
_________________
(١) في نسخة ح: ومعَنَا قاعدة، وكذا في نسخة أخرى ثالثة، وقد كتبت خطًا بصورة معْنى، والأولى أظهر.
(٢) كذا في كل من نسخة الخزانة العامة بالرباط، ونسخة الخزانة الحسنية كذلك. وفي نسخة أخرى: "ومعنا قاعدة، وهي أن المشبه بالشيء أدق رتبة، وقد كون مثله وأما أعلى فلا يكون". وليس من فرق يظهر بين هذه النسخ في هذه العبارة سوى في التقديم والتأخير لبعض الكلمات. وأما المعنى فواحد. ويوضح ذلك أكثر، عبارةُ القرافي في هذه المسألة حيث قال: فكان رأي الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: قاعدة العرب تقتضي أن المشبه بالشيء يكون أخفض رتبة منه، وأعظمُ أحواله أن يكون مثله".
(٣) كذا في نسخة ع وفي نسخة ح: أن التشبيه وقع بين المجموعين لمعنى النبي - ﷺ - وآله .. ونسخة ثالثة: أن التشبيه وقع بين المجموعين. فالمشبه النبي - ﷺ - وآله، والمشبه به إبراهيم ﵊ وآله. وعبارة هذه النسخة أكثر ظهورًا ووضوحًا في اللفظ والمعنى مما في نسختى ع، وح.
[ ١ / ٨٠ ]
والسلام يأخذ آله أخذًا دون أخذ آل إبراهيم ولا بد، للنبوة التى في آل إبراهيم،
فيكون ما يقع في خاصة نبينا أفضل، وزال الإشكال على هذا.
ثم إن شهاب الدين ﵀ لم يرتض هذا الجواب وقال: هذا التكلف الكثير (٥٤) فيه، هو من حيث اعتبار جميع ما أعطي من الخير للنبي وهذا لم يقع التشبيه فيه من حيث إن الدعاء للاستقبال، فما كان من خير أعطي للنبي - ﷺ - قبل هذا الدعاء لم يقع في التشبيه، وإنما وقع في التشبيه، الزائد على ما كان عنده (٥٥) لَا طَلَبُ (٥٦) أن يكون مثل ما كان لإبراهيم وآله، وهذا أيسر وأبين ولا كلفة فيه.
قلت: ما قاله شهاب الدين ظاهر، وما قاله الآخر وهو عز الدين، رحم الله جميعهم، ظاهر وحسن. ولكنه قال شهاب الدين بعد هذا في جواب عز الدين: لا يحتاج إلى التفصيل الذي ذكره الشيخ، مع أنه لا يصح، فإنه جعل متعلق جيع ما حصل لرسول الله - ﷺ - يلزم (٥٧) تعلق الطلب بالواقع. فيلزم طلب تحصيل الحاصل وهو غير جائز (٥٨).
_________________
(١) في نسخة ح: الكبير.
(٢) كذا في نسخة ع، ونسخة ح. وفي نسخة أخرى: "لم يقع التشبيه فيه، وإنما وقع التشبيه في الزائد على ما كان عنده، وعبارة هذه النسخة أظهر وأبين، وتتماشى مع ما عند البقوري في العبارة قبل هذه وهي قوله: "وهذا لم يقع التشبيه فيه".
(٣) في النسختين: ع، وح، وكذا في نسخة أخرى جاءت كلمة طلب في سياق العبارة مثبتة، فبقي المعنى غير ظاهر ولا واضح. ولعل الصواب في أن تكون مقرونة بلا النافية، فتكون العبارة هكذا: "وإنما وقع التشبيه في الزائد على ما كان عنده لا طلب (ي لا في طلب) أن يكون مثل ما كان لإبراهيم وآله. وهذا النفي الذي يقتضيه ظهور المعنى ووضوحه وسلامة التعبير مستفاد مما في الأصل الذي هو كتاب الفروق لشهاب الدين الرافي رحمه، حيث قال في هذه المسألة: فالحاصل له ﵊ لم يقع فيه طلب البتة.
(٤) العبارة تحتاج إلى جار ومجرور وتقدير منه (أي يلزم منه، حَتَّى يبقى الكلام مترابطًا بين مفعولي جعل.
(٥) عبارة القرافي هنا ﵀ وهو يستحسن جوابه في هذه المسألة ويعتبره سديدًا هي قوله: فهذا جواب حسن سديد، بناء على القاعدة في أن الدعاء لا يتعلق إلا بمستقبل معدوم، ولا يحتاج إلى ذلك التعب والتفصيل الذي ذكره الشيخ مع أنه لا يصح، فإنه جعل متعلق الطلب جميع ما حصل لرسول الله - ﷺ - فيلزم تعلق الطلب بالواقع، وهو محال، كما يلزم منه تحصيل الحاصل وهو غير جائز. والجواب الحق هو هذا.
[ ١ / ٨١ ]
وهذا الذي ذكره لا يَلزم عزّ الدين، من حيث إن الإحسان الواقع لإبراهيم هو جملُة ذات أجزاء، والذي لنبينا ﵊ كذلك جملة ذاتُ أَجْزَاء والجملة ذات الأجزاء يَصِحُّ أن يصْدُق عليها أنها مستقبَلةٌ ما دام جزءٌ واحد منها لم يقعْ، وطالَما بقِي نبيُّنا بل بقيتْ أمّتُه، بقِيت الجملةُ لم تقَعْ.
نعَمْ، وقعَ أَجْزَاءٌ مِنْها، وأما الجملة فما وقعَتْ وانما هي مستقبَلَة، فَانفصَل الإِشكال، والجوابانِ صحيحانِ.
فإن قيل: هذا يتَّجه على رواية في الحديث، وهي التي فها ذِكْر النبي وآله في الصلاة وفي البَرَكة، وذكْرُ إبراهيم وآله في الصلاة والبركة. والطريق الآخر الذي فيه: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبْراهيم، وكذا أيضًا في البركة، لا يتجهُ هذا الجواب، وهذا أَخرجه مسلم.- قلنا: تُحْمَلُ هذه الرواية على الاخرى، ويكَون الآل واقعا على ذاته وعلى من تبِعه، كما قال: "لقد أُعطيتَ مِزْمارًا من مزامير آل داود، والمرَاد دَاوُد. (٥٩).
المسألة الثانية:
ما قرّرناهُ في لَوْ، يُشْكل أيضًا بِقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (٦٠). حيث إنه يلزم أن تكون كلمات الله تعالى نفدت، وليس كذلك، وهذا من حيث إنه نفْىٌ لقوله تعالى: "ما نَفِدَتْ كلمات الله". ونظيرُ هذه الآية: ﴿نِعْمَ العبْدُ
_________________
(١) الخطاب في هذا الحديث النبوي لأبى موسى ﵁، حين سمعه النبي ﷺ يقرأ القرآن ويتلوه بترتيل، وأبو موسى لم يكن يعلم بذلك، فقال مخاطِبًا الرسوَل عليه الصلاة والسلآم: "لو كُنْتُ أعلمُ انك تسمع قرآتى لحبرته لك تحْبيرًا)، أى لجوَّدته ورتلته لك ترتيلا وتجويدًا أكثر. وقد كان النبي ﷺ يحب إن يسمع القرآن من غيره وهو يتلوه تلاوة جيدا، كما قال لعبد الله بن مسعود حين أمره بقرآة ما تيسرّ منه: "إني أحبُّ أن أسمعه من غيرى، عملا بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
(٢) سورة لقمان - الآية ٢٧.
[ ١ / ٨٢ ]
صُهَيْبٌ، لو لم يخف الله لم يَعْصِهِ"، يقتضى أنه خاف وعصَى مع هذا الخوف، وهذا قُبْح، فيكونُ ذَمًّا، لكن الحديث سِيقَ للمدح، فنَعَم للمدْح التام، والفضلاء يتولعون بالحديث كثيرا، والآية قَلَّ من يتفطَّنُ لهَا. (٦١)
وأجاب الناس عن الحديث بأجولة:
أحدها لابن عصفور، أنَّ لَوْ في الحديث بِمعنَى إنْ لمطلَق الربط، وإنْ، لا يكون نفيُها ثبوتا ولا ثبوتها نفيًا.
الثاني لشمس الدين الخسر وشاهى، لوْ في أصل اللغة لمطلق الربْط.
الثالث لعز الدين بن عبد السلام، قال:
المسبَّبُ قد يكون له سببٌ واحدٌ ينتةِى لانتفاء سببه، وقد يكون له سببانِ، فَلَا ينتفِي لانتفَاء أحَدِ السببين. وإذا كان الامر هكذا ولابد، فلِعدم المعصية سببانِ: الخوفُ، وهذا لِلْكثير من الناس، والْإجْلالُ، وهذا لخاصة الناس وفُضلاِنهم
فأثبت النبي - ﷺ - صُهَيْبًا في هذا الْحَظِ (٦٢). فهو يقول: نعْمَ العبد صهيبٌ، لوْ لم يخَف الله ما حَمَله عَدَمُ خوفه على العِصيان، كما هو في الكثير، بل هو لا يعصيه مع عدَم الخوف، للاجلال الذي غلَبَ عليه.
الرابع: الجواب محذوف، تقديره: لو لم يخف الله عصَمَهُ اللهُ، ودَلَّ على ذلك قولُه: لَمْ يَعْصِهِ.
وهذه الأجولة تتأتى في الآية، غَيْرَ الثالِثِ.
ولشهاب الدين، ﵀ - جواب خامس، وهو يصلح للحديث وللآية، قال: لَوْ أصلُهَا أن تكون للربط بين شيئين؛ تقدم. ثم إنها - أيضًا -
_________________
(١) علق الفقيه ابن الشاط على هذه المسألة عند القرافي إلى قوله في: والآية قل من يتفطن لها فقال: ما قاله القرافي في ذلك ليس بصحيح، لأن لَوْ انما هي في اللغة لمجرد الربط خاصة، وما توَهم هو وكوفي إنما هو من قبيل مفهوم الشّرْط، فإن قيل به صحّ ذلك وإلَّا فَلا
(٢) في النسخة الحسنية: في هذا النمط، في نسخة أخرى ثالثة: في هذا القِسْم، وهي أظهر، وإن كان ما في النسختين ظاهرًا، وله وجه في المعنى المقصود.
[ ١ / ٨٣ ]
تُستعمل لقطع الربط، فيكون جوابا لسؤال، محقَّقِ أو متوهَّم، وقع فيه ربط، فَتَقْطغه أنت لاعتقادك بُطلان ذلك الربطِ، كما لو قَال القائل: لو لم يكن زيدٌ زوجًا، لم يَرث، فتقول له أنْت: لو لم يكن زوجًا لم يُحْرَمْ، تُريد أنّ ما ذكرَتَه مِن الربط بين عدم الزوجية وعدم الارث، ليس بِحَقٍ، فمقصودك قطع ربط كلامِهِ، وتقول: لو لم يكن زيدٌ عالمًا لَأكْرِم، أي لشجاعته، جوابا لسؤالِ سائلٍ تتوهمهُ أو سمِعتَه، وهو يقول: إنه إذا لم يكن عالمًا لم يُكْرَم، فَيَرْبط بين عدم العِلم، وعدمِ الاكرام، فتقطع انت ذلك الربْطَ (٦٣).
قلت: هذا جواب عز الدين - ﵀ - بعينِهِ، وهو الذي قال فيهِ قبل هذا: إنه لا يُتصور أن يكون جوابا عن الآية، فمراد عز الدين ليس متوقفا على السَّبِبِيَّةِ، وانما أجاب بعدم الربط، وكان في الحديث عدم الربط، وأبْدَى علة عدم الربط، فذكر السببيْن كمَا الأمرُ هنا في مثال الموارثة (٦٤) وفي مثال الإِكرام،
_________________
(١) علق الشيخ ابن الشاط على هذه الأجوبة المذكورة هنا وعند القرافي ﵀، فقال: جواب أي الحسن بن عصفور يقتضى أنها مجاز في الحديث، والمجاز خلاف الأصل فلا يُدَّعَى إلَّا عند الضرورة. وأما جواب شمس الدين بأنَّ لوْ في أصل اللغة لمطلق الربط، وإنما اشتهرت في العرف في انقلاب ثبوتها نفيا وبالعكس، والحديث إنما ورد بمعنى اللفظ في اللغة، فهو الصحيح، غير قوله: "وإنما اشتهرت في العُرف"، فإن ذلك العرف الذي ادعاه لم يثبتْ عن اللغة ولا عن الشرع، فهو عرف لغير أهل اللغة ولغير أهل الشرع، ولا حجَة في عرف غيرهما ولا اعتبار به في مثل هذا. وأما جواب عز الدين فغايته أن أبْدى وجها لمطلق الربط، وارتفاع توهُّم ذلك المفهوم. وأمّا جوابه هو (أى القرافي) فمُحْوج إلى تكلُّفِ سبْق كلام يكون هذا جوابًا له، وتقدير ذلك، وكل ذلك لا يصح في الآية، أمَّا سبْقُ كلام يكون هذا جوايا له فلم يكن في الأزل من يكون كلام الله تعالى جوإبا له، ولا يصح أن يكون كلام الله على تقْدير سبْق كلام، فإن هذا التقدير إنما معناه احتمال سبْق كلام الله، والله تعالى منزَّه عن مثل هذا الاحتمال، إذ تقرر أنه العالم بما كان ومما يكون وبما لم يكن ولا يكون. ولذلك لما قال القرافي عن جوابه: إنه أصلح من الأجوبة المتقدمة من وجهين: عقب عليه ابن الشاط بأنه ليس بأصلح، لما فيه من دعوى سبق كلام يكون هذا جوابا له أو تقدير سبق كلام، والأصل عدم ذلك.
(٢) في نسخة ح، ونسخة أُخرى: الوِراثة، وكلاهما مصدر قياسي للفعل الرباعي: وارث. لقول ابن مالك في الفيته النحوية. لفَاعَل الفِعَالُ والمفاعَلةَ وغيْرُ ما مرَّ السماعُ عادَ لَه
[ ١ / ٨٤ ]
فما ذلك إلّا لأجْل السببيْن، والله أعلمُ، وعلى هذا فلا يصلح أن يكون جواب شهاب الدين - ﵀ - جاريا في الآية؛ قال في جواب عز الدين رحمه الله تعالى.
المسألة الثالثة:
ما قلناه أيضًا من أن إن لا تدْخُلُ إلا على المشكوك، يُشْكِل بقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمُ إِيَّاهُ تَعْبُدُونْ" (٦٥)، فإن الله عالم بذلك قطعا، وبقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمُ فِي رَيْبٍ﴾ (٦٦)، فإن اللهَ تعالى تحقَّقَ أنهم في ريب، وهمْ يجدون الريب في نفوسهم قطعًا.
والجواب أن يقال: المراد كل ما كان شأنه أن يكون في العادة مشكوكًا فِيه بين الناس حسُنَ تعليقُهُ بإنْ مِن قِبَلِ الله تعالى ومِن قِبَلِ غيره، سواء كان معلوما للمتكلم أو للسّامع أو لَا، وكذلك يحسُنُ من الواحد مِنّا أن يقول: إن كان زيد في الدار فأَكْرِمْه، معَ أنه يعلم أنه في الدار، ولكنه حَسُنَ، لأنهُ شأنه أن يشك فيه، يخلاف إن طلعَتْ الشمس.
قلت: هذا يُعْترض (٦٧) بقوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (٦٨) وكذلك نقول: إن يكن الواحد نصف العشرة فالعَشرةُ اثنانِ، وهذا أمرٌ لاشكّ فيه عادةً، بل يُقطعُ بأن الواحد لا يكون نصف العشرة.
وما أجاب به شِهابُ الدين هذا الفرضَ وَهو قوله: التعليق إنما هو على امرٍ مفروض، والفَرْضُ والتقديرُ ليس امرًا لازما في الواقع، بل يجوز أن يقعَ ويجوزُ ألا يقعَ - فيصير من قِيلَ المشكوك فيه - هُوَ لا يصلح جوابًا لنفى الشكّ عن وقوع هذا الفرض وبُعْدِه عنه، ودخوله في حَيِّزِ (٦٩) المقطوعْ به.
_________________
(١) سورة البقرة: الآية ١١٢.
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٣
(٣) في نسخة: "معترض" بصيغة اسم الفعول.
(٤) سورة آل عمران: الآية ١٤٤.
(٥) في ح: في جزء، وكلمة حيّز أنسَبُ في المعنى وأظهر.
[ ١ / ٨٥ ]
والظاهر عندِي أن القاعدة التى يذكرها النحويون، وهي التي مرّت لنا، أنّ إن ليست مُحَصَّلَةً (٧٠)، وأنَّ إن تقع في الموضعين معًا، واللهُ ﷾ أعلم وأَحكم، كقوله تعالى: "أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ" (٧١) والآية الاخرى مع الفرض، فيهما نظر.
المسألة الرابعة
ما تقرر، من أنَّ إنْ لا تدخُل على شئٍ إلا كان فيه معنى الاستِقبال يُشكِل بمثل قوله تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ (٧٢)، وبقوله ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ (٧٣).
فأجاب شهابُ الدين عن هذا بأن تعلق إرادة اللهِ وعِلمِه بالأشياء تسمان: قسم واقع، وقسم مقدّر مفروض.
فالواقع هو أزلي، لا يمكن جعْل شيء منه شرطًا الْبَتَّة، والمقدر هو الذي جُعِل شرْطا. تقديو الكلام، مَتَى فرض عِلْم الله تعالى بأنَّ فيكم خيرًا، أتاكم خيرًا مِمَّا أُخذَ مِنكم، وكذلك المثال الآخَرِ، والفرض والتقدير أمرٌ متوقَّع في المستقبَل ليس أزليًا، فلذلك حسُن التعليق فيه على الشرط. (٧٤)
المسألة الخامسة
إذا قال: إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق ثلاثًا، ثم قال لها: أنتِ طالقٍ
_________________
(١) في ع: مخلصة، وفي نسخة ح، محصلة، كما في نسخة أخرى، وتكون صيغتها صيغة اسم مفعول، بمعنى أنها ليست محصَّلة الإِتقان والفهم لمكان استعمالها، وهي تستعمل مع المعلوم المحقق والمشكوك فيه.
(٢) سورة الانبياء: الآية: ٣٤.
(٣) سورة الانفال: الآية: ٧٠.
(٤) سورة النساء: الآية: ١٣٣.
(٥) علق الشيخ ابن الشاط عل هذه المسألة الرابعة قائلا: تقدَّم أن حروف الشرط تدخل عل غيْر المستقبل، بخلاف سائر ما ذكر مع الشرط (أى من السببب المانع)
[ ١ / ٨٦ ]
ثلاثًا، قال مالك ﵀: تنْحَلُّ يمينُهُ. وقال الشافعي: يبْقَى التعليقُ حتى (٧٥) يتزوجها في عقد ثان.
قلت: فالشافعي نظرَ إلى مُطلَقِ لفظِ التعليق، فأبقاه بعْدَ الثَّلاث، ومَالكٌ نظرَ الَى أن الطلاق أصلُهُ أن لا يقع إلا على مَا مَلَكَ، والمطلَّقَةُ ثلاثًا ما بقي له عليها مِلْك، وان جاءَ أن الطلاق يقع على غر المملوكةِ على فرض التزوج إذا كان في الكلام ما يدل عليه، وليس هُوَ هنا. (٧٦)
المسألة السادسة (٧٧)
اتفق الفقهاء على الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (*) على الأمر بالتعليق، وهو يُشكلُ من حيثُ إنه ليس
_________________
(١) كذا في نسخة ح، ونسخة اخرى، وهي الاظهر والصواب، وهي في الفروق عند القراني في هذه المسألة، وفى نسخة ع حين، وهي لاشك خطأ من الناسخ.
(٢) اختصر البقُّوري ﵀ هنا المسألة الخامسة والسادسة عند القرافي ﵀. ففي المسألة الخامسة ذكر القرافى أن القاضى عبد الوهاب وغيره من العلماء ﵏ نصوا على إن حيث وأين من صيغ العموم، فيلزم على هذا أنه إذا قال المرء لزوجته: حيث وجدتك أو أين وجدتك، فأنتِ طالق فوجدها، طلقت، ثم وجدها في عدتها مرارًا أن تطلق عليه ثلاثًا لأجل العموم، وكذلك القول في متى، ولا يلزم بها إلا طلقة واحدة، وهو مشكل، لأن مقتضى نصهم على العموم التكرر تحقيقًا للعموم وأنَّ كلما لما كانت للعموم تكرر الطلاق بتكرر المعلق عليه:، قوله: كلما دخلت الدار فأنت طالق، فتكرر دخولها في عدتها طلقت ثلاثًا. ثم تناول القرافي الفرق بينهما على أساس الفرق بين المطق والعام، تقسيم التعليق إلى أربعة أقسام الخ وفي السادسة المسألة ذكر أن الاصحاب (أي المالكية) نصوا على أن في قول القائل كل امرأَة أتزوجها من هذا البلد فهي طالق، يتكرر الطلاق بتكرر النساء من ذلك البلد، وأن القائل: كل امرأة أتزوجها فهي على كظهر أُمِّي أن الكفارة لا اتتكرر عليه، وأنه بزواج امرأة تتحلُّ يمينه مع تصريحه بالعموم في الصورتين الخ.
(٣) اختصر البقوري هنا المسألة الثامنة عند القرافي، فلم يذكرها ولم يتعرض لها مثلما اختصر المسألة الخامسة والسادسة، وهذه المسألة الثامنة المختصرة، ذكر فيها الإمام القرافي ﵀ أن الشرط ينقسم إلى ما لا يقع إلا دفعة واحدة كالنية، والى مالا يقع إلا متدرجا كالحول وقراءة السورة، وإلى ما يقبل الأمرين كإعطاء عشرة دراهم الخ. ثم أورد كلام الإمام فخر الدين الرازي في كتابه المحصول عن هذا الموضوع. (*) سورة الكهف: الآية: ٢٣
[ ١ / ٨٧ ]
هنا حرفُ تَعْليق، فإن إن الشرطية ليست هنا، وانما هي أن النَّاصبةُ بعْدَ حرفِ الاستثناء.
وبَيَانُه أن نقول أولا: الاستثناء من الأحْوال، (٧٨)، والتقديرُ: ولا تقولَن لشيء إني فاعل ذلك غدا في حالةٍ من الحالات إلا معلِّقا بأن يشَاءَ الله، ثم حذفتَ معلّقا والباءَ من أنْ، وهي تُحذف معها كثيرا فيَكونُ النهى المتقدِّمُ مع الَّا المتأخِرة قد حصر (٧٩) القول في هذه الحالة دون سائر الاحوال فتختص، وترْكُ المحرّم واجبٌ، وليس بذلك شيء يترك به الحرامُ إلا هذه الحالُ، فتكون واجبة، فهذا مُدْرَكُ الوجوب.
وأمَّا مُدْرَكُ التَّعْليق، فهوَ .. قوْلِنا. معلَّقا، فإنه يدل على أنه تعلق في تلك الحال، كما إذا قال له: لا تخرُجْ إلا ضاحِكا، فإنه يفيدُ الأمر بالضحك حالةَ الخروج. وانتظمَ معلقا معَ إن بالباءِ المحذوفة، واتَّجَهَ الأمر بالتعليقِ على المشيئة من هذه الصيغة عند الوعد بالافعال (٨٠).
"فرع"
من هذا التقدير: لو قال: علَّقت طلاقَكِ على دخول الدارِ طُلِّقتْ بدخول الدار، بمنزلة ما إذا قال: أنتِ طالق إن دخلت الدار. ولو قال لها: جعلتُ دخول الدار سببًا لطلاقك لم تطلق بدخول الدار، إلا أن يُريدَ بالجعْل االتعليقَ، وهذا مِن حيثُ إن الشرع خَوَّلَ لَهُ التعليق، لَا نَصْبَ الأسْبَابِ.
_________________
(١) عبارة القرافي هنا أوضح حيث قال: "والجواب أن تقول: هذا استثناء من الاحوال، والمستثنى منه حالة من الأحوال، وهي محذوفة قبل أن الناصبة وعاملة في الخ .. إلى آخر ما عند القرافي وذكره البقوري. وقد علق الشيخ ابن الشاط على هذه المسألة بقوله: ما قاله القرافي فيها من لزوم تقدير محذوف، به يصح المعنى المراد، صحيح، وما قاله في الفرع كذلك. اهـ.
(٢) في نسخة ع: حصرت بتاء التأنيث والصواب حذفها.
(٣) زاد القرافي هنا قوله: "فافهم ذلك فإنه من المواضع العسيرة الفهم والتقدير)
[ ١ / ٨٨ ]
المسألة السابعة (٨١)
قد يُذكَرُ الشرط للتعليق، كقولنا: إن دخلتِ الدار فأنت طالق، وقد يكون مذكورًا بدون التعليق، كقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٨٢).
وضابطُهُ أمرانِ: المنامبَبةُ، وعدمُ انتفاء المشروط عند انتفائه. فيُعلَمُ أنهُ ليسَ بشرط.
المسألة الثامنة:
قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْل﴾ (٨٣).
قال جماعة من العلماء: الوقف عند قوله: "لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ"، يبدأ بالشرط، ويكون جوابه. ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ﴾ دون ما قبله. وهذا لأن الله تعالى حكمَ بَتَفْضِيلهِن مطلَقًا على النِّساءِ من غير شرط، وهو أبلغُ في مَدحِهِنَّ.
_________________
(١) هي المسألة العاشر عند القرافي في الكلام على الفرق الرابع بين إن ولو الشرطيتين. وعبارته في أول هذه المسألة هي قوله: "قد يذكر الشرط للتعليل دون التعليق. وضابطه أمرن الخ.
(٢) كما في الآية المذكوة، فالشكر واجب مع العبادة وعدمها، ومعنى الآية أنكم موصوفون بصفة تحث على الشكر وتبعث عليه، وهي العبادة والتذلل، فافعلوه فإنه متيسر لوجود سببه عندكم، ومنه قوله - ﷺ -: "من كان يومن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه". وقد علق الفقيه ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة بقوله: ما قاله في هذه المسألة صحيح.
(٣) سورة الأحزاب: الآية ٣٢. وقد علقَ الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه الآية فقال: ما ذكره من الوقف عند قوله تعالى: "لستُنَّ كأحد من النِّساء" محتمل وليس بلازم، ويحتمل أن يكون المراد تفضيلهن بشرط التقوى، ويكون ما بعد ذلك ارشادا إلى ما كان إليهم من فضل التقوى، وهو الأسبق إلى الفهم. وما ذكرَهُ من أن ما اختاره أهل البيان والتفسر أبلغُ في مدحهنَّ صحيح لَوْ أن الآية وردت للمدح، لكنها لم تَرِدْ لذلك، والله أعلم.
[ ١ / ٨٩ ]
المسألة التاسعة
تقرر لنا أن ما دخل عليه الشرط مستقبَل، وأن الجواب كذلك يكون، فإن الماضيَ لا يترتب على المستقبَل، ولكِنه يشكل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٨٤).
والجواب أن الجواب محذوف. وقوله: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ تسليةٌ لتكذيبه، وأقِيم مقام الجواب، لَا أنه هو الجواب.