نقرر فيها الفرق بين المعاني الفعلية والمعاني الحُكْمية فنقول أولا:
المراد بالمعنى الفِعْلي ما وُجُوده في زمان وجوده دون زَمان عدَمه كالإِيمان والإِخلاص حال حضور ذلك بالقلب لا حالَ غفلةِ القلب عنهُما.
والحُكْمي حكم صاحب الشرع على فاعله بأنه من أهل ذلك الوصفِ دائما حتى بلابِس ضدّه وإن غفل عنه. فالمعنى الفعلي موجود للكافر حال كفْره، والحكمى بحسَبه هُو له في الدار الآخر، فإنه بعْد الموتِ لا يصحُّ الكفر الفِعلي إذا أيقن بالحق في الدَّار الآخرة، ولكنَّه له الحكمي، وكذلك له الحكى في الدنيا حال غفلته عن ذلك وعن ضِده، وكذلك النية في أوّل الصلاة هي معنى فعليٌّ، لأنها - حينئذ موجودة بالفعل، وفي أثناء الصلاة إذا غفل عنها هي موجودة حكمًا، والحُكْميات على هذا فرعٌ للفعليات.
قال: وهنَا خمسُ مَسَائل:
المسألة الأولى، مَن ذَهب عقْله عند الموت حتَّى لم ينطِق بالشهادة حينئذ ولا يعقِلُ مقتضى ذلك، هو مؤمن حكْما إن كَانَ سبَق إليه الإِيمانُ الفِعلي ولم
_________________
(١) هي موضوع الفرق الرابع والثلاثين بين قاعدة المعاني الفعلية، والمعاني الحكمية. جـ ١. ص ٢٠٠. قال في أوله القرافي ﵀! وتحريره أنه ما من معنى مأمور به في الشريعة ولا مَنْهيّ عنه إلا وهو منقسم إلى فعلي وحُكمي ثم أخذ في تبيين كل منهما كما أوردهُ البقوري ﵀. وعلق الفقيه ابن الشاط على هذا الفرق عند القرافي بقوله: ما قاله فيه صحيح.
[ ١ / ٣٣٢ ]
يلحقه نقيضه إلى تلك الحالة، (٥٣) وكذلك من كان به الكفر الفعلي ولم يلحقه
نقيضه فمات غائبا عن ذلك، فهو على الكفر حكمًا.
المسألة الثانية، إذا سَها عن السجدة في الأولى والركوع في الثانية، فلا يضاف سجود الثانية لركوع الأولى إلا أن يقصد ذلك، ولا تكفيه النية الفعلية المقارنة لأول الصلاة، بسبب أن النية الحكمية فرعُ الفعلية، ولم تكن الْفِعليةُ متناولَةً (٥٤) للصلاة المرقَّعة، فلا تكون النية الحكمية التي هي تابعة لها متناولة لها (٥٥)، والصلاة لابد فيها من النية، فلابد من تجديد النية في هذه القضية، وإلا لم يجْز ذلك.
المسألة الثالثة، إذا نسي سجدة من الأولى ثم ذكر في آخر صلاته فإنه يقوم إلى ركعة خامسة يجعلها عوض الأولى، ولابد لهذه الركعة من نية سجدة، لما قلناه في المسألة قبل هذه حَرْفًا بحرفٍ.
المسألة الرابعة، قال مالك في المدونة: إن بقيتْ رجْلاه من وضوئه فَخَاض بهما نهْرا فدلكهما فيه بيده ولم ينْو بهِ تمامَ وضوئه لم يُجْزِه حتى ينويَه.
قال شهاب الدين: وسببُ ذلك أن النية الفعلية الأولى لم تتناول إلا الوضوء العادي، وليس غسل الرجلين على تلك الحالة من العادة المعلومة في الوضوء، فإذا لم تكن النية الفعلية فالحكمية التي هي فرع لها يجب أن تكون منْتفِية كما مر فيما تقدم.
_________________
(١) عبارة الإِمام القرافي في أول هذه المسألة وافية، وهي قوله: ومن خرس لسانه عند الموت، وذَهب عقلُه فلم ينطِق بالشهادة عند الموت ولا أحضَر الإِيمانَ بقلبه ومات على تلك الحال مات مؤمنا، ولا يضر عدمُ الإيمان الفعلي عند الموت .. " الخ. وهذا من فضل الله ورحمته بعباده المؤمنين
(٢) في نسخة ح: مشاركة، والصواب الأولى، وهي ما يؤخذ من عبارة القرافي هنا بقوله: "والنية الفعلية الأولى إنما تناولتْ الفعْل الشرعي لا بوصف كونه موقعا، بل على مجاري العادة في الأكْثَرِ".
(٣) في النسختين ع. وح. عدم الإِتيان بخبر الفعل الناقص تكون، ولعل المؤلف اعتبرها تامة تكتفي بالمرفوع على أنه فاعل، وحينئذ فمعناها توجد (بالبناء المجهول، كما هو شأن تفسير كان الناقصة بالفعل الماضى (وجد) مبنيا للمجهول، أو لعل ذلك سهو من الناسخ، فيكون الخبر مستفادا من الجملة الأولى قبل هذه، وكذلك من كلام القرافي في المسألة، فليتأمل.
[ ١ / ٣٣٣ ]
المسألة الخامسة، رَفْض النية في أثناء العبادة، فيه قولان، هَلْ يُؤثر أمْ لا؟ فإن قلنا بعدم التأثير فلا كلام، وإن قلنا: يؤثر، (٥٦) فوجْهُهُ أن هذه النية التي حصل بها الرفع وهي العَزْم على ترْك العبادة، لو قارنتْ النية الفعلية الكائنة أول العبادة لضادّتْها، فكذلك الحُكميةُ هي مضادَّة لها. (٥٧)