في تقرير أن النَّهْيَ يدل على الفساد أم لا؟ فأقول:
قال ابن حنبل باقتضاء النهي للفساد مطلقا، كان النهي في نفس الماهية أو في أمر خارج عنها. وقال ابو حنيفة بالفرق بين أن يكون النهي في نفس الماهية فإنه يقتضى الفساد، أو في أمر خارج عنها فلا يقتضي الفساد، حتى قال في عُقود الرّبا: تثبُتُ ولا تُفسَخ، ولكِنَّهُ يَرُد الزائد في مِثل ما إذا باع دِرهما بدرهمين، يُقَرُّ المِلْكُ في درهم، ويُرَد الدرهم الزائد. ومالكٌ والشافعي يقولان بالبطلان في مسائل إذا كان النهيُ في أمر خارج، ويقولان بالصحة في مسائل كذلك.
ولْنُبَيِّنْ - أولا - المراد بالنهي في نفس الماهية، وبالنهي في أمر خارج، فنقول:
إن أركان العقد في البيع - مثلا - أربعة: عِوضانِ، ومُتَعاقِدان، فمتى سَلِمت الأركان الاربعة مقد وُجدت الماهية المعتبرةُ شرعًا، سالمةً عن النهي. فالنهيُ
_________________
(١) عقّب ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه القواعد الست المندرجة في هذه القاعدة التي هى موضوع الفرق التاسع والستين، بدءًا من القاعدة الخامسة إلى العاشرة فقال: ما قاله فيها صحيح، غير ما يُشعِرُ كلامُهُ من متعلق الحكم بالكلي فإنه ليس بصحيح على ما تقرر مرارًا، بل الصحيح تعلق الحكم بفرد غير معين مما فيه المعيَّن المشترك، فإن عَنَى ذلك فمراده صحيح.
(٢) هى موضوع الفرق السبعين بين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في نفس الماهية وبين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في أمر خارج عنها. جـ ٢ من الفروق، صـ ٨٢. ماهية الشئ حقيقتُهُ الذاتية وعناصرهُ الأساسية البيت ى يتركب منها، بحيث إذا فقد واحدٌ منها انعدمت حقيقة الشئ في وجودها الكامل. كما إذا قيل في تعريف الانسان وماهيته: هو الحيوان الناطق.
[ ١ / ١٦٠ ]
إنما تعلق حينئذ بأمر خارج عنها، ومتى انحزم واحدٌ منها فقد انعدَمت الماهية، لأن الماهية المركبة تعدم (٩٨) لعدم جزء منها، كما تُعْدَم لجميع أجزائها.
ومثال الماهية المعدومة كأن يبيعٍ سفيهٌ من سفيهٍ خمرًا بخنزير، فالأجزاء كلها فاسدة، واذا باع رشيدٌ من رشيد ثوْبًا بخنزير، فالماهية - ايضا - معدومة لعدم كن واحد منها، ولاخفاء بمثال الاثنين الباقيين (٩٩)
وأما ما كان سالم اليمن، فكأنْ يبيعَ رشيد من رشيد فضة بفضة، فإذا كانت إحدى الفضتين أكثر - فالكثرةُ وصف حصل لأحد العوَضيْن، والوصفُ متعلَّق النهي دون المَاهيةِ، فهذا هو معنى كون النهي في الماهيةِ أو في الخارج.
فأبو حنيفة فرق، ووَجْهُ تفريقه أنه يقول:
لو قلنا بالفساد مطلقا لسوَّيْنَا بين الماهية المتضمنة للفساد وبين السالمة عن الفساد، ولو قلنا بالصحة مطلقا لسَوَّيْنا بين الماهية السالمة في ذاتها وصفاتها وبين المتضمنة للفساد في صفاتِها، وذلك غير جائز، فإن التسوية بيْن مَواطِن الفساد وبَيْنَ السالم عن الفساد خلاف القواعد، فتعين - حينئذ - أن يقَابَلَ الأصل بالاصل، والوصف بالوصف، فنقول:
أصل الماهية سالِم عن النهي، والأصل في تصرفات المسلمين وعقودهم الصِّحةُ حتى يرِدَ نهْى، فيثبت لأصل الماهية الأصلُ الذى هو الصحّة، ويثبتَ
_________________
(١) تُعدَم، هكذا في النسختين ع، ح، وكذا في كتاب الفروق، وكان مقتضى الجملة قبله وسياقها أن يقال: تنعدم، وكلنا هما صحيحة وسليمة المعبارة والمعنى.
(٢) كأن يبيع رشيد من سفيه، ثولا بنقد، أو يبيع رشيد من سفيه خمرا بعرض ونحوه. فليتامل.
[ ١ / ١٦١ ]
للوصف الذى هو الزيادة المتضمنة للمفْسَدة الوصف العارضُ وهو النهي، فيفسُد الوصف دون الأول وهُو المطلوب، وهذا فقه حسن. (١٠٠)
واحتج أحمد بن حنبل - ﵁ - بأن النهي يعتمد المفاسد، فمتى وَرَدَ نهْيٌ أبطلنا ذلك العَقْد وذلك التصرف بجملته، فإن ذلك العقد إنما اقتضى تلك الماهية بذلك الوصف، أمّا بدونها فلم يتعرض له المتعاقدان بشئ، فبقي على الاصل غير معقود عليه، فيُرَدُّ من يد فابِضِه بغير عقد، وأطلق أحمد في هذا فأبطل الوضوء بالماء المغصوب، والذبحَ بالسكين المسْروق، لما قلناه، وأما نحن مع الشافعي فتوسطا بين المذهبين، فقلنا بالفساد لأجْل النهي عن الوصف في مسائل دون مسائل.
ولنذكر من ذلك ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: الصلاة في الدار المغصوبة، قلنا نحنُ والشافعيةُ والحنفية بصحتها، وقال الحنابلة ببطلانها. فنحن نلاحظ أن متعلّق الامر قد وُجد فيها بكماله مع متعلَّق النهي، فالصلاة من حيث هي صلاة، حاصلةٌ، غيرَ أن المصلى
_________________
(١) علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي من أول هذا الفرق إلى قوله: "وهذا فقه حسن" بقوله: ما قاله القرافي حكاية مذهب وتقريره، وذلك صحيح، غير ما قاله من أن الماهية المركَّبة كما تُعدم لِعدم كل اجزائها تُعدم لعدم بعض أجزائها، فإن ذلك ليس بصحيح، فإنه إذا عُدم بعض الأجزاء لم تتركب تلك الماهية، فلا يكون ذلك الجزء المعدوم جزءًا منها الا بالتوهم، وبتقدير أن يكون جزأ في غير هذا الفرض، أما في هذا فلا، وغَيْرَ ما قاله من أن ذلك الذى قرره عن أبي حنيفة فقه حسن، فإن لقائل أن يقول: ليس الأمر كذلك، فإن الوصف إذا نُهىَ عنه سَرَى النهْي إلى الموصوف، لأن الوصف لا وجود له مفارقا للموصوف، فيؤول الآمر إلى أن النهي يتسلط على الماهية الموصوفة بذلك الوصف، فتكون الماهية على ضربين: عار عن ذلك الوصف فلا يتسلط النهي عليه، ومتّصفٍ بذلك الوصف فتَسَلّط النهي عليه. اهـ فليتأمَّل هذا التعقيب للفقيه ابن الشاط فإنه كلام دقيق وجليل، وهام ونفيس في التحقيق.
[ ١ / ١٦٢ ]
جَنى على حق صاحب الدار، فالنهي متعلقٌ بالمجاور، والحنابلة مشَوْا على أصلهم في التسوية بين الأصل والوصف. (١٠١)
قلت: ذكر شهاب الدين رحمه لله الفرق الثالث والمائة وهو مسألة من مسائل هذه القاعدة، فالأولى أن نذكر ما في ذلك من مسألةٍ فنَقول:
إن صيام يوم النحر، قيل فيه: لا ينعقِد قُرْبَةً، والصلاة في الدار المغصوبة، قبل فيها: تنعقد قُرْبةً، فما الفرق؟
فالجواب أن الصلاة في الدار المغصوبة، النهى فيها متعلِّق بالصِفة لا بالموصوف، والنهْي الواقع في يوم النحرِ متعلق بالموصوف لا بالصِفة، فكان هذا الفرق صحيحًا على مذهب من يُفرِّق لا على مذهب ابن حنبل، والله اعلم. (١٠٢).
المسألة الثانية:
غَاصب الخُفِّ إذا مسح عليه، عندنا صَحَّتْ طهارته، ومسألته كمسألة في الدار المغصوبة سواء بسواء، وبهذه القاعدة يظهر الفرق بين هذا الفرع
_________________
(١) في نسخة ح: ذكر شهاب الدين في الفرق الثالث والمائة .. وما في نسخة ع أظهر وأسلم، لأنه ينص على المذكور وهو الفرق الذى هو مفعول به، بيما في الفرق هكذا بحرف الجر، يبقى منصوب الفعل غير مذكور وتَمَامُ المعنى متوقف عليه وإن كان فضلةكما هو معروف في القواعد، على حد قوله تعالى: "وما خلقنا السماوات والارض وما بينهما لاعبين" فكلمة لاعبين حال، فالحال وصف فضْلة منتصبُ، مُفْهم في حال، لكن المعنى في الآية متوقف عليه، فهو روحه فيها. فإن خلق الكون كله، وخلْق الكائنات الحية والمخلوقات العاقلة المكرمة لأمر اقتضته الحكمة الالاهية البالغة، ومنه قوله تعالى: "وما خلقت الجن والانس الا ليعبُدُونِ". وقوله سبحانه، وما خلقنا السموات والارض وما بينهما الا بالحق، وموضوع هذا الفرق عند القرافي هو الفرق بين قاعدة الصلواتِ في الدُّور المغصوبة تنعقد قُربةً، بِخلاف الصيام في أيام الاعياد والجُمع فهى عنه. جـ ٢، ص ١١٨.
(٢) قال ابن الشاط هنا معلقا على كلام القرافي فيها: لم يزد على حكاية المذاهب ومستَندها، ولا كلام في ذلك.
[ ١ / ١٦٣ ]
وبين المُحرِم إذا مَسَحَ على الخُّفِ، فإن المُحرِمَ مخاطَب في طهارته بالغسل ولم يأتِ به، فلم تَحْصُلْ حقيقةُ المامُور به، وغاصب الخف أتى بحقيقةِ المأمور به، ولكنه جنَى على صاحب الخف. (١٠٣)
المسألة الثالثة: الذي يصلي في ثوب مغصوب، أو يتوضأ بماءٍ مغصوب، أو يَحجُّ بمالٍ حرام، كل هذه المسائل عندنا في الصحة سواء، خلافًا لأحمد ﵁. ووجْهُ ما قلناهُ أن المأمور به قد وُجد، والعِلَّةُ في المجاور.
فإن قيل: لا نسلمُ أن المأمور به حاصل في الطهارة والسُّتْرة، فإن ذلك الماء معدوم شرعا، وكذلك الثوب المغصوب، (للسترة)، والعدوم شرعًا كالمعدوم حِسا، ولا نقول هذا في نفقة الحج، فإنها خارجة عن أركان الحج، بل نفقة الطريق تحفظ حياة المسافر (١٠٤)، بخلاف المحرَّم في الصورتيْن، صُرِف فيما هو شرط، فكان الشرطُ مِعدوما.
قلت: نمنع أن الله تعالى أمر بالسترة واشترط فيها أن تكون الأداة مباحة، وكذلك نمنع أنه أمر بالطهارة واشترط في الأداة لها أن تكون مبَاحة، بل حرِّم الغضب مطلقا، وأوجَبَ الطهارة مطلقا، ولم يقيد أصلا، فكما يتحقق (١٠٥) الغصبُ وإن قارَنَ مامورا، يتحقَّقُ (١٠٦) المامورُ وإن قارن مُحَرّمًا.
فإن قلت: فما الفرق بين هذه المسائل وبين مسائل الربا؟ ولِمَ لا وافقتَ الحنفية في تصحيح العقد فيها، كما صححتَ العبادة مع ثبوت النهي في الوصف
_________________
(١) قال ابن الشاط في أوّل هذه المسألة: ما قاله القرافي في ذلك صحيح إلى منتهى المسألة.
(٢) عبارة القرافي ﵀: "ولا يمكن أن أقُولَ ذلك في الحج، فإن النفقة لا تعلق لها بالحج، لأنها ليست كنا ولا صُرِفَتْ في ركن، بل نفقة الطريق لحفظ حياة المسافر، بخلاف المحرَّم هنا طرف فيما هو شرط، فكان الشرط معدوما.
(٣) في نسخة ح: فكما تحقَّق (هكذا بصيغة الماضى).
(٤) في نسخة ح: تحقق المامور (كذلك بصيفة الماضى)، ولعل التعبير بالمضارع الذي يقتضى التجدد في كل واقعة مماثلة أظهر، والله أعلم.
[ ١ / ١٦٤ ]
دون الأصل في الجميع، فالحنفية طردت أصلَها (١٠٧) دون المالكية والشافعية؟ .
قلت: المستند في ذلك أن ظك الحقائق متعلَّقات الرضى، والرضى لم يحصل إلا بمقابلة الواحد بالاثنين، فلو صححت العقد في البعض، لنقلتَ مِلْك البائع بغير رضاه، ورسول لله - ﷺ - يقول: "لا يحِلُّ مال امرئ مسلم الَّا بطيبِ نفسه، وهذا لم تَطِبْ نفْسُهُ إلا بما يتعلقُّ العقدُ به، والصُّوَرُ الأخَرُ ليس فيها هذا، فوقع الفرقُ.