تنقسم باعتبار محلها إلى ثلاثة أقسام: دنيوية، وأخروية، وفيهما معًا.
فالدنيوية كنيل الملذات المباحة فيها، والأخروية كفعل سائر التعبدات التي يكون معها تعب، كالصلاة والصيام والطهارة. والذي هو فيهما معا كالصدقة، فإنها باعتبار الآخذ من الدنيا، وباعتبار المعطي من الأخرى.
وتنقسم باعتبار رتبها الأوائل إلى ثلاثة أقسام:
ضرورى، وحاجي، وتكميلي، وهذا التقسيم يكون بحسب مصالح الدنيا، بحسب مصالح الآخرة. فالضروري من الأخروي: فعل الواجبات، وترك المحرمات،
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٥.
(٢) و(٨) سورة الأعراف: الآيتان: ٣١ و٣٢.
(٣) في نسخة ع: عارضت مصلحة آخروية بمصلحة دنيوية، وفي نسخة ح: إذا عارضت مصلحة أخروية لصلحة دنيوية، وكلتاهما غير سليمة من الوجهة اللغوية، والصواب كما تقتضيه اللغة أن يقال: عرضت مصلحة أخروية لمصلحة دنيوية. واستعمال الفعل الثلاثي أظهر وأنسب. فلعل الخطأ من الناسخ، وهو غير مذكور الاسم في كلتا النسختين المعتمدتين عندي في التحقيق والمقابلة والتصحيح لهذا الكتاب.
[ ١ / ٤١ ]
والحاجي هو السنن المؤكدات، والشعائر الظاهرات، والتكميلي ما عدا الشعائر من المندوبات. والضروريات الدنيوية، كالمآكل والمشارب والملابس والمناكح. والتكميلي كأكل الطيبات وشرب اللذيذات وما ناسب هذا في سائر المنافع. والحاجي منها ما توسط بين التكميلات والضروريات.
وظهر من هذا أن مصالح الايجاب أفضل من مصالح الندب، ومصالح الندب أفضل من مصالح الإِباحة، لأن مصالح الوجوب والندب مصالح أخروية، ومصالح الإِباحة مصالح دنيوية. وأن الصالح الأخروية تتفاوت كتفاوت الوجوب والندب، واختلافها بالوجوب والندب ليس بحسب اختلاف رتبها الثواني (١٠).
ولا شك أن الصالح تنقسم إلى الحسن والأحسن، والفاضل والأفضل،
كما تنقسم المفاسد إلى القبيح والأقبح، والرذيل والأرذل، ولكل واحد منها رتب عاليات ودانيات ومتوسطات، فكما انه لا نسبة لمصلحة الدنيا بحسب مصلحة الأُخرى، كذلك مصلحة الوجوب أفضل وأشرف من مصلحة الندب، بل الندب يتفاوت، كما هو الأمر في السنن المؤكدة وفي المستحبات وما بين ذلك، وكذلك الأمر في التحريم مع الكراهة.
وتنقسم مصالح الدنيا ومفاسدها الى مقطوع ومظنون وموهوم.
تنقسم بحسب ما تُعْرفُ به إلى شرع وعادة. فمصالح الآخرة لا تُعرَفُ إلا بالشرع، ومصالح الدنيا تعرف بالتجربة والعادة.
وتنقسم المصالح الشرعية بحسب ما تُبنى عليه الى أربعة أقسام:
_________________
(١) في نسخة ح، وبعض النسخ الاخرى: التوالي باللام، فالأولى نسبة الى الرتبة الثانية بعد الآولى، والنسخة الثانية من التوالي بمعنى التتابع، حيث تكون مرتبة الوجوب في المصلحة في المرتبة الأولى ومرتبة الندب في المرتبة التي تليها وهي أعم من أن تكون مرتبة ثانية وثالثة. وهكذا يظهر توجيه الكلمتين، والله أعلم.
[ ١ / ٤٢ ]
إلى مبني على عرفان، والى مبني على اعتقاد، وذلك في حق العوام. وإلى مبني على ظن وحسبان لا على عرفانٍ (١١). وإلى مبني على الشكوك والاوهام. ومعظم الورع مبني على الأوهام، وأكثر الامور العملية على الظن، والامور الاعتقادية على عرفان بحسب العلماء المجتهدين، وأما بحسب العوام فلا.
وتنقسم المصالح والمفاسد باعتبار آخر الى مصلحة لا مفسدة معها فلا يكون هذا إلا واجبا او مندوبا او مباحا، والى مصلحة، معها مفسدة فيقع النظر فيما بينهما، وسياتي حكم ذلك في فصل اخر.
والمفسدة كذلك إلى مفسدة لا مصلحة معها، ولا يكون هذا إلا حراما أو مكروها، والى مفسدة معها مصلحة، وسياتي النظر في ذلك الترتيب.
وتنقسم أيضًا بحسب ما تتعلق به:
فمنها ما يتعلق بالقلوب، ومنها ما يتعلق بالحواس، ومنها بالأعضاء، والأبدان، ومنها بالأموال، ومنها بالزمان والمكان، وغير ذلك.
وتنقسم أيضًا المصالح والمفاسد بحسب أسبابها.
فأسباب المصالح الأخروية: العرفان والطاعة والإِيمان، وأسباب مفاسدها الكفر والفسوق والعصيان. وأمثلة المفاسد لا تخفى على من وقف على ما ذكرنا من أمثلة المصالح، إذ هي أضدادها.