نقرر فيها الانتقال من الحرمة إلى الإِباحة أنه يشترط فيه أعلى الرتب من الأسباب، بخلاف الانتِقال من الإِباحة إلى الحرمة فإنه يُشترط فيه أيْسَرُ الاسباب.
قال شهاب الدين ﵀:
وقعتْ في الشريعة صور كثيرة تقتضِي ما قلناه في القسمين معًا.
فهذه الأجنبية مباح العقدُ عليها، وهذه الاباحة تندفع بعقْد الأب عليها من غير وطْء، وهذا أيْسر شئ والمبتوتة (المطلقة ثلاثا) لا يذهب تحريمها إلا بعقد المحلِّل ووَطئه، وعقد الأب (١٥٦) بعد العدَّة. وهذه رتَبٌ (١٥٧) - قلت - ما تندفع إلا بعقد الأبِ ورضى الزوجة، ووجود صداق مع عقد الزوج، كما إذا كانت محرَّمة الوطء، فهذا التحريمُ يَندفع بما اندَفَعَتْ بهِ الْإباحَةُ لَا زَائِدَ عليها.
قال شهاب الدين ﵀:
وثانيها: المسلم محرَّم الدّم، لا تذهبُ عنه الحِرمة إلَّا بالردة أو زنىً بعد
_________________
(١) هو موضوع الفرق الحادي والثلاثين والمائة بين قاعدة الانتقال من الحرمة إلى الإباحة يُشْتَرَط فيها أعلى الرتب وبين قاعدة الانتقال من الإباحة إلى الحرمة يكفى فيها ايْسَرُ الأسباب جـ ٣. ص ٧٣.
(٢) كذا في ثلاث نسخ من كتاب ترتيب الفروق للبقورى. والذى عند القرافي في هذا الفرق: "وعقد الأول بعد العدة". ولعل لكل واحدة من الكلمتين وجها تحمل عليه، وذلك بأن تحمل كلمة الأب في العباز على ما، في هذا الترتيب على معنى أن يتولى الأب لها عقد الزواج باعتباره وليا ولو كانت ثيبا رشيدة، حيث الولي ركن من اركان عقد الزواج عملا بحديث أصحاب السنن: . "لا نكاح الابوالي"، وبما عليه إلمسلمون سلَفا وخلفا من عملهم بذلك، وتحمل كلمة الأول في هذه العبارة عند القرافي على معنى أن يعقد عليها الأول المطلق لها ثلاثا بعد ان تزوجها الثاني وتوفي عنها أو طلقها وانتهت عدتها من الوفاة او الطلاق، فحينئذ يباح له ان يتزوج بها من جديد، لقول الله تعالى: "فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره" فليتأمل ورود الكلمتين، والمرادُ بِهِمَا والأنسَبُ منهما.
(٣) وعبارة القرافي هنا، وهذه رتبة (بالإِفراد) فوق تلك الرتبة الناقلة عن الإباحة بكثير" وهي تزيد عبارة البقورى وضوحا وبيانا.
[ ١ / ١٨٨ ]
إحصانٍ، أو قتل نفْسٍ عَمدًا عُدْوانا، وهي أسباب عظيمة، فاذا أبِيحَ دمُهُ بالرِدة حُرم بالتوبة، وفي القصاص بالعفْو، والتوبة أيْسر من الردة والقتْلِ.
قلت: بل التوبة أصعَب، أما من القتل فظاهِر، لأن القتْلَ فعْل جسماني يثيرُه غضب، والتوبة فعل قلبى يثيره معرفة الحق، والتوفيقُ إلى الحق بما عرف، وشتَّان بين الأمور القلبية والأفعال الجسمانية، فكيف إن زدْنا في النظر إلى الأسباب. وأمَّا أن الردة أيْسَرُ من التوبة فَلأِن الردة يثيرها الجهل، والتوبة تُثيرها المعرفة، والجهل أصل في الإنسان، والمعرفة ثانية.
قال شهاب الدين ﵀:
وثالثها الأجنبية لا يزول (١٥٨) تحريم وطئها إلا بالعقد المتوقف على إذنها ووليها، وصداق، وشهود، وإباحتها (١٥٩) بعد العقد يكفى فيها الطلاق فترتفع تلك الإِباحة بالطلاق. (١٦٠)
قلت: يُعَارَضُ بأن يقال: الأجنبية لا تزول إباحة العقد عليها لزيد إلا
_________________
(١) كذا في نسخة ح، وكتاب الفروق، وفي نسخة ع: لا يُزيل بالفعل الرباعى، وهو يستلزم ويقتضى أن تكون كلمة العقد مرفوعة على أنها فاعل به، بينما الكلمة مجرورة بحرف الجر، مما يتناسب الفعل يزول، أما المعنى فلا يكاد يختلف بينهما في شئ على ما يظهر،
(٢) كذا في نسختى ع، وح، وكتاب الفروق للقرافي، (وإباحتها بعد العقد). وفي نسخة ثالثة من هذا الترتيب للبقورى: (وتحريمها بعد العقد). ولعل لكل كلمة وجها في المقصود والمعنى، فكَلمة إباحتها تعْنى إباحتها له بعد عقده عليها عقدا مستوفيا للشروط الشرعية المطلوبة فيه، يكفى في رفعها الطلاق الذي يستقل به الزوج، كلمة تحربمها تعنى تحريمها على نفسه بالطلاق بعد الإباحة لها بالعقد، فترتفع الإِباحة بالنسبة له. والله أعلم.
(٣) الطلاق أمر يستقل به الزوج كما جاء عند القرافي في وصفه للطلاق في هذه العبارة.
[ ١ / ١٨٩ ]
بِعقدٍ عمرو (١٦١) عليها متوقف على إذنها ووليها وصدَاق، وهذه هي الصورة التى اعترضْنا بها أولا، فلَا اطراد. (١٦٢)
قال ﵀: ورابعها، الحربي مستباح الدَّم، تزول إباحته بالتأمين، وهو سبب لطيف. وإذ حرم دمه بالتامين لا يباحُ إلا بسبب قوي يزيل تلك الإِباحة من خروج علينا او ما أشبهه.
قلت: يمنع الخصم له تفاوتَ السببيْن، بل يعكس الأمر عليه، ثم قال (أي القرافي).: ونظائر هذه القاعدة في الشريعة كثيرة.
قلت: قد ظهر بما قلناه أن القاعدة لم تقرَّر بما ذكره، بل لو سلِمتْ له الصور من الاعتراض ما كانت هذه الصور لقلتها يكتهى فيها بتقرير هذه القاعدة، لا سيما مع ما أبديناه فيها، والله إعلم.
ثم قال شهاب الدين ﵀:
وقد رام الأصحاب التحنيث بجزء المحلوف عليه على هذه القاعدة، فإن الحنث خروج من الإباحة إلى الحرمة، ويكفى فيه أيْسَرُ سبب، فيحنث بجزء المحلوف عليه إذا حلف لا ياكل هذا الرغيف أكلَ منه لبابةً، لأنه على بر وإباحة
_________________
(١) كلمة عَمرو، موجودة في نسخة ع، وح، ساقطة في نسخة ثالثة، ولعل النسخة التي سقطت منها كلمة عمرو أنسب وأوضح، حتى يصح وصِف النكرة بالنكرة، إذ إضافة عقدٍ إلى عَمرو صيره معرفة بالإضافة، وكلمة متوقفٍ نكرة، والتطابقُ بين الوصف والوصوف في التعريف او التنكير مطلوب، وفي ذلك يقول ابن مالك ﵀ في الفيته، في باب النعت: ولْيُعطَ في التعريف والتنكير ما لما تَلا كامرُر بقوم كُرَمَا.
(٢) قلت: من المقرر شرعا وفقها أن المطلقة طلقة رجعية تعتبَرُ في عصمة زوجها إلى حين انتهاء عدتها، فإذا انتهب عِدتها وبانت بينونة صغرى، فإن من حق زوجها إذا رغب في ذلك أن يسترجعها ويتزوجها من أخرى بعقد جديد مستوف لشروطه الشرعية، ولذلك فإباحة التزوج بها من جديد ثابتة وحاصلة لا يمنع منها إلا تزوج الرأد بزوج آخر بعد انتهاء عدتها من الأول، ولذلك فلعل اعتراض الشيخ البقوري ﵀ غير وارد، وغير ثابت، فيبقى اطراد ما قاله القرافي في مسألة الأجنبية، هذا ما ظهر في المسألة. والله اعلم.
[ ١ / ١٩٠ ]
حتى يحنث، ولا يبرأ إذا كان على حِنث الا بأكْل الجميع إذا حلف لياكلنه، إذ هو خارج من إباحة إلى حرمة.
ثم قال: وهذا التخرج ضَعيفٌ، لأنَّهُم إن ادعَوْا أن القاعدة متفق عليها مُنِعَ لهم من حيث إن صورة النزاع يمنعها الخصم، وهو الشافعى، وإن ادعوا ثبوتها بهذه الصورة فهى قليلة ولو كانت كثيرة، فإن القاعدة الكلية لا تثبتُ بالمُثل الجزئية.
قلت: كلامه هذا يؤْذِنُ بأنه ما ارتضى التقرير الذى قرره أولا، ولكن ما ذكره من أن القاعدة الكلية لا تثْبتُ من حيث جزئيات هذه المسألة هى مثل الاستقراء، والاستقراءُ ليس بدليل في القطعيات، وهو دليل في الظنيات، والمسائل الفقهية ظنية لا قطعية.
ثم قال ﵀: وخرج - أيضا - بعض الأصحاب هذه المسألة على قاعدة الأمر والنهي فقال: إذا حلف ليفعلن فهو كالأمر، أو لَا يفعلُ فهو كالنهي، والنَّهى عن الشيئ نهْى عن أجزائه، فيكون فاعل الجزء مخالفا، وهذه الطريق ايضا ضعيفة، بل الأمر بالعكس، فالأمر بأربع ركعات أمر بكل كعة ركعةٍ، وإيجاب لها إيجابُ المجموع، والنهي عن خمس ركعات في الظهر مثلا ليس نهيا عن أربع ركعات فيها، وإنما الذي أشكل على قائل هذا، الفرق بين الجزء والجزئي. (١٦٣) نعم الأمر بالماهية
_________________
(١) هذه كلمات ذات دلالات ومصطلحات يذكرها علماء الأصول والمنطق ويعرضون لها ويشرحونها بكثير من الإيضاح والتفصيل في كتبهم. فالجزء عندهم هو ما تركب منه ومن غير كُلٍّ، مثل الحيوان، فإنه جزء من حقيقة الانسان، المركبة من الحيوانية والناطقية، حيث يقال في ماهيته وتعريفه: هو الحيوان الناطق (اي المفكر) ويسمَّى ذلك الجزء جزءًا طبيعيًا، وهناك الجزء المادي مثل السقف بالنسبة للبيت المركب منه ومن الأعمدة والجدران. ويقابله الكلُّ، وهو المجموع المركب من الأجزاء، والحكم عليه أى على جملة أفراده، من حيث كونها مجموعة لا يستقل جزء منها بنفسه في تكوين الماهية، ولا بالحكم عليه، كقولنا: كلُّ بني تميم يحملون الصخرة العظيمة، اى مجموعهم وهيشتهم المجتمعة من الأفراد لا كل واحد على حدة.
[ ١ / ١٩١ ]
الكلية كالأمر بالإِعتاق ليس أمرا بإعتاق العبد المعيَّن، والنَّهْي عن الماهية الكلية نهْيٌ عن جزئياتها. (١٦٤)
قلت: ولهذا المعنى يصح الأمر المخيرُ كالكفارة، ولا يصح النهي مع التخيير، وقد مضى تحريرُ هذه القاعدة.
قال شهاب الدين ﵀: وأحسَنُ ما رأيتُ في هذه المسألة طريقة الفرض والبناء، وهي هذه: كان الشيخ أبو عمرو بن الحاجب رحمة الله يقول: هذه المسألة ثلاثة أقسام: المعطوفات، نحو والله لا كلمتُ زيدًا وعمرًا، والجموع والمستثنيات نحو لَا أكلتُ إلا رغيفة أو الرغيفتين، وأسماء الحقيقة الواحد المفردة كالرغيف، فهذه الأقسام الثلاثة، الخلاف فيها واحد، فعند الشافعى لا يَحنَثُ الا بالجميع، وعندنا بالبعض في المسائل الثلاث، فنقول:
أجمعنا على ما إذا قال الحالف: واللهِ لا كلمتُ زيدًا ولا عَمرًا بصيغة لا النافية أنه يحْنث بأحدهما. واتفق النحاة على أن لا إذا أعيدت في اللفظ أنها مؤكده لا منشئة نفيًا، وشأن التأكيد أن تكون الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله وإلا لم يكن مؤكدًا، فوجب التحنيث في هذه الصورة، للاجماع عليه في الصورة التى ظهر فيها حرف لا مؤكدا. فإذا اتضح هذا في هذه الصورة وجَبَ القول بالحنث في الصورتين الأخريين، لأنه لَا قائِل بالفرق، إذ لو ثبت الحنث في بعضها دون
_________________
(١) = أما اللفظ الكلى فهو ما أفهبم الاشتراك بين أفراد بحسب وضعه ودل عليه بمجرد تعلقه وتصوره مثل رجل وامرأة، ويقابله الجزئي، وهو ما دل على معنى مشخص لا يتناول غيره مثل زيد وخالد وعلى مثلا، موضوع لشخص معين.
(٢) علق ابن الشاط على كلام القرافي في هذه المسألة فقال: ما قاله في ذلك ليس بصحيح، فإنه كما أن الأمر با الشئ أمرٌ بأجزائه لضروز تحصيله، ولا يتأتى تحصيله إلا بتحصيل أجزائه، كذلك النهيى عن الشئ نهي عن أجزائه لضرورة تفويته، ولا يتأتي تفويته إلا بتفويت أجزائه، فإن أجزاء الشئ لا تكون أجزاء له حقيقة إلا بتقدير اجتماعها، وأما قبل ابن عها فليست بأجزاء له حقيقة، بل بضرب من المجاز، وهو انها صالحة لأن تكون اجزاء له إذا اجتمعت. كثيرا ما يجري هذا الوهم على كثير من الناس في مثل هذه المسألة، فيعتقد أن جزء الشيء لا يزال جزءًا له في حال اتصاله بالجزء الآخر، وفي حال انفصاله عن الجزء الآخر، ولا يشعر أن الجزء في حال الاتصال بالآخر ليس عيْن الجزء في حال الانفصال من الآخر الخ. اهـ
[ ١ / ١٩٢ ]
بعضِ لزم خلاف الِإجماع، فإن القائل قائلان: قائلٌ بالحِنث في الجميع وهو مالك ومن قال بقوله، وقائل بأنْ لَا حنث في الجميع وهو الشافعي ومن تبِعه، فهذه هى صورة الفرض والبناء. وضابطها أن يكون الانسانُ يُساعده الدليل في بعض صور النزاع دون بعضِها، فيُفرضُ الاستدلال في تلك الصورة التى يساعده الدليل عليها، فإذا تَمَّ له فيها الدليل بَنَى الْباقي على ذلك.
وردَّ شهاب الدين -﵀- هذا أيضا بِسبب أن المُناظِر قائمٌ مقام إمامه المجتهد، فلَهُ - إذا قال خضمُه: لا يحنث عندي في الجميع - أن يقول: يحنث عندي في البعض دون البعض.
نعَم، هذه الطريقةُ تَتِم في المناظرة جدلا بعد تقرير المذاهب، أمَّا والمجتهدُ مُجْتهد (١٦٥) فلا يصح له الاعتماد على ذلك. (١٦٦)