نقرر فيها فرض العين وفرضَ الكفاية، ليتحقق الفرق بينهما بذلك فنقول: الأفعال قسمان: منها ما تَتَكرر مصلحته بتكرره، ومنها ما لا تتكرر مصلحته بتكرره. فالقسم الأول شرعَهُ صاحبُ الشرعٍ على الأعيان تكريرا للمصلحته بتكرر ذلك الفعل. والثاني جعله على الكفاية، نفيًا للعبث في الأفعال، وهذا كإنقاذ غريق إذا بادر لإنقاذه أحد، فنزول غيره بعد ذلك لا مصلحة فيه، والأمرُ به من باب العبَث.
_________________
(١) عبارة القرافي: "والجواب الصحيح عندي أن هذه الأمور الثلاثة: الطهارة والستارة والاستِقبال شروط، فهى من خطاب الوضع، وخطاب الوضع لا يشترط فيه فعل المكلف ولا علمُه ولا إرادتُه، فإن دخل الوقت وهو غير متطهر ولا لابس ولا مستقبلٍ، توجّه التكليف عليه بهذه الامور وتحصيلها، فاجتمع فيها حينئذ خطاب الوضع وَخطاب التكليف، وإن دخل الوقت وهو متطهر لابِسٌ مستقبِل، اندفع خطاب التكليف وبقي خطاب الوضع خاصة، فأجزأته الصلاة لوجود شروطها، وليس من شرط خطاب الوضع أن يجتمع معه خطاب التكليف، ولا يحتاج إلى شئ من تلك التعسفات، بل تُخَرجه على قعدة خطاب الوضع، ولا يلزم منه مخالفة قاعدة، البتَّة.
(٢) وعلق ابن الشاط على كلام القرافي هذا بقوله: "فإذا اجتمع فيها (اى في هذا الامور والاشياء الثلاثة) خطاب الوضع مع خطاب التكليف لزم اشتراط فعل المكلف وعلمِه وارادتِه، ثم قال ابن الشاط: إنه مسَلَّمٌ أنه ليس من شرط خِطاب الوضع اجتماعه مع خطاب التكليف، ولكن الكلام إنما وقع في امور اجتمع فيها الخطابان معا". اهـ
(٣) هي موضوع الفرق الثالث عشر بين قاعدتي فرض الكفاية وفرض العين، وضابط كل واحد منهما وتحقيقه، بحيث لا يلتبِس بغيره" جـ ١، ص ١١٦.
[ ١ / ١٢٦ ]
فإذا تقرر هذا فاعلَمْ أن الكفايةَ والأعيان يُتصَوّران في الواجباتِ وفي المندوبات، كصلاة الظهر، والصلاة على الجنازة، وكالأذان والوِتر.
ولْنَذْكُر هنا مسائل:
المسألة الأولى:
يكفي في سقوط المامور به على الكفاية ظنُّ الفعل لا وقوعُه تحقيقا، حتى لو غَلَبَ على ظن كل طائفة ذلك سقطَ عن الجميع (٢٢).
سؤال: إذا كان الوجوب متَقررًا على الجميع فكيف سقط عمن لم يَفعَلْ، بفعلِ غيره، والعبادةُ البدنية، القاعدة فيها أنه لا يُجْزِئ فيها فِعْلُ أحدٍ عن أحد، فكيف وقعت التسويةُ بين من فَعَلَ ومَنْ لم يفعل؟
جوابه أن سبب السقوط ليس فِعْلَ أحد، بل سَبَبُه انَّهُ ما في فعله - حينئذ - حكمة (٢٣).
قلت: سببُ السبب سببٌ، وفعْلُ الغير سببٌ لئلَّا يبْقَى في فعله حكمة فهو سبب.
والحق أن القاعدة ليسَتْ بحق على الاطلاق.، وسياتي الكلام عليها في موضِعها.
_________________
(١) علق الشيخ ابن الشاط على على ما جاء في هذه المسألة الاولى من هذا الفرق عند القرافي فقال: ما قاله في هذا الفرق صحيح، غير قوله: "يكفي في سقوط المامور به على الكفاية ظن الفعل"، فإنه يحتمل أن يقال: لا يكفي الظن، وغير اطلاقه لفظ السقوط عمن لم يفعل، فإن كان يريد أن الوجوب توجه على الجميع ثم سقط عن البعض، فليس ذلك بصحيح، وان أراد بلفظ السقوط أنه لم يجب عليه وأطلق اللفظ مجازا، فهو صحيح. اهـ كلام ابن الشاط ﵀. فإن قيل: يتعذر القطع، فالجواب لا يتعذر القطع بالشروع في الفعل والتهيؤ والاستعداد. أما بتحصيل الغاية فيتعذر، فها هنا يكفي الظن في المقدمات لا في المبادئ.
(٢) هذا السؤال والجواب عنه هو مما ذكره الامام القرافي في المسألة الثانية من المسائل الاربعة التي ذكرها في الفرق الثالث عشر لتحقيق الفرق بين قاعدتي فرض الكفاية وفرض العين، وضابط كل منهما، ليس من وضع الشيخ البقوري هنا كما قد يتبادر إلى الذهن.
[ ١ / ١٢٧ ]
قال شهاب الدين ﵀:
وأما التسويةُ فما هي الا من حيث السقوط عنهما معا، وأما من حيث الثوابُ فلا، من فعل فله الثوابُ دون من لم يفعل.
المسألة الثانية:
نقل صاحب الطراز (٢٤) أنَّ اللاحِقَ بالمجاهدين بعد أن كان سقط الفرض عنهُ يقع فعلُهُ فَرْضًا بَعْدَ ما لم يكن واجبا عليه (٢٥)، وعلل ذلك بأن مصلحة الوجوب لم تحصل بعدُ، وما وقعت الا بفعل الجميع، فوجبَ أن يكون فعل الجميع واجبا، لأن الوجوب يتبع المصالح.
قلت: فَيَلْزَمُ على هذا ألَّا يسقط فرض الكفاية عنْ أحدٍ إلا بعد وقوع ذلك الفرض، ولذا كان الامر هكذا فقد سقط السؤال حيث قلت: وقع فعْلُه فرضا بعد مَا لم يكن واجبا.
قال شهاب الدين ﵀:
سؤال: هذه المسألةُ نَقْضٌ كبيرٌ على حد الواجب، فإما أن تصح الحدود المذكورة للواجب، المفيدةُ أنَّه لا سبيل إلى تركه ويبطُل هذا الذىْ قَلتم هنا، وإما أن يَصح فتبطل الحدود. (٢٦)
_________________
(١) صاحب الطراز، المراد به مُحِب الدين الشيخ احمد بن عبد الله الطبرى الشافعى المتوفى سنة ٦٩٤ هـ، مؤلف كتاب: الطراز المذهب في تلخيص المذهب.
(٢) هكذا في نسخة ح، ونسخة أخرى، وفي كتاب الفروق. وفي نسخة ع: يقع فعله فرضًا ما لم يكن واجبا عليه، حيث سقطت كلمة بعد، وهي ضرورية لسلامة المعنى وصحته، ولعَلَّ سقوطها من الناسخ لهذه النسخة، حيث إِنها ثابتة بعد في عبارة آتيه، وموجودة في الاصل، وفي نسختين أخرييْن من هذا الترتيب. والاختصار.
(٣) العبارة المفصلة عند القرافي في. هذه المسألة تزيدها وضوحا وبيانا اكثر وهي: "هذه المسألة نقض كبير على حد الواجب بأى حد حددتموه، فإن هذا اللاحِقِ بالمجاهدين أو غيرهم كان له الترك إجماعا من غير ذم ولا لَوْمٍ ولا استحقاق عقاب، ومع ذلك فَقَد وصفتُم فعله بالوجوب، فقد اجتمع الوجوب وعدَمُ الذَّم على ترْكِه، وهذا يناقض حدود الواجب كلها، وهذا سؤال صعب، فيلزمُ إما بطلان تلك الحدود أو بطلانُ هذ القاعدة، والكل صعب جدا. والجواب عن هذا السؤال أن نقول: الخ
[ ١ / ١٢٨ ]
والجواب أن نقول: الوجُوبُ في هذه الصورة مشروط بالاتصال والاجتماع مع الفاعلين، ولاشك أنه ان تُرك مع الاجتماع أثِم، والتركُ مع الاجتماع لا يُتصور إلا إذا تركَ (٢٧) الجميعُ، والعقاب - حينئذ - يتحقق. والقاعدة أن الوجوبَ المشروط بشروط ينتفي عند انتفاء الشرط الذي له، فإن كان منفردا عنهم كان شرط الوجوب مفقودا فذهب الوجوب، ولا عجبَ أن يكون الوجوب مشروطا بشرط الاتصال، ومفقودا عند الانفصال.
المسألة الثالثة
قال ﵀،: مُقتضى (٢٨) ما قررتم من ضابط فرض الكفاية وَفَرض. العَين ألَّا تكُونَ صلاة الجنازة فرض كفاية، فإن مصلحتها المغفرة للميت، ولم تحصل بتحقيق (٢٩)، فالجواب أنا لا نطلب حصولها بتحقيق، بل المطلوب حصولُ ظن المغفرة وهو حاصل. (٣٠)