في تقرير الإشكال الوارد على من قال: عدم المانع شرط، وحد ذلك.
إعلمْ أن وجود الشرط لما كان معتبرًا في ترتب الحكم، وعدَمُ المانع كذلك، مع أن كل واحدٍ منهما لا يَلزم منه الحكم، فقد يوجَد الشرط كالطهارة ولا يوجد المشروط وهُوَ الصلاة، وكذلك قد يُعْدَمُ المانعُ وهو الحيض ولا توجد
_________________
(١) في نسخة ح: يَبْطلُ (أي التيممُ) من الفعل الثلاثي بطل
(٢) الطَّول: بفتح الطاء: الصَّداق للمرأة في عقد الزواج. ومنه الآيةُ الكريمة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٥].
(٣) هي موضوع الفرق العاشر بين قاعدتي الشرط وعَدَم المانع. جـ ١. ص ١١١
[ ١ / ١٠٧ ]
الصلاة، أشكلَ ذلك على بعض الفقهاء، فقالوا: عدم المانع شرط، وليس كذلك، لأن القول بهذا يلزم منه محالٌ، ومَا لزم منه محال فهو محال.
وبيان هذا المحالِ بتقرير قاعدةٍ، وهي:
أن كل مشكوك فيه يُلغى في الشريعة ولابدَّ، فإذا شكَكْنا في السبَب لم نرتّبْ الحكم، وإذا شكَكْنا في الشرط كذلك لم نرتب الحكم، واذا شكَكْنا في المانِع رتبنا الحكم.
فالسببُ كالطلاق نشك فيه، فالعصمةُ باقية. والشرطُ كالطهارة شككنا فيها، لا نُقْدِمُ على الصلاة. والمانعُ شكَكْنا أن زيدًا مات موحِّدًا أم لا (١٢٦)، فنقضى بصحة الارث ولا نلْتَفِتُ لِلمانع (١٢٧).
فإن قيل: كيف تكون هذه القاعدة مُقَرَّرَة هكذا على مذهب مالك وهو يقول: من شك في الحدث بعد تقرر الطهارة يجب عليه الوضوءُ، فهذا القول منه، بناء على أنه لم يجعَل المشكوك فيه كالمحقَّق العَدَمِ (١٢٨).
نعَمْ، الشافعي الذي قال: لا شئ عليه كانتْ القاعدة عنده مقررة.
قلْنَا: القاعدة مُجمَع عليها، والخلاف هنا من حيث الإِجماعُ على اعتبارها.
وبيان ذلك أن الاجماع منْعَقِدٌ على شَغْل الذمة بالصلاة، والبرآة للذمة من الواجب تتوقف على سبب مُبْرئ إجماعا. والقاعدة أن الشك في الشرط يوجب
_________________
(١) في نسخة ح مات مرتدا أم لا، وكذلك في نسخة اخرى، وهو ما عند القرافي حيث قال: وأما المانع فكما إذا شككنا في أن زيدا قبل وفاته ارتد أم لا، فإننا نورث منه، استصحابا للاصل، لأن الكفر مانع من الارث وقد شككنا فيه، فنورث، فهذه قاعدة مجمع عليها وهي أن كل مشكوك فيه يجعل كالعدم الذى يُجْزَمُ بعدمِهِ.
(٢) كذا في هذه النسخة ع، وفي نسخة اخرى، وفي نسخة ح: ولا نثبت المانع، وكلاهما صحيح وسليم من حيث اللفظ والمعنى.
(٣) كذا في جميع النسخ الثلاث، ولعلها بمعنى العدم المحقق، أىْ بناءً على انه لم يجعل المشكوك فيه كالعدم المحقق، فتكون الاضافة لفظية، يحوز اقتران المضاف فيها فألْ، على عكس الإضافة المعنوية لا يجوز فيها ذلك، كما هو معلوم.
[ ١ / ١٠٨ ]
الشك في المشروط ضرورة. والشك في الطهارة يُوجِب الشك في الصلاة الواقعةِ سبَبًا مُبْرئا، فإن اعتبرنا هذه الصلاة سببا مُبْرِئًا فقد اعتبرنا المشكوك فيه ولم نصَيّره كالمُحَقَّق العدَم، وان اعتبرنا الحدَث المشكوك فيه كما قال مالك فنحن - ايضا - لم نُصَير المشكوك فيه كالعَدَم المحقق، (١٢٩) فلابُدَّ من مخالفة هذه القاعدة في هذا الفرع، ويترجَّحُ ما قاله مالك، من حيث إن الطهارة من باب الوسائل، والصلاة من باب المقاصد، والغاء الوسائل أولَى من الغاء المقاصد، فيقع زيادة اعتناء بالمقاصد.
فاذا تقررتْ هذه القاعدة، فنقول:
لو كان عدمُ المانع شرطا لاجتمعَ النقيضان فيما إذا شككنا في طريان المانع.
بيانه أن القاعدة، أن الشك في أحد النَّقِيضَيْن يوجب الشك في النقيض الآخر بالضرورة. فمن شك في وجود زيْدٍ في الدار فقد شك في عدمه في الدار ضرورة. فإذا شككنا في وجود المانع فقد شككنا في عدمه بالضرورة، وعدمه شرط عند هذا القائل، فنكون قد شكَكْنا في الشرط أيضا، واذا اجتمع الشك في الشرط والمانع اقتضى شكُّنا في الشرط الذي هو عدم المانع أن لا نرتب الحكم، واقتضى شكُّنا في المانع أن نرتب الحكم، بناء على ما تقدم، فنرتب الحكم ولا نرتيه، وذلك جمعٌ بين النقِيضيْنِ. وإنما جاء هذا المحالُ من اعتقادنا أن عدم المانع شرط، فَيَجبُ أن نعتقد (١٣٠) أنه ليس بشرط، واذا كان ليس بشرطٍ، ظَهَرَ الفرق، وهو المقصَود من القاعدة.
قلتُ: ذَكَر شهاب الدين فرقا وَهو: الفرق السَّابع والتِّسْعونَ (٩٧) بين قاعدة الشك في طَرَيَان الأحداث بعد الطهارة وبيْن قاعدة الشك في طريانِ غيره
_________________
(١) يلاحظ في التشبيه في هذه العبارة أنه قيل فيها كالعدم المحقق، وفيما قبلها كالمحقق العدم، وهي ما عند القرافي في العبارتين، فلعلَّه تعبير مقصود أن يوصف الشئ بكونه مُتَحقِق، او محقق العدم بفتح الفاف على سبيل الاضافة بالعدم، فيكون معدوما، والاضافة لفظية كما قلتُ.
(٢) في نسخة ح: يجبُ أن يُعتقَد (بياء الفعل المضارع المبني للمجهول).
[ ١ / ١٠٩ ]
من الاسباب، وجُلَّ ما في هذه الفرق بهذا التقربر (١٣١) الذي قررته في هذه القاعدة. ونزيد عليه هنا، أن نقول:
فإذا كان الشك مُلْغَى ولابد، فظاهِرٌ أنه إذا شك في الطهارة بعد الحدَث ففيهِ إلغاء المشكوك فيه، وأما إن شك هل طلق ثلاثا أو لَا، فوجُوبُ الثلاث عليهِ، لِأن الرجعة، شرْطُها العِصمة، ونحن نشك في بقائِها، فالشك - ايضا - مُلْغىً، ومن شكَ هل طلق أو لا فلا شيء عليه، لأن الشكّ ملغىً.
وأمّا إذا شك في عَيْنِ اليمين فيَلزمه الجميع، لأنَّا نَشك إذا اقتصر على بعضها في السبب المبرئ، فلعله غيرُما وقع، فيجب استيعابها حتى يُعْلَمَ السبب المبْرئ كما قلنا في الصلاة إذا شك في طرَيان الحدَث، واذا شك هل سَهَا أو لا، فلا شيء عليه، لأن الشك مُلْغىً، وان شك هل صلى ثلاثا أم لا سجد، لأن الشمك نَصَبَه الشارع سببًا للسجود. وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع.