في الفرق بين الشك في السبب وبين السبب في الشك.
أشكل الفرق على بعض الفضلاء حتى قال: النظر الأول الذي به يحصل العلم بوجود الصانع يصح التقَربُ به، وهو خلافُ ما عليه الناس، وقال: كيف ينكِره الناس وقد وجد التقرب بالمشكوك فيه في عدد صُوَر:
فمنها من شك هل صلى أم لا، فإنه يجب عليه أن يصلي، وينوي التقرب بتلك الصلاة المشكوك فيها، وكذلك من نسِي صلاة من خمْسِ لا يعرف عينَها فإنه ينوي التقرب بكل واحدة من الخمس مع شكِه في وجوبها عليه، ومثل هذا كثير.
_________________
(١) في نسخة ح: تبقى (بصيغة الفعل المضارع).
(٢) هي موضوع الفرق الرابع والأربعين بين قاعدة الشك في السبب وبين قاعدة السبب في الشك، جـ ١. ص ٢٢٥. قال عنه القرافي -﵀- في أوله: أشكل هذا الفرق على جمع من الفضلاء، وانبنى على عدم تحرير هذا الفرق الإِشكال في مواضع ومسائل حتى خرق بعضهم الإِجماع فيها، فعمد إلى النظر الأول الذي يحصل به العلم بوجود الصانع وقال: يمكن فيه نية التقرب، مع انعقاد الإِجماع على تعذر ذلك فيه كما حكاه الفقهاء في كتبهم، فأنكر الإِجماع وقال: كيف يحكى الإِجماع في تعذر هذا وهو واقع في عدة صور، فإن غاية هذا الناظر (في الكون قبل أن ينظر)، أن يجَوِّز أن يكون له صانع وألا يكون، وأن يكون هذا النظر واجبا عليه وألا يكون، وهذا لا يمنعُ قصد التقرب، بدليل ما وقع في الشريعة أن من شك هل صلى أم لا، فإنه يجب عليه أن يصلي، وينوي التقرب بتلك الصلاة الشكوك فيها الخ.
[ ١ / ٣٢٨ ]
والجواب أن الشارع شرَعَ الأحْكامَ وشرع لها أسْبابًا، وجعل من جُملة ما شرعَه من الأسباب الشَّك، فشرَعه في عدة من الصُّور حيث شاء.
فإذا شك هل هي الشاة المذكَّاة أو الميتَة حَرُمَتَا معًا، وإذا شك في الأجنبية وأخْتِهِ من الرضاع حرِّمتَا مَعًا، وسَببُ التحريم هو الشك، وكذلك قد يكون الشك سبب الوجوب، والمتقرِبُ في مثل هذه الصورة جازم بوجود الموجب وهو الله تعالى، وسَبَبِ الوجوب الذي هو الشك، والواجِبِ الذي هو الفِعل، ودليلِ الوجوب الذي هو الِإجماعُ أو غيرُه من الأدلة. وفي صورة النظر لا شيء منها بمعلومٍ، بل الجميعُ مجهُول مشكوك فيه، فالشك في السبب كما هو في هذه الصورة التي ذكرنا لا يمنع من التقرب (٤٤).
ثم إذا تبين الفرق فلَا نقول: إن صاحب الشرع جعل الشك سببا مطلقًا، بل نصبه مرَّةً سببًا، وفي صُوَر صوَرٍ يُلْغِيهِ ولا يَعْتَبرهُ، وفي صُوَرٍ وقع الخلاف فيها بين العلماء، هل يُلْغى ذلك الشكُّ أو يُعتَبر، فاعتبارُ الشك كما قدَّمْنا، وإلغاؤه كمن شك هل طلق أم لا، فيلغيه ولا شَيء عَلَيه، كمن شكَّ هل سها في صلاته أم لا، فيلْغيه. والمختلَف فيه كمن شك هل أحدَث أو لا؟ اعتبره مالك دون الشافعي، ومن شك هل طلق ثلاثا أم لا (٤٥)؟ ألْزمه مالك الطلقة المشكوك فيها دون الشافعي، ومن حلف يمينًا وشكَّ ما هي؟ ألْزمَه مالكٌ ﵀ جميع الأيْمان فقد صار الشك ثلاثة أقسام، ثم يتضح الفرق بذكر ثلاث مسائل.
المسألة الأولى، قال بعض العلماء: إذا نسي صلاة من خمس فإنه يصَلي
_________________
(١) عبارة الشيخ القرافي ﵀ في هذه الفقرة: "فالشك في السبب غيرُ السبب في الشك، فالأول يمنع التقرب ولا يتقرر معه حكم، والثاني لا يمنع التقرب وتتقرر معه الأحكام كما رأيتَ في هذه النظائر. فاندفع سؤال هذا السائل، وصح الإجماعِ ونقْلُ العلماء فيه، وما أورَدَه عليه من النقوض لا يَرِدَ الخ.
(٢) عبارة القرافي: هل طلق ثلاثا أم اثنتين؟
[ ١ / ٣٢٩ ]
خَمْسًا، وتصح نيته مع التَّرداد، (٤٦) والقاعدة أن النية لا تصِح مع الترداد، واستثنِيَتْ هذه الصورةُ لتعذر الجزم بالنية فيها، وليس الأمر كذلك، بل الشك الذي معه أوجبَ أن يصلىَ خمسًا، وكذلك من شك في جهة الكعبة، إذا أوجبْنا عليه أربع صلواتٍ فقد جزَمْنا بوجوب الأربع، ولا تَردُّدَ في هذه الأشياء.
المسألة الثانية. من شك في صلاته فلم يدْرِ كَمْ صَلى أثلاثا أم أربعا؟ يجعلها ثلاثا ويصَلى ركعة ويسجد سجدتين بعد السلام، مع أن القاعدة أن من شك هل سها أم لا، لَا شيء عليه (٤٧) وقد يجوز أن يكون زاد وأن لا يكون، فكيفَ يَسْجد؟ مع أنه في غير هذه الصورة لو شك هل زاد أم لا، لا يسجد فتُشْكِل هذه المسألة (٤٨). ثم كيف يصلي هذه الرابعة ولا بد فيها من تجديد النية، فكيف ينوي التقرب بها مع عدم الجزم بوجوبها؟، ويجوز أن تكون مُحَرَّمة خامسة، وأن تكون واجبة رابعةً، ومع التردد لا جزْمَ.
والجوابُ أن الشرع جعل الشك سببًا لركعة وسجدتين فلا ترداد، وعَلَى هذا، سببُ السجود الزيادةُ والنقصُ. والشك، لا ما يقوله الفقهاء من النقص
_________________
(١) هذا في النسختين: ع، ح: مع الترداد، وعند القرافي: مع التردُّد، وهو المصدر القياسي للفعل الخماسى: تردَّدَ، مثْلُ تكرم وتعلم تكرُّما وتعلُّما، بضم الحرف الرابع في المصدر. وفي ذلك بقول ابن مالك في ألفيته الشهيرة، وهو يتكلم عن مصادر الأفعال غير الثلاثية: وغَيرُ ذِي ثلاثة مقيسُ مصْدَرِهِ كقُدِّس التقديسُ وزكِه تزكيةً وأجْمِلَا إجْمَال مَنْ تَجَمُّلا تجَمَّلَا على أنه قدْ يرد سماعًا على وزْن تفعال مثل، تَجوَّلَ تجوُّلًا وتجْوَالًا إلخ .. وفي ضم الحرف الرابع من مصدر الفعل الخماسي يقول ابن مالك في ألفيته. وضُمَّ ما يَرْبَعُ في أمْثالِ قد تلْمْلَما
(٢) عبارة القرافي: لا سجود عليه.
(٣) قال القرافي ﵀: "ولقد ذكرت هذا الإِشكال لجماعة من الفضلاء الأعْيانِ، فلم يجدوا عنه جوابا الخ، ثم ذكر الجواب كما أورَدَهُ الشيخ البقوري هنا.
[ ١ / ٣٣٠ ]
والزيادة فقط (٤٩). وبهذا يظهر الفرق بين الشك في السهو وبين الشك في العدد، فالأول شك في السبب، فلا شيء يترتب عليه، والثاني سبب في الشك. (٥٠)
المسألة الثالثة، وقع في بعض تعاليق المذهب أن رجُلًا توضأ الصبح والظهر والعصر والمغرب بوضوء واحد، (٥١) ثمَّ أحدث، فتوضأ وصلى العِشاء، ثم تيقن أنه ترك مسح رأسه من أحد الوضوءين لا يدْري أيُّهما هو
فسأل العلماء، فقالوا له: يلزمُك أن تمسح رأسك وتعيدَ الصلواتِ الخمسَ، فذهب ليفعل ذلك فنسى مسح رأسه وصلَّى الصلواتِ الخمس، ثم جاءَ يستفتى عن ذلك من سأل أوَّلا، فقال له: إذْهب وامسح رأسك وأعِدْ العشاء وحْدَها، فأشكل ذلك على جماعة من فقهاء العصر وقالوا: الشك موجود في الحالتين، فكيْف أمِرَ أولا بإعادة الصلواتِ كلها وفي ثاني حال أمِرَ بإعادة العشاء وحدَها؟ !
والجوابُ أنَّ المسح المذكور إن كان من وضوء الصلوات الأربع فقدْ أعادَها بوضوء العِشاء بعْدَ أن إستفْتَى أولا، فبرئت الذمة منها، وإن كان من وضوء العشاء فقد برئت الذمة منها بوضوئه الأول، فعلى التقديرْين برئت الذِّمة ولم يبقِ إلا الشك في العشاء، فعلى تقدير أن يكون المسح نُسِىَ من وضوئها فيكون ثابتًا في
_________________
(١) قال القرافي: "وهذا الثالث (أي الشك) قلّ أن يتفطن له فتأمّلْه، ولا تجد مَا يُسَوِّغُ على مقتضى القواعِدِ غيرَه، وبه يَظهر الفرق بين الشك في سبب السَّهو، وبيْن الشك في العدد الخ، ما قاله القرافي، والبقوري رحمهما الله.
(٢) زاد القرافي هنا قوله: بمعنى أن الشك هو الذي جعلهُ الشرع محلَّ السببية، فذكرته بهذه العبارة ليحصل التقابُل بينه وبين الأول طرْدًا وعكْسًا.
(٣) أصل أداء الصلوات الخمس وأربع صلوات منها بوضوء واحد لمن استطاع أن يمسك الوضوء لوقت طويل هو الحديث الصحيح الذي أخرجه كثير من أئمة الحديث عن سلمان بن بُرَيدَة عن أبيه أن النبي - ﷺ - صلى الصلوات يوم الفتح بوضُوء واحد ومسَحَ على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعْتَ اليوم شيئا لم تكن تصنَعُهُ، قال: عمْدًا صنعتُه يا عُمَرُ" أي للتشريع وللبيان. وفي معناه أيضا حديث أنس، قال: كان النبي - ﷺ - يتوضأ عند كل صلاة، قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدَنا الوضوءُ ما لم يُحْدِث" رواه بعض أئمة الحديث. فالمتوضئُ يحق له أن يصلى الصلوات الفرائض بوضوء واحد، كالظهر والعصر والمغرب والعشاء، وهذا لا يتنافى مع استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة فريضة.
[ ١ / ٣٣١ ]
ذِمَّتِهِ، لأنه إنما صلى العشاء بوضوءٍ واحِدٍ، أما غيرها من الصلوات فقد صُلِّيَتْ بوضوءيْن: إمَّا بالأول وإما بالثاني، بخلاف العشاء، ولذلك اختلف جواب المفتي قبل الإِعادة وبعْدَهَا، وبالله التوفيق.