نقرر فيها الفرق بين الواجبات بطريق النذر، وبين الواجبات بإيجاب الله تعالى، وذلك من حيث المصلحة، فنقول:
ان الأوامر تتبع المصالح، والنواهي تتبع المفاسِد، والمصلحة إن كانت في أعلى الرتَب يترتَّب عليها الوجوب، وإن كانت في أدْنى الرتب رُتِّبَ عليها الندب.
ثم ان المصلحة ترتقى ويرتقى الندب بارتقائها حتى يكون أعلى مراتب الندب يُشبه أدنى مراتب الوجوب، وهذا الاعتبار بعينه في المفسدة بحسب التحريم والكراهة، فعلى هذا، المصلحة التى تصلح للوجوب لا تصلح للندب، لاسيما المزلبة الدنيا من الندب، كيف لا، وقد رتّب العقاب على ترك المصلحة التى للوجوب، وكذا الامر أيضا من حيث المفاسدُ، فقد رتِّب (١٥٢) العقاب على فاعل الحرام دون الكراهة، فهكذا الأسباب الشرعية لا تجعل شيئا سببا للوجوب وشيئا سبَبًا للندب الا ولكُلِّ واحدٍ نسبةٌ للآخر.
قلت: قد مضى لنا في القاعدةِ الرابعة عشرة أن هذا الذي قاله هنا هو الغالب، وأبْدَيْنا خلافَ هذا في صُوَرٍ: منها الجمعُ ليلةَ المطَر فُضِّلَ على الواجب من حيث ان المصلحة التى في ذلك الندوب أعظم، وكذلك صلاة الجمعِ بعرفة قدم على ايقاع الصلاة في وقتها، وهو واجب، لأنه أفضل وأعظم مصلحة.
قال شهاب الدين -﵀-:
إذا تقررت هذه القاعدة. فاعْلَمْ أن صاحب الشرع جعل الأحكام على قسمين: قسم منها قرره بنفسه، وقسْم وَكَلَ تقريرَه "إلى خِيَرَةِ المكلَّف.
_________________
(١) هي موضوع الفرق السادس والثلاثين والمائة ١٣٦ بين قاعدة المنذورات وقاعدة غيْرها من الواجبات الشرعية. جـ ٣. ص ٩٤. وقد عَلَّق الشيخ ابن الشاط ﵀ على ما جاء عند القرافي في هذا الفرق فقال: ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح،، لا قوله في هذه القاعدة. إن الله أمر عباده أن يتأدبوا معه كما يتادبون مع أماثلهم، فإنَّهُ تشبيه لا أرتضيه".
(٢) في نسخة ح: رتب بصيغة الماضى المبنى للمجهول، وكما في العبارة الموالية بالنسبة للنسختين.
[ ١ / ١٨٥ ]
فالأولُ كوُجُوب الصلاة، والثاني هو النذر، وكذلك الأسباب أَيضا جعلها على قسمين:
قسم منها نصبه هو كجعل الزوال سببا وأمثالِه، وقسم جعله لِخيَرَة المكلف كما في الأحكام، ويَجعلُ هذا المكلفُ سببًا ما شاءَ، كدخول الدار وهبوب الربح، أو نزول المطر، أو قُدُوم زيد، الخِيرة له في تعيين ما شاء من ذلك، فلا يتوقف على المكتسباتِ له أو لغيره.
فاذا تقرر هذا حصل الفرق بين الواجب الأصلي وبين النذر من وجهين:
أحدهما أن مصلحة المنذور مصلحةُ الندب، فإن النذر لا يتعلق بالواجب ولكن بالندب، فببلغ بذلك الي مرتبة الواجب.
الثاني أن سبَبَه لا يناسبُ الوجوب كالأسباب المقرَّرة في أصل الشريعة، والبعدُ من طريق الأسباب أشد، فإن المندوبَ فيه مصلحة، فانتقل إلى حكم ما هو أعظم مصلحة منه.
وأما الأسباب، فالسببُ الشرعي مناسب للحكم، والسببُ الاختياري لا مناسبة في كثير منه، فإنه لو قال: إن طار الغرابُ فعَليَّ صدقةُ درهم، أيّ مناسبَةٍ في طيران الغراب للصدقة؟ ووجود النصاب مناسبٌ للصدقة.
فان قيل: فكيف اقتضت الحكمة الإلاهية اعتبار مالا مصلحة فيه أو إقامة (١٥٣) مصلحة الندب للوجوب، مع أن القاعدة أن الاحكام تتْبعُ المصالح على اختلاف رُتَبها؟ قلت: جآء هنا سبب آخر قوَّى تلْكَ المصلحة حتى حكم
_________________
(١) هكذا في النسختين: "أو إقامة مصلحة الندب للوجوب"، وفي الفروق: وإقامةَ".
[ ١ / ١٨٦ ]
عليها بالوجوب وذلك الأدبِ، مع الحق بالوفاء والحذر من نقض. العهد معه، فوقعَ الحكم (١٥٤) على نسبةِ المصالح.
قلت: وأمّا الاسباب، كقولنا: إن طار الغراب فهي ليست في الحقيقة أسبابا، وانما هي شروط للنذر، فالوجوبُ بالنذر ولكنه عند الشرط، ولهذا يقول الفقهاء: النذر المطلقُ، والنذر المقيّد.
وحيثُ علمتَ أن الاشياء قد تحرم لاشمالها على المفاسد وقد تكرَه، وأنها - أيضا - تجبُ لاشتمالها على المصالح، وقد تندب، فقد تكون المصالح مما يحُثُّ عليها الطبْع فتكون هذه مصلحةً مباحة كالمطعومات الطيبة، ثم ما يحرم قد يكون محرّما، لما قلناه، ولكنه يقضَى عليه بالإِباحة لسبب، وهذا كالميتة، محرَّمةٌ لطبيعتها المشتملة على المفسدة، فإذا جاء الاضطرار أبيحَتْ، كذلك أيضا ما أبيحَ لصفتِهِ كالمطعومات يعرض له (١٥٤ م) أن يحرم لأسباب كالغصب والسرقة وغير ذلك، وهذه قاعدة أدرجتها بالتى ذكرتها معها (*).
_________________
(١) في نسخة ح: الحِكْمة، ولعل لفظ الحكم ومعناه في نسخة ع أظهر وأوضح. وعبارة القرافي هنا أظهر وأبْين حيث قال في هذه الفقرة: "قلت: "الاسباب يَخْلُفُ بعضها بعضا، فكما أن عِظَم المصلحة سببُ الوجوب في عادة الشارع فكذلك هنا سبب آخرُ إذا فقدتْ هذه المصلحة، وهى مصلحة أدب العَبد مع الرب ﷾ في أنه إذا وعَدَ ربَّه بشئ لا يُخْلفه إياه، لا سيما إذا التزمه وصمم عليه، فأدبُ العبْد مع الرب ﷾ بحسن الوفاء وتلقى هذه الالتزامات بالقبول هو خلق كريم. وهو سبَبُ جلْب المصلحة التى في نفس الفعل، فقد يستفاد منْ هيئة الفاعل وأحواله وأخلاقه مع خالقه ومعبوده مصالح عظيمة، وأى مصلحة أعظمُ من الادب حتى قال. روَيْم لابنه: يابنى، اجعَلْ عملك مِلْحا، وأدبَكَ دقيقا، أي إستكثر من الادب حتى تكون نسبته في الكثرة نسبة الدقيق إلى المِلح، كثير الادب مع قليل من العمل الصالح أحسن من كثير من العمل مع قلة الادب الح. (١٥٤ م) في نسخة ح: لها أى المطعومات، وفي النسخة الاخرى ع. له بالتذكير يعود على لفظ ما أبيح، والمعنى واحد .. (*) وهذه القاعدة هى موضوع الفرق السابع والثلاثين والمائة بين قاعدة ما يَحرُمُ لصفته وبين قاعدة ما يحرم لسببه" جـ ٣. ص ٩٦.
[ ١ / ١٨٧ ]