في تقرير أنه ما ليس بواجب لا يُجْرِئُ عن الواجب. (٤٥)
بيان ذلك من حيث إن حقيقة الواجب تخالف حقيقة ما ليس بواجب.
فالآتي بإحدى الحقيقتين مكان الاخرى كمن لم ياتِ بشئ أصْلًا. ولهذا نقول: إن صلاة ركعة الوتر لا تجزى عن ركعة من صلاة الصبح، وألْفُ دينار، صدقَةً، لا تجزى عن شاة وجبتْ عليه، وأمثال هذا، وكل ما جآء على هذا الحساب فقد جاء على الأصل، وما جاء على غير هذا فهو على غيْر الاصل.
ووقع في الذهب سبعُ مسائل يجرى قولٌ ممَّا قيل فيها على خلاف الأصْل.
_________________
(١) سورة النور، الآية ١٢.
(٢) في نسخة أخرى: وهى نقيض الحد. وَلِكِلَا اللفظين معنى ووجه، والأوّلُ أظهَرُ.
(٣) سورة آل عمران. الآية. ١٣٣
(٤) سورة آل عمران: الآية ١٠٢. أولهما قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
(٥) هم موضوع الفرق الثالث والخمسين بين قاعدة إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب، وبيْن قاعدة تعيُّن الواجب، جـ ٢. ص ١٩.
[ ١ / ١٣٣ ]
١) الأولى: إذا توضَّأ مجدِّدًا، ثم ذكرَ أنَّهُ كان مُحْدِثًا، هلْ يُجْزئه أم لا؟ قولان، والصحيح في المذهَب عدمُ الإجْزاءِ.
٢) وإذا اغتسلَ لجمعته ناسِيًا لجنابته، كذلك قولان. والمذهب عدم الإجْزاءِ.
٣) وإذا نسِي لَمعة من الغَسْلة الأولى من وضوئه، وكان غسَلَهَا بنية الفرض، هل يجزئه إذا غسَل الثانية بنية السُّنة؟ قولان. والمذهبُ عدَمُ الإجزاءِ.
٤) الرابعة: إذا سلم من اثنتين ساهيًا، ثم قام يصلِي ركعتين بنية النفْل، هل يجزئانِه عن ركعتي الفرض؟ قولان.
٥) الخامسة: إذا ظن أنه سلم من فَرْضه، فَصَلَّى بقية صلاته بنية النافلة، هل يجزئه أو لا؟ قولانِ.
٦) السادسة: إذا سها عن سجدة من الركعة الأولى وقام في خامسة، ساهيا، هل يجزئه عن الركعة التي نَسِي منها السجدة؟ قولان.
السابعة: إذا نَسِي طواف الافاضة وقد طافَ طواف الوداع، وراح إلى بلده أجزأهُ طواف الوداع عن طواف الافاضة. هذا هو الذى رأيت وقع في هذا القاعدة. (٤٦)
_________________
(١) علق الفقيه المدقق ابن الشاط على ما جاء عند الإمام شهاب الدين القرافي في هذه المسائل بقوله: هذه المسائل الثلاث الأولى من الطهارة، ويحتمل أن لا يكون القائل بالاجزاء في هذه بَنى قولَه على هذا الأصل، بل على أن كُلَّ واحد من المُوقِعِين لهذه الطهارات إنما أراد بها إحراز كمالها، والكمال في رأيه يتضمن الإجزاء، بخلاف رأى غيْره من أن الكمال لا يتضمَّنُ الإجزاء، فيكون الخِلافُ في الإجزاءِ وعدمه مبنيا على الخلاف في ذلك، فلا تكون المسائل الثلاثُ هذه من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب من هذا الوجه. ويحتمل ألا يكون القائل أيضا بالإجزاء بنى قوله على ذلك الأصل، بل على أن الطهارة لا يشترط فيها تعْيين نية الفرض ولا نية النفل، فلا يكون على هذا من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب. وأما مسألة المسَلِّم من اثنتَيْن، والظان أنه سلم، فمن إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب عَلَى أحَد القولين. وأما المسألة السادسة فيحتمل ألا تكون من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب، من جهة أنه إنما قام في الخامسة لأداء بقية فرضِه فيما يعتقد.
[ ١ / ١٣٤ ]
قلت: وقد فرض بعض الفقهاء في تمييز الفرق بين المُشْتَبهات مسألةً وقال: لِمَ لا تُصَلَّى الفريضةُ بتيَمم النافِلة كما جازتْ نيابَةُ النفل عن الفرض في
_________________
(١) وأما السابعة وهي ناسِي طواف الافاضة فمِن تِلك، (اى قاعدة اجزاء ما ليس بواجب عنْ الواجبِ، لكنه لم يذكر فيها قوليْن، وهي محل لاحتمال الخلاف، والله أعلم. قلت: وقد ذكر الففيه الجليل المتضلع، ابو الوليد محمد بن احمد بن رشد الحفيد في كتابه السهير (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) هذه المسألة فقال: "وجمهور العلَماء على أن طواف الوداع يجزئ عن طواف الافاضة إن لم يكن طافَهُ، لأنه طوافٌ بالبيت، معمول في وقت طواف الوجوب، الذى هو طواف الافاضة، بخلاف طواف القدوم. وقد تعرض الشيخ الفقيه الفاضل محمد على بن الشيخ حسيْن مفتي المالكية ﵀ لهذه السائل في كتابه تهذيب الفروق، المطبوع بهامش كتاب الفروق للقرافي، وذكر أنها إحدى عشرة مسألة فقال: وإنما جرى إجزاء غير الواجب عن الواجب - على خلاف الاصل، في إحدى عشْرة مسألة في المذهب، أشار اليها الشيخ ابو العباس احمد بن عبد الله الزاوي كما في كبير ميّارة على نظْم ابن عاشر بقوله. مسائِل يُجْزى نفْلُها عن فريضة شُذوذًا فلا تتَّبِع سوى قول شهرةٍ مجدِّدُ طُهْر ساهيا وهو مُحْدِث ولَمعةُ عُضْو طهَّرتْ بفضيلة وآتٍ بغسلٍ، ساهيًا عن جنابة نوى جُمعةً، واحْكُمْ لتارك سجدة من الفَرض يأتي بالسجود لسهوه ومُبْطِلها ياتي بخامس ركعةٍ ومن لم يسَلم ظن فيها سلامه وآتٍ بنفْل قبْل ختْم فريضةَ ومنْ لم يسلم او يظن سلامه لِثالثةٍ، فافهم قد قام بصورة ويجزي في المشهور من طاف عندهم طوافَ وداع، ذاهِلًا عن إفاضة وذو مُتْعةٍ قد ساق هدْىَ تطوع فُيجزى قد قالوا لِواجِب متعةٍ وقد قالهُ ابن الماجشون إذا رمَى جمارًا لسهو، لا يُعيدُ لِجمرة ثم قال بعد ذلك في تهذيب الفروق بعد أن أورد هذه الابيات: وبيانها أنها علي ثلاثة اقسام: ١) القسم الأول محتوٍ على ثلاث مسائلَ من الطهارة وقعت في المذهب على قولين بالإجزاء وعدمه، مشهورهما الثاني، وذكرها الأصل، (اى القرافي في مسائل هذا الفرق الثالث والخمسين من كتاب الفروق). ٢) والقسم الثاني محتوٍ على خمس مسائل من الصلاة وقعت في المذهب ايضا على قوليْن بالاجزاء وعدمه، مشهورهما الثاني، ذكر الاصل منها ثلاثة، والرابعة اشار لها ابو العباس بقوله: واحكم لتارك سجدة من الفرض يأتي بالسجود لسهوه
[ ١ / ١٣٥ ]
الحج؟ وذكر المسألة الآخِرة من المسائل السبع، فأجَابَ بما مقتضاه أن الأمر في الحج على غير الأصل، وكان ذلك للمشقة التى في إعادة فرض الحج وهو طواف الإفاضة، والمشقة مفقودة في الصلاة.
_________________
(١) يعنى: واحْكمْ بالاجزاءِ على مقابل المشهور لتارك سجدة من صلاة الفرض في حال اتيانه بسجدة سهوه في الصلاة قبل السلام أو بعْدَهُ. والخامسة اشار اليها بقوله: ومن لم يسلم او يظن سلامه لثالثة قد قام، فافْهم بصورة يعْنى: وقن قام من ثانية فرض من غير أن يسلم أو يظن السلام لثالثة بنية النفْل ايضا، أما إن سلَّم أو ظَنَّ السلام فهما المسألة الاولى والثانية من هذا القسم، ولذا قال: "فافْهَمْ بصورة". والقسم الثاني محتوٍ على ثلاث مسائل من الحج وقعَتْ في المذهب ايضا على قوْليْن: بالاجزاء وعدمه، لكن المشهور منهما هنا الإجزاء، ذكَرَ الاصل (اي القرافي في هذا الفرق) منها واحدة هي مسألة نسيان طواف الافاضة وقد طاف هذا الناسى طواف الوداع وراحَ إلى بلده، وذكر ابن الشاط ان القرافي ذكرها وأورَدها، ولم يحك فيها قولين، وهى محل لاحتمال الخلاف. قال الشيخ محمد علي بن حسين في تهذيبه هذا على الفروق هنا في هذه المسألة: وقد صرَّح بالخلاف فيها كغيرها، وأن المشهور منْهما الاجزاء، قولُ ابي العباس الزواوي: ويجزئ في المشهور من طاف عندهم طواف وداع، ذاهلا عن إفاضة. المسألة الثانية من المسائل الثلاث في هذا القسم اشار اليها ابو العباس الزوار بقوله: وذو متْعة قد ساق هدْى تطوع فيجزي قد قالوا لِواجب مُتْعَة يعنى أن المعتمر إذا ساق هدْي التطوع في عُمْرته، فلمَّا حلَّ منها ووجبَ نحره الآن أخّرَهُ ليوَم النحر، ثم بَدَاله وأحرم بالحج، وحج من عامه ذلك وصار متمتعا، فإن هدْى التطوع يجزئه عن متعته (وتَمتُعه) ولو لم ينو عند سَوْقه أنه يجعله في مُتْعَتِهِ على تاويلِ سَندٍ، وهو المذهب، كما اجزأ عن قِرَانه كما في حاشية شيخنا على توضيح المناسِك للوالد رحمه الله تعالى. الثالثة أشار لها ابو العباس الزواوي بقوله: وقد قال ابن الماجشون إذا رمى جمارًا لسهوٍ لا يعيد لجمرة أي إذا نسى جمرة العقبة، ثم رماها ساهيا كما وقع ذلك لعيد الملك ابن الماجشون كما في كبير ميارة على ابن عاشر. قال صاحب التهذيب على الفروق: ويوخَذُ من قول شيخنا في حاشيته: كما أجزأ (اي هدي التطوع عن قِرانه) زيادة مسألةٍ رابعةٍ في هذا القسم، ونَظَمْتُهَا في بيت يُلحَقُ بنظْم أبي العباس المذكور بقولي: وزدْ قارنا يجزيه هدْيُ تطوع بواجب هدْى للقِران كمتعة ومن هنا اشتهر أن تطوعات الحج تجرى عن واجب جنسها، فتكون جملة النظائر اثنتى عشرة مسألة: أربعة من إِجزاء ما ليس بواجب عن الواجب شذوذًا على احتمال، واربعة من ذلك شذوذًا بدون احتمال، وأرْبعة من ذلك على مشهور المذهب. وما عدا هذه النظائر فهو جارِ علىَ الاصل من عدم إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب اتفاقًا. اهـ.
[ ١ / ١٣٦ ]
قال شهاب الدين ﵀:
وأما العبد والمسافر والمرأة ويُصَلون الجمعة فليست صلاتهم من هذا القبيل، أعني أن يقال فيها: أجزأ غير الواجب عن الواجب، بل الواجبُ عليهم إحدى الصلاتيْن: إما الظهر وإمّا الجمعةُ، والواجبُ القدْرُ المشترك بين الصلاتين (٤٧)، فإذا صَلَّوْا الجمعةَ فقد أتوْا بإحدى الصلاتيْن، وذلك الواجب عليهم، وتعيَّن ذلك المشترك في أحد نوعيه، كمسألة خِصال الكفارة، فهذا عنده من بَابِ تعيين الواجب، والمسائل المذكورة قيل هذا من باب إجزاء ما ليس بواجب عما هو واجب.
قلت: قول شهاب الدين ﵀ ليس خلاف مَا نصَّ عليه الفقهاء. نصّ أبو عمرو ابن الحاجب في كتابه في الفقه في باب القصر أن المرأة والعبد ينتقلان، لأنه يقال: المراد بالانتقال المذكورِ انتقاله من الإبهام إلى التعْيين.
ويمكن أن يقال: إنه خلافه، والراد ينتقل من فرْضيةِ الظهر إلى الجمعة، وليْسَتْ من باب تعْيين الواجب على هذا، ولكنه ليس فيها إجزاء ما ليس بواجبٍ عن الواجب، على كل قول، والله أعلم.
قال شهاب الدين ﵀: ويتمهَّد الفرق بين إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب وبين تعيين الواجب بأربَع مسائِل:
_________________
(١) = أقول: وانما تتبعت هذه المسائل ونقلتُ ما فيها عند ابن الشاط، وفي تهذيب على الفروق على ما فيها من طول، ورمما على ما في الاتيان بِهَا كلها من خروج عن طبيعة التعليق على المسائل، فان شأنه ان يكون قصيرا وبالقدر الضروري، حتى لا يخرج الكتاب الاصلي عن حجمه، نظرا لأهمة هذه المسائل، وبقصد استذكارها واستحضارها، وبيان المشهور فيها في المذهب من خلال اقوال العلماء وفقهاء انذهب المالكي ﵏ ورضي عنهم ونفعنا بِعلمهم وبِفقههم، ورحِمَ كافة اهل العلم والفقه في الدين.
(٢) علق الشيخ ابن الشاط على كلام القرافي هذا بقوله: ليس القدر المشترك هو مفهوم إحداهما، بل مفهوم إحداهما واحدة غير معيَّنة من الصلاتين.
[ ١ / ١٣٧ ]
المسألة الأولى: العبد لا يؤم في الجمعة، لأن المذهب أن المفترِض لا يأتَمُّ بالمتَنَفِّل، وقيل: يَؤُمُّ، لأنه إذا حضرَهَا صار من أهْلِها وَوَجَبَتْ بالشروع عليه فصار مفترِضا، فما ائَتَمّ المفترض إلا بمفترض فقيل: إن تكبيرة الإحرام للجمعة لا تجب عليه فقد وقع ائتمام المفترِض بالمتنفِّل، فأجابوا عن هذا بأن تكبيرة الإحرام، لها عمومٌ وخصوص. فمِن حيث عمومها هى واجبة على العبد، ومن حيث إنها للجمعة لا تجب، وباعتبار العموم ائَتَمَّ المفترض بالمفترِض.
وقال شهاب الدين ﵀:
هذا الذي قالوه، من أن العبدَ عليه تكبيرة الإحرام، وهي أعمُّ من أن تكون بِظُهْرٍ وبجمعةٍ، فإذا صلَّى الجمعة فقد خصصها، وذلك الخصوصُ غيرُ واجب عليه، والعموم هُو واجب عليه، ومن تلك الجهة صحَّ الائتمام، يلزمهم في جميع أركان الصلاة من ركوع أو سجودٍ أن يُعتبَر فيها هذا المعنى، فيكون العبْدُ قد أتَى بخصوص، وذلك غير واجِب عليه ومن حيث إن السجودَ سجود أتَى بما يجب عليه والجزء الخُصُوص، والعمومُ واجب عليه، فقد ائتم المفترِض بالمتنفِل.
قلت: لا يلزم الفقهاء هذا، فإنهم قالوا: بالشروع وجبت، فقد انتقَل للجُمعة وصار مساويًا فيها للحر، من حيث الخصوصُ والعموم.
نعم، إنه يقال: لم يكن في تكبيرة الإحرام مساويا للعُموم فيقال: جاز ذلك، بناءً على أن الواجب في النية أن ينويَ الفريضهّ المطلَقة أو ينوى الفَريضَة المعَيَّنة بالركعات، وفي المذهب خلاف، وهذا جاء على الفريضة المطْلقة، والصلاة واحدةٌ في نفسها، أعْنى الظهر، والجمةُ ليست كالظهر والعصر، والله أعلم. (٤٨)
_________________
(١) علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة بما يزيدها وضوحا وتحقيقا فقال: ما قاله القرافي فيها غير صحيح، فإنه جعلها من الواجب المخيّر، ومُوقِع نوعيْ الواجب المخيّر أو أنواعه لا يُوقِع إلا واجبا، فالعبد إذا اختار إيقاع الجمعة لا تقع الا واجبة، فالحرُّ إذا اقتدى به لم يكن مفترضا إئتم بمتنفل، فينبغي أن يصح اقتداؤه به.
[ ١ / ١٣٨ ]
قلت: وهذه المسألة تؤْذِن بخلاف ما قاله، من أن الثلاثة الواجب عليهم شئ (وهم المسافر، والعبد، والمرأة) لهم التعيين، بل ظاهر هذا أن هذه المسألة على هذا القول من باب إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب بحسب قولهم انها وجبتْ بالشروع، اذْ هذا تصريح بأنها كانت غير واجبة، ثم لما شرعوا وجبت، لقوله تعالى: "ولا تبطلوا أعمالكم "، (٤٩) كما في النوافل كلها، تجب بالشروع، والله أعلم.
المسألة الثانية:
المسافر في رمضان يجب عليه أحد الشهرين: إما شهر الأداء، واما شهر القضاء، فإذا اختار صَوْمَ رمضانَ فهو فاعل لخصوص غير واجب، وهو كونُه رمضانَ، وعمومٍ واجب وهو كَونهُ أحَدَ الشهرْين، فأجزأ عنه من جهة أنه أحدُ الشهرين، لا مِن جهة كونِهِ رمضان. (٥٠)
وكذلك إذا اختار شهر القضاء، فخصوصه ليس واجبا عليه، غير أنه متعين عليه خصوص القضاء لتعذر غيره، لا أنه واجب بخصوصه،؛ يتعيَّنُ آخر وقتِ الصلاة لتعذر ما قبله، وتعيَّنَ غيرُه لأنهُ واجبٌ بطريق الأصالة، وليس قضاء المفَرط هكذا، بل قضاؤه واجب بخصوصه وعمومه (٥١).
_________________
(١) = وما قاله القرافي من أن الخصوصات غير واجبة، مسلَّمٌ، لكن من حيث هي خصوصات معيّنات لا من حيث هي داخلة تحت العموم، فإن العموم على ما التزمه هو واجب، وهل يُمكن إيقاع العام من حيث هو عامٌّ؟ هذا لا سبيل اليه، وإنما يقع من حيث الخصوص الشخصى، خاصة لا يمكن ذلك بوجه، فالعام على هذا لا يقع إلا في الخاص، وهذا كله مجاراة له (للقرافي) على تسليم أن الوجوب في الواجب المخيَّر يتعلق بالمعنى العام، من حيث هو عام، وذلك عند التحقيق غير صحيح، وانما هو - أعنى الوجوب - متعلق في الواجب المخيَّر بواحد غير معين مما فيه المعنى العام الذي يقال له المشترك. وعلى هذا لم يتعلق الوجوب المخير إلا بخصوص، لكنه خصوص غير معيَّن من قبل الآمر، وتعيينه موكول إلى خِيرَة المامور، هذا هو الصحيح لا ما سواه. اهـ.
(٢) سورة محمد. الآية ٣٣.
(٣) عقب ابن الشاط على كلام القرافي هنا فقال: ما قاله هنا ليس بصحيح، بل إذا اختار صيام رمضان فهو فاعل لخصوص واجب. وكيف لا يكون واجبا وهو قد عيَّنه لإيقاع الواجب كما فرض الله تعيينه. وقوله، فأجزأ عنه من جهة انه أحد الشهرين، صحيح. وقوله: لا من جهة كونه رمضان، غير صحيح، وهل رمضان إلا أحد الشهرين، وهل احد الشهرين إلا رمضان". اهـ.
(٤) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي هنا صحيح.
[ ١ / ١٣٩ ]
قلت: هذا التفريق لا ينبغي، من حيث إنه لا يقال: قضاء المفَرط باعتبار الحال قبل التفريط، وإنما يقال بعد وقوع التفريط وفواتِ صوم شهر رمضان. واذا كان كذلك فالقضاء واجب بخصوصه وعمومه، وكذا المسافر إنْ اعتبرناه بعد خروج رمضان، قضاؤُهُ واجبٌ بعمومه وخصوصه، فلو اعتبرنا المسافر قبل فوات رمضان فحينئذ يكون له القضاء والأداء، ويكون ما قاله لم يجب عليه خصوص واحد، ولكنه وجب عليه أحد الشهرين، واللهُ أعلم. (٥٢)
المسألة الثالثة:
المريض إذا كان يقدر على الصوم لكن مع مشقة عظيمة لا يَخْشَى معها على نفسه ولا عضوٍ من أعضائه، فهذا سقطَ عنه الخطاب بخصوضِ رمضان، ويبقَى كالمسافر مُخاطَبًا بأحدِ الشهرين، فإن خَشي على ما ذُكِر حَرُمَ عليه الصومُ، فإن أقْدَمَ على الصوم مع ذلك فلا يمكن أن يقال: إنَّه غَيَّر (٥٣) الواجبَ كما يقال للمسافر، ولكن يقال: هل يجزئ عنه؟ قال الغزالي (٥٤) ﵀: يحتمل عدم الإجزاء، لأن المحرم لا يجزئ عن الواجب، ويحتمل الِإجزاء كالصلاة في الدار المغصوبة، فانه متقرب بترك شهوتيْ فمه وفرجه، جانٍ على نفسه، كما أن المصلي متقربٌ، وجَانٍ على صاحِب الدار. (٥٥)
_________________
(١) علَّق الشيخ ابن الشاط على كلام القرافي في آخر هذه المسألة بقوله: أما قوله: ان القضاء على المفَّرط واجب بخصوصه وعمومه بسبب واحد فصحيح. وأما قوله: وعلى المسافر بسببين: أحدُهما رؤية الهلال فإنها اوجبت العموم الذي في القضاء وهو كونه أحد الشهرْين، فلمْ توجبْ الرؤية العموم، فإن العموم من حيث هو عموم لا يتعلق به الوجوبُ، وليس العموم هو كؤنه أحد الشهدبْن، بل أخد الشهرين خصوص غيْرُ معَيَّنٍ.
(٢) في نسخة ح: عيَّن، كما يظهر من كتابتها.
(٣) "أي في كتابه المستصفى في علم الاصول كما ذكره القرافي ﵏ أجمعين".
(٤) عقب ابن الشاط على كلام القرافي في هذه المسألة الثالثة بقوله: ما قاله القرافي من أن الواجب أحدُ الشهرين، وأنه يتعين القضاء عند تعذر الأداء، صحيح. وقوله: فإن أقدم وصام وفعل المحرم، لا يمكن أن يقال إنه غيَّر الواجب عن عمومه، وقال عن كلام الغزالي: إنه تخريج حسن، قوْل ظَاهرٌ.
[ ١ / ١٤٠ ]
المسألة الرابعة:
قال مالك: إذا صلى الصبيُّ في الزوال ثم بلغ في القامة وجبَ عليه أن يصَلِىَ مرَّةً أخْرَى، لأنَّ الوُجُوبَ تَرَتَّب عليه حينَئذٍ، وما كان صلَّاة ليس بواجب، وغيْر الواجِب لا يجزئ عن الواجب. وقال الشافعي: لا يعيد، لأن الصلاة قد وقعَتْ بعد سببها، ولم يخاطَبْ أحد بصلاتين لِسبب واحد.