نقرر فيها المندوب الذكره يقدم على الواجب والمندوب الذي لا يقدَّم على الواجب.
إعلم - أولًا - أن الغالب تفضيل الواجب على المندوب، هذا من حيث الجملة، لقوله ﵇ - عن الله تعالى: "ما تقربَ إلىَّ عبدي بمثل أداءِ ما افترضتُ عليه (١٢٢)، وأيضا فالمصاع والمفاسد تختلف، وبحسب اختلافها يختلف الآمر والنهي في القوة وعدم القوة.
_________________
(١) في نسخة ح: بانتفاء الإثم لذلك الضمان، بالمصدر، والأولى أظهر لأن انتفاء الاثم مرتب عن إذن الشرع ومُسبَّبٌ عنه.
(٢) في نسخة ح: بأن نعطيه بنون المضارعة، وصيغة الياء أنسب، لأن الاسم الظاهر الذى يعود عليه الضمير، يعتبر من قبيل الغائب كما هو معروف في قواعد النحو، وأساليب الخطاب. وقد علق ابن الشاط على كلام القرافي في أول هذا الفرق إلى قوله في المقارنة بين الحفاظ على فضيلة الجماعة، وفضيلة الوقت اثناء الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر، وتقديم مراعاة الأولى على مراعاة الثانية فقال ابن الشاط هنا: ما ذكره وقرره هنا صحيح كما قرر. اهـ.
(٣) هي موضوع الفرق الخامس والثمانين بين قاعدة المندوب الذى لا يقدم على الواجب وقاعدة المندوب الذى يقدم على الواجب. جـ ٢ ص ١٢٢.
(٤) أصله حديث قدسي صحيح. ونصُه: عن أقوله هريرة ضى الله عنه قال، قال رسول الله - ﷺ -: إن الله تعالى يقول: من عادى في وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب الي عبدى بشئ احب الي مما افرضته عليه، ولا يزال عبدى يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه، فاذا احببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع بِهِ، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لَأعيذنَّه."
[ ١ / ١٧٠ ]
هذا هو الغالب الكثير، ولكنه جاء في الشريعة الاسلامية أشياء هي اكثر مصلحة، وأعظم ثوابا، وحكمها الننبية، فقدم فيا المندوب على الواجب من حيث كثرة الثواب وقلته، وذلك في سبع صُوَر:
الصورة الأولى: إنظار المعسر بالديْن واجبٌ، وإبراؤه منه مندوب إليه، وهو أعظم أجرًا من الإِنظار، لأن مصلحته أعظم، إذ من أبرأ فقد أنظر، فإن معنى الإنظارِ عدمُ المطالَبة في الحال. (١٢٣)
الصورة الثانية صلاة الجماعة مندوب اليها، وهي تَفْضُلُ صلاة الفذ بسبح
_________________
(١) الانظار بالظاء المشالة، مصدر الفعل الرباعى أنظره إذا أخره وأمهله في أمر. والمراد إمهال المدين والإفساح له في أجَلِ أدائه للدين، والتوسعة عليه بذلك إلى حين يُسْره وتمكنه من القدرة على الْأداء وردّ الدين إلى صاحبه. وقد علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة مما ذكره البقورى، فقال: ما قاله القرافي في ذلك غيرُ مسَلم ولا صحيح، بل الإنظار أعظم أجرا من جهة أنه واجبٌ، والقاعدة أن الواجب أعظم اجرا من المندوب، بدليل الحديث المتقدم (وهو الحديث القدسى السابق المتضمنُ لِأفضلية التقرب إلى الله بأداء الفرائض أولا، ثم بأداء ما تيسر وأمكن من النوافل ثانيا، ولا معارض له. وما استدل به من قوله تعالى: "وأن تصدقوا خير لكم" نقول بموجبه، ولا يلزم منه مقصوده. وما قاله من أن مصلحة الْإبراء أعظم، لاشتماله على الواجب الذي هو الانظار، ليس بصحيح، لأن الإنظار تأخير الطلب بالدين، وهو مستلزم لطلب الدين بعد، والإبراء إسقاط بالكلية، وهو مستلزم لعدم طلبه بعد، فكيف يصح يكون ما يستلزم عدم الطلب متضمنا لِمَا يستلزم الطلب. اهـ. قلت: ويظهر أن ما قاله ابن الشاط سليم، لأنه المستفاد من الآية الكريمة "وإن كان ذو عُسْرةٍ فَنَظِرةْ إلى ميسُرَةٍ، وأن تصدقوا غير لكم إن كنتم تعلمون"، ويقول البيت - ﷺ -: من أنظر معسرا ووضع له أظله الله يوم القيامة تحت عرشه حيث لا ظل إلا ظله، روَاهُ الامام الترمذى، وصححه ﵀ عن أو هريرة ﵁، فإنْظار الدين مطلوب، وإبراؤه واعفاؤه من الدين مرغوب ومندوب، وهو خير ثوابا وأعظم أجرا، واللهُ أعلم.
[ ١ / ١٧١ ]
وعشرين درجة، فدل ذلك على أن مصلحته عند اللهْ اكثر من مصلحة الواجب. (١٢٤)
الصورة الثالثة: الصلاة في مسجد رسول الله - ﷺ - خيرٌ من الف صلاة في غيره إلا المسجد الحرامَ. والمراد التفضيل بالمثوبةكما في الجماعة مع الانفراد، وقد فضَلَ المندوبُ الواجبَ، وذلك يدل على أن الصلاة في ذلك المكان أعظم عند الله ﷾. (١٢٥)
الصورة الرابعة: الصلاةُ في المسجد الحرام أفضَلُ من ألْف ومائة صلاة في غيره (١٢٦).
_________________
(١) علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه الصورة والمسألة الثانية ولخَّصَه البقورى، فقال (اي ابن الشاط: ليست الجماعة منفصلة عن الصلاة، بل الجماعة وصف للصلاة، فضلتْ به على وصف الانفرادِ، فصلاة المكلف إذا فعلها في جماعة وقعَتْ واجبة، واذا فعلها وحدَه وقعتْ كذلك، غير أنَّ احد الواجبين أعظم من الآخر، ولا ينكر مثل ذلك. ثم قال: "وأما أن يقال: إن صلاة الظهر - مثلا - إذا أوقعها المكلّفُ في جماعة، فكوُنها صلاة ظهر هو الواجب، وكونها في جماعة هو المندُوب، فليس ذلك بصحيح بِوْجهٍ، لأن كونها في جماعة ليس منفصلا عن كونها ظهرًا، بل هي ظهر، وهي في جماعة، اهـ.
(٢) عقب ابن الشاط على كلام القرافي فى هذه المسألة بقوله: إن كانت الصلاة التي تصلَّى في مسجد النبى - ﷺ - واجبة فهى تفضُل تلك الصلاة بنفسها إذا صُليتْ في غيره، وإن كانت نافلة فهى تفضل تلك الصلاة بنفسها إذا صُليتْ في غيره. اهـ. وكذا الامر بالنسبة للمسجد الحرام. قلت: ويؤخذ هذا الملحظ ويستفاد من قول النبى - ﷺ -: صلاة في مسجدي هذا خير من ألْفِ صلاة فيما سواه. حيث ورد فيه ذكر الصلاة نكرة اسم جنس، وهي بذلك تشمل الفريضة والنافلة وتصدُق عليهما معا.
(٣) كذا في النسختين ع، وح وغيرها، وكذا في هذه المسألة في كتاب الفروق حيث قال القرافي: "الصلاة في المسجد الحرام أفْضَلُ من ألف صلاة ومائة صلاة في غيره كما خرجه الثقات: ابن عبد البر وغيره)، ونصوص الاحاديث الواردة في فضل المسجد الحرام والمسجد النبوي هي: "صلاةٌ في مسجدى هذا افضل من الف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا"، وفي رواية اخرى: وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة الف صلاة فيما سواه". وعبارة الفروق لا تؤدى نفس المعنى المنصوص عليه في الحديث كما هو ظاهر عند التأمل، إلا بشئ من التأويل للعبارة وحمْلها على ما يدل عليه الحديث من الأفضلية بمائة الف صلاة لا بألف ومائةٍ كما قد يتبادر إلى الذهن من العبارة.
[ ١ / ١٧٢ ]
الصورة الخامسة: الصلاة في بيت المقدْس بخمسمائة صلاة.
الصورة السادسة: الصلاة بِسِوَاكٍ خيْرٌ من سبعين صلاة بغير سِواكٍ.
الصورة السابعة: الخشوع في الصلاة مندوب إليه.
وحيث كان هذا فأقول:
المصالح مَتى عَظُمتْ كانت مقدَّمة، سواء كان ذلك ندبا او واجبا. فإذا رأينا ندبا مقدما فما ذاك إلا لأن المصحلة فيه أعظم، وإذا رأينا واجبا مقدما فذلك أيضا لذلك المعنى.
فالشأن في الشريعة التقديم بقوة المصلحة، والغالب أيضا أن ما عظُمَتْ مصلحتُه أن يكون حكمه الوجوب، وما قصر عن ذلك أن يكون نَدبا.
قلت: المثالان الأولان ظاهر فيهما ما ذكرَهُ بِحَسَبِ بادى النظر لا بحسَبِ التحقيق، والمثالان الأخيران بَعيدان من ذلك غاية، فإن الصلاة بسواك مع الصلاة بغير سواك، ما وقع التفضيل بين واجب وندب، وإنما وقع بين صلاتين متساويتين في الحكم، فرضِ (١٢٧) الوجوب أو غيره، وزادتْ الواحدة بالسواك، والسِواكُ هو المندوب، وليس في السواك مفاضَلة، وكذلك حديث الخشوع، والصور الآخَرُ فيها نظَرٌ، بل ليس ظاهرًا (١٢٨) إلا في المثال الاول فقط.
وأما صلاة الجماعة تفضُلُ صلاة الفذ فلا، فإن التفضيل ما وقعَ إلا بين واجبين، وأحدُ الواجبَيْن زادَ على الآخرَ بانضمام مندوب اليه.
_________________
(١) في نسخة ح: فرضية (بالمصدَر الصناعى كما يقول النحاة في مثل هذه الصيغة)
(٢) في نسخة ح: بل ليس ظاهر، ولعله: ليس بظاهر كما في نسخة أخرى، فسقطت الباء من خبر ليس في النسْخ، وهى تزاد في خبرها اطرادا، كما في قوله تعالى: "أليس الله بأعلم بالشاكرين"، وقوله سبحانه: أليس الله بكافٍ عبده"، وقوله جل علاه: "ألَيْسَ الله بأحكم الحاكمين" وكذلك بعدما، كما في قوله تعالى: "وما الله بغافل عما يعملون" وقوله سبحانه: وما ربك بظَلَّام للعبيد وقد قرر ابن مالك هذه القاعدة في بيت من الفيته في النحو، فقال: وبعدما وليس جرَّ البا الخبَرَ وبعد لا ونفى كان قد يُجَرُّ والمعنى: ليس ما ذكر القرافي في هذه الصور ومسائلها من التوجيه ظاهرا، والله أعلم.
[ ١ / ١٧٣ ]
قال شهاب الدين ﵀: وممَّا قُدِّم فيه فعل المندوب على الواجب في الشرع، الجمع للمطر، والجمعُ بعرفة، وتركُ الجمعة بعَرفة (١٢٩).
وبيان ذلك أنه لما كان المطر والطين والظلمة كان إن بقي الأمر بالخروج للصلاة في العتَمَة لحِقَتْ المشقَّة الناسَ، والشريعَةُ جآت برفْعها، وكان فيها مع ذلك حِفْظُ الواجِبِ، وهو إيقاع الصلاة في وقتها، وإن قيل لهم: لا تخرجوا إليها لأجْل المشقة، فإما أن يقال لهم: صَلوا أفرادا في بيوتكم، وتفوتهم فضيلة الجماعة وذلك مندوب، وإما ان يقال لهم: صلوا الآن مجتمعِين، فيحفظ عليهِم المندوب، وفي ذلك تضييع الواجب الذي هو أداء الصلاة في وقتهاكما كان، فكان تقديما للمندوب على الواجب، وكذا الآمر أيضا بعرفة، تُرك فيه الواجب، وهو إيقاع الصلاة في وقتها، ليحصل اتصال الجمع بالذكر، وذلك مندوب إِليه، وكذلك تَرك الجمعة بها (اي بعرفة) من حيث إن الظهر بها يُصَلَّى سِرا لا جَهْرًا، وبهذا أسْكتَ
_________________
(١) = وأما حديث الخشوع، فالمراد به الحديث الصحيح الذى أورده الامام القرافي في الكلام على الصورة والمسألة السابعة المتحلقة بالخشوع في الصلاة، وهو قول النبى - ﷺ -: إذا نُودِيَ للصلاة فلا تاتوها، وأنتم تسعوْن، وأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصَلوا، وما فاتكم فأتِموا، وروى: وما فاتكُم فاقْضوا". قال القرافي حاكيا عن بعض العلماء: إنما امر - ﷺ - صحابته وأمته بعدم الإفراط في السعى لأنه إذا قدِم على الصلاة عقب شدة السعى يكون عنده انبهار وقلق يمنعه من الخشوع. اهـ. وعلق ابن الشاط على ذلك بقوله: لا يتعين ما قاله ذلك العالم بل لِقائِل أن يقول: إن الآمر بالسكينة إنما كان، لِأن ضدها المهى عنه، الذى هو شدة السعى شاغل للبال، مُنافٍ للحضور (اي حضور البال) الذى هو شرط في صحة الصلاة بحسب الوسع فليس في الحديث على هذا الوجه ما يدل على تقديم مندوب ولا تفضيله على واجب، بل فيه النهْيُ عن التسبب في الإخْلَال بشرط الواجب الذي هو حضور البال، وحضوره شرط في الخشوع، والله أعلم.
(٢) أوْرَدَ الامام القرافي ﵀ هذه المسائل، وذكَرها في أول الفرق الخامس والثمانين، وفصلها وبسطها بسطا واضحا شافيا، وهو ما أختصر الشيخ البقوري في ذكرهِ لها هنا. وقال في ذلك: إنَّ الجمع بعرفة تُرك فيه واجبان: أحدهما تاخر الصلاة لوقتها وهي العصر، فتصلى مع الظهر. مع إمكان الجمع في تحصيل مصلحة الوقت ودفع الضرر. وقد علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسائل بأن ما قاله في ذلك صحيح لا باس به.
[ ١ / ١٧٤ ]
مالك أبا يوسف حيث نازعَه أن الجمعة لا تُصَلَّى. (١٣٠) وأيضا، فالخطبة ظاهر منها أنها لعرفة لا للجمعة.
فأجاب لِمَ كان؟ فقال: أما يوم عرفة فالجمعة لم تكن فيها، لأنهُ جُعِلَ للنادر حكم الغالب، والغالبُ لا جمعة عليه، إذ هم مسافرون، فليس في ذلك تركُ الواجِب.
وأمّا تركُ تأخير العصر إلى وقتها فلضرورة الِإقبال على الله تعالى في ذلك اليوم أن يتصل، لأنه يوم عظيم لا يُوصَلُ اليهِ الا بالمشقة العظيمة، فكانت مصلحة ذلك الِإقبال أن يحصُلَ أعظمُ من الوقت.
وأما تقديم الجمع ليلة المطر فذلك لأن مصلحة الجمع الذي هو مندوب أعظم عند الله من مصلحة الوقت، وذلك أفضل، لقوله - ﷺ -: تفْضُلُ صلاةُ الجماعة صلاةَ الفذ بسبع وعشرين درجة، وقد تقدمت الصورة المذكورة.
وبهذه القاعدة يظهر أن كثرة الثواب وقلتَه قد تُعرف بكثرة المصالح وقلتها، وتُعرف أيضا بكثْرة الفِعل وقِلته، وتعرَفُ أيضا بجهْدِ الفعل ويَسَارَتِهِ، وقد يختلف باختلاف المقاصد، والمقاصد تتفاوتُ غاية، وقد يوجَدُ خلافُ هذا كتفضيل
_________________
(١) ذكر القرافي ﵀ هذه المسألة بشئ من البيان، والتفصيل، فقال: لما حج هارون الرشيد ومعه ابو يوسف، واجتمعا بمالك في المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وقع البحث في ذلك، فقال أبو يوسف: إذا اجتمع الجمعة والظهر يوم عرفة قدمت الجمعة لانها أفضل وواجبة قبل الظهر مع الإمكان. قال له مالك: إن ذلك خلاف السُّنة، وقال له ابو يوسف: من أين لك ذلك وأنه خلاف السنة، فإن رسول الله - ﷺ - صلى بالناس ركعتين، قبلَهما خطبة، وهذه هي صلاة الجمعة؟ فقال له مالِك: جهر فيهما أوْ أسَرَّ؟ فسكتَ ابو يوسف، فظهرت الحجة لمالك بسبب الإسْرار، ﵃أجمعين. لأن الجمعة جهرية، فلمّا صلى ﵇ كعتين سِرًّا دل ذلك على أنه صلى الظهر سفرية وترك الجمعة، والخطبة ليوم عرفة لا ليوم الجمحة، لأن عرفة، إنما خطبتُهُ لتعليم الناس مناسك الحج، كانت في يوم الجمعة أوْ لا. اهـ. قلت: وهذه المناظرة والمحاورة نموذج للمناظرات العلمية الهادئة، والمحاورات الرزينة النافعة التي كان العلماء يتبادلونها بالحجة والمنطق للوصول إلى الحقيقة والصواب والإقناع والاقتناع. ﵏.
[ ١ / ١٧٥ ]
القصر على الإتمام، تفضيل تكبيرة الإحرام على غيرفا من التكبيرات، تفضيل قرآة أم القرآن في الصلاة عليه في غير الصلاة، ولله أن يفعلَ ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهذه قاعدة أدرجتها في هذه التي هي القاعدة الخامسة عشرة. (١٣١)
_________________
(١) القاعدة المدرجة هنا هي موضوع الفرق السادس والثمانين بين قاعدة ما يكثر الثواب فيه والعقاب، وبين قاعدة ما يقل الثواب فيه والعقاب، جـ ٢ ص ١٣١. وقد ذكر القرافي ﵀ قبل هذا الفرق في معرض إجابته عن الاسئلة الشائكة حول الجمع ليلة الطر، والجمع بعرفة، وترك صلاة الجمعة يوم عرفة، بيانا وتوضيحا فقال: إن المندوبات قسمانِ: قسم تقْصُرُ مصلحته عن مصلحة الواجب وهذا هو الغالب، فإن أوامر الشرع تتْبخ المصالح الخاصة والراجحة، ونواهيه تتبح المفاسد الخاصة أو الراجحة حتى يكون أدفى المصالح يترتب عنه الثواب، ثم تترقى المصلحة والندب وتعظُم رتبته حتى يكون أعلى رتبَ المندوبات تليه ادنى رتب الواجبات، وأدنى رتب المفاسد يترتب عليها أدنى رتب المكروهات ثم تترقى المفاسد والكراهة في العظم حه ى يكون أعلَى رتب المكروهات تليه أدنى رتب المحرمات، هذا هو القاعدة العامة (وهو القسم الاول من المندوبات). ثم إنه قد وُجد في الشريعة مندوبات أفضل من الواجبات، وثوابُها أعظم من ثواب الواجبات، وذلك يدل عَلى أن مصالحها أعظم من مصالح الواجبات، لأن الأصلَ في كثرة الثواب وقلتِه كثرة المصاع وقلتُها. ألَا ترى أن ثوابَ التصدق بدينارٍ، أعظمُ منه بدرهم، وأن سَدخلة الولى الصالح أعظم من سَدَّخلة الفاسِق الطالح، لِأن مصلحة بقاء الولي والعالم لنفسه ولِلخَلْقْ اعظمُ، هذه هي القاعدة العامة في غالب موارِد الشريعة. ثم إنه قد وقع في الشريعة مواضع مستوية في المصلحة، وأحدها أكثر ثوابا، كقرآة الفاتحة في الصلاة وغيرها، والتصدق بشاة او دينار في الزكاة، وفي غيرها من صدقة التطوع .. الخ وهو في الشريعة قليل، ولله تعالى أن يفضل أحد المتساويين على الآخَرِ اهـ. وعلق ابن الشاط على كلام القرافي هنا، فلم يسلم ولم يصحح القول بوجود مندوبات أفضل من الواجبات، ولا باعتبار ثوابها اكثر من الواجبات، وسلم وصحح القول بمساواة التصدق بدينار أو درهم في صدقة الزكاة والتطوع بشرط استواء حال المتصدِّق والمتصدِّق عليه، كما يُسلم باستواء قراة الفاتحة في الصلاة وغيرها، وسلم وصحح القول بأن لله أن يفصّل أحد المتساوين على الآخَرِ بإرادتِهِ وفضله.
[ ١ / ١٧٦ ]