نقرر فيها الكلي والجزئي، والكل والجزء، ثم الحمل على الأجزاء أو الحمل على الجزئيات من حيث اعتبار الكل والكلي، فنقول:
الكُلُّ يُستعمل مع الأجزاء، والكلي يستعمل مع الجزئي، فمثال الأول كعشرة، إذ هي كل، وما تحتها أجزاءٌ لها. ومثال الثاني قولنا: الحيوان إنسان،
_________________
(١) مما ذكره القرافي وهو يتحدث عن الفرق بين المعصية الصغيرة والكبير قولُهُ: "وهذِه مواضع شاقة الضبط، عسيرة التحرير، وفيها غوامض صعبة على الفقيه والمفتى عند حلول النوازِلِ في الفتاوي والأقضية واعتبار حال الشهود في التجريح وعدمه. وأنا ألَخِّصُ من ذلك ما تيسَّر، وما لا أعرفه وعجزتْ قدْرتي عنه، فحظِّى منه معرفة إشكاله، فإن معرفة الإِشكال علم في نفسه، وفتحٌ من الله تعالى، فأقول: إن الكبيرة قد اختلِف فيها، هل تختص ببعض الذنوب والمعاصي أمْ لا؟ فقال: إمام الحرمين وغَيره: إن كل معصية كبير، نظرًا إلى من عصى، وكأنهم كرِهوا أن تسمى معصية الله صغيرة، إجلالا لله تعالى وتعظيمًا لحدوده ، وقال جماعة: بل الذنوبُ متقسمة إلى صغائر وكبائر، وهذا هو الأظهر من جهة الكتاب والسنة والقواعد، فذكر قول الله تعالى: "وكرَّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان"، وقول النبي - ﷺ -: الكبائر سبْعٌ، وقال: وأما القواعد فلأِن ما عَظُمتْ مفسدته ينبغي أن يسمَّى كبيرة، تخصيصا له باسم يخُصُّهُ، والصغيرة ما قلت مفسدتها، فيكون ضابط ما تُرد به الشهادة أن يُحفَظ ما ورد في السنة أنه كبيرة، فيلحق به ما في معناه، وما قصر عنه لا يقدحُ في الشهادة. وعلق عليه الشيخ ابن الشاط بقوله: القواعد المستفادة من الكتاب والسنة تقتضى القطع بالتفاوت بين الذنوب في الذم والعقاب إن نَفَذَ الوعيدُ، ثم قال ابن الشاط: وما قاله القرافي في ضابط ما تُرد به الشهادة، صحيح. اهـ.
(٢) هي موضوع الفرق الحادي والعشرين بين قاعدة الحمل على أول جزئيات المعنى، وقاعدة الحمل على أول أجزائها، أو الكلية على جزئياته وهو العموم على الخصوص .. جـ ١ ص ١٣٤. قال القرافي ﵀ في أوله: "وهذا المعنى قد التبس على جمع كثير من فقهاء المذهب وغيرهم، وهذا الموضع أصلهُ إطلاق وقع في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الاسم، هل يقتضى الاقتصار على أوله أم لا؟ قولان. فلما وقع هذا الإطلاق للأصوليين عمل جماعة من الفقهاء على تخريج الفروع عليه، على خلاف ما تقتضيه هذه القاعدة ولابد من قاعدتين:
[ ١ / ٣٤١ ]
والحيوانُ كلي للإنسان، والإنسان جزئيٌّ له، ثم هذا الجزئي قد يكون كلّيًا باعتبار الأشخاص الذين تحته، وذلك زيد وعمْرو وغير ذلك فإنها جزئيات له. فالجزئي قسمان: الشخص، وهو جُزئي بإطلاق، والنوعُ جزئي كُلِّي باعتباريْن كما تقدم، وهذا هو معنى قول العلماء: الجزئي يقال على الشخص، وعلى كل أخَصَّ تحت أعمّ.
ثم الأول جزئىٌّ عقلي، والثاني جزئىٌّ إضافي. ويقولون أيضا: اللفظ المفردُ إمَّا أن يمْنَعَ نفسُ تصور مفهومه من الشركة وهو الجزئي، أوْ لا يمنعُ وهو الكلي، وهذا بيان للجزئي الحقيقي، والكلي هو المقابل له كما قلناه.
فإذا تقرر هذا قلنا: اللفظ الدال على الكل دالٌّ على أجزائه في الأمر والثبوت من الخبر، بخلاف النهي، والنفي من الخبر، فإذا أوجب الله ركعتين فقد أوجبَ ركعة، وإذا أخْبِرْنا أن زيدًا له نصاب فقد أُخْبِرنا أن عنده عَشَرةَ دنانير، وإذا نَهى الله عن الصُّبْح أن تُصَلى ثلاثَ ركعات لَمْ ينهَ عن ركعتيْن، وكذلك إذا قلنا: ليس عنده نصاب، لا يلزم أنهُ ليس عنده عشرة دنانير. والسبب في ذلك أن النفي والنهي جاء لِإعدام الحقيقة، وعدم الحقيقة يتصور بفرد واحد من أجزائها، كما يتصور بجميع أفرادها، والأمر والثبوت جاء لطلب الحقيقة وإيجادها، وإنما توجد بجميع أجزائها.
_________________
(١) = الأولى تحقيق الجزئي ما هو، وله معنيان ، والثانية بيان الجزء، وهو الذي لا يعْقَلُ إلا بالقياس إلى كُلٍّ، فالكل مقابلٌ للجزءِ، والكلي مقابل للجزئي ، وها هنا قاعدة وهي أَن اللفظ الدال على الكل دال على جرئه في الأمر وخَبَرِ الثبوت، بخلاف النهي وخبر النهي، فإذا أوجب الله تعالى ركعتين فقد أوجب ركعةً، وإذا قلنا: عند زيد نصاب فعنده عشرة دنانير الخ وقد علق الفقيه المحقق قاسم ابن الشاط ﵀ على هذه القاعدة عند القرافي بقوله: ما قاله في هذه القاعدة غير صحيح، بل اللفظ الدال على الكل دال على جزئه مطلقا، ثم قال ابن الشاط معلقا على التمثيل بركعة ركعتين: "إن أراد، فقد أوجب ركعة منفردة فممنوع، وإن أراد فقد أوجب ركعة مقارنة لأخرى فمسَلَّمٌ. اهـ .. وإن أراد فعنده عشرة دنانير منفردة فممنوع، وإن أراد فعنده عشرة دنانير مقترنة بأخرى فمسَلَّمٌ. اهـ. وكلام شهاب الدين القرافي ﵀ في هذه القاعدة يَعْطي وضوحا وبيانا أكثر لِما عند الشيخ البقوري في أولها.
[ ١ / ٣٤٢ ]
قلت: يشكل هذا بأن الركعة في الصبح هي ذات أجزاء اشتملت عليها كالقيام والركوع والسجود والقراءة والدعاء، فيلزَمُ أن يكون الكل من الأجزاء واجبا. ومعلومٌ أن الصلاة المحكوم عليها بالوجوب اشتملت على مفروض ومسنون وفضيلة.
ثم اللفظ الدال على الكلي، قال شهاب الدين، لا يدل على جزئي من جزئياته مطلقا من غير تفصيل، بل إنما يفهم الجزئي من أمر آخر غير اللفظ. فإذا قلنا: في الدار جِسم، لا يدل على أنه حيوان.
قلت: هذا الكلام في الجزئي والكلي يظهر منه أن هذا بحسب الأمْرِ والنهى، وبحسَب الثبوت والنفى. وليس كذلك، فإنَّكَ إذا قلت: ليست في الدار حيوان فقد دلَّ على أنهُ ليس فيه جميع الجزئيات، لأنه إذا انتفى الأعَمُّ انتفى الأخصُّ، كما أنك إذا قلت: عندهُ نصاب، فقد أخبرت بأن عندهُ عشرة وخمسة وجميع الأجزاء. والذي يظهر لي منه أنه أراد أن دلالة اللفظ على الأجزاء تضمُّنيَّةٌ، وعلى الجزئيات لزومية، وكيف كانت فهى لفظية، وإنما الفرق من حيث إن دلالة اللزوم ما دَلَّ اللفظ عليها بالوضع وإنما دل عليها بالعقل. والوضعية هي المطابقة، والتضمُّنية مختلف فيها، قيل: هي عقلية، وقيل: وضعية (٦٩).
_________________
(١) = وقد سبق لنا أثناء الكلام على القاعدة الأولى من قواعد الخبر، تعليق في بيان الكل والجزء، والكلي والجزئي، والكلية والجزئية يبُين ويوضح مدلولات هذه الكلمات ومصطلحاتها عند علماء الأصول والمنطق بما يجْعلها جلية واضحة ومفهومة في هذا القاعدة أكْثرَ.
(٢) سبق تعريف كل منها عند علماء الأصول والمنطق، فدلالة المطابقة: هي دلالة اللفظ على تمام معناه كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، ودلالة زيد على شخص معين أو ذات معينة، ودلالة التضمن هي دلالة اللفظ على جزء معناه كدلالة الإنسان، على الحيوان فقط أو على الناطق فقط، ودلالة الالتزام هي دلالة اللفظ على أمر خارج عن معناه، لازم له ذِهْنا، كدلالة الأسد على الشجاعة. وقد جمعها ناظم متن السلم في علم المنطق، الشيخ الأخضري ﵀ فقال: دلالة اللفظ على ما وافقه يدعونها دلالةَ المطابقة وجزئه تضمُّنًا وما لزم فهو التزامٌ إن بعقل التُزم
[ ١ / ٣٤٣ ]
ثم قال شهاب الدين -﵀-: إذا تقررت هذه القاعدة ظهر أن حمل اللفظ على أدنى مراتب جزئياته لا تكون فيه مخالفة اللفظ، لعدم دلالتهِ على غير هذا الجزئي، أما إذا حملنا الأمْرَ على أقَلِّ الأجزاء فقد خالفنا اللفظ بأنه يدل على الجزئي الآخر، وما أتينا به. وهذا كقوله: أعتِق رقبة، وصومُوا رمضان، فلابدّ في هذا الثاني من جميع الأجزاء، بخلاف الأول.
قال: وبهذه القاعدة يظهر بطلان قول من يُخَرِّجُ الخلافَ في غسل الذكر من المذي، هل يقتصر على الحشفة أم لابد من جملته، لأنه اقتصارٌ على جزءٍ لا جزئي، وكذلك تخريجُ الخلاف في التيمم، هل هو إلى الكوعين أو المرفقيْن أو الِإبْطين. على هذه القاعدة لا يَصح أيضًا، فإن الكُوعَ جُزْئي، (٧٠) وإنما يخرج عليها مثل قوله تعالى: "فإنْ آنسْتم منهم رُشدًا"، قال بعض العلماء: نَحْمله على أدنى مراتب الرشد، وهو الرشد في المال خاصَّةً، قاله مالك ﵀، أو على أعلى مراتب الرشد، وهو الرشد في المال والدِّين، قاله الشافعى، مع أن الرشد بصيغةِ التنكير الدَّالِّ على المعنى الأعم الذي لا يدل على جزئي خاص، فليس في حَمْله على أدْنى الرتب مخالَفَةٌ البتَّة، بخلاف المثالين الأولين. (٧١)
ومنها مسألة الحرام إذا قال: أنت علىّ حرام، هل يُحْمَل على الثلاث أو الواحدة؟ خلاف يصح تخريجهُ على هذه القاعدة، لأنَّ قوله: حرام، مطْلَقٌ يدل على مطلق التحريم الدائر بين الرتب المختلفة، فأمكن حمله على أدناها وعلى أعلاها. (٧٢)
_________________
(١) عبارة القرافي: فإن الكُوعَ جزء اليد لا جزئي منها.
(٢) علق الفقيه ابن الشاط على هذه المسألة بقوله: قلت: قوله: "مع أن الرشد ذُكِرَ بصيغة التنكير الدال على المعْنى الأكم، ليس بصحيح، بل صيغة التنكير دالة على المعنَى المطلق، والمطْلق ليس هو المعنى الأعم. بل هو المعنى الأخصُّ المبهَمُ غيرُ المعيَّن اهـ.
(٣) علق الشيخ ابن الشاط على هذه المسألة عند الإِمام القرافي بقوله: قلت: قوُله: "لأن قولَه حرام، مطلقٌ دال على مطلق التحريم الدائر بين الرتب المختلفة فأمكَن حمله على أعلاها أو على أدناها"، صحيح، وكذلك شأنُ المطْلَقَاتِ، وليست من القاعدة التي أرادها، لكن هنا أمرٌ آخَرٌ هو سبب الخلاف وهو العُرف في لفظةِ حرام، هل هو الثلاث أو الواحدة؟ . اهـ.
[ ١ / ٣٤٤ ]
"تنبيه".
ليس الخلاف في هذه القاعدة مطلقا في جميع فروعها، بل فروعها ثلاثة أقسام:
قسم أجْمَعَ الناس على الحملِ على أعْلى الرتب، وهو ما ورد من الأوامر بالتوحيد والإخلاص، وسلبِ النقائض، وما يُنسَبُ إلى الرب تعالى من التعظيم، فهذا القِسم، الأمر فيه متعلّق بأقصى غاياته الممكنة للعبد.
وقسم أجمعَ الناس على الحمل على أدنى الرتب فيه، وهو الأقارير، فإذا قال له: عِندي دنانيرُ حمل على أقل الجمع وهو ثلاثة، وهو أدْنى رتبها مع صدقها في الآلاف، لكون الأصل براءة الذمة فيقْبَلُ (٧٣)، وليس الأصل إهمال جانب الربوبية، بل عكسُه والقيام فيه بأكمل ما ينبغي (٧٤)
القسم الثالث مختلفٌ فيه، وهو ما تقدَّمَ من المسائل ومَا يشْبهُهَا.
_________________
(١) عند القرافي، "فيقبل تفسيرُه بأقَل الرتب"، وذلك أظهر وأبْين.
(٢) عند القرافي: وليس الأصل إِهمال جانب الربوبية، بل تعظيمها (أي الربوبية)، والمبالَغَةُ في إجلال الله تعالى، لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، فهذا الفرق بين القِسْميْن.
[ ١ / ٣٤٥ ]