نقرر فيها الفرق بين كون الزمان ظرفا لايقاع المكلَّف به فقط، وبين كون الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به، وكل جزء من اجزائه سببا (٢١٧) للتكليف والوجوب، فتجتمع الظرفية والسببية في كل جزء من الأجزاء، فنقول:
يظهر الفرق بذكر أربع مسائلَ:
المسألة الأولى: أوقات الصلوات، كالقامة مثلًا بالنسبة إلى الظهر، هي ظرف للتكليف، لصحة وقوع الصلاة فيها، وكل جزء من تلك الأجزاء سببٌ للتكليف، وليس الزوالُ فقط سببًا للتكليف، وإلَّا لزم أن يكون من أسلم وسط القامة لا يلزمه الظهر، من حيث إن السبَّبَ لا يتقدم سبَبَه، وذلك باطل، فلزم ما
_________________
(١) رواه أبو داود والحاكم رحمهما الله عن ابن عمر ﵄.
(٢) قال ابن الشاط: على تسليم أن الطلاق تحريم، والعتْق قُرْبة، وكون العتق قربة لا يمنعه أن يكون تحريمًا، بل هو تَحريم للتصرف في المملوك، فلا فرقَ".
(٣) هي موضوع الفرق الثاني والأربعين بين قاعدة كون الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به فقط، وبين قاعدة كون الزمان ظرفا للإيقاع، وكل جزء من أجزائه سبب للتكليف والوجوب، فيجتمع الطرفان: الظرفية والسببية في كل جزء من الأجزاء. جـ ١ ص ٢٢٠.
(٤) كذا في نسخة ع، وح بنصب كلمة سببًا. فيكون وجه النصب على هذا أنه مدخول لكونٍ مقدر في العطف، (أى مع كون كل جزء سببًا). ومن المعلوم أن مصدر الفعل الناقص يعمل عمل فعله، ومن ذلك البيت المشهور القائل: بِبَذْل وحِلْمٍ ساد في قومه الفتى وكَونكَ إياهُ عليك يسير (أي سهل ميسَّر) وفي نسخة أخرى، وفي كتاب الفروق: سبب بالرفع، ووجْهُهُ أنه خبر للمبتدأ الذي هو كل جزء، والجملة حالية، تفيد معنى المعية، فتكون العبارتان صحيحتين وسليمتين معا، وتؤدِّيانِ معنى واحدًا وهو المعية والمصاحبة. أما الرفع فوجهْه ظاهر، كما عند القرافي، والمسألة الأولى هنا.
[ ١ / ٢١١ ]
قلناه، وما يتوهم أن السبب للوجوب، (٢١٨) الزوالُ فقط، باطل.
المسألة الثانية: أيام الأضاحى الثلاثةُ أو الأربعة، على الخلاف في ذلك، ظروف للتكليف، لصحة وقوعِ الذبْح فيها، وهي -أيْضًا- أسباب للتكليف، بل كلُّ جزْء من أجزاء الأيام، وإلا لزم الَّا تجب على من أَسْلَم في اليوم الثانى أو في اليوم الثالث، وذلك باطِلٌ.
المسألة الثالثة: شَهْرُ رمضان المعظم، أيَّامُه ظروف لَلتكليف بالصوم، وأيَّامه ايضا أسبابٌ للتكليف، بذلك الدليل بعينه، إلا أن أجْزاء اليوم ليست بأسباب، (٢١٩) كأجزاء وقت الصلاة، ولذلك كان من أسلَم في يوم لم يجب عليه ذلك اليوم، ومن أسلم في ليلةِ يوم وَجَبَ عليه اليوم الذي أسلم قبل طلوع فجْره، وفي أجزاء الصلاةِ ايضا خلاف في بعض الأجزاء، من أدرك ركعة من الصلاة، يقال: إنه سببُ، وأقلُّ منه ليس سببًا للتكليف عند مالك، وهو عند غيره سبب كسائر الأجزاء قبله. فهذه المسائل الثلاث هى ظروف وأسباب.
_________________
(١) في نسخة ح: "من أن السبب"، بذكر حرف الجر لِلبيانِ، على حد قوله تعالى في سياق فِرعون وملائه ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾، فمن آيةٍ، بيان لما يريهم الله من علامات ودلالات على وحدانيتهِ وإحاطة علمه وكامل قدرته وإرادته. وتخرج نسخة ع، على أن حذف الجر: من، مُطّرد قبل أنْ وأنّ، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وإلى ذلك يشير ابْنُ مالك في بيت من الفيته حيث قال: وعَدِّ لازمًا بحرف الجرّ وإن حُذِف فالنصبُ للمنجَر نقلا، وفي أنَّ وأنْ يطَّرِدُ مع أمْنِ لبس كَعَجبتُ أن يدوا أي عجبتُ أن يعطوا الدية، من الفعل الثلاثى وَداهُ يديهِ، مثل وقاهُ لقيه، إذا ادَّى ديته نتيجة القتل خطأ.
(٢) في نسخة ح: أسبابا، وكلاهما صحيح وسليم، إذ من المعلوم أنَّ خبر ليس تدخل عليه الباء للتوكيد، على حد قوله تعالى، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، كما قد تدخل الباء على خبَر ما النافية المشبهة بليس، والعاملة عملها، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. وقد نص على ذلك علامة النحو والصرف في زمانه ابْن مالك قال في منظومة ألفتيه: وبعدمَا وليس جرَّا البا لخبَر .. وبعْدَ لا ونَفْي كان قد يجر أي قد يجر خبرُ لا النافية، وخبر كان بحرف الجرالبا، على سبيل الندرة، بينما جره بعد ما وليس على سبيل الاطراد والكثرة.
[ ١ / ٢١٢ ]
فلنذكر ثلاث مسائل هي ظروف للتكليف فقط:
المسألة الرابعة: قضاء رمضان يجب وجوبًا موسَّعًا إلى شعبان من تلك السنة، كما يجب الظهر وجوبًا موسَّعا من أول القامة إلى آخرها. غير أن هذه الشهور هي ظروف للتكليف فيها بالقضاء، دون أن يكون شيء من أجْزائها سببا للتكليف، بدليل أن من زال عذره فيها لا يلزمه شيء، وإنما السببُ في وجوب هذا الصوم أجزاء رمضان السابق، فكل يوم هو بسبب لوجوب القضاء في يوم آخر من هذه الشهور إذا لم يصم فيه. ولا يعتقد أن رؤية الهلال له سبب في القضاء إلا من حيث إنه سبب لجعل كل يوم من أيام الشهر سببا لوجوب الصوم (٢٢٠)، ثم إذا ترك ذلك الواجب كان سببا، فالسبب الترك لا الهلال، ولكنه انْبَتَى على الترك أنه سبب على وجوب الفعل، والله أعلم.
المسألة الخامسة: جميع العُمُر ظرف لوقوع النذُور والكفارات، لوجود التكليف في جميع ذلك، وهذا بعد البلوغ ولزوم التكليف، وليس شيء من ذلك سببا، بل السبب اليمين أو الالتزام.
المسألة السادسة: شهور العِدّة ظرف للتكليف بالعِدة لوجودها فيها، وليس شيء من أجزائها سببا للتكليف بالعِدة، بل السبب الوفاة أو الطلاق، وهذه الشهور تشبه شهور قضاءِ رمضان من هذا الوجه، وتفارقها من جهة أنها مضيَّقة، وتلك، التكليفُ فيها موسعٌ، ولنذكر المسألة السابعة لِمَا تركّبَ من القسمين.
المسألة السابعة: زكاة الفطر، قيل: تجب بغروب شمس آخِرِ أيام رمضان، وقيل: بطلوع الفجر يومَ الفطر، وقيل: بطلوع الشمس منه، وقيل:
_________________
(١) عبارة القرافي هنا أظهر حيث قال: ولا يعتقد أن سبب وجوب القضاء هو رؤية الهلال فقط، بل رؤية الهلال سبب لجعل كل يوم من أيام رمضان سببا للوجوب وظرفا له، فيصير سببُ رؤية الهلال كل يوم سببا لوجوب الايقاع فيه، وتفويته سببا للصوم في يوم آخر من هذه الشهور فقط، فتأمل ذلك فقَل من يتفطَّن له، بل يعتقد في بادئ الرأي أن سبب القضاء والأداء هو رؤية الهلال فقط، وليس كذلك الخ.
[ ١ / ٢١٣ ]
تجب وجوبًا موسّعا من غروب الشمس آخر أيام رمضان إلى غروب الشمس يوم الفطر.
وقولُ هذا القائلِ: تجبُ زكاة الفطر وجوبًا موسّعا من الغروب إلى الغروب، معناه لا يأثم بالتاخير بعد الغروب يومَ الفطر. والمنقول عن صاحب القول الأول أنه لا يأثَم بالتاخير إلى غروب الشمس يوم الفطر، وإنما يأثم بالتاخير بعد الغروب يوم الفطر، وهذا هو عين القول الرابع.
وقد عَسُرَ الفرقُ على جماعة من الفضلاء بين هذين القولين، والفرقُ بينهما إنما يستفاد من معرفة الفرق بَيْنَ هاتين القاعدتين، وذلك أن القائل الأول يقول: غروب الشَّمس يومَ الصوم سَبَبٌ، وما بعده ظرف للتكليف فقط، ولا يكون شيء من أجزاء هذا الزمان سببا للتكليف، والقائل الرابع يقول: كل جزء من أجزاء هذا الزمان من الغروب إلى الغروب ظرف للتكليف وسبب له، فقد اشتركا في التوسعة، لكن توسعة الثاني كتوسعة صلاة الظهر، والآخر كتوسعة قضاء رمضان.
ويُخَرَّجُ على القولين من بلغ في هذا الوقت أو أسلم، فيتوجه الأمر على القول الثاني، ولا يتوجه على القول الأول.