نقرر فيها الفرق بين ما يدخله المجاز في الأيمانه، وبين مالا يدخله المجاز (٤٠) والتخصيص فنقول:
الألفاظ على قسمين: نصوص وظواهر: فالنصوص قسمان: الأول أسماء الأعداد، نحو الخمسة والعشرة وغير ذلك فلا يدخلها المجاز، كأن تطْلق تسعة وأنت تريدُ بها عشرة، ولا التخصيص، كأن تطلقَ تِسعةَ وأنت تريد بها خمسة، والتخصيص مجاز إذا نظِر بأنَّه استعمال اللفظ لِغَيْر ما وضع له، ولكنه فيه إبقاء بعض، فالتخصيص أخصُّ من المجاز، فكل تخصيص مجاز، وليسَ كل مجاز تخصيصا.
والقسم الثاني: الإسْمان الكريمان: اللهُ والرحمان، لا يجوز استعمالهما فى غير الحق جل وعلا، فالمانع من هذا القسم شرعي، ومن الأول لغوي.
وأما الظواهر فهي ما عدا هذين القسمين من العمومات وأسماء الاجناس، فيجوز المجاز فيها والتخصيص.
_________________
(١) هي موضوع الفرق الثامن والعشرين والمائة بين ما يدخله المجاز في الأيمان، والتخصيص، وقاعدة مالا يدخله المجاز والتخصيص. جـ ٣، ص ٦٠. ولم يعلق عليه الفقيه ابن الشاط بشيء.
(٢) المجاز كما عرفه الإِمام القزويني في كتابه التخليص هو: الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب على وجه يصح، مع قرينة عدم إرادة المعنى الحقيقي، فلا بد - إذن - من العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، ليخرج الغلط والكناية الخ .. ومبحثه من مباحث علم البيان من علوم البلاغة، فليرجع إليه من أراد التوسع والتفصيل في ذلك وفي انواعه.
[ ١ / ٢٣٧ ]
لكنه يرِدُ علينا سؤالٌ، وهو أن اسم العدد جاء فيه المجاز، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ (٤١)، قال العلماء: المراد الكثرة كيف كانت، وكذلك قوله تعالى: "سَبعُين ذِراعًا" (٤٢)، أي طويلة جدًا، فخصوص السبعين ليس مرادًا، بل المراد المراتُ الكثيرة جدًا. ومن كلام الناس: سألتك ألف مرة فما قضيتَ لي حاجة. فعلى القاعدة المقررة في الموضعين: إذا حلف ليَعتَقن ثلاثة عبيد اليوم، فأعتق عبْدَيْن، وقال: أردتُّ بذلك عبْدَين لم تُفِدْهُ نيتُه، وحنث إذا خرج اليومُ ولم يَعتِقْ الثالثَ. فإذا قال: والله لأعتقن عبدي (٤٣) وقال: أردت بالعتق البيع، وبالعبيد الدواب لأفاده ذلك، لأن المجاز هنا يصلح، وهنالك لا يصلح. فإذا قال: والله لأعتقن ثلاثة عبيد، وقال: أردتُّ به بيع ثلاث دواب جاز، لأن المجاز لا يمنع فيها إلا من حيث العدد.
ونظيره من الطلاق: أن يقال: أَنْتَ طالق ثلاثا، فلا يفيده أن يريد بذلك طلقتين، فإن قال: أردت بذلك أنك طلقت من الولادة (٤٤) ثلاث مرَّات أفادهُ.
وقد أشكل ذلك على ناسٍ فقالوا: أفادته النية في الكل، ولم تُفده في البعض، وهو خَلاف القواعد.
_________________
(١) سورة التوبة: الآية ٨٠، في المنافقين. وتمامها: "فلن يغفر الله لهم".
(٢) سورة الحاقة: الآية ٣٢. في معرض من أوتي يوم القيامة كتابه بشماله، فكان محكوما عليه بالعذاب والشقاء في الآخرة، مصداقا لقوله تعالى مخاطبا ملائكة العذاب بأمره سبحانه، ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾.
(٣) في نسخة عبيدًا (بالتنوين)، والذي في نسخة أخرى وفي الأصل عند القرافي عبيدى، (بياء الإضافة)، وهو أنسب وأظهر، لأن الجامع بين الحقيقة، التي هي العبيد، والمجاز الذي هو الدواب، هو الملك في كل، والملك مستفاد أكثر من الإضافة لا من التنكر، على اعتبار أن المرء لا يعتق في الغالب، إلا ما يملك من العبيد، وقد يعتق منهمْ غير ما يملك في النادر، وبذلك يبقى للتنكير في كلمة العبيد وجه وإن كان مرجوحا، والله أعلم.
(٤) كذا في ثلاث نسخ من الترتيب: "من الولادة" على أن من ابتدائية. والذي رأيته في الأصل الذي هو كتاب الفروق هو كلمة من الولد. والمعنى متقارب فيما يظهر،
[ ١ / ٢٣٨ ]
وجوابه أن النية إنما أثرَتْ في لفظ المعدود فقط وهو الطلاق، وأما اسم العدد فباق على حالة، غير أنه لما تغير المعدود وانتقل، انتَقَل العدد معه على حالة، وهو ثلاث من غير تغيير لمفهوم الثلاث. فالمجاز كان خاصًا باسم الجنس لا بالعدد.
وكذلك ايضا لو قال: واللهِ أو الرحمان، وقال: أردت بذلك بعض المخلوقات، من باب إطلاق الفاعل على أثره، لما بينهما من العلاقة لم ينفعْه، ولزمته الكفارة، بخلاف ما لو قال: والعليم والعزيز، وقالَ: أردت بعض المخلوقات، لكان له ذلك، ولم يلزْمه كفارة، وإنما لا ينفعه هذا في الاسمين خاصةً، لما تقدَّمَ من أنَّهما نصانِ شرعًا، كما أن أسْماءَ الأعداد لا يكون فيها المجازُ لغةً.