نقرر فيها الفرق بين الشقة المسقطة للعبادة وبين التي لا تسقطها، فنقول:
المشاقُّ قسمان، أحدهما لا تنفك عنه العبادة كبرْد الماء في الوضوء، وألم الجوع في الصوم، فهذا لا يُسْقط شيئًا، لأن الأحكام مقرَّرة على التزام هذا.
القسم الثاني ما تنفَكُّ عنه العبادة وهو ثلاثة أنواع: في الرتبة العليا كالخوف على النفوس وعلى الأعضاء والمنافع، فهذا يوجب التخفيف، وفي الرتبة الدنيا فلا يوجبُ تخفيفا، والرتبةُ الوُسطَى ما قرُب منها للعليا جَرَى مجراها، وما قرُبَ منها للدنيا جرى مجراها، لذلك فلا يوجب شيئا.
ثم إن المشقة في الاعتبار أو الِإلغاء لها تختلف باختلاف رُتب العبادات، فالمهمُّ يشْتَرطُ في إسقاطه أشدُّ المشاقِ وأعمُّها، وما لم يَعْظمْ يؤثرُ في إسقاطه المشاقُّ الخفيفة.
ثم ضابط المشقة المؤثرة من غيرها أن يُنظَر، فإن ورد شيء من الشرع اعْتُبِر، وإن لم يَرِدْ شئٌ من ذلك يتعيَّن تحديده بتقريب من حيث قواعد الشرع، وذلك بأن يبحثَ عن أدنى مشاق تلك العبادة المعيَّنة، فإن وجدها بنص أو إجماع
_________________
(١) هي موضوع الفرق الرابع عشر بَيْنَ القاعدتَيْن المذكورتين: جـ ١. ص ١١٨. قال ابن الشاط معلقا على القسم الأول: قلت: التكليف بعينه مشقة، لِأنه منع الإنسان من الاسترسال مع دواعي نفسه، وهو أمْرٌ نِسبى، وبهذا الاعتبار سُمِّي تكليفا، وهذا المعنى موجودٌ في جميع أحكامه حتى الإِباحة، ثُمَّ يختص غيرها بمشاقَ بدنية، وبعضُ تلك المشاق هو أعظم تلك المشاق كما في الجهاد الذي فيه بذْل النفس، فبحسَبِ ذلك انقسمت المشاقُّ بالنسبة إلى التكليف قسْميْن: قسم وقع التكليفُ بما يلزمه عادة أو في الغالب أو في النَّادِر، وقسما لم يقع التكليف بما يلزمه. فالقسم الأول لا يَؤثر، لأنه ينقض التكليف. ثم قال الفقيه ابن الشاط عن القسم الثاني من المشاق التي تنفك عنها العبادة وعن أنواعه الثلاثة المذكور: ما قاله القرافي في ذلك صحيح. اهـ.
[ ١ / ٣٣٨ ]
أو استدلال، حمل عليها مثلها أو أعلى، وإن كان أدْنى لم يجعَلْهُ مُسقِطا، وهذا كالتأذِي بالقمل في الحج، فهو مبيحٌ للحلْقِ بحديث كعْب بن عُجْرة، (٦٢) والسفرُ مبيح للفطر بالنصِ. وظاهرُ ما ذكرنا أنه لم يُعتَبر في قولنا: مشقة، مدلوُل مطلَقِ هذا الاسْم، بل نُفرق كما تقدم تقريره.
وليست المعامَلات كذلك، إذا جاء فيها مطلَقُ الألفاظ يحمل على أدنى ما يكون، كمن شرَط الكتابة في العبْد لَا يلزم منه الفارِهُ فيها (٦٣) وما ذلك إلا لإظهار فضل الأمور العبادية على الأمور العادية. وأيضا فإن القصد في الأمور العادية رفع النزاع وما في بابه، والاكتفاء بذلك يُحصل ذلك، وغيرُه يُقَوِّيَهِ ويُثِيرُه. (٦٤)
_________________
(١) نصُّه في الصحيحين وغيرهما: عن كعبْ بن عُجْرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مَر به زمنَ الحديبية وهو يُوقِدُ تحت قِدْر له، والقملُ يتناثَرَ على وجهه، فقال له: آذاك هَوَامُّ رأسِك؟ قال: نعَم، ففال له النبي - ﷺ -: إحْلِق رأسك ثم اذْبَحْ شاةً تُسُكًا، أوْ صُمْ ثلاثة أيام أوْ أطْعِم ثلاثة آصُعِ من تمر على سِتَّةِ مساكينَ، وفي رواية قال (أي كعب بن عُجْرة): فِيَّ خاصةً نزلت هذه الآيةُ: "فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسُكٍ"، وهي لكم عامَّةً. اهـ. ومن القواعد المعلومة المقررة في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(٢) الفارِهُ: اسم فاعل من فَرُه على وزن كَرُم، إذا مَهَرَ وَحَذق في الشيء، وعبارة القرافي هنا: يكفي في هذا الشرط مسمى الكتابة ولا يحتاج إلى المهارة فيها في تحقيق هذا الشرط. اهـ. ثم قال ابن الشاط عن النوع الثالث الذي هو مشقة بين هذين النوعين: المشقةِ العليا، والمشقة الدنيا: هذا كلام ليس بالمستقيم ، والصوابُ أن التقسيم ثلاثة أقْسام أو ثلاثة أنواع: متفق على اعتباره في الإسقاط أو التخفيف، ومتَّفقْ على عدم اعتباره، ومختلَف فيه.
(٣) عبارة شهاب الدين القرافي هنا أظهر وأوسعُ حيث قال: سؤال آخر، ما لَا ضابط له ولا تحديد وقع في الشرع على قسمين: قسم اقتُصر فيه على أقل ما تَصْدُقُ عليه تلك الحقيقة، والقسم الآخَرُ ما وقعَ مسْقطا للعبادات لم يكتف الشرع بإسقاطها بمسمَّى تلك المشاق، بل لكل عبادَةِ، مَرْتَبَة معَيَّنة من مشاقها المؤثرة في إسقاطها، فما الفرق بين العبادات والمعاملات؟ فالجواب أن العبادات مشتملة على مصالح العبادة ومواهبِ ذى الجلال وسعادة الأبد، فلا يليقُ تفويتها بمسمى المشقة مع يَسَارة (سهولة) احتمالها، ولذلك كان ترْكُ الترخص في كثير من العبادات أوْلى، ولأن تعاطِي العبادة مع المشقة أبْلَغُ في إظهار الطواعية، وأبْلَغُ في التقرب، ولذلك قال ﵊: أفْضل العباداتِ أحْمزُها (أي أشقُّها)، وقال: أجْرُكَ على قَدر نصَبِك (أي تعبك).
[ ١ / ٣٣٩ ]
وذكر شهاب الدين -﵀- هنا في هذا الفرق الكبائر والصغائر من حيث هذا الضابط بعْد أن قال: من الناس من منع قِسمةَ المعاصي إلى كبائر وصغائر فقال: كل معصية كبيرةٌ، ثم قال: والْحقُّ صحة ذلك، فإن الله تعالى جعلَهَا كذلك بقوله: (﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٦٥)، وقال: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (٦٦) فرتَّبَ المخالفة ثلاثة أقسام، الكفر، ويتلُوهُ الفِسق، وأدْوَنُ ذلك العصيانُ.
وقال ﵊: "الكبائرُ سَبْعٌ"، والقواعد تشهَدُ لهذا، فإنَّ مَا عظُمَتْ مفْسدته ينبغي أن يُسمى كبيرةً، تخصيصا له باسمٍ يخُصُّهُ.
وعلى هذا نقول: الكبيرةُ ما عظُمَت مفسدتها، والصغيرة ما قلّتْ مفسدتها، فيكون ضابط ما ترَدُّ به الشهادةُ أن يُحْفظ ما وردت به السُّنَّةُ أنهُ كبيرة، فيلَحَقُ به ما في معناه، وما قصر عنه من المفسدة لا يقدح في الشهادة. وكذلك أيضا يُنظَر إلى ما ثبت له منْ الشرع أنه صغيرة كالقُبلة، فما كان في معناها أثْبِتَ له حكم الصغيرة إلا أنْ يُصِرَّ عليها، ثم ينضبط الإِصرار المصَيِّرُ للصغيرة كبيرة، قال بعْض العلماء: متى حصَل من تكرارها مع البقاء على عدم التوبة ما يوجب عدم الوثوق به في دينه، وإقدامُه على الكذب في الشهادة، فاجعَلْ ذلك قادحا، وما لا فلا.
قالوا: وكذلك الأمور المباحة إذا حصل بها عدَمُ الوثوق به في دينهِ قدَحَتْ، وإلا فلا.
_________________
(١) = وأما المعاملات فتحصُلُ مصالحها التي بُذِلَتْ الأعواض فيها بمسمى حقائق الشرع والشروط، بل التزام غير ذلك يؤدي إلى كثرة الخصام ونشر الفساد وإظهار العناد. قال: ويلحق بتحرير هاتين القاعدتين الفرقُ بين قاعدة الصغائر وقاعدة الكبائر، والفرق بين قاعدة، الكبائر وقاعدة الكفر، والفرق بين أعلى رتب الصغائر وأدْنى رتب الكبائر.
(٢) سورة النساء، الآية ٣١.
(٣) سورة الحجرات: الآية ٧.
[ ١ / ٣٤٠ ]
قلت: ذكر هنا شهاب الدين الكفر، وأطال الكلام فيه، ورأيت أن تأخِيرَهُ إِلى قاعدته التي ذكر فيها أوْلى، وإنما صحّ ذكر الكبائر هنا من حيث الضابط المذكورُ، فهي كالمثال لما ذكر أوّلًا، والله أعلم، وهُو الموفق للصواب. (٦٧).