نقرر فيها الفرق بين قاعدة ثبوت الحكم في المشترك وبين قاعدة النهي عن المشترك (٢٠٢)، فنقول:
قد مضى أن النهى مع التخيير لا يجتمعان، وإن الأمر مع التخيير يجتمعان، وهذا هو المعنى المقرر هنا، وقد كان حق هذه القاعدة أن تكون مع تلك، ولكني أفردتها مخافة التطويل عند استيفائي جميع ما ذكر في القاعدتين، فقال ﵀:
النهي كالنفي، والأمر كالثبوت، ومن المعلوم البيِّن أن وجود الْأَخص يلزم منه وجود الْأَعَمِّ، فإذا ثبت الْأَخص ثبت الْأَعَمُّ، والعام إذا انتفى انتهى الْأَخص، وليس إذا انتفى الأخص ينتفى الْأَعم. وقد قلنا: الأمر كالثبوت، فوجود فرد من الكفارة يثبت وجود الكفارة، والكفارة كانت مطلوبة بالأمر، فقد كان ثبوت الحكم في
_________________
(١) هي موضوع الفرق الخامس والعشرون بين قاعدة ثبوت الحكم في المشترك وبن قاعدة النهى عن المشترك". جـ ١ ص ١٥١. قال القرافي ﵀ في أوله، مبينًا وموضحا لأهميته وفائدته: هذا الفرق جليلُ عظيم، دقيق النظر خطير النفع، لا يحققه الأ فحول العلماء والفقهاء، فاستقبِلْه بعقل سليم وفكر مستقيم " وقد اطال الكلام في بيانه وإيرادِ بعض المسائل والقواعد التطبيقية فيه لتحقيق فقهه وفهمه.
(٢) المشترك عند علماء الأصول والمنطق، قسم من أقسام اللَّفظ المفردَ، وهو اللفظ الذي وُضع لكل واحدِ من معنَييه أو معانيه بوضع خاص، وسمى مشتركا (بفتح الراء) لاشتراك معانيه فيه كالعين للباصرة والجارية بالماء، والذهب والفضة، ويذكره علماء الأصول وعلماء المنطق اثناء الكلام على نسبة الألفاظ للمعاني، وهي عندهم خمسة أقسام: التواطؤ، ويراد به التوافق، والتشاكك، والتخالف، والاشتراك والتشارك، والترادف، وهو تعدد الالفاظ لمعنى واحد وتَواردُها عليه، كالحنطة والبرُ للقمح، ويسمونه الاشتراك المعنوى، لاشتراك عدةِ ألفاظ في معنى واحد، على عكس الاشتراك اللفظي المتقدم حيث تشترك عدة معان في لفظ واحد كالعين مثلًا، وقد جمعها العلامة الاخضري في منظومته الشهيرة والسماة بمَتْن السلم في علم المنطق فقال: ونسبة الالفاظ للمعاني خمسة أقسام بلا نقصان تواطؤ تشاككٌ تخالف والاشتراك عكسه الترادفُ والتوسع في هذا الموضوع ومصطلحات هذه الكلمات يرجع فيه إلى كتب أصول الفقه وعلم المنطق.
[ ١ / ٢٠٦ ]
المشترك يثبتُ بفرد من الأفراد الداخلة تحت ذلك المشترك، وقلنا ايضا: النهي كالنفي، فنفْيُ المصنوع من ماء العنب مع وجود الخمر المصنوع من التمر لا يحقق الانتهاء، كما أن رفع الإنسان دون الحمار لا يتحقق معه رفع الحيوان، وإنما يتحقق رفع العام برفع كل فرد من الأفراد الذي تحته، كذلك إنما يتحقق الانتهاء برفع جميع الأفراد، وهذا بَيِّنٌ لا خفاء به، ثم قال:
"تنبيه جليل":
اعْلَمْ أن نفي المشترك، والنهيَ عنه إنما يعُمُّ إذا كان مدلولا عليه بالمطابَقَة، أما إذا كان مدلولا عليه بطريق الالتزام فلا يلزم، فالمدلول عليه بالمطابقة، كقولك: نهيتك عن مطلق الخمر، والمدلول عليه التزاما كأن يقول: ألزمتك النهي، فهذا النهي حاصل في منهي لم يعينه، فلو عَيَّنه بعد هذا كان ذلك التعيين تفسيرًا، وفي قوله: نهيتك عن الخمر، لو أبقى بعد ذلك خمرًا مخصوصا لكان مخصصا لذلك العام، قظهر أن المدلول بالمطابقة هو الذي يعم، والآخَرُ لا يَعُمُّ.
قال (اي القرافي ﵀) -: تظهر فائدة هذا الفرق في مسألتين فقهيتين:
الواحدة إذا حلف بالطلاق وحنث، وله زوجات، فإن الطلاق يعمهن إذا لم تكن له نية، لأنه ليس البعض أولى من البعض، وإلَّا يلزمْ الترجيح من غير مرجِّح (٢٠٣)، فلو قصد بذلك اللفظ بعضهن دون بعض لم يحصل (٢٠٤) الطلاق إلا على المقصودة وحدها. وهذا، لأن القول بتطليق الكل ما كان من حيث عموم النهي؛ لأن النهي ما كان عامًا؛ لأنه لم يدل بالمطابقة على الزوجات، وإنما دل على
_________________
(١) التقدير: وإلا يعمهن الطلاق يلزَم الترجيح دون مرجح، فحذِف فعل الشرط لكونه مفهومًا ومدلولا عليه بالعبارة السابقة في الكلام، وهي قوله: "فإن الطلاق يعمهن". وحذف فعل الشرط أو جوابه جائز إذا دل عليه ما قبله من الكلام وأُمنَ اللبس، لقول ابن مالك في الفيته: والشرط يغنى عن جَواب قد عُلم والعكسُ قد يأتي إن المعْنَى فُهِمَ. اهـ
(٢) في نسخة: لم يقع، وهي بمعنى لَم يحْصُلْ.
[ ١ / ٢٠٧ ]
الزوجة بالالتزام (٢٠٥)، إذ الطلاق يستلزم مطلَّقَة، بل ما كان التعميم إلا من حيث إنه ليس تعيين البعض عن البعض براجح، فلأجل عدم الرجحان قلنا بالتعميم، فإذا وجدت النية وجد المرجح، فلا تعميم. (٢٠٦)
المسألة الْأَخرى، إذا أتى بصيغة عموم، فقال: والله لا لبست كتانا، وقصد به بعض الثياب، ذَاهِلًا عن البعض فإنه لا ينفعه ذلك؛ لأنك ستقف على الفرق بين النية المؤكِدة والنية المخصصة، وهذا عام يحتاجُ إلى التخصيص بالْمُخْرِج
_________________
(١) من مباحث علم أصول الفقه وعلم المنطق مبحث تقسيم دلالة اللفظ على المعنى إلى ثلاثة أقسام: دلالة المطابقة (بفتح الباء)، ودلالة التضمن، ودلالة الالتزام، فالأولى هي دلالة اللفظ على تمام مسماه ومعناه، كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، ودلالة علي أو خالد أو زيد على ذات شخص معيَّنةً، وذلك لمطابقة اللفظ لمسماه الذي وضع له. ولثانية، في دلالة اللفظ على جزء مسماه وعلى بعض معناه، كدلالة الإنسان عى الحيوان فقط، أو الناطق (اى المفكر) فقط، وذلك لأن اللفظ تضمن لها معناه الكل، والثالثة هي دلالة اللفظ على أمر خارج عنه، لازم له في الذهن كدلالة الأسد على الشجاعة مثلا. وقد جمع هذا الأنواع الثلاثة للدلاله الفقيه العلامة الاخضرى في بيتين من منظومته متن السلم، والمشار إليها آنفًا، بقوله: دلالة اللفظ على ما رافقَه يدعونها دلالة المطابقة وجزئه تضمُّنًا، وما لزم فهو التزامٌ إن بعقْل التُزِم
(٢) علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة الأولى، ولخصه البقورى فيها، فقال: كان ينبغى على ما قرره من أن المدلول عليه التزاما مطلق، ألَّا يعمهن الطلاق، ويخيَّر في التعيين أو يقرع بينهن، ولم يقل العلماء بعموم الطلاق فهن إلا احتياطا للفروج وصونا لها عن مواقعة الزنى، فإن الطلاق قد ثبت بقوله: علّي الطلاق أو ما اشبه ذلك، ووقع الشك والاحتمال في عمومه لمحاله أو خصوصه، فحمل على العموم بها احتياطًا، كما فيما إذا طلق وشك هل واحدة أو ثلاثًا يحمل على الثلاث، بخلاف ما إذا شك في أصل الطلاق فإنه لا يلزمه شيء، استصحابا لأصل العصمة"اهـ. كما علق على مسألة مماثلة ذكرها القرافي، وهي قول القائل: "الطلاق يلزمنى" فقال (اي ابن الشاط: إن كان للعموم فهو في معنى كل طلاق أملكه يلزمنى، فيلزم على ذلك طلاق جميع الزوجات، وفي كل واحدة جميع الطلاق كما سيأتى الكلام عليه في الفرق الذي أحالَ عليه. اهـ. كما علَّق ابن الشاط على مسألة مماثلة ذكرها القرافي وهي قول القائل: "الطلاق يلزمنى"، فقال: إن كان للعموم فهو في معنى كل طلاق أملكه يلزمنى، فيلزم على ذلك طلاق جميع الزوجات وفي كل واحدة جميع الطلاق كما سيأتى الكلام عليه في الفرق الذي أحال عليه.
[ ١ / ٢٠٨ ]
المُنافى، فإذا فُقِد جرَى اللفظ على عمومه للسلامة عن العارض، وإذا وجد نفى ما عدا المخرَجَ بعموم اللفظ، بخلاف صورة الالتزام، ويكْمُلُ البحث فيها (٢٠٧) بمطالعة الفرق بين النية المخصِصة والمؤكدة، قال: وأحقق هذا الفرق بأربع مسائل:
المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٢٠٨)، علق الوجوب بالقدر المشترَك بين الرقاب، ويصْدُق على جميع الرقاب، ويكفى في ذلك صورة واحدة بالإِجماع. (٢٠٩).
المسألة الثانية: لو قال الشارع حرَّمتُ عليكم القدْرَ المشترك بين الخنازير لحَرُمَ كلُّ خنزير. (٢١٠)
المسألة الثالثة: إذا قال لنسائه: إحداكن طالق حَرُمْن بأجمعهن، بناء على قواعد:
القاعدة الأولى: أن مفهوم أحد الأمور قدر مشترك بينها لصدقه على كل واحد منها، والصادق على عدد وأفراد، مشْتَركٌ فيه بين تلك الأفراد. (٢١١)
القاعدة الثانية: أن الطلاق تحريم، لأنه رافع لموجِب النكاح، وذلك الإِباحة، ورافع الإِباحة مُحَرِمٌ، فالطلاق تحريمٌ.
_________________
(١) في نسخة ح: في هذا، وهو متفق مع عبارة القرافي هنا حيث قال: "ويكْمُلَ لك الكشفُ عن هذا الموضع بمطالعةِ الفرق بين النية المخصِّصة والمؤَكِّدة، وهو بَعْدَ هذا".
(٢) سورة المجادلة، الآية ٣.
(٣) قال ابن الشاط في تعقيبه على هذه المسألة: لم يُثبتْ الوجوب في القدر المشترك، بل أثبته في رقبة واحدة غير معيَّنة فلا يَعم، بل تكفى صورة واحدة بالنص، والإِجماع تابع للنص.
(٤) قال ابن الشاط: ذلك صحيح، لأن تعليق الحكم بالأعم يلزم منه تعليقه بالأخص من غير عكس. اهـ.
(٥) قال ابن الشاط: ليس أحد الأمور هو القدر المشترك، بل أحد الأمور واحد غيرُ معيّن منها، ولذلك صدَق على كل واحد منها.
[ ١ / ٢٠٩ ]
القاعدة الثالثة: أن تحريم المشترك يلزم منه تحريم جميع الجزئيات كما تقدم، فيحْرمنَ كلهن بالطلاق وهو المطلوب (٢١٢)، وهذا هو الحق، لا أن يقال: إنما عمَّم الطلاق احتياطًا للفروج، فإنهُ إذا قيل: ما الدليل على مشروعية هذا الاحتياط؟ لا يوجد. وظاهر الفرق بين خِصال الكفارة وهذه المسألة، القاعدة المقررة أولًا.
المسألة الرابعة، قال مالك ﵀: إذا أعتق أحدَ عبيدِه، له أن يختار واحدًا منهم فيعينه للعتق، بخلاف ما تقدم في الطلاق، مع أنه في الصورتين أضاف الحكم (اى للمشتركين بين الأفراد)، وكما أن الطلاق محرم، (٢١٣) كذلك العِتْق محرم للوطء، والفرق حينئذ عسيرٌ.
والجواب أن التحريم دل عليه الطلاق بوضعه، فإنهُ له وُضِع، والعِتْقُ دل على تحريم الوطء لزومًا، فتحريم الوطْء تابع للعتْق الذي هو قُرْبة، وراجعٌ إلى الأمر
_________________
(١) عقب ابن الشاط على كلام القرافي في هذه القاعدة فقال: القاعدة الثالثة ايضا صحيحة، ولكن لا يلزم أن يُحرمن كلهن، لما سبق من عدم صحة القاعدة الأولى. ثم قال في هذه القاعدة ومسألتها ايضا، معلقًا على كلام القرافي فيها: صار الصدر في هذه المسألة غير صدْر، لتسليمه القاعدة الأولى، وهي غير مسلّمة ولا صحيحة، فكذلك ما بناه عليها. والجواب الصحيح - يقول ابن الشاط - ما أجاب به الأكابر (اي من أفاضل العلماء والفقهاء). وهو أن الحكم إنما عم (اي في هذه المسألة والنازلة)، احتياطًا للفروج. ودليل مشروعية هذا الاحتياط هو كل دليل دل على توقي الشبهات". اهـ. ذلك أن القرافي ﵀ قرر ما قرر من التعميم للحكم في مسألة الطلاق المذكورة، بناء على القاعدة الثالثة السالفة، بينما أكابر العلماء كانوا يوجهون تعميم الحكم ويعللونه بالاحتياط في الفروج، وهذا الاحتياط يراه القرافي غيرَ مؤسّس ولا مبنى على دليل شرعى، فأوضح الشيخ ابن الشاط أن دليلهم الشرعي في ذلك هو توقي الشبهات والاحتياط.
(٢) في نسخة ع، وح: "وكان الطلاق محرمًا" بصيغة الفعل الماضي، وفي نسخة أخْرى، وعند القرافي: وكما أن الطلاق محرِم للوطء، بأداة التشبيه، وهو أظهر وأسلم في المراد والمعنى، وقد علق ابن الشاط على ما جاء في هذه المسألة الرابعة بقوله: ما قاله القرافي في ذلك صحيح، وأن المتكلم في مسألة الطلاق أو العتق في مسألة العتق ما أضاف الحكم لمشترك، بل أضافه لفرد غير معين". اهـ.
[ ١ / ٢١٠ ]
ايضا، والطلاق دل على تحريم الوطء مطابقة، وهو مما يرجع إلى النهي، لأنه جاء فيه "أنه أبْغَضُ الحلال إلى الله" (٢١٤)، فكان التعميم في الطلاق ولم يكن في العتق للقواعد المقررة. (٢١٥)