نقرر فيها الفرق بين الاستثناء من النفي فى الشرط، ومنه في غير الشرط، فنقول:
الاستثناء من النفي فيما عدا الشرط إثبات، إذ لو لم يكن كذلك لما كان قولنا: لا إله إلا الله قولًا مثبِتًا للتوحيد، وذلك باطل، فالقول بأن الاستثناء من النفى ليس بإثبات، باطل. وأما أنه في الشرط ليس كذلك، فذلك لما تقدم تقريره من أن السبب هو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط ولا يلزم من وجوده وجود المشروط. نعم وجود المشروط متوقف على وجوده، والمانع بالعكس من الشرط، وقد مضى هذا مقررًا أول الكتاب.
ومن حيث هذا الاعتبار كان قوله ﷺ: "لا يقبل الله صلاة إلا بطهور" (٢٧) لا يلزم منه قبول الصلاة بالطهارة، لأنها قد لا تقبل، لفقد سببها، وهو دخول الوقت مثلًا. أو لغير ذلك. وكذلك قوله عليه الصلاة
_________________
(١) هي موضوع الفرق الرابع والسبعين بين قاعدة: الاستثناء من النفي إثبات في غير الشرط، وبين قاعدة: الاستثناء من النفي ليس بإثبات في الشروط خاصة دون بقية أبواب الاستثناء" جـ ٢، ص ٩٥. قال عنه القرافي في أوله ﵀: هذا الفرق مبنى على قاعدة، وهي أن السبب يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، والمانع يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم. وهذه الحقائق تقدم بسطها وتحريرها والفرق بينها في الفروق التاسع والعاشر والحادي عشر من كتاب الفروق.
(٢) حديث صحيح، وفي رواية أخرى: "لا تُقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غُلُول". والغلول هو الخيانة والسرقة من مال الغنيمة في الجهاد قبل قسمها من طرف الخليفة بين المجاهدين، أو من المال العام للأمة، والمؤتمن عليه من قبل الدولة، أو غيره من المال الخاص. وقد جاء في الحديث النبوي الشريف التنبيه إلى ذلك والتحذير منه في قول النبي - ﷺ -. "من استعملناه على عمل فرزقناه منه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول وخيانة". وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] (أي أن يسرق منه شيء). ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
[ ١ / ٢٣٢ ]
والسلام: "لا نكاح إلا بولي" (٢٨)، لا يلزم من بطلان النكاح بلا ولي لفقد الشرط، صحة النكاح لوجود ذلك الشرط الذي هو الولي، وكذلك قوله ﵊: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (٢٩). لا يقتضي حصول الصحة أو الفضيلة له إذا صلى في المسجد، لجواز أن يصليها في المسجد وتكون باطلة. والسر في ذلك كله واحد، وهو أن الشرط لا يلزم من وجوده شيء.
قلت: هذا ما قرره شهاب الدين رحمه. وحقه أن يقول: الاستثناء من النفى إثبات في الشرط مطلقًا، وفي الْأَيمان عند مالك ومن قال بقوله، فإنه قال في فرق آخر، وهو الثاني والسبعون (٣٠)، هذا، فقال ﵀: ذهب مالك إلى أن الاستثناء من النفى ليس بإثبات فى الأيمان، وذهب غيره إلى أنه إثبات. فمالك يقول: إذا قال أحد: والله لا لبست ثولًا إلا كتانًا، إذا لبس الكتان فلا حنث عليه، وإذا لبس غيره حنث، فإذا جلس عريانًا فلا يحنث عنده، ويحنث عند غيره بأن يجلس عريانًا، وبأن يلبس غير الكتان، وهذا لأن الكتان قد استثني من النفى السابق، فيكون إثباتا، فيكون كلامه جملتين: جملة سلبية، وجمله ثبوتية بحسب ما قبل الاستثناء وما بعده. وقد دخل القسم عليهما فيحنث بوجهين. وعند مالك لا يحنث إذا بقي عريانًا، وإنما يحنث إذا لبس غير الكتان. ولنا وجوه:
_________________
(١) رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن عن أبي بردة بن أبي موسى عن أَبيه ﵄. وقال عنه الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني كتابه الشهير: سبل السلام على شرح (بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام) للحافظ ابن حجر العسقلانى، رحمهما الله جميعًا: والحديث دل على أنه لا يصح النكاح إلا بولي، لأن الأصل في النفي نفي الصحة لا الكمال، فالجمهور على اشتراطه، وأنه لا تزوج المرأة نفسها، وحكى عن ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، وعليه دلت الأحاديث، وقال الحنفية أنه لا يتشرط، محتجين بالقياس على السلع، فإن للمرأة الرشيدة أن تبيع سلعتها من متاع وغيره بنفسها، قال الإمام الصنعاني: وهو قياس فاسد الاعتبار، إذ هو قياس مع نص".
(٢) أخرجه الإِمام الدارقطني عن جابر وأبي هريرة ﵄، ورمز له الإمام السيوطي بالضعف في كتابه الجامع الصغر.
(٣) هو الفرق الثاني والسبعون بين قاعدة: الاستثناء من النفي إثبات في غير الأيمان، وبين قاعدة الاستثناء من النفي ليس بإثبات في الأيمان، جـ ٢. ص ٩٣.
[ ١ / ٢٣٣ ]
الأول أنّ إلّا تُسْتَعمل للإخراج وللوصف كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٣١)، فهي ها هنا للوصف لا للإخراج، فلا ثبوت بها بعد النفي (٣٢).
الثاني أنا لو سلمنا أنها للإِخراج نقول: القسم يحتاج في جوابه إلى جملة واحدة، وقد حصل بقوله: لا لبست ثوبًا، إذ لو سكت ثمة لكان مجزيا، والأصل عدم تعلقه بالجملة الثَّانية التي بعد إلا، وإذا لم يتعلق بها القسم كان لبس الكتان غير محلوف عليه، فلا يحنث إذا جلس عريانًا، وهو المطلوب.
قلت: ليس المطلوب الحنث ولا عدمه هنا، إنما الطلوب الاستثناء من النفى، إثبات أم لا؟، والحِنْثُ وعَدَم الحِنْثِ من لوازم ذلك. وهذا الدليل الثاني جاء لا على المطلوبِ الذى وقع فيه النزاع.
ثم أنه قد مضى لنا فيما تقدم من القواعد أنه إذا أضيف مالا يستقل بنفسه إلى ما استقل بنفسه صيَّر المستقِل غير مستقل. فأنت إذا قلت: والله لا لبِست ثوبًا، هُوَ وإن كان مستقلًا، إذا قلت: إلَّا كتانا صار غيرَ مستقل، وكذا الشرط، ومع هذا كيف يقال هذا الذي ذكره هنا؟ والله أعلم.
قال: الثالثُ: سَلّمنا أنه (أي الاستثناء من النفى) يتناول الجملتين، لكن الاستثناء في هذه الصورة عندنا من إثبات فيكون نفْيًا.
بيانه أن معنى الكلام أن جميع الثياب محلوف عليها إلا الكتان، فكأنه قال: أحْلف عليه، لأن الاستثناء من الحلف الذى هو ثبوتي يكون نفْيًا، وإذا كان الكتان غير مُقْسمٍ عليه لا يحنث بتركه وهو المطلوب.
_________________
(١) سورة الأنبياء: الآية ٢٢.
(٢) أي فيكون تفسير الآية ومعناها: لو كان فيهما (أي في السماء والأرض) آلهة غير الله لفسدتا، لكنهما لم تفسدا في وجودهما ونظام تدبيرهما، فليس فيهما إلا الله وحده، فهو الخالق الموجد لهما والمبدع لهما على غير سبق مثال، والمدبر لهما ولما فيهما من مخلوقات، وكائنات حية في مختلف الاعصار والاجيال، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. فهذه الآية الكريمة جمعت بين كونها دليلًا نقليا لكونها آية من كتاب الله العزيز، ودليلا عقليا لما فيها من مخاطبة العقل عن طريق الاستدلال العقلي على طريق القياس.
[ ١ / ٢٣٤ ]
مسألة: حكى ابن العربي (٣٣) أن رجلين كانا يلعبان الشطرنج، فقال أحدهما: والله لا لعبتُ غيرَ هذا الدَّسْتِ، فجاءَ رجل ونفَض الرقعة، وجهلا ترتيبها، فامتنعَ من تكميل ذلك الدست، (٣٤) فسأل الفقهاء، فاختلفوا في تحنيثه على قولين، واختار أبو الوليد الطرطوشي عدم حنثه.
قلت: وهذه هي المسألة بعينها، فقال أبو الوليد (اي ابن رشد الجد). بقول مالك.
مسألة: لو قال: والله لأعطينك في كل يوم درهمًا من دَيْنك إلا في يوم الجمعة، فأعطاه في يوم الجمعة مع سائر الأيام، فإن الخلاف المتقدم يجري فيه وإن كان استثناء من إثبات، لأن إلا بمعنى سِوىَ، ولا يفهمون من قول هذا القائل أنه منع نفسه من الإعطاء في يوم الجمعة، بل استثناه توسِعَةً، وأن المقصود أنه لو أعطى فيه لم يضُرّه، وإنما المقصود من اليمين أنه لا يخِلُّ بالإِعطاء في غير يوم الجمعة، هذا المقصود باليمين لا يوم الجمعة. (٣٥).
قلت: وذكر أيضا صاحب الفروق فرقًا آخر، وهو التاسع والعشرون والمائة (٣٦) في قاعدة الاستثناء وقاعد المجاز، ورأيت إلحاقه بهذه القاعدة، بل كان
_________________
(١) المراد به أبو بكر ابن العربي المعافري المفسِر والمحدث، والأصولي والفقيه، المشارك الضليع في كل العلوم العربية والاسلامية، كما تشهد بذلك كتبه الجليلة القيمة في مختلف ميادين المعرفة، وهو أشهر من أن يعرف به، فكتب الأعلام المالكية لا يخلو منها كتاب لترجمته، وليرجع الحد وإلى مؤلفاتها من أراد أن يتعرف على هذه الشخصية العبقرية الفذة، وما حكاه مذكور في كتاب القبس على شرح موطأ مالك بن أنَس حيث قال القرافي في هذه المسألة: حكى صاحب القبس أبو بكر ابن العربي، وذكر القصة التي أوردها الشيخ البقوري، فليرجع إليه من أراد التوسع في ذلك.
(٢) الدست لَه معانِ، منها ما يقال في لعبة الشطرنج: الدستُ له، أي غلَبَ مُنافسه، والدسْتُ عليه (أي كان مغلوب فيه).
(٣) عبارة القرافي هنا أظهر واوضح وهي: فغير يوم الجمعة هو المقصود باليمين لا يوم الجمعة. جـ ٢ ص ٩٤.
(٤) الفرق التاسع والعشرون والمائة بين قاعدة الاستثناء وقاعدة المجاز في الأيمان والطلاق وغيرهما. جـ ٣ ص ٦٣
[ ١ / ٢٣٥ ]
الأظهر أن لو بدأتُ بهذا الفرق، ولكنه لم يظهر لي هذا إلا بعد الكتب لما قبله، فنقرر أولا معنى الاستثناء فنقول:
الاستثناء: إخراج ما وجب دخوله تحت اللفظ الأول بإلا أو ما يقوم مقامها. والمجازُ هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينهما.
ثم إنهما بحسب مواردهما، كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه، وأخصُّ من وجه.
وضابط الأعمِ من وجهٍ والأخص من وجه أن يكون كل واحدٍ منهما بوجهٍ منفردًا ومع الآخر، فينفرد كل واحد منهما بصورة ويجتمعان بصورة، كالحيوان والأبيَض.
ومثال الصورة التي يدخلها الاستثناء دون المجاز، فإنه لا يصح فيه، أسماءُ الأعداد، فلا يجوز إطلاق العشرة ويريد بها أقل من ذلك أو أكثر، ويجوز الاستثناء. ومثال الصورة التي يدخلها المجاز ولا يدْخلُها الاستثناء، المعطوفاتُ، إذا قال أحدٌ: رأيتُ زَيدًا وعَمْرًا إلا عمرًا، لا يجوز، لما فيه من الاستغراقِ، بخلاف أعْطه ثلاثة دراهم. إلا درهمًا.
ويجوز المجاز في المعطوفات، وذلك بأن يريد الثاني غير الأول، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. (٣٧)، هذا في الألفاظ المترادفة. وفي المتباينة كقولك: رأيت زيدًا والأسدَ، وتريد بالأسَدِ زيدًا لشجاعَتِهِ.
ومثال اجتماعهما في صحة الدخول والاستعمال، كأن تقول: رأيت إخوتك إلا زيدًا، وتقول: رأيت إخوتك، وأنت تريد دار إخوته أو أمِيرَ إخوتِهِ، أو ما أشبه ذلك، فالعمومات (٣٨) يجوز فيها الوجهان، وكذلك الظاهر الذي ليس
_________________
(١) سورة يوسف. الآية ٨٦.
(٢) في نسخة ع، في العمومات، وفي نسخة جـ: فالعمومات" وهي أصح وأسلم، واكثر وضوحا وظهورا في المعنى.
[ ١ / ٢٣٦ ]
بعامٍّ، نحو لفظ الأسد والفرس. وجميع أسماء الأجناس يدخلها المجاز والاستثناء. فقد ظهرت لك هذه الصور، وهذا هو معنى الأعم والْأخص، ويفيد هذا نفعا عظيمًا في الأيمان والطلاق وغيرهما. فإنَّ من استعمل واحدًا منهما في مكان لا يجوز بطل استعمالُه فيه، ولزمه أصل الكلام الأول بمقتضى وضع اللغة.