نقرر فيها الفرق بين خطاب غير المعين والخطاب الغير المعيّن فنقول:
أما من حيث مقتضى الألفاظ فظاهرٌ أن المراد بخطاب غير المعَيَّنِ أن يكون المكلف الذي توجَّه الخطابُ نحوَه غيرَ معيَّن، والخطاب الغير المعين، المراد به الخطاب بالشئ الذي وقع التكليف به هو المبهم، وفيه عدم التعيين. وما أردنا تَبْيِينَ هذا كما أردنا الفرق بين الامر الطلق ومطلق الامر، وانما أردنا أن نبين الفرق
_________________
(١) علق ابن الشاط على هذا بقوله: ما قاله القرافي مبني على أن الالف واللام الداخلتين على أسماء الاجناس تقتضي العموم والاستغراق، وفي ذلك خلاف، وكان من حقه أن يفصل فبقول: إذا قال القائل: الامر المطلق، فلا يخلو أن يريد بالالف واللام العهد في الجنس، أَو يريد بهما العموم والشمول، فإن أراد الأول فقوله: الامر المطلق ومطلق الامر سواء، وان أراد الثاني على رأى من أثبته فليْسَا سواء، بل الامر المطلق للعموم، ومطلق الامر ليس كذلك.
(٢) هكذا في نسخ ترتيب الفروق، وكذا في نسخة الفروق نفسها هكذا: "ليتميز مطلق البيع عن مطلق الحيوان ومطلق الأمر ومطلق غيره ومطلق جميع الحقائق، فأضفناه للتمييز فقط " الخ.
(٣) هى موضوع الفرق الثاني والخمسين بين قاعدة خطاب غيْر المعيَّن، وقاعد الخطاب بغير المعين". جـ ٢ ص ١٦. والملاحظ أن عبارة الامام القرافي ﵀، فيها الخطاب بغير المعَيَّن، وعبارة الشيخ البقوري ﵀، فيها الخطاب الغير المعين. فليتأمل.
[ ١ / ١٣٠ ]
بينهما من حيث إن أحدهما موجود في الشريعة، والآخَرُ ليس بموجود، والذى ليس بموجود هو خطاب غير المعَيَّن، (٣٥) لأنه ليس من الحكمة، لأنه إذا كان مبهَمًا لا ينبعث أحد من المكلفين إلى الامتثال، فتضيع الصلحة لذلك، فلم يات به الشارع، وفرضُ الكفاية يُتوهم أنه كذلك، وليس كذلك، بل الخطاب توجه نحو الجميع، غير أنه إذا فعله البعض سقط عن البعض الآخر، وقد مضى بيان ذلك، وبهذا نجيبُ عن قوله تعالى: "ولْيَشْهَدْ عذابهُمَا طائفة من المؤمنين" (٣٦).
_________________
(١) علق الفقيه ابن الشاط ﵀ هنا على كلام القرافي "بأن خطاب غير المعين لم يقع في الشريعة" بقوله: إن أراد بالخطاب ما هو ظاهره من القصد للإفهام، فما قاله صحيح، وإن أرَادَ بالخطاب التكليف والالزام، فما قاله غَيْرُ صحيح، فإنه لا مانعَ ان يقول السيد لجماعة عبيده: ليفعَلْ احدكم، من عر تعيين الفاعل من قَبلي ولا يفعلهُ احد غيره، فمن فعله اثبته، ومن شاركه فيه عاقبتُهُ، وإن لم يفعل أحد منكم ذلك الفعل عاقبتكم أَجمعين. فالخطاب في هذا المثال متوجه إلى الجميع، بأن يجتمعوا على تعيين أحدهم لذلك الفعل، ويعين من شاء منهم نفسه، وهكذا هو فرض الكِفاية، الخطاب للجميع، والتكليف لواحد غير معيَّن مُبْهَمٍ أوْ "لجماعة غير معينة منهم". ثم زاد ابن الشاط قائلا: "وما قاله القرافي من أن السبب في ذلك والسِّر فيه (اي في عدم وقوع خطاب غير المعين في الشريعة) هو أن خطاب المجهول يؤدي إلى ترك الامر، ليس كما قال، فإنه يريد هنا - على ما يقتضيه كلامُهُ بعْدُ - بالخطاب التكليف، ولا مانع منه من جهة العقل كما في المثال السابق، ولا من جهة الشرع؛ في قوله تعالى: "ولْتكن منكم أمَّةٌ يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر، واولئك هم المفلحون"، وقوله سبحانه: "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين". اهـ.
(٢) سورة النور: الآية ٢. وقد أتى القرافي بهذه الآية في مسألة أولى من هذا الفرق قائلا: قوله تعالى في تلك الآية يقتضي أن المامور هنا غير معيَّن، وهو خلاف ما تقدم. والجواب عنه أن الامر متوجه على الجميع بالحضور عند حدِّ الزناة، حتى يفعل ذلك طائفة من المؤمنين، فيسقط الامر عن الباقين، وهذا ليس ماخوذا من اللفظ بل من القاعدة الاجماعية التى تقدمت، (وهى أن خطاب غير المعين لم يقع في الشريعة) فجعل صاحب الشرع الوُجوبَ في فروض الكفايات متعلقا بالكل ابتداء على سبيل الجمع، فإذا فعله البعض سقطَ عن الكل. وقد علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة فقال: ما قاله فيها ليس بصحيح، لما سبق بيانه، وهو أن صاحب الشرع لم يجعل الوجوب في فروض الكفايات متعلقا بالكل، بل بالبعض غير المعين، ولا دليل على ما ذهب إليه، ولا ضرورة تحمل عليه. فلْيُتَأمل كلام هذيْن العالمين الجليلين في هذا الموضوع، وبيان كل منهما فيه.
[ ١ / ١٣١ ]
وأما الخطاب الغير المعيَّنِ فكثير في الشريعة وموافق للحكمة، (٣٧) لأن المصلحة تحصل معه، وهذا كالامر بإخراج شَاةٍ معينة، فالمصلحة حاصلة مع عدم التعْيين، وصُرِف التعيين إلى المكلَّف.
وهنا مسألة: قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٣٨)، فهذا خطاب بشئ غيرِ معيّن، وقد قلنا: إنه لا يجوز.
ولكنه هنا سؤالان على الآية (٣٩):
السؤال الأول: ما ضابط هذا الظن؟، فإنَّ غيْر المعيَّن إذا وقع التكليف به في الشرع، تارة يُعَينه الشارع بعد ذلك، وتارة يُعَلق بالجميع الوجَوبَ، فهذا من أي القسمين هو؟
والجواب أن نقول: لنا أن نقضى بتحريم الجميع حتى يدُلَّ الدليل على خروج البعض من هذا التحريم. والجواب الثاني أن نقول: المحرّمُ من الظن المشار اليه - هنا - ما دلّ الدليل على تحريمه، ومالا فلا. (٤٠)
السؤال الثاني: هو: كيف صح النهى عن الظن، وهذا أمر يهْجُم على النفس عند حضور أسبابه، لا قدرة على دفعه، فنقول:
_________________
(١) عبارة القرافي هنا هى: وأما الخطاب بغير المعين فهو واقع في الشريعة، كثير جدا، كالامر بإخراج شاة غير معينَّة، ودينار من اربعين، والسُّترَة بثوب، ولم يُعيّن الشارع في هذه المواطن شيئا من أشخاص تلك الأمور لتمكن المكلف من ايقاع غير المعيّن في ضمن معيَّن من ذلك الجنس الخ.
(٢) سورة الحجرات: الآية ١٢.
(٣) عبارة القرافي ﵀: "ولْنذْكر من هذا الفرق (اى بين خطاب غير المعيَّن والخطاب بغير المعين) مسألتيْن: الأولى قوله تعالى: "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" يقتضى أن المامور هُوَ غير معين، وهو خلاف ما تقدم. وقد تقدم الكلام عنها. والثانية قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، إشارة إلى ظن غير معين بالتحريم، والخطاب لغير المعين يجوز من حيث انه غير معين، غير أن هنا سؤالين الخ
(٤) علق ابن الشاط على هذا بقوله: الطريقان (اى الجوابان) اللذان ذكرهما القرافي محتملان، والأول عندى أظهر وأقوى، . والله اعلم.
[ ١ / ١٣٢ ]
إذا وقع مثل هذا فالمراد به توجُّه الخطاب لثمرته او لسببه، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (٤١) فإن الرأفة - أيضا - أمر يهجم على القلب، فيتَعيَّن الحمل على الثمرة، وهى تَنقيصُ الحَدِّ" (٤٢).
ومثال ما هو غير مقدور ويُحمَل على سببه قوله تعالى: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. (٤٣) يتعَيَّن ها هنا الحمل على سَبب المغفرة، وهو الطاعة، فيكون من مجاز التعبير بالمسبّب عن السبب، والأول من مجاز التعبير بالسبب عن السبب. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٤٤)، إذ الموت لا يُنهى عنه، فتعَيَّن حملُه على سبَبٍ يقتضي حصول الموت على حالة الاسلام، وهو تقديم الاسلام قبل ذلك والتصميم عليه، وهذا كثير في كلام العرب.