نقرر فيها أن النهْي لا يصحء التخيير، وأنه يخالف الأمر في هذا، فإنه يصح مع التخيير كما تقدم.
وبيان ذلك أن النهي عن حقيقة ذات أفرادٍ كالنهى عن الخنزير لا يصح الامتثال لهذا الامر إلا بترك كل فرد من أفراد تلك الحقيقةِ. ومتى تَرك أفرادا وفعل ذلك بحسب فردٍ منها، فما وقعَ الامتثال لهذا المعنى، فلأجل هذا كان التخيير مع النهي محالا ولا يصح، وهو جمعٌ بين النقيضَين.
ولما كان الامر بحقيقةٍ ذاتِ أفراد كالأمر بالكفارة يمتثِل الخاطب ذلك بإدخال فردٍ من الافراد، من حيث ان الحقيقة المطلوبة البيت قوله هي الكفارة - لَمَّا طُلبت منه - قد أتى بها إذا أتى بفردٍ فصح الأمرُ مع التخيير، وفي النهي ما أتُى
_________________
(١) حديث صحيح أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم وغيرهما ﵏. والمرأة السائلة اسمها مُعاذة. والحرورية نسبة إلى حروراء، وهى بلد قريب من الكوفة، اجتمع فها الخوارج عن علي ومعاوية، ثم إنَّهم يقولون بقضاء الصلاة والصوم، ووجوبهما على الحائض، فأفادتها عائشة ﵂ أن المرأة مأمورة بقضاء الصوم، وغيرُ مطالَبة بقضاء الصلاة التي فاتتها ايام الحيض -
(٢) هي موضوع الفرق السابع والاربعين بين قاعدة المأمور به يصح مع التخيير، وقاعدة المنهى عنه لا يصح مع التخيير" جـ ٢ ص ٤.
[ ١ / ١٧٨ ]
بالحقيقة المطلولة منه إلا إذا لم يات بفرد من الأفراد، فمن المعلوم البيِّن أن فاعل الاخصِّ فاعِلُ الأعم، وإذا كان كذلك فلا سبيل إلى الخروج عن العهدة في النهي إلا بترك كل فرد، والتخيير مع النهي عن الترك محال عقْلًا (١٣٥).
فإن قيل: قد وقع النهي عن الأختين، وخُيِّرنا في إحداهما لا بعينها، وكذلك البنتُ مع الأم، قلنا: لم يقع النهي - هنا - عن المشترك بين الأفراد وخُيِّرنا في الأفراد كما قلنا في خصال الكفارة، بل نُهِينَا - هنا - عن الجَمعِ، وهذه الحقيقة التى هي الجمعُ بين الأختينِ، تُفقد لفقد جُزْءَيْها معا، وهما الاختان، وتُفقد لفقدِ الواحدة منهما، فيخرج عن العهدة بواحدة لا بعينها كذلك، لأن التخيير وقع في شيء من ذلك، والله أعلم.