نقرر فيها الفرق بِيْن ما يُطْلَبُ جمعه وافتراقه، وبين قاعدة ما يُطلَبُ جمعُه دون افتراقه، فنقول:
المطلوب في الشريعة ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما يُطلَبُ وحده ومع غيره، كالإيمان بالله تعالى وبرسوله، فإنه مطلوب في نفسه، وهو شرط في كل عبادة، والشرط مطلوب الحصول مع المشروط، إلا أنه قد يُكتفى منه بالايمان الحكمي تخفيفًا على العبد، ويُكتفَى بتقدمه فعلًا (٢٣٠)، وكالدعاء والتسبيح والتهليل مطلوبات في أنفسها، ومطلوب جمعُها مع الركوع والسجود.
القسم الثاني: ما يُطلب مفردًا دون جمعه مع غيره، وهذا كالقرآة باعتبار السجود والركوع، لقوله ﵊: "نُهِيتُ أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدًا" (٢٣١)
القسم الثالث: ما يُطْلَبُ جمعه دون افتراقه، كالركوع مع السجود في الصلاة، وكالحلاق مع الحج والعمرة، فإنه لا يكون قُربَةً إذا انفرد، وإنما يكون قربة إذا اجتمع هكذا.
ثمَّ وجْه المناسَبَة قد يُطَّلَعُ عليه وقد لا، وما لا يطلع عليه نعلمُ أنَّه لحكمةٍ وإن كنا لا نعرف وجْهها. فالإِيمان، وجْهُ اشتراطه في العبادات حتى كان
_________________
(١) هي موضوع الفرق السادس والأربعين بين قاعدة ما يُطلَب جمعُه وافتراقه وبين قاعدة ما يُطلَبُ افتراقه دون جمعه، وبين قاعدة ما يطلب جمعه دون افتراقه. وهذا الفرق هو أول الفروق المذكورة في الجزء الثاني (ص ٢) حسب تجزئة الكتاب إلى أربعة أجزاء، كل جزءين في مجلد واحد، حسب الطبعة الأولى للكتاب لسنة ١٣٤٤ هجرية.
(٢) عبارة القرافي تظهر أكثر وضوحا حيث قال: "فإن استحضار الإيمان في كل عبادَة وفي جميع أجزائها هو مما يشق على المكلف، فيكتفى بتقدمه فعلًا، ثم يستصحَبُ حُكْما اهـ.
(٣) أخرجه الإِمام احمد والإمام مسلم، وهذا ما لم تكن الآية دعاءً، فيجوز الدعاء بها في السجود.
[ ١ / ٢١٧ ]
الجمع، (٢٣٢) من حيثُ إنه أصل، وما سواه فرع، والجمعُ بين الأصل والفرع مناسِب. وأما الدعاءُ مع السجود، والثناءُ مع الركوع، (٢٣٣) وعدم القرآة معهما، فذلك في الدعاء من حيث إن العبْدَ مأمور بالتعظيم لبارئه، وجعَلَ له في ذلك التعْظيم التشبهَ بفعْل المتواضعين مع ملوكهم، كل ذلك ليرسَخ في باطنه عظمة مولاه فينتفع بها، لا لأنَّهُ تعالى يلحقُهُ من ذلك شيء، بل هو الغنى عن العالَم، ولا ضرر يلحَقُهُ ولا نفع. والِانحناء في الركوع تواضع، والسؤال مناسب له، وتواضع السجود أكثر، فكانت الرغبة منه أجدَرَ بالإِجابة، ولهذا قيل: "أقربُ مَا يكون العبدُ من ربه وهو ساجد، فاجتهِدُوا بالدعاء فقمِنٌ أن يستجابَ لكم (٢٣٤).
أما كون القرآة لا تكون حينئذ فذلك من حيث إنها حالة خضوع بمشقة تَلْحَق العبد، والقرآة مَحَلٌّ للفكرة، والفكرة تضعف مع تحمل المشقة، فلم تكن لائقة بذلك الموضع.
_________________
(١) (أي حتى وجب وثبت الجمع بين الإيمان وبيْن كل عبادة لله تعالى، أنه أصل. فيكون الفعل الناقص كان تاما يكفي بمرفوعه على أنه فاعل يكمل به المعنى، على حد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، أي إن وجد ذو عسرة، بالبِناء للفعل المجهول، فيتعين إنظاره أي إمهاله لحين الوجْد وقدرته على أداء الدين، واكتفاء الفعل الناقص في باب كان وأخواتها بالمرفوع على أنه فاعل، ليتم المعنى، هو ما أشار إليه ابن مالك في ألفيته بقوله: وذو تمام ما برفع بكتفي. وما سواه ناقص، والنقص في فتئ ليس زَال، دائمًا قُفِي
(٢) في جميع النسخ الثلاث التي بين أيدينا من كتاب ترتيب الفروق، العبارة هكذا، وأما الدعاء مع السجود ومع الركوع" بحذف كلمة الثناء، وهي ثابتة في الأصل الذي هو كتاب الفروق، وهي كلمة يقتضيها المعنىَ، وتقتضيها الموافقة مع الحديث الشريف الآتي بعدُ، والذي جاء بالأمر والتوجيه في الإرشاد للأمة إلى الاجتهاد بالدعاء في السجود، مبينًا حكمة ذلك بأنه قرب من اللهِ ومَوطِنُ استجابة الدعاء، حيث يكون العبدُ أقرب ما يكون من ربه، وكما جاء في حديث آخر: أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فادعوا بما شئتم، فقمن أن يستجاب لكم"، وهذا يعطي ويوضح أن حذف كلمة الثناء في النسخ المختلفة للكتاب قد يكون من الناسخ سهوا أو قصدًا بدون تأمل، اعتمادًا على النسخة المنقول فليصحح منها.
(٣) اخرجه الإمام مسلم، وبعض الأئمة أصحاب السنن، عن أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٢١٨ ]
قلت: ويمكن أن يقال: كان ذلك من حيث أنه إذا سجد فقد تمحضت صفة العبد، الخاصةُ به، وذلك التواضعُ، ولم يلِقْ بها أن يكون حينئذ تَالِيًا لكتابه العزيز، فإنه صفة جليلة يكتسبها حينئذ من حيث تلاوته لكلام ربه. وإنما يليق بتلك الحالة الارتفاعُ والانتصاب، فصِفة الحق غلبت في حالة القيام، وصِفة العبد غلبَتْ في حالة السجود، ولهذا هُوَ موضع إشكال، أيهما أفضل: القيام أو السجود؟ فجاء: "أفضل الصلاة طول القنوت"، (٢٣٥) وجاء "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، والحديثان صحيحان أخرجهما مسلم، والله أعلم، وقد قيدنا (٢٣٦) عليه شيئًا في إكمال الإِكمال على كتاب مسلم، فانظره،
قال شهاب الدين -﵀-:
وعلى هذا الفرق انبنَى قول القائل: لو لم يكن الصومُ شرطًا في الاعتكاف لما صار شرطًا له بالنذر كالصلاة، لكنه إذا نذره لزمه ذلك ووجب الصوم، فصحة هذا الكلام تَنبني على قاعدتين:
القاعدة الأولى: النذْر لا يؤثر إلا في مندوب، فأما النذر في وجوب الصوم مع الاعتكاف إذا نذَره، فإنه يدل على أنه مطلوب أن يجمع بينهما.
القاعدة الثانية: إذا نذر أن يصلي صائمًا لم يلزمه ذلك؛ لأن الجمع بين الصلاة والصوم غيرُ مطلوب، وإن كان كل واحد منهما مطلوبًا في نفسه.
_________________
(١) أخرجه كل من الإِمام أَحْمد، ومسلم، والترمذي عن جابر ﵁. ورحمهم أجمعين.
(٢) قف على نَصِّ الشيخ البقوري ﵀ على كتابه في شرح الحديث: المسمى (إكمال الاكمال) على صحيح الإمام مسلم. وهو كتابٌ يذكره وينسبه له العلماءُ في ترجمتهم له. ولحد الساعة لم يعرف لهذا الكتاب وجود في خزانة من الخزانات العامة أو مكتبة من المكتبات الخاصة حسبما بلغ إليه بحثى وسؤالي عنه، واهتمامي به كثيرا، ولعل البحث يكشف عنه مستقبلا في خزانة من الخزانات العلمية، المنبثة في مختلف البلاد الإِسلامية، وغيرها من البلاد الإسلامية التى تزخر خزائنها بكثير من أمهات الكتب العربية والتراث الاسلامي على اختلاف علومه ومعارفه.
[ ١ / ٢١٩ ]