نقرر فيها تداخل الأسباب وتساقطها، ونُظْهِر الفرق بينهما فنقول:
التداخل بين الأسباب معناه أن يوجد سببان مُسَبَّبُهُمَا واحد، والقياسُ يقتضي وجود مسبَّب لكل سبب، وتَساقُط الأسباب يكون عند التعارض وتنَافي المسبَّبَات، بأن يكون أحدُ السببيْن يقتضى شيئا والآخرُ يقتضي ضدّه أو نقيضَه، فيقدم صاحبُ الشرع الراجحَ منهما على المرجوح، فيسقط المرجوحُ، أو يستويان فيتساقطان معا. ثم التداخل والتساقط استويا في أن الحكم لا يترتب على السبب الذي دخل في غيره ولا على الحكم الذي سقط بغيره. ومثال التداخل هو ظاهر في ستة أبواب:
الأول: الطهارة من النجاسة كالوضوء والغسل إذا تكررت أسبابها المختلفة كالحيض والجنابة، والمتماثلة كالجنابتَيْن، أو الملامسَتين في الوضوء، فها هنَا دخل أحدُ السببين في الآخَر.
قلت: كلامُه في السبَب يُشْعِر بأن السبَبَ الشرعي كالسبب العقلي، لا يَجْتمع على مسبَّبٍ واحدٍ أكثرُ من سبَبٍ واحد.
ولقائل أن يقول: ليس هذا بصحيح، فإن الأسباب الشرعيَّة هي كَمُعَرِّفاتٍ، ولا مانع يمنع من اجتماع معرِّفات على معرَّفٍ واحد، بخلاف تلك فإنها مُوجداتٌ، ولذلك لا يكون للمسبَّب فيها إلَّا سببٌ واحد.
_________________
(١) هي موضوع الفرق السابع والخمسين بين قاعدة تَدَاخُلِ الأسباب وبين قاعدة تساقُطِها" جـ ٢، ص ٢٩. قال عنه الإِمام القرافي ﵀ في أوله: إعلَمْ أن التداخُلَ والتساقط بين الأسباب قد استويَا في أن الحكم لا يترتب على السبب الذي دخل في غيره، ولا على السبب الذي سقط بغيره، فهذا هو وجْهُ الجمع بين القاعدتين. ثم أخذ يتحدثُ عن الفرق بينهما، فقال: "والتداخُلُ بين الأسباب معْناه أن يوجَدَ سببانِ مسَبَّهُما واحد الخ .. ما ذكره القرافي وذكره الشيخ البقوري في هذا الاختصار رحمهما الله جميعا. وقد علق عليه ابن الشاط بقوله: ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح.
[ ١ / ٣١٧ ]
قال شهاب الدين ﵀:
الثاني: الصلوات، كتداخل تحية المسجد مع صلاة الفَرض، مع تعدد سببهما الذي هو الدُّخُوُل والزَّوَال. (٢٤)
الثالث، الْمُعتكِف في رمضان، فلصيامه سببٌ وهو رمضان، وله سبب آخر وهو الاعتكاف، وأتى بمسبَّب واحد. (هو الصيام).
الرابع: الكفارات في الْأيمان على الشهور في حمل الأيمان على التكرار دون الإنشاء، بخلاف تكرر الطلاق يُحْمَلُ على الإِنشاء حتى يريد التكرار. (٢٥)
الخامس، الحدود المتماثلة وإن اختلفت أسبابها كالقذف وشرب الخمر، أو تماثلت كالزِنى مرارا.
السادس: الأموال كالوطء بالشبهة، إذا تكرر الوطء فمهرٌ واحد، ولو انفردت الوطأة الأولى لكان فيها ذلك.
ومالكٌ المعتبر عنده في صداق المثل، الوطأة الأولى، والشافعي يقول:
إذا وطئها مرَّاتٍ فالاعتبار فيها بحسب الوطأة الوُسطَى إذا كانت أعظم، ويندرجُ الطرفانِ فيها، وهذا كما لو وطئِها وهي مريضةٌ عديمة المالِ، ثم تصِحُّ وتَرِث
_________________
(١) فدخول المرء في الصلاة الفريضة من ظهر أو عصر أو عشاء حين دخوله للمسجد يغنِي عن سُنَّة تحية المسجد وتحصيلِ فضلها، لأن التحية حصلت بالدخول في الفريضة، ولذلك قال الشيخ خليل بن إسحاق المالكي ﵀ في مختصر الشهير، وهو يتكلم عن تحية المسجد: "وتَأدَّتْ بفرض"، أي حصلت بأداء الفرض.
(٢) والفرق بين الإِنشاء والتكرار في الحكم واضح، فلو اعتبر الإنشاء في الأيمان لترتب عن كل يمين كفارة مستقلة، ولو اعْتبر التكرار في اليمين الواردة على موضوع أو شيء واحد لترتبت ووجبت كفارة واحدة، والمسألة تعرض لها الفقهاء وبَسَطُوها بتفصيل في باب الأيمان والنُّذُر وأحكامها، فلْيرجع إلا من أراد التوسع في ذلك.
[ ١ / ٣١٨ ]
مالًا عظيمًا ثُمَّ تَسْقَمُ (٢٦). فالحالة الوسطى أعظمُ هذه الحالات، باعتبارها يكون صداق المثل، ومالكٌ يَرَى باندراج المتأخر في المتقدم.
وأما الأصل الذي هو عدم التداخل فهو أكثر في الشريعة، وذلك كالِإتلافين يجِبُ بهما ضمانانِ ولا يتداخلان، وكالطلاقين وكالنذْريْن يتعددُ منْذورهما، وكالوصيتيْن بلفظٍ واحد لشخص واحدٍ، على خلاف في هذا، وهو كثيرٌ.
وأمَّا تَسَاقُطُ الأسباب فهو قسمان: تارةً يقع الاختلاف في جميع الأحكام، وتارةً في البعضِ.
أمَّا الأولُ فكالرِّدة مع الإسلام، والقتل والكفر مع القرابة الموجبة للميراث، وكالدَّيْن يُسقط الزكاة، وأسبابُها توجبها، وكالبيِّنَتَيْنِ إذا تعارضتا، وهو كثير، حصل التنافي فوقع التساقط.
وأمَّا التساقُط بِسَبب التنافي من بعض الوجوه وفي بعض الأحكام، فكَالنكاح مع المِلك، إذا اجتمعا سقط النكاحُ لقوة المِلْكِ، ولا تَداخُلَ هنا فيقال: هي مضافة لهُما البتَّةَ (أي قَطْعًا).
ومن ذلك علم الحكام مع البينة على مذهبِ الشافعي، لا على مذهبنا، فسقط أمر البينة، لِأنها تفيد الظن، وعلمه أفاد القطع فكان أرجح، والله أعلمُ (٢٧).
_________________
(١) هكذا في نسخة ح. وهي متفقة مع ما عند القرافي في هذه المسألة حيث قال "ثم تَسْقَمُ في جسمها" وهو الصواب الذي ينسجم مع المعنى وسياق الكلام. وفي نسخة: "ثم تَسْلَم"، وهي تبدُو غلطًا، بالمقارنة مع ما سَبَقَ، فليُتَأملْ، والله أعلم بالصواب.
(٢) عبارة القرافي هنا أوسع وأظهر وهي: "ومن ذلك علم الحاكم مع البينة إذا شهدت بما يَعْلمُهُ، فإن الحكم مضافٌ للبينة دون علمه عند مالِكٍ، والقضاء بالعلم ساقِط، حذَرًا من قضاة السُّوء، وسَدًّا لذريعة الفساد على الحكام بالتُّهم، وعلى الناس بالقضاء عليهم بالباطل. وعند الشافعي علمُهُ مقدَّمٌ على البينة، لأن البينة لا تُفيد إلا الظن، والعلمُ أولى من الظن، ويحتمل مذهبُهُ أنه يجمع بينهما ويجعلُ الحكم مضافا إليهما لعدم التنافي بينهما" اهـ.
[ ١ / ٣١٩ ]