نقرر فيها الفرق بين العرف القولي، يُقضَى به علي الألفاظِ وَيخصِّصها، وبيْن العرف الفِعْلى، لا يُقضَى به على الألفاظِ ولا يخصصا.
فالعرف القولي - أولًا - يكون في الفرد كالدابة للحمار، والغائط للنجْوِ، ويكون في المركبات كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٥١)، و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٥٢)، هذا وأمثاله كان أصلُه في اللغة أن يستعمل مع الأفعالِ لا معَ الأعيان، فيقال: حُرِّم عليكم أكل كذا وما أشبه ذلك، ولكن العُرف غلبَ عليه حتى كان يضاف إلى الأعيان، والمراد الأفعال الضافة إليها، وليس المراد كل الأفعال، بل أفعال خاصة. ومن ذلك قولهم في العُرف: أكلت رأسا، فهم يريدون رؤوس الأنعام دون غيرها إذا استعملوا الأكل معها، بخلاف ما إذا قالوا رأيت رأسًا فهم يركبونه مع رؤوس الأنعام وغيرها.
ومن هذا الباب قولهم: قتلَ زَيْدًا عَمْرًا، هو في اللغة موضوعٌ لإذْهاب الحياة، وغلب استعماله في بلاد المصريين على الضرْبِ خاصة. فيقولون: قتلتُه مائة قتلة، أي مائة ضربةٍ. ومن هذا الباب: فلانٌ يعصر الخمر، وإنما يعصر العنب
_________________
(١) ذكر الإمام القرافي هنا في هذا الفرق ﵀ أنه بسط مسائل الاستثناء في كتاب له هو: الاستغناء في أحكام الاستثناء، وقال عنه: إنه مجلد كبير، أحد وخمسون بابا واربعمائة مسألة، ليس في جميع ذلك إلا الاستثناء، والاستثناء من الصفة من أغرب أبوابه، وقد بسطته لك هنا (اى في هذا الفرق) بهذه المسائل، وظهر لك معنى هذه المسائل في الطلاق بسببه، ولولاه لم يُفهَمْ أصلًا البتة، فنفائس القواعد لنوادر المسائل، وجميع ذلك من فضل الله تعالى على خلقه، هدانا الله سواء السبيل في القول والعمل .. هـ كلامه ﵀ ورحم كافة علماء المسلمين، والمؤمنين أجمعين.
(٢) هي موضوع الفرق الثامن والعشرين بين قاعدة العرف القولي يُقضى به على الألفاظ ويخصصها، وبين قاعدة العرف الفعلي لا يُقضَى به على الألفاظ ولا يخصصها. جـ ١ ص ١٧١.
(٣) سورة النساء، الآية ٢٣.
(٤) سورة المائدة: الآية ٣.
[ ١ / ٢٤١ ]
لغةً، ومن هذا الباب قَتلَ فلانٌ قتيلا، وطحن دقيقا، والقتيل لا يُقْتَل، والدقيق لا يُطْحَن بحسب اللغة. فأهل اللغة يقدِّرون مضافًا محذوفا، به يصح عندهم الكلامُ، وأهل العرف لا يعرجون على هذا، ولا يقَدِّرُون شيئًا، وصار هذا قد غلب على معنى صحيح عندهم في غير تقديرهم حذفًا، وقد يجتَمع المجازُ في التركيب والمفرد معا، كقولك: أرْوَاني الخُبْزُ، وأشْبَعنى الماءُ، والثاني مجاز في التركيب فقط، والأول مجاز في المفرد فقط.
ثم هذه المجازات غَلَبَتْ عُرفا حتى صارت مقدَّمة على الحقائق اللغوية وناسخةً لها، فهذا هو معنى قولنا: العُرف القولي يُقْضى به على الألفاظ ويخصصها (٥٣).
وأما العُرف الْفِعْلي فمعناه أن يوضع اللفظ لمعنى يَكْثُرُ استعمال أهل العُرف لبعض أنواع ذلك المسمى دون بقيَّتةِ. مثاله أن لفظ الثوب صادقٌ لُغَةً على ثياب الكتان والقطْن والحرير والوَبَر والشعَر، وأهل العرف إنما يستعملون الكتان والقطن والحرير دون الوبر والشعر، فهذا عرف فِعلي. وكذلك لفظ الخبْزِ يصدق لغةً على خُبْز الفُولِ والحِمّص وغير ذلك، ولا يصْدُق عليهما بحسب العُرْف، فوقوع الفِعل في نوع دون نوع لا يُخِلُّ بوضع اللفظ للجنس كله. وقد نقل بعض الناس الإجماع في أن العُرف الفعلي لا يؤثر، بخلاف العرف القولي. (٥٤).
قال شهاب الدين -﵀-: ولنذكر مسائل تُوَضح الفرق بينهما.
المسألة الأولى: إذا فرضنا مَلِكًا أعْجَميا يتكلم بالعجمية، وهو يعرف اللغة العربية، غير أنه لا يتكلم بها لثقلها عليه، فيحلِفُ أن لا يأكل خُبزُا، ولا
_________________
(١) علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في أول هذا الفرق إلى قوله: الحقائق العرفية مقدمة على الحقائق اللغوية، فقال: جميع ما قاله القرافي في ذلك ظاهر.
(٢) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي من أن العرف الفعلي لا يؤثر في وضع اللفظ للجنس، كله صحيح، غير أن ما أراد بناءه على ذلك من أن من حلف لا يلبس ثوبا، وعادته لبس ثوب الكتان دون غيره، بحيث يحنث بلبس غير الكتان، ليس بمسَلَّم له على ما ياتي بيانه إن شاء الله. اهـ.
[ ١ / ٢٤٢ ]
يلبَسَ ثوْبًا، فحلف بهذه الألفاظ التي تجْرِ لهُ عادة باستعمالها، وعادَتُهُ في غذَائهِ لا يأكل إلا خبزَ الشعير، ولا يلبس إلا ثياب القطن، فإنَّا نُحنِّثُهُ بأي ثوب لبسه، وبأي خبز أكَلَهُ، فلا نَلتفِتُ للعرف الفعلي، ولم يكن له عرْفٌ قولي يِخصص، فلزم حِنْثُهُ لما قلنا، والله الموفق للصواب. (٥٥)
المسأله الثانية: إذا قال الحالف: والله لا آكل رؤوسا. قال ابن القاسم: يحنث بجميع الرؤوس، وقال أشهب: لا يحنث إلا برؤوس الأنعام خاصة.
فأشهب رأى أن اللفظ صار منقولًا عُرْفا إلى رؤوس الأنعام، وابن القاسم قال: ما بلغ حد النقل وإن كان كثر استعمالهم لذلك، لكنه بقى مجازًا على نوع كَثُرَ استعماله كالأسدِ للشجاع. (٥٦).
قلت: وقد مضى لنا قاعدة الفرق بين المنقول وما كثر استعماله، وأن كثرة الاستعمال لا توجب النقل.
وضابط ما بينهما فهْم المعنى بالقرينة أوْ دُون القرينة، فالتوقف على القرينة مجاز، والآخَرُ منقول، وهذا هو سببُ الخلاف بين ابن القاسم وأشهب، ولم يلتفت واحد منهم إلى العرف الفعلي ولا عرَّج عليه، وإنما هما مع تحقق النقل، وجِدَ أمْ لا؟ . (٥٧)
_________________
(١) قال ابن الشاط هنا معلقا على كلام القرافي هنا: لا نُسلم له تحنثِيه، بل لقائل أن يقول: اقتصاره على أكل خبر الشعير ولبس ثياب القطن مقيِّدٌ لمطلق لفظه، ويكون ذلك من قبيل بساط الحال، فإن الايمان إنما تعتَبَرُ بالنية ثم ببساط الحال، فإذا عُدِمّا حينئذ تعتبر بالعرف، ثم باللغة إن عدم العرف.
(٢) في نسخة ح: على نوع كثرة استعماله، والأولى أي نسخة ع أظهر وأبينُ.
(٣) كلام الإمام القرافي هنا ﵀ يزيد المسألة وضوحا وبيانا حين قال: وضابط النقل أن يصر المنقول إليه هو المتبادر الأول من غير قرينة، وغيرُه هو المفتقر إلى القرينة، فهذا هو مُدْرَك القولين، فاتفق اشهب وابن القاسم على أن النقل العرفي مقدّم على اللغة إذا وجد، واختلفا في وجوده هنا، فالكلام بينهما في تحقيق المناط.
[ ١ / ٢٤٣ ]
المسألة الثالثة: إذا حلف بأيمان المسلمين فحنِث، فمشهور فتاوى الأصحاب أنها تلزمه كفارة يمين، وعتق رقيقه وإن كثروا، وصومُ شهرين متتابعين، والمشىُ إلى بيت الله في حج أو عمرة، وطلاق امرأته، واختلفوا، هل يكون ثلاثًا أو واحدة، والتصدق بثلث المال، ولا يلزمه غير ما ذكِر. والسببُ في ذلك أن العادة جرتْ بالحلف بهذه الأشياء دون غيرها، إلا أن هذه الأشياء تُفْعل، وغيرها لا يُفْعَلُ، فالاعتبار عندهم للعرف القولي لا للعرف الفعلي.
قال شهاب الدين ﵀:
وينبغى للمفتى ألا يطردَ الفتوى أبدًا بهذا، بل يعتبر العرف، إن تغير تغيرت فتواه لأجله، وكذلك الاقاليم المختلفة لا يفتيهم حتى يعرف عُرْفهم، وبحَسَبِه يجيبُ، وإلَّا كان فعله خطأ، وبهذا الوجه يصير التصريحُ في الطلاق كِنايَةً، وتصير الكناية صريحًا، (٥٨) والله أعلمُ.
ومثل هذا إذا قال: أيْمَان البيْعَة تَلْزَمُني، يُنظَرُ إلى عُرفه في العصْر وفي
_________________
(١) = ولو قال القائل: رأيت رأسًا لم تختلف الناس أن اللفظ لا يختصُّ برؤوس الأنعام بل يصلح ذلك لكل ما يسمى رأسًا، لغة، بسبب أن هذا التركيب الذي هو رأيت رأسًا لم يكثر استعماله في نوع معين من الرؤوس دون غيره حتى يصير منقولًا، بخلاف أكلت رأسًا، فيقر اللفظ على مسماه اللغوي من غير معارض ولا ناسخ، وكذلك خلق الله رأسًا، وسقطت ووقَعَتْ رأسٌ، وهذه رأس، وفي البيت رأس، جميع هذه التراكيب ونحوها لم يقع فيها نقل عرفي، بخلاف قوله: أكلت رأسًا ونحوه من صِيَغِ الأكل، فإن أهل العرف كثُر: استعمالهم له حتى صار إلى حيز النقل، فقدم على اللغة عند من ثبث عنده النقل، فتأمل هذه المسألة، فكثير من الشراح والفقهاء إذا مر بهذه المسألة يقول فيها: لا يَحْنَثُ بغير رؤوس الأنعام، لأن عادة الناس يأكلون رؤوس الأنعام دون غيرها، ولا تجدُ في الكتب الموضوعة للشراح غير هذه العبارة وهي باطلة، لأنهم يشيرون إلى العرف الفعلىَ الملغى بالإجاع، وإنما المدرك العُرف القولي على ما تقدم تحريره. وقد علق الفقيه ابن الشاط ﵀ على كلام القرافي هنا بقوله: جميع ما قاله في هذه المسألة صحيح، غير قَوله: "ولا تجد في الكتب الموضوعة للشراح غير هذه العبارة وهي باطلة"، فإنه غيرُ مسَلمٍ، بما سَبَق من أن الاقتصار على بعض مسمى اللفظ في الاستعمال الفعلي من جنس البساط، والله أعلمُ. اهـ.
(٢) عقب ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة، ونقله البقوري فيها، بقوله: ما قاله في ذلك صحيح من جهة أن لفظ الأيمان لابد أن تجرى على عادة الحالف أو أهْل بلده تسميَته يمينًا، والله أعْلَمُ.
[ ١ / ٢٤٤ ]
الوضع الذي كان فيه هذا الحالف، فما كانوا يحملون عليه تلك اليمين لزمه، كالأيمان تلزمه، وإن تغيرتْ العادة تغيرت الفتوى، وإن لم يكن الأمر كذلك، اعتبرت نيتُهُ أو بِساط يمينه، فإن لم يكن شيء من ذلك فلا شيء عليه. (٥٩).
المسألة الرابعة، قال شهاب الدين: الْأَكْثرُ من الأصوليين يحملون اللفظ العام على عمومه (٦٠) لا يقصُرونه على سببه، وقال عز الدين بن عبد السلام: ينبغى أن يُسْتَثْنى من هذا ألا يكون السبب شرطًا، فإنه يُحْمَل على سببه، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ (٦١) والله أعلم.
_________________
(١) = فائدة هامة: قال القرافي ﵀ في آخر الكلام على هذه المسألة المتعلقة بالحلف بأيمان المسلمين ولزومها لصاحبها إلخ واعلم أن في هذه المسأله غوْرًا آخر، وهو أن لفظ اليمين في اللغة هو القسم فقط، ثم إن أهل العرف يستعملونه في النذر ايضا وهو ليس قسَمًا، بل إطلاق اليمين عليه إما مجاز لغوى أو بطريق الاشتراك، وعلى التقديرين، فجمْعُ الأصحاب في هذه المسألة بين كفارة يمين وبين هذه الأمور التي جرتْ عادَتُهَا تنذر كالصوم، ونحْوه، والطلاقِ الذي ليس هو قسما ولا نذرا، يقتضي ذلك استعمال اللفظ المشترك في جميع معانيه إن قلنا إن لفظ اليمين حقيقة في الجميع، أو الجمع بين المجاز والحقيقة، وهي مسألة مختلف فيها بين العلماء، هل تجوز أو لا؟ أعنى هل يكون ذلك كلامًا عربيًا أو لا؟، والمنقول عن مالك والشافعي وجماعة من العلماء جواز ذلك، فهذه القاعدة لابدَّ من ملاحظتها في هذه المسألة. وقد عقب عليه ابن الشاط بقوله: لقائل أن يقول: ليس في ذلك استعمال اللفظ المشترك في في جميع معانيه، ولا الجمع بين الحقيقة والمجاز، بل صارتْ تلك الأمور كلها تسمى في العرف أيْمانا، وإن كان الأصل في اللغة ما ذكر، والله أعلم. اهـ.
(٢) علق ابن الشاط على كلام القرافي في هذه المسألة (مسألة أيْمان البيعة) بقوله: ما قاله القرافي في ذلك صحيح، غير أن ما ذكره من حَمْل يمينه (أي الحالف بأيمان البيعة)، على النية، ثم على البساط، فيه نظر، فإنه لا يخلو أن يترتب على يمينه تلك حكم أولًا يترتب، فان لم يترتب عليها حكم فالمعتبر النية ثم السبب أو البساط، ثم العرف ثم اللغة، وإن ترتب عليها حكم فالمعتبر العرف ثم اللغة لا غيْرُ، والله أعلم.
(٣) عرفه تاج الدين ابن السبكي -﵀- بقوله: "والعامُّ (الوارد) على سبب خاص، معتبر عمُومه عند الأكثر، فإن كانت قرينة التعْميم فأجْدر". ومن هنا قرر علمًا الأصول القاعدة المشهورة القائلة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(٤) سورة الإسراء. الآية ٢٥.
[ ١ / ٢٤٥ ]