نقرر فيها الميْز بين ما يثاب عليه من الواجبات، وبين ما لا يثاب عليه منها، وإن وقع واجبًا.
اعْلَمْ أن الماموراتٍ على قسمين:
١) قسم منها، صورة فِعْلِهِ كافيةٌ في تحصيل مصلحتهِ وإن لم يُقصَد به التقرب، وهذا كأداء الديون، وردِّ الغُصُوب وما أشبه ذلك.
٢) وقسمٌ آخر لا يقع واجبا الا مع القصْد والنية كالصلاة والصيام والحج
_________________
(١) اخرجه كل من أئمة الحديث: ابو داود وابن ماجة، والدارقطنى عن عبد الله بن عبَّاس ﵄ قال: "فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر، طُهرة للصائم، من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أدَّاها قبل الصلاة (أى صلاة العيد) فهى زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهى صدقة من الصدقات "، وذلك يعنى الترغيب في التعجيل بإخراجها، والتحذير من التهاون فيها، فإن ذمة مخرجها، سواء قبل الصلاة (وبعدها) تبرأ فها، وينال عليها الثواب والاجر في كلتا الحالتين عند الله تعالى، ولكن ثواب من أخرجها قبل صلاة العيد يكون أعظم أجرًا وخيرًا والله أعلم.
(٢) هى موضوع الفرق الخامس والستين من كتاب الفروق: جـ ٢. ص ٥٠، ويتجلى فيها الاختصار كما يظهر ويتجلى في غيره من القواعد بالمقارنة مع ما في كتاب الفروق الذى هو أصل لهذا الكتاب، إذ الاختصار أحد الاسس التى بنَى علها الشيخ البقوري كتابه الترتيب، فأجاد وأفاد ﵀، ورحم شيخه القرافي، ورحم سائر الائمة والعلماء المسلمين وكافة المومنين. وقد علق الشيخ ابن الشاط على كلام القرافي في اول هذا الفرق، فقال: إن الذي يؤدي دينه لا يخلو أن ينوى بأدائه امتثال أمر الله تعالى بذلك أو لا، فإن نوى ذلك فلا نزاع في الثواب، وان لم ينوه فلا يخلو أن ينوى سببا للأداء غير الامتثال كتخوفه ألَّا يداينه أحد إذا عرف بالامتناع وما اشبه ذلك أولا، فإن نوى بالأداء شيئا غير الامتثال فلا نزاع ايضا في عدم الثواب، وإن عَري عن نية الامتثال ونية سبب غيره ولم يَنْو إلا مجرد أداء دينه: فلقائل أن يقول: لا يحْرَمُ صاحبُ هذه الحالة الثواب، استدلالًا بسَعة بابه، والله أعلم. وعلق عما قاله في القسم الثاني بأنه صحيح.
[ ١ / ١٤٣ ]
وغير ذلك مِمّا شُرِط فيه النية، فهذا لا يُعْتَدُّ بفعله إلا إذا وقع منْوِيًا، فحينئذ يقع واجبًا ويثاب عليه.
والقسم الآخر إذا وقَع بغير نيةٍ أجزأ عن الواجب ولا ثوابَ عليه، فإن فعل بنيةٍ أجزأ عن الواجب وأثيب عليه، وظَهَر من هذا أنه مبني على أن القَبُولَ غَيْرُ الإجزاءِ وهو الحقُّ. فالمُجزئ من الأفعال ما اجتمعتْ شرائطه وأركانهُ وانتفتْ موانعه، فهذا يبرئ الذمة بغير خلاف. وأما الشاب عليه فالحقُّ عدم لزومه، وأن الله تعالى قد يُبْرئ الذِّمة ولا يُثيب في بعض الصور، وهذا معنى القبول، ويدل على ذلك أمورٌ:
أحدها: قوله تعالى: "انما يتقبل الله من المتقين" (٦١) في قضية ابنَيْ آدم، (٦٢) اذْ الظاهرُ أنهما تساويَا في العمل فكان ما ييرئ الذمة حاصلا، ومعَ ذلك لم يتقبل من أحدهما وتَقبَّل من الآخر بوصف باطني حميل في أحَدِهما، وذلك التقوى.
_________________
(١) سورة المائدة: الآية ٢٧. وقد علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في الاستدلال بتلك الآية، ولخصه البقوري في هذه السألة، فقال: "قول القرافي بأن هنا قاعدة، وهي أن القبول غير الإجزاء وغيرُ الفعل الصحيح، وأن العمل المُجْزئ قذ لا يُقْبَل وإن برئت الذمة به وصحّ في نفسه، مستدلا بالآية السابقة وبالآيات التى أوردها بعدها، يلاحظ عليه أن المسألة قطعية لا يكفي فيها مثل هذا الدليل، وعلى تسليم أنها ظنية، لقائل أن يقول: ليس المعنى الذى تأوله من الآية بظاهر، لاحتمال أن يريد بالتقوى الإيمان على الإطلاق، والايمان الموافي عليبما. وعلى تسليمه لعله كان شرْعًا لهم اشتراط عدم العصيان في القَبول. ثم جميع الايات والاحاديث المتضمنة لوعد المطيع بالثواب معارضة لذلك الظاهر إن قلنا أن شرع من قبلنا شرع لنا". اهـ كلام ابن الشاط في هذه المسألة ﵀. ثم قال بعد ذلك: ما قاله القرافي من ان ذلك كله (اى التفضيل في الأجر والثواب) مشروط بالتقوى مسَلَّمٌ، لكن بمعنى الموافاة على الايمان لا بمعنى مجانَبَة العصيان". اهـ
(٢) في نسخة ح: في قصة ابنى آدم. (وذلك اشارة إلى قوله تعالى في الآية السابعة والعشرين من سورة المائدة، خطابا لنبيه ورسوله سيدنا محمد ﵊: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ..
[ ١ / ١٤٤ ]
وثانيها: طلب إبراهيم واسماعيل - ﵉ - ذلك عند العمل، حيث قالا: "ربنا تقبل منا" (٦٣).
وثالثها: قوله - ﷺ -: "اللهم تقبل من محمد وآل محمد، وذلك عند ذبْحه الأضحية.
ومن الدليل على هذا كثرة، ويظهر من قوله - ﷺ -: "صلاة في مسجدى هذا خَيْرٌ من الف صلاة في غيره" (٦٤) التفضيل لا بإطلاق، ولكن بشرط التقوى، ومن قوله - ﷺ -: "صلاة الجماعة تفْضُلُ صلاة الفذ بكذا (٦٥) أنه بإطلاق.
قلت: ادّعاء التقييد في الحديث الأول، وأنه الظاهر، غيرُ ظاهر. نعَمْ الاطلاق في الثاني هو الظاهر، والله أعلمُ.
قلت: إن صحت هذه القاعدة أبطلت (٦٦) الحدود المذكورة للأصوليين في انواجب، فهم يميزونه بالثواب والعقاب (٦٧). وهذه القاعدة - إن صَحَّتْ - ترُد ذلك من حيث إنه يخرج عن الحد ما هو منه، وهو فساد في الحدودِ، والله أعلم.
_________________
(١) سورة البقرة: الآية ١٢٧: "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع الحليم".
(٢) اخرجه الامام احمد ﵀ بلفظ أن النبى - ﷺ - قال: صلاة في مسجدى هذا أفضل من الف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام افضل من صلاة في مسجدى هذا بمائة صلاة". اهـ.
(٣) اخرجه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله بلفظ: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" متفق عليه، عن ابن عمر ﵄.
(٤) في نسخة ح: بطلت (بالفعل الثلاثي والمعنَى على كليهما صحيح وسليم.
(٥) حيث يقال في حد الواجب وتعريفه عند علماء الأصول وغيرهم: الواجب هو ما يثاب على فعله ويعاقَبُ على تركه، ذلك أن الامر به من الشارع أمرٌ حتم ولازم. والمراد بالقاعدة المشار إليها هى القاعدة السابعة من القواعد الاصولية عند البقورى، وهى الفرق الخامس والستون من الفروق عند القرافي، والتي موضوعها - كما سبق بيانه في اولها - التمييز والفرق بين ما يثاب عليه من الواجبات وبين مالا يثاب عليه وان وقع واجبا. وهذه القاعدة الاصولية صحيحة، ويظهر انها لا تخرج الحدود والتعاريف المذكورة للواجب، ولا تتنافى معها عند النظر والتأمل، والله أعلم.
[ ١ / ١٤٥ ]