في تقرير الدليل والحجة والفرق بينهما، ثم الفرقِ بين أدلَّة مشروعية الأحكام وأدلة وقوع الأحكام، فأقول:
هُمَا من حيث العُرْفُ يختلفان، فيقالُ الدليلُ على ما يتوصل به إلى المطلوبِ شَرْعًا، ويُقال الحجَّة على بعض ذلك وهو ما يقضى به الحكام، لقوله ﵊: "ولعل بعضكُم أن يكون ألحن بحجته من صاحبه" (٧٦)، وهو يرجع إلى نحو عشرةٍ من الحِجاج، فهى التي يقضي بها الحكام، وسيأتي ذِكْرُها على التفصيل في قاعدة من القواعد، وأدِلَّة مشروعية الأحكام نحوُ عشرين، على خلافٍ في بعضها، كإجماع الخلفاء (الأربعة) وإجماع أهل المدينة، وأصلها المتفق عليه الكتاب والسنة والإجماع، وقد قررها الأصوليون في كتبهم.
_________________
(١) جمع الشيخ البقوري ﵀ في هذه القاعدة الكلام على الفرق السادس عشر بين قاعدة أدِلة مشروعية الأحكام، وبين قاعدة أدِلة وقوع الأحكام، وعلى الفرق السابع عشر بين قاعدة الأدلة وقاعدة الحجاج. جـ ١. ص. ١٢٨ - ١٢٩. قال الإِمام القرافي ﵀ في أول هذا الفرق: فأدلة مشروعية الأحكام محصورة شرعا تتوقف على الشارع، وهي نحو العشرين، وأدلة وقوع الأحكام هي الأدلة الدالة على وقوع الأحكام، أيْ وقوع أسبابها وحصولِ شروطها وانتفاء موَانِعها، فأدلة مشروعيتها: الكتاب، والسنة، والقياس والإجماع، والبراءة الأصلية، وإجماع أهل المدينة وإجماع أهل الكوفة على رأي، والاستحسان، والاستصحاب، والعصمة، والأخذ بالأخف وفعل الصحابي الخ
(٢) ونَصُّه كما أخرجَهُ أئمة الحديث عن أم سلَمة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: "إنما أنا بشَر، وإنكم تختصمون إليَّ، فَلعَلَّ بعضكم أن يكون ألْحَنَ بحجته من بعْض فأقضِي له على نحو ما أسمَعُ، فمن قضيتُ له بحقِ مُسْلمِ فإنما هي قطعةٌ من النار، فليأخذْها أو ليتركها، أخرجه الإِمام مالك في الموطأ، والشيخان في صحيحهما، وغيرهما من أصحاب السنن.
[ ١ / ٣٤٦ ]
وقد يقال أيضًا الدليل على وقوع الأحكام، وهي المسماة بالأسباب كالزوال ورؤية الهلال، (٧٧)، والأدلة على هذه تكون بآلة وبغير آلة، وهي لا تنحصر، ولا غاية لها كالاسطر لاب والميزان. ومن حيث إنه لا نهاية لها لم تكن هذه الأدلة تتوقف على نصْب الشرع، وكذلك الشروط والموانع، وهي هذه الأشياء الثلاثة موزعة في الشريعة على ثلاث طوائف، فَالْأدِلةُ يعتمد عليها المجتهدون، والحِجَاجُ يعتمد عليها الحُكام، والأسبَابُ يعتمد عليها المكلفون، كرؤية الهلال والزوالَ، وما أشبه ذلك.
_________________
(١) عبارة القرافي في أول الكلام على هذا الفرق أظهر وأوضح كما سبَقَ في التعليق قريبا، فقد قال: وأدلة وقوع الأحكام هي الأدلة الدالة على وقوع الأحكام، أيْ وقوع أسبابها وحصول شروطها وانتفاء موانعها، وهي غير منحصرة، فالزوال مثلا دليل مشروعيته سببا لوجوب الظهر قوله تعالى: "أقِم الصلاة لدلوك الشمس"، ودليل وقوع الزوال وحصوله في العالم، الآلاتُ الدالة عليه، وغيرُ الآلات كالاسطِرْلَابِ والميزان وربعُ الدائرة الخ، وبذلك يتضح كلام الشيخ البقوري هنا. وقد علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند شهاب الدين القرافي في هذين الفرقين بقوله: ما قاله القرافي في الفرق السادس والسابع عشر صحيحٌ، اهـ.
[ ١ / ٣٤٧ ]