نقرر فيها الفرق وإن كون ظرف الزمان للتكليف دون ايقاع المكلف به، وبين أن يكون ظرفا للتكليف لإيقاع المكلف به معا، ويتضح هذا بذكر ثلاث مسائل.
_________________
(١) هي موضوع الفرق الحادى والأربعين بين قاعدة كون الزمان ظرف التكليف دون المكلف به، وبين قاعدة كون الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به مع التكليف، جـ ١ ص ٢١٨. قال في أوله الإِمام القرافي ﵀: "هذا الموضح التبس على كثير من الفضلاء واختلطت عليهم القاعدتان، فوردت إشكالات بسبب ذلك، ويتضح الفرق بينهما بذكر ثلاث مسائل الخ.
[ ١ / ٢١٤ ]
المسألة الأولى في كون الكُفار خوطِبوا بفروع الشريعة أم لا، ثلاثة أقوال: مخاطَبون، ليسُوا مخاطَبين. الفرق بين الأوامر والنواهي، فهم مخاطَبون بالنواهي دون الأوامر. (٢٢٢)
فمن قال: ليسوا مخاطَبين قال: لَو وجبت عليهم الصلاة لوجبتْ إما حالةَ الكفر وإما حالةَ الإِسلامْ، والقِسمان باطلان، فالقول بالتكليفِ (٢٢٣) كذلك:
أمّا حالة الكفر فلان التقريب بها من الكافر لا يتعقَّل ولا يصحُّ حينئذ، وأمَّا في حالة الاسلام فلانعقاد الإِجْماع على أن الإِسلام يَجُبُّ ما قبلهُ.
والجواب أن نقول: نختار التكليف حالة الكفر. وقولُهُ لا تصح، قلنا: مُسَلّم، ولا يتحصَّلُ له مقصود، (٢٢٤) لأن هذا الزمان ظرف. للتكليف فقط لا لإِيقاع المكلَّف به، والإِيقاع هو الذي لا يصح، ومعنى هذا أنه أُمِر في زمان الكفر أن يزيله ويبدِّله بالِإيمان، ويفعل الصلاة في زمن الإِسلام لا في زمن الكفر، فصار زمن الكفر ظرفا للتكليف فقط، وزمن الإِسلام هو للتكليف ولإِيقاع المكلف به.
المسألة الثانية: المحْدِثُ مأمور بإيقاع الصلاة ومخاطَبٌ بها في زمن الحدث إجماعا، والكفر هو الذي وقع الخلافُ فِيهِ، أما زمن الحدَث فلا. ثُمَّ إن الإجماع انعقد على أن المحدِث لا تصح صلاتُه في الزمن الذي هو فِيهِ مُحْدِثٌ، وإنما تصح في زمن الطهارة، وزمان الطهارة هو زمان التكليف بإيقاع الصلاة دون زمان الحدث، وزمان الحدثِ هو ظرف التكليف فقط.
قلت: كذا وقع هذا في الفروق لشهاب الدين ﵀، وآخر الكلام يناقض أوله.
_________________
(١) زاد القرافي هنا قوله: واتفقوا على أنهم مخاطَبُون بالإيمان وقواعد الدين، وإنما الخلاف في الفروع، وتقرير المسألة مبسوطا في أصول الفقه.
(٢) في نسخة ح: فالتكليف كذلك.
(٣) عبارة القرافي هنا، أظهر، وهي: ولا يلزم من ذلك عدم حصول التَّكْليف في هذه الحالة وفي هذا الزمان".
[ ١ / ٢١٥ ]
فقوله: المحدث مامور بإيقاع الصلاة في زمن الحدث إجماعا، يخالف قوله في آخر المسألة: "وزمن الحدث هو ظرف للتكليف فقط"، والآخرُ هو الحق، (٢٢٥) وهذا إذا لم يكن مضطرا، فإن لم يجد ماء ولا صعيدًا فهي المسألة حينئذ خلاف قد ذكره الفقهاء (٢٢٦).
المسألة الثالثة: الدُّهري (٢٢٧) مكلّف بتصديق الرسول - ﷺ -، مع أنه جاحد للصانع، والأمر فيه كالأمر في المسألتيْن. (٢٢٨)
_________________
(١) في هامش نسخة ع عند قول الشيخْ البقوري: "وآخر الكلام يناقِضُ أوله" ما نصُه: لا تَناقُضَ؛ لأن قولَه (أي القرافي): في زمن الحدثِ إجماعًا، متعلق بمأمور لا بإيقاع، وكأن البقوري فهم تعلقه بإيقاع" اهـ.
(٢) نظم بَعْضُهُمْ الخلاف في هذه المسألة، وجمع أقواله في بيتين، فقال: ومَن لم يجد ماءً ولا متيمَّمَا فأرْبعةُ الأقوال يَحْكينَ مذْهبَا يصلّي ويقضي، عكسه قال مالك وأصبَغُ يقضِي، والأداءُ لأشهَبا
(٣) الدهري بضم الدال في أشهر الاستعمال والسماع، وفتحه قياسي غير سَماع، وهو نسبة إلى الدهر أي الزمان، والدهريُّ هو الكافر الملحد، المنتسب إلى فرقة الدهرية، وهم المنكرون لوجود الله، ووحدانيته، ولخلقه لهذا الكون، مثلما ينكرون البعث والنشور يوم القيامة، فيقولون بأن الذي يهلك الإنسان ويفنيه هو الزمان والدهر، فينتهى الإنسان في زعمهم وظنهم انتهاء أبَدِيًا بانتهاء حياته في الدنيا، وقد حكى الله ذلك عنهم، وأبطل زعمهم وضلالهم، وفَنَّدَ اعتقادَهم الفاسد، قال ﷾: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤].
(٤) أي ان زمن الكفر والالحاد، وزمن الحدث هو ظرف للتكليف دون ايقاع المكلف به، والزمن الثاني في الكافر الملحد، والمحدث -وهو زمن حصول إسْلامه- هو ظرف وزمن التكليف وإيقاع المكلف به. قال الإِمام القرافي ﵀ في ختام كلامه على هذا الفرق: فتأمل الفرق بين القاعدتين، والسر بين المعنيين يتيسر عليك الجواب عن أسئلة الخصوم وشبهاتهم، وهو فرق لطيف شريف".
[ ١ / ٢١٦ ]