نقرر فيها الفرق بين استثناء الكل من الكل، وبين استثناء الوحدات (٤٦) من الطلاق، ونقرر فيها ايضا الفرق بين الاستثناء من الذوات والاستثناء من الصفات (٤٧) فنقول:
إعْلَمْ أنَّهُ قد تقدم أن من شرط الاستثناء أن لا يكون مستغرقا، ولأجْل ذلك لم يَلحق المعطوفات، فلا يجوز: قام زيد وعمرو وخالد إلا خالدًا، لأنَّ فيه الاستغراق. وعلى سياق هذا يجب أن لا يجوز: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة
_________________
(١) هي موضوع الفرق الرابع والستين والمائة بين قاعدة استثناء الكل من الكل وبين قاعدة استثناء الوحدات من الطلاق" جـ ٣، ص ١٦٨، ولم يعلق عليه ابن الشاط بشيء.
(٢) هكذا بصيغة الجمع في نسخة ح، وكذا في هذا الفرق عند الإمام القرافي، وفي نسخة ع: الواحدةِ (بالمفرد).
(٣) هو موضوع الفرق الثالث والستين والمائة بين قاعدة الاستثناء من الذوات وبين قاعدة الاستثناء من الصفات، جـ ٣، ص ١٦٦. وقد علق عليه ابن الشاط بقوله: هذا الفرق يحتاج إِلى تأمل ونظر. وكذلك الفرقان اللذان بعدها: ١٦٤، و١٦٥ فلينظر وليتأمل في كلام القرافي فيها، وفيما لخصه البقوري فيها، فلعل المرء يهتدى بها إلى ما جعل ابن الشاط يقول فيها إنها تحتاج إلى تأمل ونظر.
[ ١ / ٢٣٩ ]
إلَّا واحدة، لأنه استثنى جملة المنطوق به وهو المعطوف. غير أن الأصحاب جوزوه، وما علمت فيه خلافًا، ويعللونه بأن الثلاث لها عبارتان: أنت طالق ثلاثًا، وأنت طالق واحدة وواحدة وواحدة، فكما يصح من الجارة الواحدةِ يصح من الأخرى.
قال شهاب الدين - ﵀:
ويلزم على سياق هذا التعليل - إذا قال: لِلَّه علي درهم ودرهم ودرهم إلا درهمًا - لا يلزمه إلا درهمان، لأن الدراهم والدنانير لا تتعيَّن وإن عُيِّنت.
وأما الاستثناء من الذوات فكأنْ يقول مررت بالقوم إلا زيدا. وأما الاستثناء من الصفات فيتصور بوجوه مختلفة:
أحدها أن يستثني جملة الصفة، كقولك: أنتِ طالقٌ واحدةً إلا واحدة.
الثاني أن يستثني بعض الصفة كقوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ (٤٨).
الثالث أن يستثنى بعض متعلقها كقول الشاعر: قاتل ابن البتول إلَّا عليّا، فإن المراد أنَّ فاطمة ﵂ بَتلتْ نفسها عن الأزواج إلا من علي فقط.
وذكر شهاب الدين -﵀- هنا مسألة فقهية، هي:
إذا قال: أَنْتَ طالق واحدةً إلا واحدةً، معناه طلقة واحدة، فهنا مصدر موصوف، فإن قَصد رفْع الصفة دون الموصوفِ، فقد رفع بعض ما نطَق به. فيلْزَمُهُ طلقتَان، لأنه رفع بعض ما نطق به. ومَعَنا قاعدة عقلية، وهي: أن كل ضِدين لا ثالث لهما، إذا رفع أحدهما تَعَيَّنَ ثبوتُ الآخَر، فهو لمَّا رفع الواحدة
_________________
(١) سورة الصَّافات: الآية ٥٧، ٥٨.
[ ١ / ٢٤٠ ]
ثبتت الكثرة، والكثرةُ محصورة في اثنتين، فلو قصد رفع الموصوفِ لم ينفعه الاستثناء، لما تقدم من الاستغراق. (٤٩)