نقرر فها حقيقة الواجب الموسع، ليظهر بذلك بُطلان ما قيل في الحائض في رمضان: إن الصوم وجب عليه فيه، أو صِحَّتُهُ، فنقول:
الواجب الموسَّعُ إنما يصدق على ما وقع التكليف به، مرتبطا بوقتٍ، ذلك الوقتُ أوسعُ من زمان ايقاع ذلك الواجب إذا أوقعه المكلف، ثم هو لذلك (٧٧) يصح ايقاعه في كل زمن من أفراد ذلك الزمان المتسع، وهذا، كما الامرُ في صلاة الظهر، حيثْ طُلِبَ مِنَّا ايقاعها في زمن طويل، مبدأوه الزوالُ ومنتَهاهُ آخرُ القامة. فإذا كان الامر هكذا فكيف يصح أن يقال في الحائض: وجب عليها الصوم وجودا موسّعا، وهي لا يصح لها الصومُ في رمضان، وهذا قول الحنفية (٧٨).
_________________
(١) قال القرافي ﵀ في هذا الموضوع: وتحرر بهذا الفرق زوال ما استشكله الشافعية علينا من الجمع بين الأداء والإثم، فإنهم قائلون به في الفريق الثاني، فكان يلزمهم في الفريق الأول، ويتضح مذهبنا اتضاحا جيدا. وأنا لم نخالف قاعدة، بل مشينا على القواعد. ويلزم الشافعية إشكال لا جواب لهم عنه، وهو أن يكون حدهم الأداء والقضاء في كتبهم الأصولية باطلا، لانهم اطلقوا القول فيها، وليس مطلقا على ما زعموا، بل يتعين أن يكون الأداء في كتبهم إيقاع العبادة في وقتها الاختيارى، والقضاء إيقاع العبادة خارج وقتها الاختياري أصل، لكنهم في كتب الاصول لم يصنعوا ذلك.
(٢) وعلق ابن الشاط على كلام القرافي هذا بقوله: ما قاله - هنا صحيح على ما قَرَّر. وقال ابن الشاط هنا: قلت: ولا صنَعَه غيرهم من المالكية وغيرهم فيما علمت، وليس بنكير أن يطلق القول، والمراد التقييد، وغايته أن نقول: تجنب ذلك في الحدود أكيد. اهـ
(٣) هى موضوع الفرق الثامن والستين بين قاعدة الواجب الموسّع وبين قاعدة ما قيل به من وجوب الصوم على الحائض. جـ ٢ ص ٦٢.
(٤) في نسخة ح: كذلك بكاف التشبيه.
(٥) علق ابن الشاط على هذه المسألة فقال: ليس مراد من قال بوجوب الصوم على الحائض أنها مكلفة بايقاع الصوم في حال الحيض، كيف وقد انفقوا على عدم صحته إن أوقعته، وعلى أنها آثمة بذلك، لكن مرادهم أنها مكلفة بالتعويض من أيام الحيض التي هي من رمضان الخ
[ ١ / ١٥٠ ]
كيف أيضا يصح قول القاضى عبد الوهاب: إن صومه واجب عليها، وهي ممنوعة من صومه، بل اثمة ان فعلتْ، فتكون ماثومةً غير ماثومة بحسب فعل واحد، والأظهر أنه غير واجب عليها صومُه لذلك، والذى حمل القائلين بالوجوب أشياء:
أحَدُهما: عموم قوله تعالى: "فمن شهِد منكم الشمهرَ فليصمه" (٧٩)، وهذا ليس بظاهر، لأن التخصيص يصرفُهُ لما تقرر من أنها ممنوعة من صومه، والدليل العقلي أحدُ ما يتخصَّصُ به العَامُّ، وأنها ممنوعة من صومه، معلوم قطعا في الشريعة المحمدية.
الثاني: كونها تنوى قضاء رمضان.
وجوابه أن النية في الصوم لابدَّ منها، وأنواع الصوم كثيرة، فلابد لهذا الصوم من شيء يتميز به لتقع النية كذلك مَمَيِّزة له بما تميز به من الخصوصية، وهو ليس بتطوع ولَا واجب ابتداءً، ولا نذرٍ ولا كفارة. وسبَبُ هذا الصوم هو ترك رمضان، فأضيف اليه بسبب ذلك ليتميز عن غيره، لأن الوجوب تقدم.
وقالوا أيضا: ان القضاء يقدَّر بقدر الأداء الفائت، فأشبه قيم المتلَفات القائمة مقام الأعيان المُتْلَفَةِ، فكذلك هذا القضاء يقوم مقام الواجب الذى فات، فلو لم يجب شيء، ما قام هذا القضاء مقامه.
والجواب هو ما قلنا في الثاني: أن الصوم بسبب الترك لا بسبب الوجوب، كذلك أَيضا بِعَدَدِ الترك تعدد القضاء.
قلت: والمسألة ترجع إلى أن القضاء لا يكون مرتّبا الا على الوجوب، أو يكون مرتّبا عليه وعلى سبب الوجوب. فعبد الوهاب والحنفي، رحمهما الله قال بالأول. وما قاله شهاب الدين وهو الذي ارتضاه الإمام فخر الدين، وكذلك تاج الدين في الحاصِلِ من المحصول وهو الأوْلى والأظهر، والله أعلم.
_________________
(١) سورة البقرة: الآية ١٨٣.
[ ١ / ١٥١ ]