نقرر فيها أنه الاباحة قد تكون مُطْلَقةً، وقد تكونه مرتبة سبب، ثم نقرر ما يلزم عن كل واحدة.
فالإباحة المطلقة كالْإذْن في البيع والشراء، والاباحةُ المترتبة على سبب، كقوله تعالى: ﴿واذا حللتم فاصطادو﴾ (١٤٦).
ثم الإباحة المطلقة لا يكون على المكلف حرَج في الإقدام على ذلك المباح مطلقا، والاباحة على سبب لا يكون على المكلّف حرج في الاقدام على الفعل من حيث ذلك السببُ، ويكون عليه حرج في الاقدام عليه باعتبار سبب آخر، فالتحريم يجتمع مع هذه الاباحةِ ولا يجتمع مع الأخرى، وهذا، لأن أسباب التحريم قد تجتمعُ مع اسباب الاباحة وقد تفْترق. وعلى هذا يكون الفعل الواحد حرامًا باعتبار سبب مَّا، حَلالا باعتبار سبب آخر، وبهذه القاعدة يزُول إشكال أورده بعض الفضلاء فقال: قوله تعالى: ﴿فإق طلقها فلا تحِلُّ لَهُ مِن بعن حتى تنكِحَ زوجًا غيْره﴾ (١٤٧). هذه الآتية تعطي من حيث إنَّ حتَّى غايةٌ أن المطَّلقة
_________________
(١) هي موضوع الفرق الحادي والخمسين والمائة (١٣١) بين قاعدة الإباحة المطْلقة، وبين قاعدة الاباحة المنسوبة إلى سبَب مخصوص، جـ ١، ص ١٣١.
(٢) سورة المائدة: الآية ٢.
(٣) سورة البقرة: الآية ٢٣٠. وقد نص علماء النحو، واهل العلم بمعاني الحروف على أن حرف حتى ياتي لأحد ثلاثة معان: انتهاء الغاية وهو الغالب، والتعليل، وبمعنى الا من الاستثناء، وهذا اقلها، وقل من يذكرها. واستعمالها يكون على أحد ثلاثة اوجه: أحدها ان تكون حرف جر بمنزلة إلى في المعنى والعمل، وهي تخالفها في امور. ثانبها أن تكون عاطفة بمنزلة الواو، وهي تخالفها في امور، ثالثها أن تكون حرف ابتداء (اي تبتدأ به الجملة. وقد أشار بعضهم إلى هذه الوجوه في بيتين من النظم، وزاد عليها واحدا بشئ من التجوز، والبيتان هما قوله: تكون حتى حرف جر يا فتَى وحرفَ نصب لمضارع أتى وَحرف عطف ثم حرف الابتدا. اقسامها أرلعة فَعَدِّدَا (اى عَدِّدْها واحسبْها). ومعلوم أن حتى ليست من حروف نصب المضارع وادواته، ولكن النصب يكون بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى بمعنى إلى، فهى بمعنى الغاية، ومَجْرُوها حينئذ إما ان يكون اسما صريحا أو مؤولا بالمصدر. (١ هـ) انظر مغنى اللبيب لابن هشام ﵀.
[ ١ / ١٨٣ ]
بالثلاثِ إذا تزوجت غيرَه حَلَّت له، وهذا مردود بالإِجماع، فَيَجِبُ أن يقال: إن حتى خرجَتْ في هذه الآية عن مقتضاها الْغائِي، وأنها لَا تَدُل عليه، وهذا - ايضا صعْبٌ، فهذه القاعدة تزيل الأشكال، فيقال: بَتَزَوُّج غيرهِ لَها (١٤٨) زالَ مانعٌ واحد كان يمنع منٍ تزوجها، فأبيحَتْ من حيث ارتفاع هذا المانع، وبقي موانعُ أخرى، فكَونُها باقية في مِلك هذا الثاني مانع، حتى إذا طلَّقها زالَ ذلك، وبقيت العِدَّة هي مانع آخر، هكذا قال شهاب الدين ﵀.
وكذلك تصَوُّرُ اجتماع أسباب على سبب واحد، مثل القتلِ يجب بترك الصلاة، والزنا عن إحصان، والارتدادِ، وقتلِ النفس التي حرّم الله إلا بالحق (١٤٩)، فهذا قد أبيح دمه بكل واحد من هذه الأسباب. فإذا عَفَا الاولياء ذهبت الاباحة الناشئة عن القتل، وبقىَ القتل لأسباب أخرَ.
قال -﵀-: وكما ظهر لك اجتماع أسباب التحريم في المسألة المتقدمة، فاعلم أن المحرَّم بسبب واحد ليس كالمحرّم بأسباب، بل يتضاعف الإثم بتضاعفِ الأسباب، فالزنَى محرَّم، وبالبِنْتِ أشَدُّ، (١٥٠) وبها في الصوم ومع الإحرام أشد، وفي الكعبة أشدُّ، وكذا الواجبُ الواحد يتصور أن يكون لهُ سببٌ واحدٌ في الوجوب، ويُتَصوَّرُ أن يكون له اسبابٌ.
_________________
(١) عن عبد الله ابن مسعود ﵁ قال، قال رسول الله - ﷺ -؛ "لا يَحِل دم امرئ مسْلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة. اخرجه الشيخان: البخارى ومسلم رحمهما الله.
(٢) قال بعضهم في هذا المعنى: وتعظمُ الطاعة والمعصية بالشخص والمكان والوقتية
[ ١ / ١٨٤ ]