_________________
(١) هى موضوع الفرق الواحد والستين بين قاعدة مفهوم اللقب وبين قاعدة غيره من المفهومات. جـ ٢. ص ٣٧. ولم يعلق عليه ابن الشاط بشيء.
(٢) عبارة ابن السبكي ﵀ "واحتج باللقب الدقاقُ والصيرفي (من الشافعية) وابن خويز منداد (من المالكية) وبعض الحنابلة. (٧ م) هي موضوع الفرق الثاني والستين بين قاعدة المفهوم إذا خرج مخرج الغالب، وبين ما إذا لم يخرج مخرج الغالب. جـ ٢. ص ٣٨
[ ١ / ٢٥٨ ]
الذي عليه الأصوليون أن الوصف الذى خرج مخرج الغالب لا يكون حجة، والذي لم يخرج مخرج الغالب هو حجة، وهذا كقوله (أي النبي - ﷺ -): "في سائمة الغنم الزكاة"، (٨) وذلك أن الغالب على الغنم الرعيُ، والعلْف فيها قليل، ولا سيما ببلاد الحجاز، وهذا كان حجة دون الآخر (٩) من حيث إن الوصف إذا كان غالبا يذكر مع الحقيقة، غلب على الظن أن سبب ذكره ما هو إلا غلبة حضوره في الذهن عند ذكر الحقيقة من حيث تلازمهما في الذهن، فيسبق ذكره على اللسان لذلك، لا لغرض آخر للمتكلم، ولو كان الوصف ليس كذلك لسبق للذهن أن ذكر ذلك لغرض، وسَلْبُ الحكم عن المسكوت عنه يصلح أن يكون غرضه، فحملناه عليه حتى يصرح بخلافه، لأنه المتبادر للذهن من هذا التقييد، فهذا هو الفرق وعلى هذا، من أن، الغالب لا يعتبر، انعقد الإجماع (١٠).
_________________
(١) تمثيل للوصف الذى خرج مخرج الغالب، كما شرحه وبينه الشيخ البقوري بعد.
(٢) هكذا العبارة في جميع النسخ، حيث جائت بعد التمثيل بالحديث الشريف للوصف الغالب الذى هو غير حجة، وعلى هذا، فاسم الاشارة يشيرُ إلى أقرب مذكور، وهو الوصف الذى لم يخرج مخرج الغالب، وهذا حجة كما قال كل من القرافي والبقوري، ولا يشير إلى الوصف الذى خرج مخرج الغالب فإن هذا لا يكون حجة كما سبق بيانه، وبذلك يستقيم الكلام ويتضح معناه، وينسجم أوله مع آخره ولا يتناقض.
(٣) عقب ابن الشاط على كلام القرافي في أول هذا الفرق إلى قوله: "وهذا هو الفرق بين القاعدتين، وَسِرُّ انعقاد الإجماع على اعتباره" أي الوصف الغالب، فاستبعد أن يكون السر والسبب في ذلك هو ما ذكره القرافي، وأورده بإيجاز واختصار، البقوري هنا، وقال أي ابن الشاط: كيف يكون الشارع مضطرا إلى النطق بما لا يقصده؟ !، هذا محال، فإما أن يكون المراد بالشارع الله تعالى، فاضطراره إلى أمر ما، محال، وإما أن يكون هو النبى - ﷺ - فكذلك من حيث هو معصوم، والحامل له (أي للقرافي) على هذا الحال إنما هو القول بالمفهوم، والصحيح أنه باطل عند التجرد عن القرائن المفهمة لمقتضاه. اهـ. قلت: يظهر أن الفقيه ابن الشاط ﵀ وسامحه، يحمل كلام الإمام القرافي أحيانا محملا غير ظاهر ولا وارد، ويوجهه توجها ويؤوله على فهمه تأويلا بعيدا غير سليم. إذ يبعد كل البعد أن يقصد القرافي ذلك، وأن يريد ذلك المعنى الذى اعترض به ابن الشاط. حتى يرد عليه مثل هذا الاعتراض، وأن يلاحظ عليه ذلك الملحظ بهذا الفهم الذى فهمه ابن الشاط. والذي يمكن أن يقال ويجاب به عن ذلك هو أن القرافي يتحدث عن قاعدتين، واستخلص ما استخلص منهما، كما تحدث عن المتكلم الذى يمكن أن يأتيَ الوصف الغالب وفي الغالب في كلامه وحديثه، بغض النظر عن كونه هو الشارع (أو غيره، مع الاتفاق وتسليم الكل بأن مصدر تشريع الأحكام واستنباطها هو النصوص الشرعية، ولذلك مَثَّل للقاعدة التي يريد تقريرها بالحديث النبوى الشريف. فليتأمل ذلك، والله أعلم بالصواب، وهو الموفق اليه.
[ ١ / ٢٥٩ ]
وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام -﵀- من الشافعية يورد على هذا سؤالا ويقول: الوصف الغالب أَولى أن يكون حجة مما ليس بغالب، من حيث أن الوصف الغالب على الحقيقة لا فائدة في ذكره للسامع، لأنه عالم به، إلا أن يقال: كان ذلك لغرض أن يبقى كذا، أعنى سَلب الحكم عن المسكوت عنه، وأما إذا لم يكن غالبا فقد يحتاج السامع أن يعلم أن ذلك الوصف لتلك الحقيقة.
قال شهاب الدين ﵀: وأُورد لك ثلاث مسائل، توضح لك القاعدتين والفرق بينهما.
المسألة الأولى (١١): استدل الشافعية بقوله - ﷺ -: "في الغنم السائمة الزكاة" على أن لا زكاة في المعلوفة، ولا دليل لهم، لما قلنا من أن الوصف الغالب لا حجة فيه إجماعا، وأيضا فهو متروك، لقوله - ﷺ -: "في كل أربعين شاةً، شاةٌ".
المسألة الثانية: قوله - ﷺ -: "أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (١٢) مفهومه أنه إذا أذِن لها وليها صح نكاحها، وهذا المفهوم مُلغى، بسبب أنها لا تُنكِح نفسها إلا ووليها غير آذن لها غالبا، فكان ملغى.
_________________
(١) علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي، ولخصه تلميذه البقوري في هذه المسألة، فقال: "ما قاله من أنه لا دليل للشافعية في حديث الزكاة في الغنم السائمة، لوجهين: الأول أنه خرج مخرج الغالب" قد سبق ما أورده عليه عز الدين بن عبد السلام، والثاني، وهو أنه معارض بمنطوق الحديث الآخر، لَا بأس به. اهـ.
(٢) أخرجه بعض الأئمة من أصحاب السنن، وتمامه - كما أورده الحافظ بن حجر في كتاب (بلوغ المرام من أدلة الأحكام): "فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لَا وَليَ لها". قال العلامة الصنعاني في شرحه سُبُل السلام: هذا الحديث صححه أبو عوانة، وابن حِبان، والحاكم، وهو دليل على اعتبار ولى المرأة في عقد الزواج ركنا من أركان العقد، كما هو ظاهر وواضح ايضا من الحديث الذى رواه أصحاب السنن وهو: "لا نكاح إلا بولى" أي لا نكاح صحيح إلا بمباشرة الولي لِعقد النكاح على ولِيّتِه من بنته أو أُخته، مثلا، لأن الأصل في النفي نفي الصّحّةِ لا الكمال. وقول الحنفية بعدم اشتراط الولي في العقد، محتجين بالقياس على البيع، من حيث أن المرأة الرشيدة تستقل ببيع ما تملكه لنفسها من متاع وغيره، قياس فاسد الاعتبار، إذ هو قياس
[ ١ / ٢٦٠ ]
المسألة الثالثة: (١٣)
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (١٤)، مفهومه أنكم إذا لم تخشوا الإملاق لم يحرم عليكم القتل، وهو مفهوم مُلْغىً إجماعا، بسبب أنه قد غلب في العادة أن الإنسان لا يقتل ولده إلا لضرورة، لأن حنة الأبوة تمنع القتل، فكان الغالب عليهم في القتل أنه كان مخافة الفقر.
_________________
(١) علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء في هذه المسألة الثالثة بقوله: "إنما ألغى هذا المفهوم، لمعارضته الأدلة الدالة على المنع من قتل من لم يَجْنِ جناية توجب القتل، ولدًا كان أو غيره
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٣١. وتمامها قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾، وفي معناها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]. والفرق بين الآيتين في المعنى ظاهر، وهو أن آية النهي عن قتل الأولاد في سورة الأنعام تفيد النهي عن ذلك من إملاق حاصل وواقع فعلا، وتدل عليه، بينما آية الإسراء تفيد النهي عن قتل الأولاد خوف فقر متوقع ومنتظَر"، فطمأن اللهُ النفوس وأخبرها بأنه سبحانه تكفل بأرزاق الآباء والأولاد على السواء، وأن الإنسان مطلوبٌ منه فقط أن يتخذ الأسباب المشروعة للوصول إلى تلك الأرزاق وادراكها ونيلها، عملا بقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾.
[ ١ / ٢٦١ ]