ص: (الكتاب الأول: في الكتاب ومباحث الأقوال: الكتاب: القرآن، والمعني به هنا: اللفظ المنزل على مُحَمَّد ﷺ للإعجاز بسورة منه، المتعبد بتلاوته).
ش: لما كانَ الكتاب أصلًا لسائر الأدلة الشرعية، قدم البحث عنه على البحث عن سائرها، والألف واللام فيه للغلبة؛ لأنَّ المراد به الذي يتعارفه المسلمون، المقابل للسنة، فيقال: الكتاب والسنة، فقوله: (الكتاب القرآن) هو قولنا:
[ ١ / ٣٠٥ ]
الإنسان البشر، والقمح البر، وقوله: (والمعني) إشارة إلى أن القرآن يطلق تارة ويراد به مدلول اللفظ، وهو المعنى القائم بالنفس، وذلك محل نظر المتكلمين وأخرى ويراد به الألفاظ الدالة على ما في النفس، قالَ تعالى: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ والمسموع هو العبارات، وهذا محل (٣٧ ب) نظر الأصوليين والفقهاء والنحاة وغيرهم، فقوله: (اللفظ) كالجنس، فيخرج به النفسي، وإنما عبر به دون القول، وإن كانَ القول أخص من اللفظ فإنَّه لا يتناول غير المستعمل - لأنَّ القصد هنا التنصيص على أن البحث عن الألفاظ، ولو أتي بالقول لم يفهم ذلك، وقوله: (المنزل) فصل أول، يخرج اللفظ غير المنزل، وقوله: (على مُحَمَّد ﷺ)، فصل ثان، يخرج المنزل على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، و(للإعجاز)،ـ فصل ثالث، يخرج المنزل لا للإعجاز كالأحاديث، كذا قالُوا، وساعدهم قول الحليمي في المنهاج: علوم القرآن توجد في السنة إلا الإعجاز، فإنَّه من خصائص الكتاب، ولهذا جوزوا رواية الحديث بالمعنى، وينبغي أن يكون مرادهم: أن
[ ١ / ٣٠٦ ]
الأحاديث لم تنزل للإعجاز، أي لقصده، فإنَّها لا تخلو عنه، كيف وهو القائل: «أوتيت جوامع الكلم» وبذلك يؤول قول الحليمي، وقوله: (بسورة منه) من تتمة الفصل الثالث، وهو بيان للواقع لا الإخراج، والمعنى فيه: أن الإعجاز واقع بسورة منه، فلو أطلق (المنزل للإعجاز) لأوهم أن الإعجاز بكله، وليس كذلك، ولا ينبغي أن يتوهم أنه فصل رابع يخرج ما نزل للإعجاز، ولكن لا بسورة منه، فإنَّ ذلك لم يوجد، أعني كلامًا نزل للإعجاز على مُحَمَّد ﷺ لا بسورة منه، و(المتعبد
بتلاوته) فصل رابع يخرج منسوخ التلاوة، مثلا، وقوله: (بسورة) يقتضي أنها أقل ما وقع التحدي به، لقوله تعالى: ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ مثله﴾ لكن قوله تعالى: ﴿فليأتوا بحديث مثله﴾ يقتضي الإعجاز بآية.
[ ١ / ٣٠٧ ]
ص: (ومنه البسملة في أول كل سورة غير (براءة) على الصحيح).
ش: هي آية من أول الفاتحة بلا خلاف عندَنا، وكذا فيما عداها من باقي السورة سوى (براءة) على أظهر قولي الشافعي، والثاني: ليست من القرآن بالكلية ونسبه بعضهم للأئمة الثلاثة، وهو مقابل الصحيح في كلام المصنف، وعمدتنا ثبوتها في شواذ المصحف أول كل سورة، وأجمع الصحابة على أنه لا يكتب في المصحف ما ليس بقرآن، وأن ما بينَ الدفتين كلام الله تعالى، قاله القاضي الحسين، والغزالي، والنَّوَوِيّ، وغيرهم، وهو أحسن الأدلة، وإذا قلنا بأنها من القرآن، فالمشهور أنها آية كاملة، وفي قول: بعض آية، وحكى ابن الرفعة وجهًا، إن كانَ الحرف الأخير من السورة قبله ياء ممدودة كالبقرة، فالبسملة آية كاملة منها،
[ ١ / ٣٠٨ ]
وإن لم يكن كـ ﴿اقتربت الساعة﴾ فبعض آية، وعلم من قوله: (أول كل سورة) أنها آية منها، والمخالف فيه أبو بكر الرَّازِيّ، من الحنفية إلى أنها آية مفردة، أنزلت للفصل بينَ السور، حكاه عنه ابن السمعاني في (الاصطلام) وسيأتي عن رواية الرَّبِيع، عن الشافعي ما يقتضيه، نعم ظاهر كلام المصنف يقتضي أنها من القرآن على سبيل القطع كسائر القرآن، وهو وجه مرجوح، حكاه الماوردي والإمام وغيرهما، قالَ الماوردي: والجمهور على أنها آية حكمًا لا قطعًا لاختلاف العلماء فيها، ومعنى حكمًا: أنه لا تصح الصلاة إلا بها في أول الفاتحة، وضعف الإمام قول من قالَ: إنها قرآن على سبيل القطع، وقالَ: هذه غباوة عظيمة من قائله؛ لأنَّ ادعاء العلم حيث لا قاطع، محال، وصحح النَّوَوِيّ أنها قرآن على سبيل الحكم،
[ ١ / ٣٠٩ ]
واستدل إلى أنه لا يكفر (٣٨ أ) بالإجماع، ولو كانت على سبيل القطع لكفر، وبنوا على هذا الخلاف أنه هل يقبل في
إثباتها خبر الواحد؟ إن قلنا: آية حكمًا فنعم كسائر الأحكام، وإن قلنا: قطعًا، فلا كسائر القرآن، وكان شيخنا بهاء الدين بن عقيل - رَحِمَه اللهُ تعالى يقول: الذي يظهر أن إثباتها قرآنًا لا يكون إلا بقاطع كغيرها، ويَجُوز كونه خبر الواحد الذي احتفت به القرائن وهو إجماعهم على كتبها في المصاحف كلها بقلم القرآن، وعدم تكفيرنا فيها لكون القطع ناشئًا عن ثبوت الخبر المحتف بالقرائن، وهذا لم يحصل للنافي، على أن العمراني حكى في زوائده عن صاحب (الفروع) أنا إذا قلنا: إنها من الفاتحة قطعًا كفرنا نافيها، وفسقنا تاركها، ولكن المعروف الأول، قالَ ابن السمعاني: وقولهم: لو كانت قرآنا لنقلت بدليل يفيد القطع - مردود؛ لأنَّا نريد بكونها من القرآن في رأس كل سورة عملًا لا علمًا، ونظيره الحجر هو من البيت بدلائل لا توجب العلم، بل توجب العمل، وهو الطواف عليه، وسائر الكعبة قبلة بدليل مقطوع يوجب العلم، وبهذا التقرير يندفع الإشكال،
[ ١ / ٣١٠ ]
ويرتفع خيال القاضي في قطعه بتخطئة من جعلها من القرآن؛ لأنَّه لا يثبت إلا بقاطع، وهو مفقود لأنَّه بان مراد المثبت بكونها قرآنًا، وتزول الشبهة في التكفير من الجانبين، وهو من أجل ما يستفاد في هذا الموضع، ومن الفوائد ما حكاه ابن خالويه في (الطارقيات) عن الرَّبِيع بن سليمان، سمعت الشافعي يقول: أول الحمد بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وأول البقرة الم).
ولهذا وجه حسن، وهو أن البسملة لما ثبتت أولًا في سورة الفاتحة فهي من السور إعادة لها وتكرار، فلا تكون من تلك السورة ضرورة، فلا يقال: هي آية من أول كل سورة، بل هي آية في أول كل سورة.
ص: (لا ما نقل آحادًا على الأصح).
ش: حكاية الخلاف في هذا على الإطلاق لم أره في شيء من كتب الأصول معَ كثرة التتبع، وابن الحاجب وإن أشار إلى الخلاف فيها، حيث أفردها بمسألة، ونصب فيها الأدلة، لكن ظهر أن مقصوده فيها البسملة بخصوصها، وأنها ليست من
[ ١ / ٣١١ ]
القرآن، وأما المصنف فغاير بينهما، وأفهم أن البسملة من القرآن بالتواتر لا بالآحاد، وقد سبق ما فيه، والحق أن ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله لا خلاف في شرط التواتر فيه، وأما بحسب محله ووضعه وترتيبه، فهل يشترط فيه التواتر، أم يكفي فيه نقل الآحاد؟ هذا الذي يليق أن يكون محل الخلاف، ثمَّ رأيت الخلاف مصرحًا به في كتاب (الانتصار) للقاضي أبي بكر، فقال ما نصه: وقالَ قوم من الفقهاء والمتكلمين: يَجُوز إثبات قراءات وقراءة حكمًا لا علمًا بخبر الواحد دون الاستفاضة، وكره أهل الحق ذلك وامتنعوا منه انتهى، ولا تتخيل من إفراد الأَئِمَّة كتبًا في القراءات الشواذ - أنها ملحقة عندَهم بالقرآن، بل إنما فعلوا ذلك لفوائد: منها ما يتعلق بعلم العربية، ومنها الاستشهاد بها في تفسير القرآن، وعلى هذا اقتصر ابن عبيد في كتاب فضائل القرآن، فقالَ: القصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة (٣٨ ب) المتواترة، وتبين معناها، وذلك كقراءة عَائِشَة ﴿والصلاة
[ ١ / ٣١٢ ]
الوسطى﴾ (وصلاة العصر) وقراءة سعد، ﴿وله أخ أو أخت﴾ (من أم) وإذا كانوا يرجعون لأقوال التابعين في التفسير فما ظنك بالصحابة؟
ص: (والسبع المتواترة، قيل: فيما ليس من قبيل الأداء، كالمد، والإمالة، وتخفيف الهمزة، قالَ أبو شامة: والألفاظ المختلف فيها بينَ القراء).
ش: أمَّا كون السبع متواترة، فمما أجمع عليه من يعتد به، بشرط صحة إسناده إليهم؛ لأنَّها لو لم تكن متواترة لكان بعض القرآن غير متواتر، واللازم باطل وتشعب بعض المتأخرين، وقالَ: لا شك في تواترها عن الأَئِمَّة السبعة، وأما
[ ١ / ٣١٣ ]
بأسانيدهم عن النبيّ ﷺ فهي أخبار آحاد كما يعرف من طرقهم، وجوابه: لعلها كانت متواترة فيما بينهم، واقتصروا على بعض الطرق، ولا يلزم من عدم النقل ألا يكون كذلك، وقوله: (قيل) يشير به إلى ما ذكره ابن الحاجب، وإنما أورده بصيغة التمريض؛ لأنَّه وإن وافقه في استثناء ما ليس من قبيل الأداء، لكن لا يوافق في التمثيل، فإنَّ أصل المد والإمالة متواتر بلا شك، وإنما اختلف القراء في اختياراتهم، فمنهم من رآه طويلًا، ومنهم من رآه قصيرًا، ومنهم من بالغ في القصر، فمنهم من تزايد، حمزة وورش بمقدار ست ألفات، وقيل خمس، وقيل أربع، وصححوه، وعن
[ ١ / ٣١٤ ]
عاصم: ثلاث، وعن الكِسَائِيّ ألفين ونصف، وعن قالون: ألفين وعن السوسي:
[ ١ / ٣١٥ ]
ألف ونصف) وقالَ الداني في التيسير: أطولهم مدًا في الضربين جميعًا - يعني المتصل والمنفصل - ورش وحمزة، ودونهما عاصم ودونه ابن عامر والكِسَائِيّ ودونهما أبو عمرو من طريق أهل العراق فهذه الأمارات والطرق في كيفية التلفظ بالمد ليست متواترة، ولهذا كره أحمد ﵁ قراءة حمزة لما
[ ١ / ٣١٦ ]
فيها من طول المد وغيره، ولو كانت متواترة لما كره.
وأما الإمالة فقسمان: محضة، وهي أن ينحو بالألف إلى الياء، وبالفتحة إلى الكسرة، وبين بين، وهي كذلك إلا أن الألف والفتحة أقرب، وهي أصعب الإمالتين، وهي المختارة عندَ الأَئِمَّة، فلا شك في تواتر الإمالة، وإنما اختلفوا في كيفيتها مبالغة وقصدًا، فهذا هو الذي لا تواتر فيه، وكذلك تخفيف الهمز، أصله متواتر، وإنما الخلاف في كيفيته، وأما الألفاظ المختلف فيها بينَ القراء، فهي ألفاظ قراءة واحدة، والمراد تنوع القراء في أدائها، ولذلك، قالَ: وألفاظ القراء: ولم يقل: القراءات، ومثاله: أن منهم من يرى المبالغة في تشديد الحرف المشدد، فكأنه زاد حرفًا، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يرى الحالة الوسطى فهذا الذي ادعى أبو شامة عدم تواتره وتوقف فيه المصنف، وقالَ: الظاهر تواترها، فإنَّ اختلافهم ليس
[ ١ / ٣١٧ ]
إلا في الاختيار، ولا يمنع قوم قومًا، فقول ابن الحاجب: فيما ليس من قبيل الأداء - لو اقتصر عليه لأمكن حمله على ادعاء التواتر في المد والإمالة بالمعنى السابق، لكنه لما مثل بهما دل على أن مراده أصل المد والإمالة، فلا يمكن رده إلى ما قررناه إلا بتأويل، بأن يقال: المراد بالمد كيفية (٣٩ أ) المد، وكذلك الإمالة، لكنه يعكر عليه قراءته بتخفيف الهمز.
ص: (ولا تجوز القراءة بالشاذ).
ش: حكى ابن عبد البر فيه الإجماع قالَ النَّوَوِيّ في (شرح المهذب): لا
[ ١ / ٣١٨ ]
في الصلاة ولا في غيرها، لكن عبارة الرافعي: يسوغ القراءة بالسبع، وكذا القراءة بالشاذة إن لم يكن فيها تغيير معنى، ولا زيارة حرف ولا نقصانه، وكلام النَّوَوِيّ في (شرح المهذب) يفهمه أن الرافعي لم يتكلم إلا في الصحة لا في الجواز.
ص: (والصحيح أنه ما وراء العشرة، وفاقًا للبغوي والشيخ الإمام، وقيل: ما وراء السبعة).
ش: السبعة معروفة، والمراد بالثلاثة الزائدة: قراءة يعقوب وخلف
[ ١ / ٣١٩ ]
وأبي جعفر يزيد بن القعقاع وهذه لا تخالف رسم السبع فمن الناس من عدها من الشواذ، ورجح المصنف التحاقها بالسبع، قالَ: والقول بأنها غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله في الدين، وما حكاه عن البغوي فالذي رأيته في أول تفسيره، التعرض لاثنين، فقالَ: وقد ذكر الأَئِمَّة السبعة، ثمَّ زاد، وأبو جعفر ويعقوب، ثمَّ قالَ: فذكرت قراءة هؤلاء للاتفاق على جواز القراءة
[ ١ / ٣٢٠ ]
بها، هذا لفظه، نعم، قالَ الشيخ أثير الدين أبو حيان وكان من أئمة هذا الشأن: لا نعلم أحدًا من المسلمين حظر القراءة بالثلاثة الزائدة على السبع، بل قرئ بها في سائر الأمصار.
ص: (أما إجراؤه مجرى الآحاد، فهو الصحيح).
ش: ضمير (إجراؤه) يرجع إلى الشاذ، والمراد بإجرائه مجرى الآحاد، في الاحتجاج به؛ لأنَّه بطل خصوص كونه قرآنًا، لفقد شرطه وهو التواتر فبقي عموم كونه خبرًا، كذا وجهوه، وهو يقتضي أن الخلاف فيما إذا صرح برفعه إلى النبيّ ﷺ، لكن الشافعي أطلق في (البويطي) الاحتجاج بالقراءة الشاذة، وتابعه جمهور الأصحاب، ولهذا احتجوا في إيجاب قطع اليمين من السارق بقراءة ابن مَسْعُودٍ
[ ١ / ٣٢١ ]
(فاقطعوا أيمانهما) ومقابل الصحيح قوله: إنه ليس بحجة، واختاره ابن الحاجب، وأغرب إمام الحرمين في (البرهان) فعزاه للشافعي، مستنبطًا له من عدم إيجابه التتابع في صوم كفارة اليمين، معَ علمه بقراءة ابن مَسْعُودٍ، وهذا لا يدل، فإنَّ الشافعي في الجديد أجراها مجرى التأويل، ولم يثبت عندَه أنه قالَ على أنه قرآن، نعم، ذكر الماوردي في تفسيره أن الشافعي إنما أوجب التتابع في أحد قوليه، لأجل قراءة ابن
[ ١ / ٣٢٢ ]
مَسْعُودٍ، فإنَّ صح ذلك كانَ في المسألة قولان.
ص: (ولا يَجُوز ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة خلافًا للحشوية).
ش: فإنَّهم قالُوا: يَجُوز ذلك، بل هو واقع مثل ﴿كهيعص﴾ ونحوها من الحروف المتقطعة أوائل السور، ومثل: ﴿كأنه رؤوس الشياطين﴾ والصحيح أن ذلك ممتنع، إذ اللفظ بلا معنى له، هذيان لا يليق بعاقل، فكيف الباري ﷾ وأما هذه الحروف فالصحيح أنها أسماء للسور، وأما (رؤوس الشياطين) فإنَّ العرب عادتها ضرب الأمثال بما يتخيلونه قبيحًا ومستهجنًا، وحكى ابن برهان في (الوجيز) القولين، ثمَّ قالَ: والحق التفصيل بينَ الخطاب الذي يتعلق به تكليف، فلا يَجُوز أن يكون (٣٩ ب) غير مفهوم المعنى، وما لا يتعلق به تكليف فيَجُوز، فتحصل ثلاثة مذاهب.
تنبيهات: الأول: إلحاق الحديث ذكره صاحب (المحصول) وقالَ الأصفهاني في شرحه: لم أره لغيره.
[ ١ / ٣٢٣ ]
الثاني: أن خلاف الحشوية فيما له معنى لكن لم نفهمه، كالحروف المقطعة وآيات الصفات، وقالوا: لا طريق لدركها أصلًا؛ لأنَّ موجب العقل فيه خالف موجب السمع، ولا يمكن رد إحداهما فأشبه الأمر حتى سقط طلب المراد منه، أمَّا ما لا معنى له أصلًا فاتفاق العقلاء، لا يَجُوز وروده في كلام الله نعم، كلام صاحب العهد يفهم أن الخلاف في أنه هل يَجُوز أن يتكلم الله بشيءٍ ولا يعني به شيئًا؟ وهو بعيد.
الثالث: كثر على الألسن فتح الشين من الحشوية، قالَ ابن الصَّلاَحِ: وهو غلط، وإنما هي بالإسكان، وجوز غيره الفتح؛ لأنَّهم كانوا يجلسون أمام الحسن البصري في حلقته فلما أنكر خلافهم قالَ: ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة، أي: إلى جانبها.
ص: (ولا ما يعنى به غير ظاهره إلا بدليل، خلافًا للمرجئة).
ش: قالَ المرجئة: يَجُوز أن يكون في كلام الله ما المراد به غير ظاهره من غير بيان، والصحيح أن ذلك لا يَجُوز؛ لأنَّ اللفظ بالنسبة إلى غير ظاهره لا يدل عليه
[ ١ / ٣٢٤ ]
فهو كالمهمل، واحترز (بالدليل) عن جواز ورود العموم وتأخير الخصوص ونحوه ولو قالَ: (فيهما) لكان أدل على مراده في الكتاب والسنة، وقد قالَ الشافعي في (الرسالة) وكلام رسول الله ﷺ على ظاهره.
ص: (وفي بقاء المجمل غير مبين، ثالثها: الأصح لا يبقى المكلف بمعرفته).
ش: اختلفوا هل في القرآن مجمل لا يعرف معناه بعد وفاة النبيّ ﷺ فمنعه بعضهم؛ لأنَّ الله تعالى أكمل الدين، وقالَ آخرون بإمكانه، وفصل إمام الحرمين، فجوزه فيما لا تكليف فيه، ومنعه فيما فيه التكليف خوفًا من تكليف ما لا يطاق، والظاهر أن هذا تنقيح للقول الثاني لا مذهب ثالث مفصل.
ص: (والحق أن الأدلة النقلية قد تفيد اليقين بانضمام تواتر أو غيره).
ش: الأدلة النقلية هل تفيد اليقين؟ فيه مذاهب، أحدها تفيده مطلقًا ونقله الآمدي في (الأبكار) عن الحشوية قالَ: حتى بالغوا وقالوا: لا يعلم شيء بغير الكتاب والسنة، والثاني أنها لا تفيده مطلقًا، لتوقف النفس فيها على أمور غير متيقنة، وما توقف على غير اليقين فليس بمتيقن، قالُوا: ولا يحصل اليقين إلا بأمور لا طريق إلى القطع إلا بها أحدها: عصمة رواة مفردات ألفاظها إن نقلت بطريق الآحاد، وإلا فيكفي التواتر، وثانيها: صحة إعرابها وتصريفها: وثالثها: عدم الاشتراك فيها والمجاز، والتخصيص، والإضمار، والتقديم، والتأخير ونحوها مما
[ ١ / ٣٢٥ ]
يوجب حمل اللفظ على غير المعنى الظاهر منه بانفراده، والاحتمال معَ اليقين متضادان ورابعها: عدم التعارض العقلي، فمتى وجدت هذه الأمور أفاد الدليل اللفظي اليقين، لكن ذلك قلما يوجد، بل ربما يمتنع وجوده، بناء على أنه لا عصمة لغير الشارع، وإن انتفى بعضها لم يفد؛ لأنَّه إن انتفت عصمة الناقل جاز عليه التحريف، وقد وقع كثيرًا، وحينئذ فلا يوثق به فلا يفيد الظن (٤٠ أ) فضلًاَ عن اليقين، وإن اختلف الإعراب أو التصريف وقع اللبس لأنَّ الإعراب هو المصحح للمعاني؛ وذلك كاختلاف أهل السنة والشيعة في قَوْلِهِ ﷺ: «ما تركنا صدقة» برفع صدقة ونصبها، واختلاف أهل السنة والقدرية في قَوْلِهِ ﵇: «فحج آدم موسى» في رفع (آدم) ونصبه، واختلاف الحنفية والشافعية في قَوْلِهِ: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» في رفع (ذكاة) ونصبه، وكتردد نحو: مختار ومنقاد بينَ اسم الفاعل والمفعول، وأما الاشتراك وما بعده فظاهر إخلاله بالوثوق بدلالة اللفظ، وأما المعارض العقلي فيجب عندَهم تقديمه؛ لأنَّ الدليل العقلي إنما ثبت به، فلو قدم النقلي لكان قدحًا في الأصل والفرع، الثالث وهو الحق: أن الدليل اللفظي إن وجدت فيه الأمور الأربعة أفاد اليقين باتفاق، وإن لم يوجد، فقد يقترن
[ ١ / ٣٢٦ ]
بمحسوس، وهو اختيار
الآمدي في (الأبكار) والإمام في (المحصول) و(الأربعين) فإنَّه حكى أنه لا يفيده، ثمَّ قالَ: وهذا على إطلاقه ليس بصحيح؛ لأنَّه ربما اقترنت بالدلائل النقلية أمور عرف وجودها بالأخبار المتواترة، وتلك الأمور تنفي هذه الاحتمالات، وحينئذ تكون مفيدة اليقين، انتهى، وبه يعلم غلط من نقل عنه اختيار المنع مطلقًا، نعم كلامه في المعالم يقتضيه، وأشار الشيخ نجم الدين الطوفي إلى أن الخلاف لفظي، فإنَّ ما احتجنا فيه إلى اليقين فقد قرر القرآن نواهيه العقلية كأدلة التوحيد والمعاد وغيرهما، وما عدا ذلك فهو عندَنا من الاجتهاديات، والأدلة اللفظية تفي بإثباته، وإن لم تفد اليقين فاندفع عنا إفادة الدليل اللفظي اليقين أم لا؟ والظاهر أن الخلاف معنوي، ومن فوائده: إذا تعارض السمع وما أدركه العقل من أحكام العقائد، فأيهما يقدم؟ وستأتي هذه المسألة في باب الأخبار إن شاء الله تعالى، وقسم بعض المتأخرين تقسيمًا حسنًا إلى: نقلية، وغير نقلية، فغير النقلية ثلاثة أضرب: ما اتفق على أنه قطعي، وهو الإجماع المُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وما اتفق على أنه ظني كالاستصحاب، وشرع من قبلنا إذا قلنا بحجيتهما وكذلك دلالة الإشارة والتنبيه ومفهوم المخالفة بأنواعه، وما اختلف فيه كالقياس الجلي ومفهوم الموافقة، وأما النقلية - والمراد بها الكتاب والسنة - فهي على أربعة أضرب: أحدها ما هو قطعي السند والمتن كالآيات الصريحة، والأحاديث المتواترة المجمع على أن المراد بها مدلولاتها.
وثانيها: ما هو ظنيهما، كأخبار الآحاد التي لم يقترن بسندها شيء مما قيل:
[ ١ / ٣٢٧ ]
إنه يفيد العلم، وليست متونها نصوصًا في مواردها.
وثالثها: قطعي السند ظني المتن، كالآيات العامة والمطلقة التي دخلها التخصيص أو التقييد.
ورابعها: عكسه، كأخبار الآحاد التي متونها نصوص لا تحتمل غير مدلولها، ولم يقترن بسندها شيء مما قيل: إنه يفيد العلم، فهذه الأربعة قطعها وظنها مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ووراءه ضربان: أحدهما: ما اختلف في متنه: قطعي أو ظني، كالعام الذي لم يخص، فإنَّ مذهب الحنفية أن دلالته على أفراده بطريق النصوص فتكون نقلية، وعندنا (٤٠ ب) بطريق الظهور بأنها ما اختلف في سنده، هل يفيد القطع أو الظن؟ كالخبر المحتف بالقرائن، والذي تلقته الأمة بالقبول، واتفقوا على العمل به.