(ص): الكتاب السادس في (٥٥/ك) التعادل والتراجيح.
(ش): لما انتهى الكلام في الأدلة المتفق عليها، والمختلف فيها وكان معرفة الأدلة من حيث هي لا بد معه (١٣٦/ز) في الاستدلال من شروط وهي كيفية الاستدلال بها عند التعارض، عقد هذا الكتاب لذلك، وأخرها عن الأدلة، لأنها صفات للأدلة فترتيبها متأخرة عنها.
[ ٣ / ٤٧٤ ]
(ص): يمتنع تعادل القاطعين وكذا الأمارتين في نفس الأمر على الصحيح.
(ش): التعادل بين القاطعين ممتنع عقليين كانا أم نقليين، وإلا ثبت مقتضيهما وهما نقيضان، وكذا بين القطعي والظني لانتفاء الظن عند القطع بالنقيض، وأما التعادل بين الأمارتين في الأذهان فصحيح وأما في نفس الأمر فمنعه الكرخي، والإمام أحمد، وجمع من أصحابنا لأنه يقتضي التخيير بين الحكمين والإجماع
[ ٣ / ٤٧٥ ]
على بطلانه، وهل منعوه عقلًا أو شرعًا؟ فيه نظر وجوزه الباقون، وهو أن ينصب علامات متساويات في اقتضاء الظنين، وفصل الإمام الرازي فقال: إما أن يكون بين حكمين متناقضين والفعل واحد، أو بين فعلين متنافيين، والحكم واحد، فالأول ككون الفعل الواحد واجبًا وحرامًا ومباحًا، فيجوز، ولكنه غير واقع شرعًا، إذ لا يمكن العمل بهما ولا تركهما، وبأحدهما تحكم، والتخيير بين مباح ومحرم، إذن في الترك وهو ترجيح عين أمارة الإباحة وهو تحكم، والثاني جائز كوجوب التوجه إلى جهتين قد غلب على الظن أنهما جهتا القبلة، ونقح الشيخ عز الدين في قواعده فقال: لا يتصور في الظنون تعارض كما لا يتصور في العلوم، وإنما يقع التعارض بين أسباب الظنون، قال وإذا تعارضت أسباب الظنون فإن حصل الشك لم يحكم بشيء، وإن وجدنا الظن في أحد الطرفين حكمنا به، لأن ذهاب مقابله يدل على ضعفه، وإن كان كل منهما مكذبًا للآخر تساقطا لتعارض الخبر والشهادتين، وإن لم يكذب كل منهما صاحبه عمل به على حسب الإمكان كدابة عليها راكبان، نحكم بها لهما، لأن كل من اليدين لا تكذب الأخرى.
[ ٣ / ٤٧٦ ]
(ص): فإن توهم التعادل فالتخيير، أو التساقط، أو الوقف، أو التخيير في الواجبات أو التساقط في غيرها، أقوال.
(ش): إذا جوزنا تعادلهما فاختلفوا في حكمه عند وقوعه على مذاهب.
أحدها: التخيير وهو اختيار القاضي أبي بكر منا وأبي علي، وأبي هاشم من المعتزلة.
وثانيها: التساقط، ويجب الرجوع إلى غيرها وهو البراءة الأصلية وهو مذهب كثير من الفقهاء.
وثالثها: الوقف كالبينتين المتعارضتين.
والرابع: إن وقع التعادل بالنسبة إلى الواجبات، فالتخيير، إذ لا يمتنع التخيير في الشرع بينهما، كمالك مائتين من الإبل يجب أن يخرج ما شاء من الحقاق وبنات اللبون.
[ ٣ / ٤٧٧ ]
عند من يجعل الخيرة للمالك، وإن وقع بالنسبة إلى حكمين متناقضين، كالإباحة والتحريم، فحكمه التساقط والرجوع إلى البراءة الأصلية، وقضية إطلاق المصنف جريان هذا الخلاف فيما إذا وقع هذا التعادل للإنسان في عمل نفسه أو للمفتي، وقال الهندي: جريان قول الوقف في عمل نفسه بعيد جدًا، إذ الوقف فيه لا إلى غاية تنتظر أو لا يرجى منه ظهور الرجحان، وإلا لم تكن مستثناة بخلاف التعادل الذهني فإنه يتوقف فيه إلى أن يظهر المرجح وقوله: (فإن توهم) أحسن من قول غيره: (فإن ظن) الظن للطرف الراجح ولا يوجد ذلك وإنما هو بالنسبة إلى ظن المجتهد.
(ص): وإن نقل عن مجتهد قولان متناقضان فالمتأخر قوله وإلا فما ذكر
[ ٣ / ٤٧٨ ]
فيه المشعر بترجيحه وإلا فهو متردد، ووقع للشافعي ﵁ في بضعة عشر مكانًا، وهو دليل على علو شأنه علمًا ودينًا.
(ش): تعارض القولين لمجتهد واحد بالنسبة إلى المقلدين كتعارض الأمارتين عند المجتهدين، فلذلك أعقبه بتعادل الأمارتين، وحاصله: أنه إذا نقل عن مجتهد قولان فإما أن يكونا في موضع واحد أو لا:
الحالة الأولى: أن يكون في موضعين فإن علم المتأخر منهما فهو مذهبه، ويكون الأول مرجوعًا عنه، وذهب بعض الأصحاب إلى أنه لا بد وأن ينص على الرجوع فلو لم ينص في الجديد على الرجوع عن القديم لم يكن رجوعًا، حكاه الرافعي في باب صلاة الجماعة، وإن جهل الحال حكي عنه القولان، ولا يحكم عليه بالرجوع إلى أحدهما بعينه، وإن كان أحدهما مرجوعًا عنه ظاهرًا، قال الهندي: ولا يخفى عليك أنه لا يجوز العمل بأحدهما إذ ذاك قبل التبيين.
[ ٣ / ٤٧٩ ]
الثاني: أن يكون في موضع واحد بأن يقول في هذه المسألة القولان، فإذا عقب أحدهما بما يشعر بترجيحه كقوله: وهذا أشبه ولو بالتفريع عليه، فيكون ذلك قولًا له، لأن قول المجتهد ليس غير ما يترجح عنده، وإن لم يكن شيئًا من ذلك فيدل على توقفه في المسألة لعدم ترجيح أحد الحكمين في نظره وقوله: (فيها قولان) يحتمل أن يريد احتمالين على سبيل التجويز لوجود أمارتين متساويتين، ولكن يريد بهما مذهبين لمجتهدين وعلى التقديرين لا ينسب إليه قول في المسألة لتوقفه فيها، وهذا قاله الإمام في (المحصول) وتابعه المصنف، وقال الآمدي: يجب اعتقاد نسبة أحدهما إليه، ورجوعه عن الآخر غير معين دون نسبتهما جميعًا، ويمتنع العمل بهما حتى يتبين، كالنصين إذا علمنا نسخ أحدهما غير معين، وكالراوي إذا اشتبه عليه ما رواه من شيئين وهذا أحسن من قول الإمام لكنه خلاف عمل الفقهاء، وفي المسألة رأي ثالث صار إليه القاضي وهو: أن له قولين وحكمهما التخيير قال إمام الحرمين في (التلخيص): وهذا بناه القاضي على اعتقاده أن مذهب الشافعي ﵁ تصويب المجتهدين، لكن الصحيح من مذهبه: أن المصيب واحد فلا يمكن منه القول بالتخيير، وأيضًا فقد يكون القولان بتحريم وإباحة ويستحيل التخيير بينهما واعلم أنه قد وقع الحالان للشافعي ﵁ لكن
[ ٣ / ٤٨٠ ]
وقوعه في موضع واحد من غير تنبيه على ما يشعر (١٣٧/ز) بترجيح أحدهما قليل. نقل الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) عن القاضي أبي حامد المروزي أنه ليس للشافعي ﵁ ذلك إلا في بضعة عشر موضعًا وهو ستة عشر أو سبعة عشر، وهو دليل على علو شأنه.
أما الحالة الأولى: فلدلالة على صرف عمره في النظر والمأخذ ولاج في الدقائق، وعلى دينه لإظهار الشيء يلوح له غير مبال بما صدر منه أولًا ولا واقف (٥٦/ك) عند كلام غبي ينسبه للتناقض في المقال، وقد عاب عليه القولين من قصر نظره عن مقاصده.
وأما في الثانية: فإن المجتهد كلما زاد علمًا وتدقيقًا كان نظره أتم تنقيحًا وتحقيقًا، وعلى دينه فلم يكن ممن إذا ظهر وجه الرجحان صمم على مقالته الأولى بل أبطل تلك وعدل إلى ما هو الأولى، وفائدة ذكر القولين من غير ترجيح، التنبيه على أن ما سواهما لم يترجح عنده، وأن هذين الاحتمالين لم يترجح أحدهما في نظره، فأطلق القولين بمعنى أن كل واحد منهما يمكن جعله قولًا لا أنهما معًا مذهبه، وقد
[ ٣ / ٤٨١ ]
وقع مثل ذلك عمر ﵁ في الشورى على ستة وحصر الخلافة فيهم؛ تنبيهًا على أن الاستحقاق منحصر فيهم، وأن غيرهم ليس أهلًا لذلك، ولم ينكر ذلك عليه أحد، بل اتبعوه، وفيه أيضًا التنبيه على المأخذ وانحصار جهتها في ذينك القولين، فإن قلت: فلا معنى لقولهم للشافعي ﵁ في هذه المسألة قولان، إذ هو متوقف غير حاكم بشيء، قلت: قال إمام الحرمين في (التلخيص): هكذا القول ولا نتحاشى منه وإنما وجه إضافته إلى الشافعي ﵁ ذكره لهما واستقصاؤه وجوه الاشتباه فيهما.
(ص): ثم قال الشيخ أبو حامد: مخالف أبي حنيفة منهما أرجح من موافقه، وعكس القفال. والأصح الترجيح بالنظر فإن وقف، فالوقف.
(ش): قد سبق ترجيح أحد القولين على الآخر بتأخره أو بالإشعار بترجيحه وذكر هنا مرجحًا آخر وهو: ما إذا كان أحد القولين يوافق مذهب أبي حنيفة والآخر يخالفه فقال القفال: الموافق أولى، وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: المخالف أولى، فإن الشافعي ﵁ إنما خالفه لاطلاعه على دليل يقتضي المخالفة، والأول هو الأصح عند الشيخ محيي الدين النووي ﵀ في (شرح المهذب) و(الروضة) وهو بناء على طريقته في الترجيح في المذهب بالكثرة كالرواية، وهو
[ ٣ / ٤٨٢ ]
ضعيف فإن الكثرة إنما يظهر تأثيرها في النقل، وأما الاجتهاد فالمعتبر فيه قوة الدليل لا جرم كان ما صححه المصنف هو الأصح، وقال بعضهم: تصوير هذا الفرع يحتاج إلى نظر، فإن أحد القولين فيه إما أن يكون قبل الآخر أو لا، فإن كان، فالعمل بالمتأخر، لأنه كالجديد بالنسبة إلى القديم، وإن كان فيما إذا قالهما معًا أو لم يعلم، فالتعليل بأنه ما خالف إلا بعد اطلاعه على مقتضى المخالفة يقتضي تقديم الموافقة، وينظر في السبعة عشر مسألة التي نص فيها على قولين معًا هل هي بهذه الصفة أعني: أحدهما يوافق أبا حنيفة والآخر يخالفه أم لا؟ وينتج من هذا البحث أنهم لم يطرحوا القديم فإن قول القفال يقتضي أن يكون متقدمًا، فإن الشافعي ﵁ وافق أبا حنيفة في الاجتهاد ثم خالفه لظهور دليل يقتضي المخالفة.
(ص): وإن لم يعرف للمجتهد قول في المسألة، لكن في نظيرها، فهو قوله المخرج فيها على الأصح لا ينسب إليه مطلقًا بل مقيدًا، ومن معارضة نص آخر للنظير تنشأ الطرق.
(ش): ذكر الشيخ أبو إسحاق أنه إذا نص الإمام في واقعة على حكم وفي
[ ٣ / ٤٨٣ ]
الأخرى شبهها على خلافه لا يجوز نقل قوله من إحديهما إلى أخرى، وتخريجها على قول وأن ما يقتضيه قوله لا يجعل قولا له إلا إذا لم يحتمل، كقوله: تثبت الشفعة في الشقص من الدار، فيقال: قوله في الحانوت كذلك، قال الرافعي: والمعروف في المذهب خلاف ما قاله وإلى هذا الخلاف عبر المصنف بالأصح، وإذا قلنا بجواز التخريج فهل ينسب القول المخرج لذلك المجتهد؟ فيه وجهان، أصحهما المنع، لأنه ربما يذكر فرقًا ظاهرًا لو رجع، ومأخذهما أن لازم المذهب هل هو مذهب؟ والمختار أنه ليس بمذهب، ولهذا قال الرافعي: الأولى أن يقال: هذا قياس قوله، أو قياس أصله، ولا يقال: هو قوله، وإليه أشار المصنف بقوله: ولا ينسب إليه مطلقًا بل مقيدًا، وأشار بقوله: (من معارضة نص)، إلى سبب اختلاف الطرق في نقل المذهب: أن يجيب الشافعي ﵁ بحكمين مختلفين في صورتين متشابهتين، ولا يظهر ما يصلح للفرق بينهما فيختلف حينئذ الأصحاب، فمنهم من يقرر النصين ويتكلف فرقًا، ومنهم من ينقل جوابه في كل صورة إلى أخرى فيجعل في كل صورة منهما قولان منصوص ومخرج، والمنصوص في هذه هو المخرج في تلك، والمنصوص في تلك هو المخرج في هذه، وحينئذ فيقولون: قولان بالنقل والتخريج، أي نقل المنصوص من هذه الصورة إلى تلك وخرج فيها، وكذا بالعكس، والغالب في مثل هذا عدم إطباق الأصحاب على
[ ٣ / ٤٨٤ ]
التخريج بل ينقسمون إلى فريقين: فريق مخرج وفريق يمنع ويستخرج فارقًا بينهما ليستند إليه، وهذا هو منشأ الخلاف في أن القول المخرج هل ينسب إليه.
(ص): والترجيح تقوية أحد الطريقين.
(ش): أي المتعارضين، على الآخر، ليعمل بالقوية، وهذه عبارة (المحصول)، وعبر في (المنهاج) بالأمارتين، عوض الطريقين واستحسنه المصنف في شرحه، إذ يمتنع الترجيح في غير الأمارتين الأمارتين فلا أدري لما خالفه هنا، وقد نازع الهندي في جعلهم الترجيح عبارة عن التقوية التي هي مستندة إلى الشارع أو المجتهد حقيقة وإلى ما به الترجيح مجازًا (١٣٨/ز) وهو غير ملائم له بحسب الاصطلاح، إذ هو في الاصطلاح عبارة عن نفس ما به الترجيح، فلا يجوز أن يجعل عبارة عن التقوية قلت: ولذلك قال أبو الحسين: هو الشروع في تقوية أحد الطريقين على الآخر وزاد صاحب (البديع) في الحد قوله: (وصفا) ليخرج الترجيح بدليل مستقل فلا يجوز لأنه يؤدي إلى انتقال إلى دليل آخر، إذ لا تعلق للثاني بالأول، بل هو مستقل بنفسه، فيكون تركا له وعدولًا إلى الثاني وهو معنى الانتقال.
[ ٣ / ٤٨٥ ]
(ص): والعمل بالراجح واجب، وقال القاضي: إلا ما رجح ظنا، إذ لا ترجيح بظن عنده، وقال البصري: إن رجح أحدهما بالظن فالتخيير.
(ش): ذهب الأكثرون إلى وجوب العمل بالراجح، سواء كان المترجح معلومًا أو مظنونًا، حتى أن المنكرين للقياس عملوا بالترجيح في ظواهر الأخبار، والمخالف فيه رجلان أحدهما القاضي أبو بكر؛ قال: لا يجوز العمل بالترجيح المظنون، قال: وأنا أقبل الترجيح المقطوع به كتقديم النص على القياس، وأما المظنون وهو الترجيح بالأوصاف والأحوال وكثرة الأدلة ونحوها فأرده وأخالف فيه، لأن الأصل المقرر أنه لا يجوز اتباع شيء من الظنون، لأنه عرضة الغلط، والخطأ، خالفنا هذا (٥٧/ك) في الظنون المستقل بأنفسها لإجماع الصحابة عليها والترجيح عمل بظن لا يستقل بنفسه دليلًا، فيبقى على الأصل في عدم اتباعه، وأجيب بأن الإجماع منعقدًا أيضًا على وجوب العمل بالظن الذي لا يستقل كالمستقل.
[ ٣ / ٤٨٦ ]
والثاني أبو عبد الله البصري أنكر التمسك بالترجيح، فقال: عند التعارض يلزم التخيير أو الوقف، ولا نرجح أحد الطرفين على الآخر وإن تفاوتا، قال الإمام في (البرهان) هذا حكاه القاضي عن البصري وهو الملقب بجعل، قال: ولم أر ذلك في شيء من مصنفاته مع بحثي عنها، وقال: غيره إن صح عنه لم يلتفت إليه، فإنه مسبوق بإجماع الصحابة والأمة قاطبة بترجيح بعضهم على بعض الأدلة، وهذا معلوم بالضرورة ولا التفات لمن قاس عدم الترجيح في الأخبار على عدمه في الشهادات، فإن هذه مسألة من مسائل الاجتهاد، وقد قال بعضهم بالترجيح فيها، ومن أنكر فمستنده نوع من التعبد في الشهادات لا يكفي في غيرها.
(ص): ولا ترجيح في القطعيات لعدم التعارض.
(ش): الترجيح مختص بالدلائل الظنية، ولا جريان له في الدلائل اليقينية عقلية أو نقلية، لأن الترجيح فرع وقوع التعارض وهو غير متصور فيها، لأنه لو وقع لزم اجتماع النقيضين، أو ارتفاعهما، وبحث الشيخ الهندي فيها بما حاصله أنه إن
[ ٣ / ٤٨٧ ]
كان هذا دليلًا على منع تعارض القاطعين في نفس الأمر وليس الكلام فيه، وهو غير ممكن، وإن كان على المنع في الأذهان فممنوع، لأنه قد يتعارض عند المجتهد شيئان يعتقد أنهما دليلان يقينيان، ويعجز عن القدح في أحدهما، وإن كان يعلم بطلان أحدهما في نفس الأمر وحينئذ فيجوز بطريق الترجيح إليها بناء على هذا التعارض بالنظر في أحوال المقدمات والتراكيب، ويرجح بقلة المقدمات والتراكيب، وهذا طريق يقبله العقل ولا يدفعه ما ذكرتم، قلت: ولا سيما إذا قلنا العلوم تتفاوت.
(ص): والمتأخر ناسخ.
(ش): إن كان التاريخ معلومًا والمدلول قابل للنسخ، فالمتأخر ناسخ للمتقدم سواء كانا آيتين أو خبرين، أو أحدهما آية والآخر خبرًا متواترًا، قال في (المحصول) فإن قلت فما قول الشافعي ﵁ هنا مع أن مذهبه أن القرآن لا ينسخ بالخبر المتواتر ولا بالعكس؟ قلت: القصد من هذه المسألة: أنه لو وقع لكان
[ ٣ / ٤٨٨ ]
المتأخر ناسخًا للمتقدم والشافعي ﵁ يقول: لم يقع ذلك فليس بين مقتضى هذا وبين قول الشافعي ﵁ منافاة وأشار المصنف بقوله (وإن نقل المتأخر بالآحاد) إلى أن كون المتأخر ناسخًا للمتقدم إذا علم المتأخر بالقطع.
(ص): إن نقل المتأخر بالآحاد عمل به لأن دوامه مظنون.
(ش): أي: لأن الأصل فيه الدوام، وهذه المسألة ذكر الأبياري في (شرح البرهان) له فيها احتمالين أحدهما: المنع، لأنه يؤدي إلى إسقاط المتواتر بالآحاد، وهو ممنوع قال: والأظهر القبول، ولا يكون بمثابة استقلال قول العدول بنقل
[ ٣ / ٤٨٩ ]
التواتر، وقال أبو العز في (المقترح): يكفي في التأخير نقل الآحاد، لأن السلف اكتفوا بذلك فإنا نعلم قطعًا أنه لو نقل الصديق تأخير آية حكموا بها على الأخرى، ولم يستريبوا مع أنه يمكن أن يقال: إن غلبة الظن بأنه ناسخ مرجح لأحد النصين على الآخر فيعمل بالراجح وهذا لا خفاء به.
(ص): والأصح الترجيح بكثرة الأدلة والرواة.
(ش): فيه مسألتان إحداهما: يجوز الترجيح بكثرة الأدلة، خلافًا للحنفية فإنها تفيد تقوية الظن والظنيين أقوى من الظن الواحد لكونه أقرب إلى القطع.
الثانية: يرجح أحد الخبرين على الآخر بكثرة الرواة والخلاف فيه أضعف من الذي قبله، ولهذا وافق هنا بعض المخالفين ونقل صاحب (الميزان) من الحنفية
[ ٣ / ٤٩٠ ]
المنع عن أكثر أصحابهم كالشهادة، ولأن خبر الواحد يحتمل أن يكون متأخرًا فيكون ناسخًا فلا معنى للترجيح والكثرة، ونقل إمام الحرمين هنا عن بعض المعتزلة وقال: الذي ذهب إليه الأكثرون الترجيح بكثرة العدد، ثم نقل أن القاضي قال: ما أرى تقديم الخبر بكثرة الرواة قطعيًا والوجه فيه أن المجتهدين إذا لم يجدوا متمسكًا إلا الخبرين، واستوى رواتهما في العدالة والثقة وزاد أحدهما بعدد الرواة فالعمل به، قال: بهذا أقطع لأنا نعلم أن الصحابة ﵃ لو تعارض لهما خبران بهذه الصفة لم يعطلوا الواقعة بل كانوا يقدموا هذه قال: وأما إذا كان في المسألة قياس وخبران متعارضان كثرت رواة أحدهما فالمسألة الآن ظنية (وهذا الذي ذكره القاضي حق، ويشبه أن لا يكون محل الخلاف إلا في الصورة التي جعلها ظنية) وأما في الأولى فلا مساغ له، نعم، لو اجتمع مزية الثقة وقوة العدد بأن روى أحد (١٣٩/ز) الخبرين ثقة، وروى الآخر جمع لا يبلغ آحادهم مبلغ راوي الخبر الآخر في الثقة والعدالة، فهذه صورة أخرى، وقد اعتبر بعض المحدثين مزية العدد وبعضهم مزية الثقة، قال إمام الحرمين: والمسألة لا تبلغ مبلغ القطع، والغالب على الظن التعلق بمزية الثقة فإن الغلب= على الظن أن الصديق لو روى خبرًا وروي جمع على خلافه لكان الصحابة يؤثرون رواية الصديق. انتهى.
[ ٣ / ٤٩١ ]
(ص): وأن العمل بالمتعارضين - ولو من وجه - أولى من إلغاء أحدهما ولو سنة قابلها كتاب ولا يقدم الكتاب على السنة، ولا السنة عليه خلافًا لزاعمهما.
(ش): إنما يرجح أحد الدليلين على الآخر إذا لم يمكن العمل بكل واحد منهما، فإن أمكن ولو من وجه دون وجه فلا يصار إلى الترجيح بل يصار إلى ذلك لأنه أولى من العمل بأحدهما دون الآخر، إذ فيه إعمال الدليلين، فالإعمال أولى من الإهمال ومثاله: «أيما إهاب دبغ فقد طهر».
[ ٣ / ٤٩٢ ]
مع قوله: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» فيحمل الحظر على ما قبل الدباغ والإباحة على ما بعده، فيستعمل المتنان على الوجه الممكن، ولا نطرح أحدهما بالآخر وقوله: (ولو سنة) أي إذا تقابل ظاهر الكتاب وظاهر السنة سواء أمكن الجمع بينهما من وجه صرنا إليه وقيل: نحمله ونخصص ظاهره، فيقدم الكتاب، لأنه أرجح، ولحديث معاذ، وقيل: تقدم السنة، لأنها بيان ومثاله (٥٨/ك) قوله ﷺ في البحر: «الحل ميتته» فإنه عام في ميتة البحر مطلقًا،
[ ٣ / ٤٩٣ ]
سواء خنزيره وغيره، مع قوله: ﴿أو لحم خنزير﴾ فإنه يقتضي تحريم كل لحم سوى خنزير البحر وغيره، فتعارض عموم السنة، والكتاب في الخنزير، فمنهم من يقدم الكتاب ويحرمه، ومنهم من يقدم السنة ويحلله، ومنهم من يقول: ننظر فإن أمكن الجمع ولو من وجه - جمعنا، وإلا قضينا بالتقابل ونقول: إذ ذاك نقدم الكتاب إن كانت السنة آحادًا، وإن كانت متواترة فسيأتي كلامه إن شاء الله تعالى، وقد يقال: إن هذه المسألة عين المسألة السابقة في باب التخصيص أنه يخص عموم القرآن بخبر الواحد، ولهذا قال في (المستصفى) هناك: خبر الواحد إذا ورد مخصصًا لعموم القرآن، اتفقوا على جواز التعبد فيه بتقديم أحدهما على الآخر، لكن اختلفوا في وقوعه على أربعة مذاهب، فقال قوم بتقديم العموم، وبتقديم الخبر قوم، وبتقابلهما، والتوقف إلى ظهور دليل آخر، وقال قوم إن كان العموم مما دخله التخصيص بقاطع فقد ضعف فالخبر أولى، وإلا فالعموم أولى انتهى، لكن يلزم من هذا مع التكرار المناقضة، فإن المصنف اختار هناك التخصيص، وهنا التعارض، فلينظر
(ص): فإن تعذر وعلم المتأخر فناسخ، وإلا رجع إلى غيرهما، وإن تقارنا
[ ٣ / ٤٩٤ ]
فالتخيير إن تعذر الجمع والترجيح، وإن جهل التاريخ وأمكن النسخ رجع إلى غيرهما، وإلا فخير أن تعذر الجمع والترجيح.
(ش): تعارض الدليلين إن أمكن معه العمل بكل منهما فقد سبق، وإن تعذر فإما أن يكون أحدهما متقدمًا والآخر متأخرًا، أو يتقارنا، أو يجهل التاريخ.
الحالة الأولى: أن يعلم المتأخر فإن كان حكم المتقدم قابلًا للنسخ فالمتأخر ناسخ للمتقدم، سواء كانا معلومين أو مظنونين، وإن لم يقبل النسخ فإن كانا معلومين وهو مراد المصنف تساقطا، ويجب الرجوع إلى غيرهما، كذا قاله الإمام، واعترض عليه التقشواني بأن المدلول إذا لم يقبل النسخ يمتنع العمل بالمتأخر فلا يعارض المتقدم، بل يجب إعمال المتقدم كما كان قبل ورود المتأخر، وإن كانا مظنونين طلب الترجيح.
الثانية: إن يتقارنا والحكم قابل للنسخ فحكمه التخيير إن أمكن لتعذر الجمع والترجيح، أما الجمع فلأن صورة المسألة أن يتعذر العمل بكل منهما، وأما الترجيح فلأن المعلوم لا يقبل الترجيح لا بحسب الإسناد، ولا بحسب الحكم، لجواز أن يكون الحكم حظرًا أو مثبتًا أو شرعيًا لأنه يقتضي طرح المعلوم بالكلية.
الثالثة: أن يجهل التاريخ، فإن كان الحكم قابلًا للنسخ وجب الرجوع إلى غيرهما، لأنه يجوز في كل واحد منهما أن يكون هو المتأخر فيكون ناسخًا لحكم
[ ٣ / ٤٩٥ ]
المتأخر وأن يكون هو المتقدم فيكون منسوخًا بالآخر، فلم يجز تقدم على الآخر فيجب الرجوع إلى غيرهما وإن لم يكن قابلًا للنسخ فحكمه حكم المتقارنين وقد علمته، وكان ينبغي للمصنف أن يحيل عليه.
(ص): فإن كان أحدهما أعم فكما سبق.
(ش): هذا إذا تساويا في العموم أو الخصوص، فإن كان أحدهما أعم من الآخر من وجه فقد سبق في آخر التخصيص أنه يصار إلى الترجيح، فلا حاجة إلى الإعادة.
[ ٣ / ٤٩٦ ]
(ص): مسألة: يرجح بعلو الإسناد وفقه الراوي، ولغته، ونحوه، وورعه، وضبطه، وفطنته، ولو روى المرجوح باللفظ إلى آخره.
(ش): ترجيح الأخبار، ويقع في سبعة أوجه.
الأول: بحسب حال الراوي وذلك باعتبارات أولها: بكثرة الرواة وقد مر.
ثانيها: بقلة الوسائط، وعلو الإسناد، لأن احتمال الخطأ فيما قلت وسائطه أقل (وما برحت الحفاظ والجهابذة تطلب علو) الإسناد وتفتخر به.
ثالثها: بفقه الراوي: سواء كانت الرواية بالمعنى أو باللفظ، ومنهم من قال: إن روى باللفظ فلا يرجح بذلك والصحيح الأول، لأن للفقيه مزية التمييز بين ما يجوز وبين ما لا يجوز بخلاف الجاهل.
[ ٣ / ٤٩٧ ]
رابعها: أن يكون أحدهما عالمًا باللغة والنحو، لأن العالم بهما يمكنه التحفظ عن مواقع الزلل، فكان الوثوق بروايته أكثر، قال الإمام: ويمكن أن يقال: هو مرجوح، لأن العالم بهما يعتمد على معرفته فلا يبالغ في الحفظ، والجاهل بهما يكون خائفًا يبالغ في الحفظ.
خامسها: أن يكون أحدهما راجحًا على الآخر في وصف يغلب ظن الصدق كالورع، والضبط، والفطنة، ولذلك رجح أصحابنا رواية مالك وسفيان عن أبي حازم حديث «زوجتكها بما معك من القرآن» على رواية عبد العزيز بن أبي
[ ٣ / ٤٩٨ ]
حازم وزائدة عن أبي حازم بلفظ «ملكتكها» لأن مالكًا وسفيان أعلم منهما وأوثق وأضبط، وقوله: (ولو روي (المرجوح) هو بالرفع، أي: يرجح بذلك، ولو كان الراجح بها روي بالمعنى (١٤٠/ز) والمرجوح روي) باللفظ وقد سبق ذكر الخلاف فيه في فقه الراوي.
سادسها: حسن اعتقاد الراوي، فرواية غير المبتدع أولى من رواية المبتدع، كذا قطعوا به، وفيه احتمال إذا كانت بدعته بذهابه إلى أن الكذب كفر أو
[ ٣ / ٤٩٩ ]
كبيرة فإن ظن صدقه أغلب.
سابعها: شهرة عدالته، وفي معناه شهرته بالصفات السابقة من ورع، وفطنة، علم.
ثامنها: كونه مزكى بالاختبار والممارسة فيقدم على من عرفت عدالته بالتزكية، لأن الخبر أضعف من المعاينة.
تاسعها: كثرة المزكين للراوي، ولهذا قدمنا حديث بسرة في مس الذكر على حديث
[ ٣ / ٥٠٠ ]
طلق.
عاشرها: رواية معروف النسب راجحة على رواية مجهوله، قاله في (المحصول)، وقال الآمدي وابن الحاجب: يقدم مشهور النسب، وعلله الآمدي بأن احترازه عما يوجب نقيض منزلته المشهورة يكون أكثر، واختار المصنف أنه لا يرجح بشهرة النسب، ولهذا ضعفه، والأول أقوى، لأن من ليس بمشهور النسب قد يشاركه ضعيف في الاسم.
حادي عاشرها: من صرح بتزكيته على من حكم بشهادته وعمل بروايته، وهذا تابع فيه الآمدي وغيره وقدم في (المنهاج) من ثبتت عدالته بعمل من روى عنه على ما راويه معدل بغير ذلك فالمراتب عنده ثلاثة: التعديل بالاختبار، ثم بالعمل، ثم بغير ذلك.
[ ٣ / ٥٠١ ]
ثاني عاشرها: حفظ المروى بأن يحكي لفظ النبي ﷺ، والآخر ينقله في الجملة، كقول أبي محذورة: لقنني رسول الله ﷺ الأذان تسع عشر= كلمة ويروي عبد الله (الأذان بلا ترجيع) لا يحكيه لفظًا (٥٩/ ك) عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
ثالث عشرها: بذكر السبب على من لم يذكره لزيادة الاهتمام من
[ ٣ / ٥٠٢ ]
حاكي السبب بمعرفة ذلك الحكم.
رابع عشرها: أن يكون أحدهما يعول على حفظه فيما يرويه، والآخر على كتابه، فالأول أولى، لما لعله يعتور الخط من نقص وتغيير، قال الإمام: وفيه احتمال، قال المصنف: وهذا الاحتمال بعيد، بل ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يحتج برواية من يعول كتابه، قال أشهب: سئل مالك أيؤخذ ممن لا يحفظ وهو ثقة صحيح أيؤخذ عنه الأحاديث؟ فقال: لا يؤخذ عنه، أخاف أن يزاد في كتبه بالليل. قلت: بل هذا الاحتمال قوي إذا كانت النسخة محفوظة عنده وهي بخط ضابط، أو يؤمن الحافظ، وما ذكره من تطرق النقض للخط، معارض بتطرق النسيان، والاشتباه إلى الحفظ دون الكتابة.
خامس عشرها: بأن يكون أحدهما سمع شفاها والآخر من وراء حجاب، كرواية القاسم عن عائشة ﵂.
[ ٣ / ٥٠٣ ]
أن بريرة عتقت وكان زوجها عبدًا، رواه مسلم - على من روى أنه كان حرًا، لأن عائشة ﵂ عمة القاسم، فسمع منها شفاها بخلاف الأسود.
سادس عشرها: كونه من أكابر الصحابة لقربه من - غالبًا - مجلس النبي
[ ٣ / ٥٠٤ ]
ﷺ، والمراد بالأكابر رؤساء الصحابة، لا الأكابر بالسن، وعن أحمد أنه لا يرجح بذلك ونظيره: كونه أكثر صحبة فيقدم، ولهذا قدموا خبر عائشة ﵂ في صحة صوم الجنب على رواية أبي هريرة «أنه لا صوم له» وإذا قلنا بتقديم رواية الأكابر على غير الأكابر فينبغي أن تقدم رواية الخلفاء الراشدين ﵃ على غيرهم، ولذلك كان: علي ﵁ يحلف
[ ٣ / ٥٠٥ ]
الرواة ويقبل رواية الصديق ﵁ من غير تحليف.
سابع عشرها: بكونه ذكرًا يرجح على رواية المرأة، لأن الضبط مع الذكورة أشد، هذا ما رجحه المصنف، وهو ضعيف، والصواب ما قاله الأستاذ، أنه لا يرجح بها.
وقال ابن السمعاني في (القواطع): إنه ظاهر المذهب ولم يذكر الأول إلا احتمال له وحكى الكيا الطبري= الاتفاق عليه، فقال: اعلم أننا لا ننكر تفاوتًا بين الذكور والإناث في جودة الفهم، وقوة الحفظ، ومع هذا كله لم يقل أحد: إن رواية الرجال مرجحة على رواية النساء، ولم نر أحدًا من المتقدمين ذكره مع استقصائهم وجوه الترجيح، وكأن المانع من ذلك أن الذي يقتضي الترجيح يجب رجوعه إلى عين ما وقع الاحتجاج به ويظهر به التفاوت بين المتعارضين والتفاوت بين الذكور والإناث في قوة الحفظ أمر كلي، يرجع إلى الجنس، كما يقال: الفرس أعقل، وهذا النوع لا يظهر رجوعه إلى آحاد الجنس فلا يقع في التفاضل وقد يفرض امرأة أضبط من الرجل أو أحفظ فإذا لم يظهر التفاوت في غير الخبر لم ينظر إلى الجنس وإنما ينظر إليه في تمهيد الصواب، وذلك في الشرع كما فعل في شهادة النسوة مع الرجال، وهذا مقطوع به لا ريبة فيه، انتهى، وفي المسألة مذهب ثالث: التفصيل
[ ٣ / ٥٠٦ ]
بين أن يكون المروى في أحكام النساء فيقدمن على غيرهن، لأن همتهن إلى حفظه أكثر وإن كان في أحكام غيرهن قدم، حكاه الأستاذ.
ثامن عشرها: كونه حرا وهذا ضعيف كالذي قبله، قال ابن السمعاني: والحرية لا تأثير لها في قوة الظن.
تاسع عشرها: كونه متأخر الإسلام، لأنه يحفظ آخر الأمرين، وكذا إذا كان أحدهما متأخر الصحبة ولذلك قدموا خبر أبي هريرة أن النبي ﷺ (سلم من اثنتين) وتكلموا على حديث ابن مسعود في الكلام في
[ ٣ / ٥٠٧ ]
الصلاة وقدموا رواية ابن عباس في التشهد على رواية ابن مسعود، ونقل ابن السمعاني عن الحنفية أنه لا يقدم بهذا، لأن المتقدم قد دامت صحبته إلى حال وفاة النبي ﷺ فلا يكون للمتأخر ترجيح عليه قال وما قلناه أولى، لأن سماع المتأخر تحقق تأخيره، وسماع المتقدم يحتمل التقدم والتأخر، فما تأخر سماعه يتعين أن يكون أولى، ولهذا قال ابن عباس: كنا نأخذ بالأحدث
[ ٣ / ٥٠٨ ]
فالأحدث انتهى، وأما ابن الحاجب، والهندي فجزما بتقديم رواية متقدم الإسلام وتابعا فيه الآمدي، وعلله بأنها تثير قوة الظن لزيادة أصالته في الإسلام، وتجرزه فيه ولكن الهندي ذكر هذا في الترجيح بما يرجع إلى نفس الراوي، ثم ذكر أواخر الباب فيما يرجع إلى الترجيح بأمر خارج أن متأخر الإسلام يقدم مطلقًا، وهذا منه رجوع إلى قول الجمهور.
العشرون: كونه محتملًا= بعد التكليف، وهو يشتمل ما إذا لم يرو شيئًا إلا بعد بلوغه، يقدم على من لم يرو إلا في صباه، لأن البالغ أقرب إلى الضبط، وعلى من روى البعض في صباه، والبعض في بلوغه، لاحتمال أن هذا الحديث من المحتمل في الصبا، ويشمل تعبيره بالتكليف من روى حال الكفر أو حال الكفر والإسلام فإن من (١٤١/ز) لم يرو إلا في الإسلام يقدم عليه.
الحادي والعشرون: كونه غير مدلس مقدم على رواية المدلس، أي: إن
[ ٣ / ٥٠٩ ]
كان بحيث تقبل روايته، وإلا فليس هو من باب الترجيح، وكأن المصنف استغنى عن تقييده لذلك.
الثاني والعشرون: كونه اشتهر باسم واحد مقدم على من اشتهر باسمين، لاحتمال أنه مجروح بأحدهما.
الثالث والعشرون: كونه مباشرًا للواقعة فإنه أعرف بالقصة من الآخر، ولهذا قدم الشافعي رواية أبي رافع في (نكاح النبي ﷺ
[ ٣ / ٥١٠ ]
ميمونة حلالًا) على رواية ابن عباس ﵁ (أنه كان محرمًا).
الرابع والعشرون: كونه صاحب الواقعة كرواية ميمونة: (أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال) رواه مسلم.
الخامس والعشرون: كونه راويًا باللفظ على الراوي بالمعنى، والمشكوك فيه كونه مرويًا باللفظ أو المعنى حتى يرجح الحديث المشتمل على صيغة واحدة مروية
[ ٣ / ٥١١ ]
بلفظها على ما كله مروي بالمعنى.
السادس والعشرون: كونه لم ينكر الأصل رواية الفرع فيه، فيقدم على ما أنكره، مثل إنكار أبي معبد، ما حدث به عنه عمرو بن دينار من حديث ابن عباس ﵁ أنه كان يعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير، وهذا إذا صمم على إنكاره، فإن لم يصمم، وحمل أمر شكه، في نفسه على النسيان فلا تظهر مرجوحيته وقد كانوا يحدثون بعد ذلك عن من روى
[ ٣ / ٥١٢ ]
عنهم، كما فعل سهيل في حديث «القضاء باليمين مع الشاهد» وقول المصنف: راوي الأصل، هي عبارة (المحصول) و(المنهاج)، وقال المصنف في شرحه الصواب زيادة في الراوي أو حذفه بالكلية.
السابع والعشرون: (٦٠/ ك) كونه في الصحيحين مقدم على ما التزم فيه بالصحة في غيرها ولو كان على شرطهما، لأن لشهرتهما بتلقي الأمة لهما بالقبول
[ ٣ / ٥١٣ ]
ما ليس لغيرهما، وإن ساويهما في درجة الصحة، ولذلك قال الأستاذ وغيره: إن كل ما فيهما مقطوع به.
(ص): والقول فالفعل فالتقرير فالفصيح لا زائد الفصاحة على الأصح، والمشتمل على زيادة، والوارد بلغة قريش، والمدني، والمشعر بعلو شأن الرسول ﷺ، والمذكور فيه الحكم مع العلة، والمتقدم فيه ذكر العلة على الحكم وعكس النقشواني، وما كان فيه تهديد أو تأكيد، وما كان عمومًا مطلقًا على ذي السبب إلا في السبب، والعام الشرطي على النكرة المنفية على الأصح، وهي على الباقي، والجمع المعرف على ما ومن، والكل على الجنس المعرف لاحتمال العهد قالوا: وما لم يخصص وعندي عكسه والأقل تخصيصًا، والاقتضاء على الإشارة والإيماء، ويرجحان على المفهومين، والموافقة على المخالفة، وقيل عكسه.
(ش) الترجيح بحسب المتن يقع بأمور:
أولها: كونه عن لفظ النبي ﷺ والآخر عن فعله، فالقول أولى لأن دلالة اللفظ غير مختلف فيه بخلاف دلالة الفعل؛ لأن ما يفعله النبي ﷺ يحتمل اختصاصه به، ولا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بمنفصل بخلاف اللفظ، فإنه متميز بنفسه.
[ ٣ / ٥١٤ ]
ثانيها: أن يكون عن فعله والآخر عن تقريره، فالفعل أولى، لأن دلالة التقرير على التشريع مختلف فيها، وتطرق الاحتمال إليها أشد منه في الفعل فكان راجحًا.
ثالثها: فصاحة أحد اللفظين مع ركاكة الآخر، ومن الناس من لم يقبل الركيك، والحق قبوله، وحمله على أن الراوي رواه بلفظ نفسه.
رابعها: قال قوم: يترجح الأفصح على الفصيح، لأن النبي ﷺ كان أفصح العرب فلا ينطق بغير الأفصح، والحق - وبه جزم في (المنهاج) - أنه لا يترجح به، لأن البليغ قد يتكلم بالأفصح والفصيح، لا سيما إذا كان مع ذوي لغة لا يعرفون سوى تلك اللفظة الفصيحة لقصد إفهامهم وإنما قال: (لا زائد الفصاحة) ولم يقل: لا الأفصح، كما قاله في (المنهاج) - لأن الأفصح: أن يكون في كلمة واحدة لغتان إحداهما أفصح من الأخرى، والأزيد فصاحة: أن يكون في كلمات منها الفصيح والأفصح، ولكن الأفصح فيها أكثر.
خامسها: اشتمال أحدهما على زيادة لم يتعرض الآخر لها، لاشتماله على زيادة علم (كالتكبير في العيد سبعًا).
[ ٣ / ٥١٥ ]
مقدم على رواية (الأربع).
سادسها: الخبر المشتمل على لغة قريش وأهل الحجاز راجح على ما ليس كذلك.
سابعها: المدني مرجح على المكي، لأن المدنيات متأخرة عن الهجرة والمكيات متقدمة إلا قليلًا والقليل يلحق بالكثير.
ثامنها: يرجح الخبر الدال على علو شأن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم على ما ليس كذلك لأنه يدل على تأخيره، فإن الزيادة العظمى في علو شأنه، وظهوره، كانت في آخر أيامه وقال الإمام: إن دل الأول على علو الشأن والثاني على الضعف ظهر تقديم الأول، أما إذا لم يدل الثاني لا على القوة ولا الضعف فمن أين يجب تقديم الأول عليه؟ ورد بأن المشعر بعلو الرسول ﷺ معلوم التأخير أو مظنونه، وما لم يشعر بذلك مشكوك فيه فليرجح الأول.
[ ٣ / ٥١٦ ]
تاسعها: المذكور فيه الحكم مع علته مقدم على ما لم يذكر فيه علته، لأن ذكر علته يدل على الاهتمام به كحديث: «من بدل دينه فاقتلوه» مقدم على حديث النهي عن قتل النساء لأنه نيط الحكم فيه بوصف الردة، وهو مناسب لا يختلف مناسبته بالنسبة إلى الرجال والنساء، ولفظ النساء لا وصف فيه فأمكن حمله على الحربيات، ومن هذا القبيل أن يكون أحدهما مقرونًا بمعنى ظاهر في المناسبة والآخر بخلافه.
عاشرها: المتقدم فيه ذكر العلة على الحكم أقوى من المتقدم فيه الحكم على العلة، وهذا لم يذكره الأصوليون هنا بل هو من زيادات المصنف، وهو بناء على أن الأول أقوى من الثاني، وهو ما قاله الإمام في (المحصول) في الكلام على الإيماء فقال: يشبه أن يكون تقدم العلة على الحكم أقوى وفي الإشعار بالعلية من الثاني، لأن الطرد واجب في العلل دون العكس، وعكس النقشواني الأمر معترضًا على الإمام بأنه إذا تقدم الحكم تطلب نفس السامع العلة فإذا سمع وصفًا معقبًا بالفاء سكنت نفسه عن الطلب وركنت إلى أن ذلك هو العلة، وأما إذا تقدم معنى لم نعلم بعد حكمه، مثل السارق والسارقة، فالنفس تطلب الحكم، فإذا صار الحكم مذكورًا فبعد ذلك قد يكتفي في العلة بما سبق إن كان شديد المناسبة، مثل: ﴿والسارق والسارقة﴾ وقد لا يكتفي بل طلب العلة بعد ذلك بطريق آخر، بأن
[ ٣ / ٥١٧ ]
يقول: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ تعظيمًا للمعبود، وأما فيما تأخر ذكر العلة فلا يجوز ذكر علة أخرى، قال: ولو (١٤٢/ز) ذكر عد مناقضًا، فكان الإشعار بالعلية على عكس ما قاله الإمام، كيف وترتب الحكم على الوصف عند الإمام يقتضي العلة، وإن لم يكن مناسبًا، ويلزمهم أن يقولوا إشعار قول القائل: أما الطوال فأكرموهم، فالعلية أقوى من: أكرموا هؤلاء فإنهم طوال، وليس كذلك، لإمكان قول القائل في الأول: لم أجعل الإكرام علة دون الثاني، وأما قول القائل: إشعار العلة بالمعلول أقوى، فهذا لا يتأتى إلا في شيء عرف كونه علة قبل الكلام، أو قبل الحكم، أما ما إذا كانت العلة فيه مستنبطة من ذلك الكلام فلا يتأتى فيه ما ذكر.
حادي عاشرها: ما فيه تهديد على ما لا يكون كذلك كقوله: (من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم).
ثاني عاشرها: ما دلالته مؤكدة على ما ليس كذلك كقوله: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل»
[ ٣ / ٥١٨ ]
فإنه راجح على ما ترويه الحنفية: «الأيم أحق بنفسها من وليها» ولو سلم دلالته على المطلوب، وشمل كلامه ما لو استويا في إفادة الظن لكن تأكد أحدهما بدلالة سياق فهو راجح على عين المتأكد.
ثالث عشرها: العام إذا ورد على سبب خاص وعارضه عام مطلق فإن تعارضا فيما عدا صورة السبب، فالعام المطلق أرجح للخلاف في تعميم الوارد على سبب صرح به أصحابنا.
[ ٣ / ٥١٩ ]
قال إمام الحرمين: فإن قلنا إنه عام فهو عموم ضعيف، لتعين محل النص وهو السبب، ومتى امتاز أحد الظاهرين بقوة، ترجح، قالوا: وهو كما لو أجرينا: «من بدل دينه فاقتلوه» على عمومه وفسرنا نهيه عن (٦١/ك) قتل النساء بالحربيات، وأما إذا تعارضا في صورة السبب، فالعام في السبب يقدم، لأنا إن قلنا: إن الوارد على سبب يختص به فظاهر، لأنه حينئذ يكون خاصًا، والخاص يقدم على العام، وإن لم نقل به فكذلك، لأن دلالته على السبب الذي ورد عليه أقوى، ولهذا لا يجوز تخصيصه بالنسبة إليه.
واعلم: أن ما ذكره المصنف من التفصيل متعين، وقد أشار إليه ابن الحاجب وصرح به أصحابنا منهم: سليم الرازي في (التقريب) وشارحو لمع الشيخ أبي إسحاق ووجهوه بأن العام الذي لم يرد أدل فيما عدا صورة السبب، ولم يقف
[ ٣ / ٥٢٠ ]
الهندي على هذا نقلًا فذكره بحثا.
رابع عشرها: العام الشرطي، أي: الذي في معرض الشرط، كأي، ومن وما - راجح على النكرة المنفية، فإن الأول فيه معنى التعليل فيكون أدل على المقصود بما ليس بمعلل، وحينئذ فإلغاء العام الشرطي يوجب إلغاء السببية الحاصلة بالشرط، وإلغاء العام غير الشرطي لا يوجب غير إلغاء العموم مفسدة أخرى، فكان أولى لذلك، وهذا ما قطع به ابن الحاجب وغيره، ويؤيده قول (المحصول) هناك: إن عموم الأول: بالوضع، والثاني بالقرينة، وجزم الهندي هنا بتقديم النكرة المنفية على غيرها من أنواع العموم، ولم يوجهه، وقد يوجه بقوة دلالتها من جهة بعد التخصيص فيها، فإن قال: لا رجل في الدار، وكان فيها واحد، يعد خلفًا في الكلام بخلاف غيرها من أنواع العموم، فإنه بخروج واحد من أفراده لا يعد خلفا، بل يحمل على التخصيص ويجيء قول ثالث: إنهما سواء، فإن الإمام في (البرهان) هناك سوى بين العام الشرطي والنكرة المنفية في معنى العموم، وادعى القطع بأن العرب وضعتها كذلك.
واعلم: أن ابن الحاجب قال: والعموم الشرطي على النكرة المنفية وغيرها، وإنما حذف المصنف غيرها، لأنه يؤخذ من طريق أولى، وقوله: وهي أن النكرة المنفية تقدم على باقي العمومات كالمعرف باللام، والمضاف وغيرها، ولهذا قيل:
[ ٣ / ٥٢١ ]
إن دلالة النكرة على العموم بالوضع، واتفقوا في الباقي على أنه بالقرينة وقوله: (والجمع المعرف على من وما) مراده غير الشرطيتين بأن يكونا للاستفهام ولا بد من هذا القيد وإلا لتناقض كلامه، فإنه قدم أن الشرطي أعلاها، فكيف يكون في الرتبة الثالثة؟ وحاصله أن الجمع المعرف راجح على (ما ومن) لإمكان حمل (من وما) على واحد وعدم إمكان حمل المجموع على واحد، فكان المخصوص في من وما أقرب، وقوله: (والكل) أي: الجمع المعرف، وما ومن، راجح على اسم الجنس المعرف باللام، لأن الثلاثة لا تحتمل العهد أو تحتمله على بعد، بخلاف اسم الجنس، فإنه يحتمل العهد احتمالًا قريبًا، ولذلك قال أكثر المحققين: إنه لا يفيد العموم.
خامس عشرها: يقدم العام الذي لم يخصص على العام الذي خص، لأن الذي دخله التخصيص صار مجازًا لإزالته عن تمام مسماه والاختلاف في حجيته بخلاف الأول، فإن حقيقة ولم يختلف في حجيته، هكذا قالوا، قال المصنف:
[ ٣ / ٥٢٢ ]
وعندي عكسه، يعني لأنه إذا كان الغالب أن كل عام مخصص، أو أنه ما من عام إلا وقد خصص، فالعمل بالمخصوص أولى، لأنه التحق بالغالب، فاطمأنت إليه النفس، ولم تنتظر بعده تطرق التخصيص إليه، بخلاف الباقي على عمومه فإن النفس لا تستيقن ذلك وهذا الاحتمال سبقه إليه الهندي فمال إلى العكس، قال لأن الخصوص راجح من حيث كونه خاصًا بالنسبة إلى ذلك العام الذي لم يدخله التخصيص، والخاص أولى من العام، فكان ما دخله التخصيص أولى.
[ ٣ / ٥٢٣ ]
سادس عشرها: ما قل تخصيصه على ما كثر، وينبغي أن يجيء فيه الاحتمال السابق.
سابع عشرها: دلالة الاقتضاء راجحة على دلالة الإشارة لترجيحها بقصد المتكلم، وعلى دلالة الإيماء لتوقف صدق المتكلم أو صحة الملفوظ به فيه بخلاف الإيماء وقوله: (ويرجحان) أي: دلالة الإشارة والإيماء على دلالة المفهومين، أي: مفهوم الموافقة والمخالفة أما مفهوم المخالفة فللاتفاق على دلالة الاقتضاء والخلف في المخالفة، وأما في الموافقة فلجواز أن لا يكون المسكوت أولى أو مساويا، وقول المصنف: (المفهومين) أوضح من قول ابن الحاجب: المفهوم.
[ ٣ / ٥٢٤ ]
ثامن عشرها: إذا كان أحدهما يدل بمفهوم الموافقة والآخر بمفهوم المخالفة، فالأول مقدم على الثاني، لأن الأول متفق عليه والثاني مختلف فيه، منهم من يرجح مفهوم المخالفة، واختاره الهندي، لأن فائدته تأسيسه بخلاف مفهوم الموافقة فإنه للتأكيد.
(ص): والناقل عن الأصل عند الجمهور، والمثبت على النافي (١٤٣/ز) وثالثها: سواء، ورابعها: إلا في الطلاق والعتاق، والنهي على الأمر، والأمر على الإباحة، والخبر على الأمر والنهي، وخبر الحظر على الإباحة، وثالثها: سواء، والوجوب والكراهة على الندب، والندب على المباح في الأصح، ونافي الحد، خلافًا لقوم والمعقول معناه، والوضعي على التكليفي في الأصح.
(ش): الترجيح باعتبار مدلول الخبر يقع بأمور:
أحدها: كون أحدهما مقررًا لحكم الأصل، والآخر ناقل، فالجمهور على أنه يجب ترجيح الناقل: لأنه يفيد حكمًا شرعيًا ليس في الآخر كحديث: «من مس ذكره فليتوضأ» مع حديث «هل هو إلا بضعة منك» وذهب الإمام والبيضاوي وغيرهما إلى ترجيح المقرر، لأن حمل الحديث على ما لا يستفاد إلا
[ ٣ / ٥٢٥ ]
من الشرع أولى من حمله على ما يستقل العقل بمعرفته، والتحقيق أنه إن تقرر حكم الناقل مدة في الشرع عند المجتهد، وعمل بموجبه ثم نقل له المقرر، وجهل التاريخ فههنا يرجح المقرر، لتضمنه العمل بالخبرين بالناقل في زمان والمقرر بعد ذلك، وإن كان الثابت بمقتضى البراءة الأصلية، ونقل الخبران، فههنا يتعارضان ويرجع إلى البراءة الأصلية، على أن القاضي عبد الجبار قال: إن تقديم الناقل أو المقرر على الخلاف ليس من باب الترجيح بل من النسخ لكنه ضعيف، وإلا لم يصح رفعه إلا بما يصح رفع الحكم الشرعي.
ثانيها: كون أحدهما مثبتًا والآخر نافيا، وهما شرعيان، كخبر بلال وأسامة في الصلاة في الكعبة،
[ ٣ / ٥٢٦ ]
فالمثبت مقدم على النافي عند الفقهاء لزيادة علمه، وعكس قوم، وقال القاضي عبد الجبار: يتساويا، لأن المثبت إن كان معه زيادة علم، فالنافي يعتضد بالأصل فتعارضا، ورابعها: يقدم النافي إلا في الطلاق والعتاق، وهذا أخذه المصنف من قول ابن الحاجب: إن الخبر الموجب للطلاق والعتاق راجح على المزيل لهما، لموافقته النفي الأصلي، قال: وقد يعكس فيقدم (٦٢/ك) النافي للطلاق والعتق، وهو رأي قوم: ويجيء من كلام (المستصفى) مذهب خامس: أنهما لا يتعارضان لامتناع التعارض بين الفعلين لاحتمال وقوعهما في حالين فلا يكون بينهما تعارض، وإنما قيدت المسألة بالشرعي، لأن النفي الأصلي هو عين المسألة السابقة في الناقل والمقرر.
ثالثها: كون أحدهما أمرًا والآخر نهيًا، فالنهي أولى، لأن طلب الترك فيه أشد من طلب الفعل في الأمر، ولهذا قال كثير من المحققين - ممن قال الأمر لا يفيد
[ ٣ / ٥٢٧ ]
التكرار أن النهي يفيده.
رابعها: كون أحدهما أمرًا والآخر مبيحًا فالأمر أولى، لأنه أحوط، ولأن فيه حمل كلام الشرع على الحكم التكليفي، فإن المباح لا تكليف فيه، وقيل: المبيح أولى ورجحه الهندي، لأنه لو رجح الأمر لزم منه تعطيل المبيح بالكلية، وترجيح المبيح فيه تأويل الأمر بصرفه عن ظاهره، والتأويل أولى من التعطيل.
خامسها: كون أحدهما أمرًا والآخر خبرًا، فالخبر أولى، لأن دلالته على الثبوت والتحقيق أقوى من دلالة غيره عليه، ولأنه لو لم يقل به لزم الخلف في خبر الشارع، وبه يعلم أن صورة المسألة في الخبر المحض ليخرج ما صيغته خبر ومعناه فكالأمرين.
[ ٣ / ٥٢٨ ]
سادسها: كون أحدهما خبرًا والآخر نهيًا لما سبق.
سابعها: خبر الحظر على الإباحة للاحتياط وقيل العكس، لأنهما حكمان شرعيان، وفي ثالث: يستويان، ورجحه في (المستصفى)، وحكاه الهندي عن أبي هاشم وعيسى بن أبان.
ثامنها: كون أحدهما يقتضي الوجوب، والآخر الندب فالوجوب أولى لما ذكرنا.
تاسعًا: كون أحدهما يقتضي الكراهة والآخر الندب، فالكراهة أولى لما ذكرها.
عاشرها: كون أحدهما يقتضي الندب والآخر يقتضي الإباحة، فالندب أولى، قال الهندي: ويمكن أن نرجح الإباحة بكونه متأيدًا بالأصل في جانب الفعل والترك وبكونه أعم وأسهل من حيث إنه مفوض إلى خيرة المكلف، ومن حيث إنه لا
[ ٣ / ٥٢٩ ]
احتمال في الصيغة الدالة عليه، بخلاف الندب فإنه يثبت بصيغة الأمر، وفيها الاحتمال، ولهذا الاحتمال عبر المصنف بالأصح.
حادي عاشرها: النافي للحد على الموجب له، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وفي وجه لأصحابنا أنهما سواء، ورجحه الغزالي، لأن الشبهة تؤثر في ثبوته شرعًا، ألا ترى أنه يثبت بخبر الواحد والقياس مع الشبهة فيهما ولأن الحد إنما يسقط بالشبهة إذا كانت في نفس الفعل يبيحه قوم ويحظره قوم، كالوطء في نكاح بلا ولي وليس هنا اختلاف في نفس الفعل، وإنما تعارض الخبران فيه فكانا سواء، وقد يظن أن الخلاف لفظي، فإن القائل بالتساوي يؤول قوله لتقديم النافي، فإنهما يتعارضان فتساقطا ويرجع إلى غيرهما إن كان هناك دليل شرعي، وإلا بقي الأمر على الأصل، فيلزم نفي الحد، والصواب أنه معنوي، فإن الأول يقول: نفي الحد بالحكم الشرعي، والآخر يقول: بالبقاء على العدل الأصلي.
[ ٣ / ٥٣٠ ]
ثاني عاشرها: كون أحدهما يثبت حكمًا معقول المعنى والآخر غير معقول، فالأول أولى، لأن انقياد المكلف له أكثر فيكون أسرع إلى القبول، وأفضى إلى الوقوع، فيكون حصول مقصود الشارع أتم، ولأنه أكثر فائدة، لأنه يلحق علته بالقياس بخلاف غير المعقول.
ثالث عاشرها: المثبت للحكم الوضعي أولى من المثبت للحكم التكليفي، لأن الوضعي لا يتوقف على ما يتوقف عليه التكليفي من أهلية المخاطب وفهمه وتمكنه من الفعل، فكان أولى، وقيل: بالعكس، حكاه الهندي، لأنه مقصود بالذات ولأنه الأكثر من الأحكام فكان أولى.
(ص): والموافق دليلا آخر، وكذا مرسلًا أو صحابيًا أو أهل المدينة أو الأكثر في الأصح، وثالثها: في موافق الصحابي إن كان حيث ميزه النص كزيد في الفرائض، ورابعها: إن كان أحد الشيخين مطلقًا، وقيل إلا أن يخالفهما معاذ في الحلال والحرام، أو زيد في الفرائض ونحوهما، قال الشافعي ﵁: وموافقة زيد في الفرائض فمعاذ فعلي، ومعاذ في أحكام غير الفرائض فعلي:
(ش): ترجيح الخبر بالأمور الخارجية يقع بأمور:
أحدها: بموافقة أحدهما لدليل آخر من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس، والآخر غير موافق، فالموافق أولى ولهذا قدمنا حديث عائشة ﵂ في
[ ٣ / ٥٣١ ]
التغليس على حديث رافع في الإسفار لموافقته قوله تعالى: ﴿حافظوا على (١٤٤/ ز) الصلوات﴾ ومن المحافظة: إيقاعها أول الوقت.
ثانيها: موافقة أحدهما لخبر مرسل وإن لم يقل بحجيته، لأن التعاضد أقوى
[ ٣ / ٥٣٢ ]
في النفس، ولهذا عمل الشافعي ﵁ بالمرسل إذا عضده مرسل، وألحق به الغزالي ما إذا عضده خبر مردود عنده لكن قال به بعض العلماء، قال: فهذا مرجح لكن بشرط أن لا يكون قاطعًا ببطلان مذهب القائلين به، بل يرى ذلك في محل الاجتهاد.
ثالثها: بموافقته لقول صحابي، أي: لم ينتشر، فإن انتشر وسكت عليه الآخرون، وقلنا إنه إجماع - صار قاطعًا وسقط الظن في مقابلته، وفيه خلاف سنذكره.
رابعها: بموافقته لعمل أهل المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وإن لم يقل إن إجماعهم حجة كما قدمنا رواية (إفراد الإقامة) على رواية
[ ٣ / ٥٣٣ ]
أبي محذورة تعليمه الإقامة سبع عشرة كلمة على أنه صح عن أبي محذورة وأولاده دوام إفراد الإقامة، قال البيهقي: وهو يضعف رواية شفعها أو يدل على أن الأمر صار إلى إفرادها، وذكر إلكيا الطبري هذا الترجيح بالنسبة للرواية، فقال: حديث ينقل بمكة وآخر ينقل بالمدينة، تقدم رواية المدينة من حيث إن الهجرة تراخت، وإن اتفقت له غزوات إلى مكة.
خامسها: بموافقة الأكثر إذا كان الآخر لا يجوز خفاؤه عليهم، لأن الأكثر يوفق للصواب ما لا يوفق له الأقل، هذا ما جزم به كثيرون، ومنع آخرون منهم الغزالي من حصول الترجيح به، لأنه لا حجة في قول الأكثر، ولو شاع الترجيح بمذهب بعض المجتهدين لانسد باب الاجتهاد على البعض الآخر، والتحقيق أنه إن لم يكن في مقابلة الأكثر إلا شذوذ رجح به لأنه إجماع على أحد القولين، بل هو من باب تقديم الدليل على ما ليس بدليل إن قلنا بحجيته، وإن ينته إلى هذه الحالة فلا ترجيح بالكثرة وفي موافقة الصحابي مذاهب.
أحدها: يرجح به كما سبق.
والثاني: لا، بناء على عدم حجيته.
[ ٣ / ٥٣٤ ]
والثالث: التفصيل بين أن يكون ذلك الصحابي ممن شهد له الشرع بمزية المدرك في ذلك الفن أم لا، فإن لم يشهد له الشرع كان قوله كقول غيره من الأئمة وإن شهد له كزيد (٦٣/ك) في الفرائض رجح به، ونسبه إمام الحرمين للشافعي ﵁.
والرابع: يرجح بموافقة أحد الشيخين أبي بكر أو عمر ﵄.
والخامس: يرجح بعمل أحد الشيخين إلا أن يخالفهما معاذ في الحلال والحرام أو زيد في الفرائض ونحوها، وهو أقرب من الثالث، فإن المأخذ تمييزهما بالنص وأصحاب القول الرابع يقولون: قوله ﷺ: «أفرضكم زيد وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ وأقضاكم علي» خطاب شفاهي لمخاطبين لم يكن فيهم أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ﵃ فلم يدخلوا فيه، فلم يلزم كون من ذكر أرجح من الثلاثة فيما ذكر، وهذا هو الظاهر، قال الشافعي ﵁ وإذا كان نصان أحدهما أعم أخذ بالأخص فالنص على أن زيدًا أفرض أخص من النص على أن معاذًا أعلم بالحلال والحرام، فيرجح قول زيد في الفرائض على معاذ، ومعاذ على علي وعلي على غيره، لأنه جاء: «أفرضكم زيد وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأقضاكم علي» والقضاء أعم من الكل، فالشهادة لزيد أخص من الجميع وبعده معاذ وبعدهما علي، فهي ثلاث مراتب، هكذا حكاه إمام الحرمين عن الشافعي ﵁، ثم قال: فإن اعتضد بقول الشيخين ﵄ فهي مرتبة رابعة أعم من الشهادة لعلي ﵁ لاحتمال أن يكون إنما أشار إلى الخلافة، وإبداء الطاعة لهما، قال: ثم قال: الشافعي ﵁: قول علي
[ ٣ / ٥٣٥ ]
﵁ في القضاء كقول زيد في الفرائض، وقول معاذ في التحليل والتحريم - في غير الفرائض - كقول زيد في الفرائض، والحاصل: أنه في غير الفرائض يرجح معاذ ثم علي، وهو راجع إلى المقصود من خصوص الشهادة وعمومها فإن الشهادة لعلي ﵁ أعم من الشهادة لزيد ﵁ إذ الحلال والحرام يكون في المواريث وغيرها، - والشهادة لزيد في الفرائض أخض الشهادات، فإذا عارض قول علي ﵁ قول معاذ ﵁ في الحلال والحرام، قدم قول معاذ، وإذا عارض قول معاذ في الفرائض قول زيد قدم قول زيد، وإذا عارض قول معاذ قول علي ﵁ في القضاء في غير الفرائض قدم قول علي ﵁ وإذا عارض قول معاذ في
الحلال والحرام قول زيد في غير الفرائض قدم قول معاذ.
(ص): والإجماع على النص، وإجماع الصحابة ﵃ على غيرهم، وإجماع الكل على ما خالف فيه العوام، والمنقرض عصره، وما لم يسبق بخلاف على غيرهما.
(ش): هذه المسائل في ترجيح بعض الإجماعات على بعض، وقدم أولًا أنه يرجح الإجماع على النص كتابًا كان، أو سنة متواترة، لأن النسخ مأمون فيه، وإذا تعارض إجماعان قدم المتقدم منهما على ما بعده كالصحابة على التابعين، والتابعين على تابعيهم، وهكذا، لأنهم أعلى رتبة وأقرب إلى زمن النبي ﷺ المشهود لهم بالخيرية، ثم ذكر أن الإجماع المتفق عليه أولى من
[ ٣ / ٥٣٦ ]
المختلف فيه، فعلى هذا: الإجماع المشتمل على قول كل الأمة من المجتهدين والعوام أولى من الإجماع الذي يشتمل على قول المجتهدين فقط، ولك أن تقول: هذا يخالف ما قرره المصنف في باب الإجماع أنه لم يخالف أحد في عدم اعتبار قول العامة، وإجماع المنقرض عصرهم على من لم ينقرض للاتفاق على حجية الأول بخلاف الثاني، وكذا إجماع من لم يسبق بخلاف على المسبوق، للخلاف فيه، وبخط المصنف على الحاشية وقيل: المسبوق أولى، وقيل: سواء، ومنه يعرف الترجيح في بقية الإجماعات، قال الهندي - متابعًا لابن الحاجب ـ: واعلم أن هذه المسألة لا تتصور في الإجماعين القاطعين، لأنه لا ترجيح بين القاطعين، ولأنه لا يتصور التعارض بينهما وإنما يتصور في الظنيين، وما قالاه
[ ٣ / ٥٣٧ ]
ممنوع، فإن تعارض الإجماعين في نفس الأمر مستحيل، سواء كانا ظنيين أم قطعيين، وظن تعارض الإجماعين ممكن، سواء كانا في القطعي أم في الظني.
(ص): والأصح تساوي المتواترين من كتاب أو سنة (١٤٥/ز)، وثالثها السنة، لقوله ﷿: ﴿لتبين﴾.
(ش): في تعارض المتواترين من كتاب أو سنة، وهما في الدلالة على رتبة واحدة، مذاهب: ـ
أصحها: تساويهما، لأن الكل من عند الله.
والثاني: تقدم الكتاب فإنه المنقول عن عمل الصحابة.
والثالث: تقدم السنة، لقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ وحكى إمام الحرمين الأقوال ورجح الأول وضعف الثاني بالتعذر، والثالث بأنه ليس الخلاف في السنة المفسرة، وإنما الخلاف في السنة المعارضة، وهو جواب صحيح، وإنما قيد المصنف المتواتر من كتاب أو سنة، ليخرج المتواتر من سنته، فإنما يتساويان قطعًا.
(ص): ويرجح القياس بقوة دليل حكم الأصل، وكونه على سنن القياس، أي: فرعه من جنس أصله.
[ ٣ / ٥٣٨ ]
هذا باب تراجيح الأقيسة وهو الغرض الأعظم من باب التراجيح وفيه اتساع الاجتهاد وهو يقع بأربعة أشياء، وهي: أصله، وفرعه، والعلة، وخارج عن ذلك.
الأول: بحسب حكم الأصل، وذكر فيه قسمين، أحدهما: بحسب قوة دليله، وهو يشمل صورًا، منهما: أن يكون أحد القياسين دليله مقطوع به والآخر بخلافه، فالقطعي أولى، ومنها: كون أحدهما دليله نطق والآخر مفهوم، فما عرف بالنطق أولى فيكون المتفرع منه أقوى، ومنها: أن دليل أحدهما عمومًا لم يخص والآخر عمومًا مخصص، فما لم يدخله التخصيص أولى كما سبق، ومنها: أن يكون أصل إحدى العلتين قد نص بالقياس عليه وأصل الآخر لم ينص بالقياس عليه، فما ورد النص بالقياس عليه أولى، ومنها: أن يثبت حكم أصل أحدهما.
القسم الثاني: القياس الذي حكم أصله غير معدول به عن سنن القياس - راجح على الذي حكم أصله معدول عنه، والمراد بكونه على سنن القياس أن يكون أصل أحدهما من جنس الفرع المتنازع فيه دون أصل الآخر، فيرجح ما هو من جنسه، لأنه على سننه، صرح به القاضيان: أبو الطيب، والماوردي، والشيخ أبو
[ ٣ / ٥٣٩ ]
إسحاق وابن السمعاني وغيرهم مثل قياسنا ما دون أرش الموضحة في تحمل العاقلة إياه، فهو أولى من قياسهم ذلك على غرامات الأموال في إسقاط التحمل، لأن الموضحة من جنس ما اختلف فيه فكان على سننه، والجنس بالجنس أشبه، كما تقول: قياس الطهارة على الطهارة أولى من قياسها على ستر العورة. قلت: وإنما احتاج المصنف لهذا التفسير، لأن من شرط الأصل أن لا يكون مخالفًا لسنن القياس.
(ص): والقطع بالعلة أو الظن الأغلب، وكون مسلكها أقوى، وذات أصلين على ذات أصل، وقيل: لا - وذاتية على حكمية، وعكس السمعاني (٦٤/ك)، لأن الحكم بالحكم أشبه، وكونها أقل أوصافًا، وقيل عكسه، والمقتضية احتياطًا في الفرض وعامة الأصل، والمتفق على تعليل أصلها، والموافقة الأصول على موافقة أصل واحد، قيل: والموافقة علة أخرى إن جوز علتان، وما ثبتت علته بالإجماع فالنص القطعيين، فالظنيين، فالإيماء، فالسبر، فالمناسبة، فالشبه، فالدوران، وقيل: النص فالإجماع، وقيل: الدوران فالمناسبة وما قبلها وما بعدها وقياس المعنى على الدلالة، وغير المركب عليه إن قبل، وعكس الأستاذ، والوصف الحقيقي، فالعرفي، فالشرعي الوجودي، فالعدمي البسيط،
[ ٣ / ٥٤٠ ]
فالمركب، والباعثة على الأمارة، والمطردة المنعكسة، ثم المطردة فقط على المنعكسة فقط، وفي المتعدية والقاصرة أقوال، ثالثها: سواء، وفي الأكثر فروعًا قولان.
(ش): الثاني يعود إلى علة حكم الأصل ويقع بأمور.
أحدها: أن يكون بالقطع بالعلة، أي: يكون وجود علة أحد القياسين مقطوعًا به بخلاف علة الآخر، فما وجود علته في أصله قطعي أولى، لكونه أغلب على الظن بصحة القياس، وكذلك ما يكون وجود العلتين في أصل القياس ظنيًا ولكن وجودها في أصل أحد القياسين أغلب على الظن من وجود العلة الأخرى في أصل القياس الآخر فالأغلب على الظن أولى.
ثانيها: يرجح القياس الذي مسلك علته قطعي، من إجماع أو نص، دال على علته، على القياس الذي مسلك علته ظني.
ثالثها: أن تكون إحدى العلتين مردودة إلى أصل واحد، والأخرى مردودة إلى أصول أو أصلين، فذات الأصلين أولى، ومن أصحابنا من قال: هما سواء، قال ابن السمعاني: والأول أصح، لأن ما كثرت أصوله كان أولى، وحكاه في (المستصفى) عن قوم، ثم قال: وهذا يظهر إن كان طريق الاستنباط مختلفًا، فإن كان مساويًا فهو ضعيف، ولا يبعد أن يقوى ظن مجتهد فيه، ويكون كثرة
[ ٣ / ٥٤١ ]
الأصول ككثرة الرواة للخبر، مثاله: إذا تنازعا في أن يد السوم لم يوجب الضمان، فقال الشافعي ﵁ علته أنه أخذ لغرض نفسه من غير استحقاق وعداه إلى المستعير، وقال الخصم: بل علته أنه أخذ ليتملك فيشهد لعلة الشافعي ﵁ يد الغصب، ويد المستعير من الغاصب، ولا يشهد لعلة أبي حنيفة ﵀ إلا يد الرهن، ولا يبعد أن يغلب رجحان علة الشافعي ﵁ عند مجتهد ويكون كل أصله كأنه شاهد آخر، وكذلك الربا إذا علل بالطعم يشهد له الملح، وإذا علل بالقوت لم يشهد، فلا يبعد أن يكون من المرجحات، فحصل أربعة مذاهب، رابعها: إن اختلف مسلك التعليل في كل أصل رجح به، وإن اتحد مرجع الأصول فلا.
رابعها: أن تكون إحداهما صفة ذاتية والأخرى صفة حكمية، فالذاتية أولى، لأنها ألزم وقيل: الحكمية، وصححه ابن السمعاني، لأن الحكم بالحكم أشبه فيكون الدليل عليه أولى، وفي (المستصفى): إذا كان إحدى العلتين حكمًا ككونه حرامًا أو نجسًا، والآخر حسيًا ككونه قوتًا أو مسكرًا، زعموا أن رد الحكم إلى الحكم أولى حتى إن تعليل الحكم بالرق والحرية أولى من تعليله بالتمييز والعقل، وتعليله بالتكليف أولى من تعليله بالإنسانية، وهذا من المرجحات الضعيفة. انتهى.
[ ٣ / ٥٤٢ ]
خامسها: أن تكون إحداهما أقل أوصافًا والأخرى أكثر أوصافًا، فالقليلة أولى، لأنها أسلم، وقيل: الكثيرة أولى، لأنها أكثر شبهًا بالأصل.
سادسها: أن تكون إحداهما تقتضي احتياطًا في الغرض والأخرى لا تقتضيه، فالأولى أولى، لأنها أكثر شبهًا بالأصل وهذا ذكره ابن السمعاني في (القواطع) وبخط المصنف الفرض (بالفاء) وإنما ذكره ابن السمعاني: الغرض بالغين المعجمة.
سابعها: أن تكون إحداهما تعم حكم أصلها والأخرى تخص حكم أصلها، كتعليل الربا في البر بالطعم بعد ثبوت الربا في جميع البر قليله وكثيره، وتعليله بالكيل ينفيه ثبوت الربا فيما لا يكال من البر، وهو القليل، فيترجح التعليل بالطعم، لأنه عم حكم أصله، على التعليل بالكيل، لأنه خص حكم أصله.
ثامنها: أن تكون إحداهما مأخوذة من أصل متفق على تعليله والأخرى من
[ ٣ / ٥٤٣ ]
أصل مختلف في تعليله، فالأولى أولى.
تاسعها: أن تكون علة إحداهما على وفق (١٤٦/ز) الأصول الممهدة في الشريعة دون الأخرى فترجح الأولى لشهادة كل واحد من تلك الأصول لاعتبار تلك العلة، وقوله: (قيل والموافقة) يشير إلى خلاف حكاه ابن السمعاني أن انضمام علة إلى علة أخرى يوجب رجحان تلك العلة أي: إن جوزنا التعليل بعلتين، قال: والأصح أنها لا تترجح بذلك، لأن الشيء لا يتقوى إلا بصفة توجد في ذاته، أما بانضمام غيره إليه فلا تقوي الدليل علة المحسوسات، فكذلك العلل لا يتصور تقويتها بانضمام علة أخرى إليها، وإنما تتقوى بوجود صفة فيها، ولهذا قلنا: إن الشهادة لا تترجح بكثرة العدد.
عاشرها: ما ثبت علته بالنص، لأن النقل يقبل النسخ، والتخصيص، والتأويل، بخلاف الإجماع، وهذا ما نقله الإمام في (المحصول)، ثم قال: ويمكن أن يقدم النص على الإجماع، لأن الإجماع فرع عن النص يتوقف ثبوته على الأدلة القطعية، والأصل تقدم الفرع على علته، وعلى هذا جرى صاحب (الحاصل) و(المنهاج) وقوله: (والقطعي) أي: إذا استوى الإجماع والنص في القطع في المتن والدلالة، كان ما دليله الإجماع راجحًا لما ذكرنا، ودونهما إذا كانا ظنيين
[ ٣ / ٥٤٤ ]
بأن كان أحدهما نصًا ظنيًا والآخر إجماعًا ظنيًا، فما كان دليله الإجماع راجحًا أيضًا، لما ذكره أن الدليل القطعي يقبل النسخ والتخصيص بخلاف الإجماع، قال الهندي: وهذا صحيح بشرط التساوي في الدلالة، فأما إذا اختلفا في ذلك فالحق أنه يتبع فيه الاجتهاد، فما تكون إفادته للظن أكثر فهو أولى، فإن الإجماع وإن لم يقبل النسخ والتخصيص، لكن ربما تضعف دلالته على المطلوب بالنسبة إلى الدلالة القطعية، فقد ينجبر النقص بالزيادة وقد لا ينجبر، فيتبع فيه الاجتهاد.
حادي عشرها: ما ظهرت علته بالإيماء راجح على ما ظهرت علته بالطرق العقلية، لاستناد الظن فيه إلى سبب خاص، هذا إن (٦٥/ك) لم يشترط المناسبة في الوصف المومئ إليه، فإن شرطناه فاللائق به ترجيح بعض الطرق العقلية عليه كالمناسبة لاستقلالها بإثبات العلية، بخلاف الإيماء، والإمام نقل اتفاق الجمهور على تقديم الإيماء على غيره مطلقًا من غير فصل، ثم قال: وفيه نظر، لأن الإيماء لم يوجد فيه لفظ يدل على العلية فلا بد وأن يكون الدال على عليته أمر آخر سوى اللفظ، وهو إما المناسبة، أو الدوران، أو السبر، وإذا ثبت أن الإيماء لا يدل إلا بواسطة أحد هذه الثلاثة كانت هي الأصل، والأصل - لا محالة أقوى - من الفرع، فكان كل واحد من هذه الثلاثة أقوى من الإيماء.
[ ٣ / ٥٤٥ ]
ثاني عشرها: يرجح ما ثبت علية وصفه بالسبر على ما ثبتت علته بالمناسبة، لإفادته لظن العلية ونفي المعارض، بخلاف المناسبة، فإنها لا تدل على نفي المعارض، وهذا ما اختاره الآمدي وابن الحاجب، ومنهم من قدم المناسبة، والخلاف في غير المقطوع به فإن العمل بالمقطوع متعين وليس من قبيل الترجيح، وإنما النزاع في السبر الذي بعض مقدماته قطعي أكثر من الظن الحاصل بالمناسبة، فهو أولى، وإلا فهما متساويان أو المناسبة أولى.
ثالث عشرها: المناسبة تقدم على النسبة، قال إمام الحرمين: وأدنى المعاني في المناسبة يرجع على أعلى الأشباه.
رابع عشرها: يرجح الثابت علية وصفه بالشبه على الثابت علية وصفه بالدوران لضعف الظن في الدوران، كذا جزم به المصنف، لكن ذكر إمام الحرمين في كلامه على ترتيب الأقيسة أن ما ثبت بالطرد والعكس، مقدم على غيره من الأشباه لجريانه مجرى الألفاظ ويجوز أن يحمل قوله فالدوران ما ثبتت علته
[ ٣ / ٥٤٦ ]
بالدوران مقدم على ما ثبتت علته بالطرد، إن قلنا إنه من المسالك وقوله: (وقيل النص فالإجماع) هو قول البيضاوي وقد سبق في الحادي عشر، وقوله: (وقيل الدوران فالمناسبة) أي: قدم بعضهم الدوران على المناسبة، محتجًا بأن المطردة المنعكسة أشبه بالعلل العقلية، وهذا ضعيف فإن العلل الشرعية أمارات، والعقلية عند القائل بها موجبة، فلا يمكن اعتبار هذه بتلك.
خامس عشرها: يقدم قياس المعنى على قياس الدلالة وهذا يرجع إلى تقديم المناسبة على الشبه.
سادس عشرها: يقدم غير المركب على المركب للاختلاف فيه، كما سبق في شروط حكم الأصل، ولهذا قال المصنف: (إن قبل) لأنه رجح هناك أن مركب الأصل ومركب الوصف لا يقبلان، وعكس الأستاذ، وقال إمام الحرمين: وهو من أكبر المركبين للمركب.
سابع عشرها: يرجح القياس المعلل بالوصف الحقيقي الذي هو مظنة
[ ٣ / ٥٤٧ ]
الحكمة على غيره، ولهذا أطلقه، فشمل تقديمه على القياس المعلل بنفس الحكمة للإجماع من القياسين على صحة التعليل بالمظنة، فيرجح التعليل بالسفر الذي هو مظنة المشقة على التعليل بنفس المشقة، وعلى القياس المعلل فيه بوصف اعتباري، أو وصف حكمي كقولنا في المني: مبتدأ خلق بشر، فأشبه الطين، مع قولهم: مانع يوجب الغسل فأشبه الحيض.
ثامن عشرها: يقدم التعليل بالوصف العرفي على الوصف الشرعي، لأن العلة الشرعية بمعنى الأمارة، والعرفي مناسب.
تاسع عشرها: يرجح الوجودي على العدمي، كقولنا في السفرجل: مطعوم، فكان ربويًا كالبر، مع قولهم ليس بمكيل ولا موزون، وهذا إذا كان الحكم وجوديًا والعلة وجودية فإنه يرجح على ما كانا عدميين كما مثلناه، وعلى ما إذا كان أحدهما عدميًا، أما إذا كان الحكم عدميًا والعلة ثبوتية أو العكس فقال الإمام الرازي وأتباعه: إنه مرجوح بالنسبة إلى ما إذا كانا عدميين، واعتلوا بالمشابهة بين التعليل بالعدمي والعدمي.
العشرون: يقدم التعليل بالبسيط على التعليل بالمركب، لأن البسيطة تكثر
[ ٣ / ٥٤٨ ]
فروعها وفوائدها، وهذا ما عليه الجدليون، واختاره البيضاوي، وقيل: بترجيح المركبة، وقيل: هما سواء، وفي (التلخيص) لإمام الحرمين: قال القاضي: ولعله الصحيح، وقال في (البرهان): قدم بعضهم البسيطة على المركبة، لكثرة فروعها ولقلة الاجتهاد فيها، وهو باطل، فإن إطلاق القول بأن الوصف الواحد أكثر فروعًا لا يصح (١٤٧/ز) فقد يكون أقل وقد يكون قاصرًا، نعم، إن فرضنا من أصل واحد فالمفردة أكثر فروعًا وينبني على التعليل بعلتين.
الحادي والعشرون: يقدم القياس الذي علته بمعنى الباعثة على الذي علته بمعنى الأمارة، لأن قبول الطاعة عليه أسرع، كذا ذكره ابن الحاجب قال المصنف في شرحه: (ولقائل أن يقول: العلة أبدًا إما بمعنى الباعث، أو الأمارة، أو المؤثر، على ما سبق الخلاف فيه، أما القول بأنها تارة بمعنى الباعث وتارة بمعنى الأمارة، فلم يقل به أحد، وكأن مراده أن ذات التأثير والتخيل أرجح من التي لا يظهر لها معنى قلت: مراده: يرجح بالجامع الباعث على ما الجامع الأمارة للاتفاق على صحة التعليل بالوصف الباعث والخلاف في الأمارة، وهذا نظير ما لو كان إحداهما اسمًا والأخرى وصفًا، فالصفة أولى من الاسم، لأن الأصح أن الاسم
[ ٣ / ٥٤٩ ]
لا يجوز أن يكون علة. قاله ابن السمعاني.
الثاني والعشرون: تقدم المطردة المنعكسة على التي لا تنعكس، لأن الأولى أغلب على الظن.
الثالث والعشرون: يقدم ما تكون العلة فيه مطردة فقط - أي: غير منعكسة - على ما تكون العلة فيه منعكسة فقط، أي: غير مطردة، لأن اعتبار الاطراد متفق عليه بخلاف الانعكاس.
الرابع والعشرون: رجح قوم العلة المتعدية على القاصرة، وعكس آخرون منهم الأستاذ، وذهب القاضي إلى أنه لا ترجيح بقصور ولا تعدية، واختاره ابن السمعاني، وحكى الأقوال الثلاثة إمام الحرمين وهي عنده لا تقع، لأنها من باب اجتماع علتين لحكم، ومن قال بوقوع ذلك فلا حاجة إلى الترجيح عنده إذ يقول بهما، وأما من لا يرى اجتماع العلتين فجمهورهم على ترجيح المتعدية لإفادتها، واحتج من رجح القاصرة بشهادة (٦٦/ك) النص لها في جميع مواردها، فالتمسك بها أمن من الخطأ، ومنع القاضي ترجيح المتعدية بالفائدة، وقال: لا ترجيح
[ ٣ / ٥٥٠ ]
بالفائدة وإنما ينشأ الترجيح من مثار دليل صحتها، وعدم الفائدة لا تبطلها ولا يقدح في عليتها وهو قبحه، واختار الإمام ترجيح المتعدية لو وقع ذلك، قال: لوجداننا في الفرع وصفًا مناسبًا مستندًا إلى أصل، ومال الغزالي إلى ترجيح القاصرة فإنها أوفق للنص، قال وترجيح المتعدية ضعيف عند من لا يفسد القاصرة لا بكثرة الفروع بل وجود أصل الفروع لا تبين قوة في ذات العلة قلت: ولو رجح المتعدية بأنها متفق عليها والقاصرة مختلف فيها لم يبعد.
الخامس والعشرون: إذا كان إحداهما أكثر فروعًا والأخرى قليلة، ففي ترجيح إحداهما على الأخرى قولان، ومن رجح المتعدية رجح الكثيرة الفروع على القليلة، واختاره الإمام على أصله السابق في أنا متى وجدنا في بعض الفروع معنى صحيحًا مستندًا إلى أصل، فلا يترك لعدم غيره، وإذا رجحنا بكثرة الفروع فإذا كانت القليلة الفروع لها نظائر تساوي في عدتها كثرة الفروع فهل تقوم كثرة النظائر مقام كثرة الفروع؟ فيه نظر، وقد عقد الإمام لها مسألة.
[ ٣ / ٥٥١ ]
(ص): والأعرف من الحدود السمعية على الأخفي، والذاتي على العرضي والصريح والأعم، وموافقة نقل السمع واللغة، ورجحان طريق اكتسابه.
(ش): لما انتهى من وجوه الترجيح في الأدلة ختم بالترجيح في الحدود، وهي إما عقلية كتعريف الماهيات، وإما سمعية لثبوتها من الأحكام، وهو المقصود هنا، وهو إما باعتبار اللفظ، أو بحسب أمر خارج، فالأول يترجح الحد بمعرف أعرف عند السامع على الحد بمعرف أخفى، لأن الأول أفضى إلى مقصود التعريف من الثاني، ويترجح الحد بالذاتي على الحد بالعرضي، لأن الأول يوجب تصور كونه المطلوب بخلاف الثاني ويرجح بالألفاظ الصريحة على غيرها، وبكون أحدهما أعم على الآخر لفائدته المتكثرة، وقيل يرجح الأخص للاتفاق على ثبوت مدلوله الأخص، والاختلاف في ثبوت مدلول الأعم من الزيادة، ومدلوله متفق عليه أولى من المختلف فيه.
والثاني: يرجح الحد الموافق للنقل الشرعي أو اللغوي على غير الموافق لهما،
[ ٣ / ٥٥٢ ]
لأنه أغلب على الظن صحته من غيرها، ويرجح الحد برجحان طريق اكتسابه على الحد الذي يكون طريق اكتسابه مرجوحًا بأن كان طريق أحدهما قطعيًا والآخر ظنيًا، وإنما يترجح أحدهما على الآخر بهذا الطريق، لأن الحد السمعي لما كان متلقى من النقل، وطريق النقل قابلة للقوة والضعف جرى الترجيح فيه بحسب ترجيح الطرق بعضها على بعض.
(ص): والمرجحات لا تنحصر، ومثارها غلبة الظن وسبق كثير فلم نعده.
(ش): يشير إلى تقديم بعض أنواع المفاهيم على بعض، وسبق في بحث المفهوم، وإلى تقديم الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي، وسبق في بحث الحقيقة، وإلى تعارض ما يخل بالفهم كالمجاز والاشتراك، وإلى تعارض القول والفعل، وسبق في بحث السنة، وإلى دخول الفاء في كلام الشارع أو الراوي الفقيه وغيره، وسبق في مسالك العلة، وإلى تقديم بعض أنواع المناسب على بعض، وسبق في فصل المناسبة وغير ذلك.
[ ٣ / ٥٥٣ ]