ص: (المنطوق والمفهوم).
ش: لما كانَ الاستدلال بالقرآن لكونه عربيًا، يتوقف على معرفة أقسام اللغة - شرع في سردها، وهي تنقسم باعتبارات.
فباعتبار المراد من اللفظ إلى: منطوق، ومفهوم.
وباعتبار دلالة اللفظ على الطلب بالذات: إلى أمر ونهي.
وباعتبار دلالته على عوارض مدلوله من كونها محصورة، تنقسم إلى: عام، وخاص، ومطلق ومقيد.
وباعتبار كيفية دلالتها من خفاء وجلاء إلى: مجمل ومبين.
وباعتبار دلالته على ارتفاع الأحكام وبقائها إلى: ناسخ ومنسوخ.
وقد ذكرها المصنف على هذا الترتيب، ولا يخفى ما فيه من المناسبة، فإنَّ معنى
[ ١ / ٣٢٨ ]
اللفظ سابق على كل شيء، وكما أن النسخ أمر خارجي عن اللفظ، تأخر عن الجميع، وتقديم الأمر على العام تقديم ما بالذات على ما بالعرض، وظهر بهذا أن تأخير ابن الحاجب المنطوق، ليس بمناسب.
ص: (المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق).
ش: أي ما دل عليه بغير واسطة أخرى، كتحريم التأفيف الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ ولهذا خصوه باسم المنطوق؛ لأنَّه فهم من دلالة اللفظ قطعًا، فخرج المفهوم، فإنَّ دلالة اللفظ عليه لا في محل النطق بل في محل السكوت، كتحريم الضرب الذي يدل عليه قوله: ﴿فلا تقل لهما أف﴾.
ص: (وهو نص إن أفاد معنى لا يحتمل
[ ١ / ٣٢٩ ]
غيره كزيد، ظاهر إن احتمل مرجوحًا كالأسد).
ش: ينقسم المنطوق إلى: نص، وظاهر، فالنص، ما أفاد معنى لا يحتمل غيره، كزيد، لدلالته على الشخص بعينه، وهذا أحسن حدوده، سمي بذلك، لارتفاعه على غيره من الألفاظ في الدلالة، من قولهم: نصت الظبية جيدها إذا رفعته، ومنها منصة العروس، لكن عود الضمير في كلام المصنف إلى المنطوق يقتضي أن مفهوم الموافقة لا يسمى نصًا، وإن قلنا: دلالته لفظية، وليس كذلك، ثمَّ كانَ التقييد حقه: بخطاب واحد، ليخرج المجمل معَ المبين، فإنَّهما وإن أفادا معنى ولا يحتملان غيره لكنهما ليسا بخطاب، فلا يسميان نصًا، واعلم أن النص يطلق بثلاث اعتبارات.
إحداها: مقابل الظاهر، وهو المراد هنا.
والثاني: ما يدل على معنى قطعًا ويحتمل معه غيره، كصيغ العموم، فإنَّ
[ ١ / ٣٣٠ ]
دلالتها على أصل المعنى قطعية، وعلى الأفراد ظاهرة، كما سيأتي.
والثالث: ما دل على معنى ظاهر، وهو غالب في استعمال الفقهاء، كقولهم: نص الشافعي على كذا، وقولهم: لنا النص والقياس، يريدون بالنص، الكتاب والسنة مطلقًا.
وقوله: (ظاهر إن احتمل مرجوحًا) أي: حد الظاهر: ما أفاد معنى معَ أنه يحتمل غيره احتمالًا مرجوحًا، فقوله: (يفيد معنى) كالجنس يتناول الحقائق
[ ١ / ٣٣١ ]
الثلاثة منفردة كانت أو مشتركة، والمجازات الغير الراجحة، وتبقي الحقائق المنفردة والمجازات الراجحة، إذ اللفظ ظاهر بالنسبة إلى المجاز الراجح دون الحقيقة المرجوحة، كالأسد فإنَّ دلالته على الحيوان (٤١ أ) أرجح من دلالته على الرجل الشجاع، والمراد بالظاهر ما يتبادر الذهن إليه إما لكونه حقيقة لا يعارضها مقاوم لها، أو لكونه مجازًا مشتهرًا، صارَ حقيقة عرفية، وكذا إن لم يصر عندَ من يرجحه على الحقيقة المهجورة.
ص: (واللفظ إن دل جزؤه على جزء المعنى فمركب وإلا فمفرد).
ش: المراد باللفظ الذي هو مورد القسمة، الموضوع لمعنى، واستغنى عنه بقوله: على جزء المعنى، وإنما قدم تعريف المركب على المفرد؛ لأنَّ التقابل بينَهما تقابل العدم والملكة، والأعلام إنما تعرف بملكاتها، والحاصل أن المركب ما دل
[ ١ / ٣٣٢ ]
جزؤه على جزء المعنى المستفاد منه، سواء كانَ في تركيبه إسناد كقام زيد، أو تركيب مزج كخمسة عشر أو إضافة كغلام زيد، وقد أورد عليه حيوان ناطق إذا جعل علمًا لإنسان، فإنَّه مفرد معَ أن جزءه يدل على جزء معناه، ولهذا زاد فيه بعضهم: حين هو جزء، ومنع آخرون إيراده، فإنَّ التلفظ به حال كونه علمًا، لا يقصد شيئًا من جزئيه بقيد الوحدة، بل قصده المجموع، فلا فرق بينه وبين عبد الله، العلم مثلًا، وقوله: (إن دل جزؤه) أي: كل واحد من أجزائه؛ لأنَّ اسم الجنس المضاف يعم، ولا يعد (ز) جزء من زيد قائم، ولا يدل على جزء المعنى؛ لأنَّ المراد بالجزء ما كانَ بغير واسطة، وجزء (ز) لزيد قائم بواسطة كونه خبرًا لزيد الذي هو جزء لزيد قائم، فلا يرد نقضًا، والمراد بجزئيه، ما صارَ به اللفظ مركبًا كزيد وحده، وقائم وحده.
وقوله: (وإلا فمفرد) أي: وإن لم يدل جزؤه على جزء المعنى فهو المفرد، فيشمل مالا جزء له أصلًا كباء الجر، وما له جزء لكن لا يدل على معنى كرجل، فإنَّ أجزاءه وهي حروفه الثلاثة، إذا أفرد شيء منها لا يدل على شيء مما دلت عليه جملته، بخلاف قولنا: غلام زيد، فإنَّه مركب؛ لأنَّ كلا من جزئيه وهما غلام وزيد - دال على جزء المعنى الذي دل عليه جملة غلام زيد، وبعض المتأخرين من المناطقة ثلث القسمة وقالَ: إما ألا يدل جزؤه على شيء أصلًا فالمفرد، أو يدل على شيء فإنَّ كانَ على جزء معناه فالمركب، أو لا على جزء معناه فالمؤلف، والمشهور أن المؤلف والمركب واحد.
[ ١ / ٣٣٣ ]
ص: (ودلالة اللفظ على معناه مطابقة وعلى جزئه تضمن، ولازمة الذهني التزام).
ش: الدلالة تنحصر في المطابقة والتضمن والالتزام؛ لأنَّ اللفظ إما أن يدل على معناه الموضوع له أم لا، والأول المطابقة كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، والثاني إما أن يدل على جزء مسماه أو خارج عنه، والأول التضمن كدلالته على الحيوان وحده وعلى الناطق وحده، والثاني الالتزام، كدلالته على الكاتب أو الضاحك، سميت الأولى مطابقة لتطابق اللفظ والمعنى، والثانية تضمنًا لتضمن
[ ١ / ٣٣٤ ]
الكلام لجزئيه، والثالثة التزامًا لما فيها من الاستلزام، ولم يقيد المصنف المعنى بالتمام أو الكمال كالمختصر والمنهاج للتنبيه على أنه غير محتاج إليه عندَه؛ لأنَّهما إنما احترزا به عن جزء المسمى، ولا شك أن جزء المسمى ليس نفس المسمى، لكن كلام ابن الحاجب في المنتهى يدل على أنه إنما احترز به عن الدلالة إذا أريد بها نفس اللفظ، مثل زيد مبتدأ لأنَّها ليست دلالته في معناها (٤١ ب) بل في لفظها، وقوله: الذهني، إشارة إلى أن المعتبر في الالتزام، اللزوم الذهني دون الخارجي، أمَّا الأول، فلأن اللفظ غير موضوع للازم فلو لم يكن اللازم بحيث يلزم من تصور مسمى اللفظ بصوره لما فهم من اللفظ، وأما الثاني فلحصول الدلالة بدون اللزوم الخارجي، كدلالة العمى على البصر، فإنَّ العمى يدل على البصر بالالتزام، معَ أنه لا لزوم بينَهما في الخارج، وقيد في (المحصول) اللزوم الذهني بالظاهر؛ لأنَّ القطعي غير معتبر، وإلا لم يجز إطلاق اسم اليد على القدرة ونحوه، فإنَّ اليد لا تستلزم
[ ١ / ٣٣٥ ]
القدرة قطعًا؛ لأنَّها قد تكون شلاء، بل ظاهرًا، واعلم أن اشتراط اللزوم الذهني هو رأي المنطقيين، وأما الأصوليون، وأهل البيان فلا يشترطونه، بل دلالة الالتزام عندَهم ما يفهم منه معنى خارج عن المسمى، سواء أكان المفهم للزوم بينَهما في ذهن كل أحد كما في العدم والملكة، أو عمد العالم بالوضع، أو كانَ في الخارج ولم يكن بينَهما لزوم أصلًا لكن القرائن الخارجية استلزمته، ولهذا يجري فيها الوضوح
والخفاء بحسب اختلاف الأشخاص والأحوال وهذا أظهر، والأولون إن ذكروه اصطلاحًا فلا مشاحة، أو بالوضع فممنوع، وقد أورد القرافي على الحصر في الدلالات الثلاث دلالة العام على أفراده، وقالَ: إنها خارجة عن الثلاث، وجوابه يعلم من باب العموم، ومنهم من أورد دلالة اللفظ المركب على مفرادته، فإنَّ الواضع لم يضعه لمفهومه، ولا لشيء ذلك المفهوم داخل فيه، ولا لخارج عنه لازم له، وأجيب بأن المراد بوضع اللفظ للمعنى وضع عينه لعينه أو وضع أجزائه لأجزائه، بحيث يطابق مجموع اللفظ مجموع المعنى، والثاني موجود في المركب، فإنَّ الواضع - وإن لم يضع مجموع زيد قائم، لمدلوله - فقد وضع كل جزء من أجزائه لجزء من مفهومه، فإنَّه وضع (زيدًا) للذات (وقائمًا) للصفة، والحركة المخصوصة أعني دفعهما لإثبات الثاني للأول.
ص: (والأولى لفظية والثنتان عقليتان).
ش: اختلف في هذه الدلالات على ثلاثة مذاهب.
أحدها: أن الوضعية هي دلالة المطابقة؛ لأنَّ الذهن ينتقل من اللفظ إلى المعنى ابتداء، والتضمن والالتزم عقليتان، أي: إنما يدلان بالعقل؛ لأنَّ اللفظ الموضوع للمجموع لم يوضع لجزئيه، فلا يدل عليه بالوضع، بل بالعقل لأنَّ فهم المجموع بدون
[ ١ / ٣٣٦ ]
فهم جزئيه محال عقلًا، وكذلك اللفظ يدل على الملزوم بالوضع، ثمَّ ينتقل الذهن من الملزوم إلى اللازم بالعقل، وهو اختيار صاحب المحصول، وتابعه ابن التلمساني والهندي وغيرهما.
والثاني: أن الكل لفظية؛ لأنَّ وضع اللفظ للمجموع كما أنه واسطة لفهم المجموع منه، فكذلك هو واسطة لفهم الجزء اللازم، وعزاه بعضهم للأكثرين.
والثالث: أن دلالة التضمن وضعية كالمطابقة، ودلالة الالتزام عقلية؛ لأنَّ الجزء داخل فيما وضع له اللفظ بخلاف اللازم، فإنَّه خارج عنه، وهو رأي الآمدي وابن الحاجب، والحق أن لكل من الوضع والعقل مدخلًا في التضمن والالتزام، فيصح أن يقال: إنهما عقليتان باعتبار أن الانتقال من المسمى إلى الجزء اللازم إنما حصل بالعقل ووضعيتان، باعتبار أن الوضع سبب لانتقال العقل إليهما، فهما
[ ١ / ٣٣٧ ]
عقليتان ووضعيتان باعتبارين، ومن هنا (٤٢ أ) شكك بعضهم على محل الخلاف، فقالَ: هذا الخلاف لا تحقيق له؛ لأنَّه إن أريد بالوضع، أنه يفيد الاقتصار، فلا خلاف أنه ليس كذلك، وإن أريد تقييد الانضمام، فلا خلاف أنه كذلك، فلم يبق إلا أن يقال: موضوع للهيئة الاجتماعية من الأجزاء أو لا، فعلى الأول يكون الجزء كالشرط للموضوع لا يلاقيه الوضع، وعلى الثاني بخلافه.
تنبيه: ليس لك أن تقول: كيف قالَ المصنف أولا: (دلالة اللفظ)، فجعل الثلاثة لفظية، ثمَّ فصل ثانيًا؟ لأنَّه لا خلاف أن الدلالات الثلاثة لفظية، بمعنى أن للفظ فيها مدخلًا وهو شرط في استفادتها منه، وإنما الخلاف في أن اللفظ موضوع لها أم لا.
ص: ثمَّ المنطوق إن توقف الصدق أو الصحة على إضمار فدلالة اقتضاء.
ش: اعلم أن اللفظ يدل على المعنى بطريقين، أحدهما بصيغته، والثاني باقتران أمر به، إذا لحظه المتكلم، استغنى عن التعبير عنه بالتعبير عن ملازمه، وينقسم إلى دلالة اقتضاء وإشارة.
الأول: الاقتضاء، وهو ما يفهم عندَ اللفظ ولا يكون منطوقًا به، ولكن يكون من ضرورة المنطوق به، إما من حيث إنه لا يمكن أن يكون المتكلم صادقًا إلا به، أو أنه لا يثبت الملفوظ به، عقلًا إلا به، أو أنه يمتنع ثبوته شرعًا إلا به، فهذه ثلاثة أقسام، الأول، المقتضى لضرورة صدق المتكلم كقوله ﷺ: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» فإنَّه لا بد من تقدير الحكم أو المؤاخذة لتعذر حمله على حقيقته،
[ ١ / ٣٣٨ ]
فإنهما واقعان، والثاني كقوله تعالى: ﴿فانفلق﴾ فإنَّه إنما ينتظم بإضمار فضرب، وقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ إذ لو لم يقدر أهل القرية، لم يصح عقلًا، فصحة السؤال عقلًا يتوقف على إضمار أهل، لا يقال: هذا غير لازم، لجواز الإعجاز، فإنا نقول: الإعجاز يحصل بأي جماد كانَ فالتخصيص بالقرية يدل على معنى غير إظهار المعجزة.
والثالث كفهم حصول الملك، كمن قالَ لغيره: أعتق عبدك عني على ألف، قبيل العتق؛ لأنَّ العتق بدون الملك لا يصح شرعًا، واعلم أن تسمية الكل دلالة اقتضاء هو قول أصحابنا وذهب جمع من الحنفية كالبزدوي إلى أن المقتضي هو الثالث فقط، وسمى الباقي محذوفًا ومضمرًا وفرقوا بينَ المحذوف والمقتضي بأن المقتضي لا يتغير ظاهر الكلام عن حاله وإعرابه عندَ التصريح به، بل يبقى كما كانَ قبله، بخلاف المحذوف كـ ﴿اسأل القرية﴾.
[ ١ / ٣٣٩ ]
ص: (وإن لم يتوقف ودل على أمر لم يقصد فدلالة إشارة).
ش: أي: وإن لم تتوقف الصحة أو الصدق على إضمار ودل على أمر ليس هو بالمقصود من اللفظ الأصلي الذي عبر به، ولكنه وقع من توابعه، فسمى دلالة اللفظ عليه إشارة، كقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ..﴾ الآية، فإنَّ قوله: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾، يعلم منه جواز صوم الجنب، ولا شك أنه لم يقصد من الآية، ولكن يلزم من استغراق الليل بالرفث والمباشرة، أن يكون جنبًا في جزء من النهار، وهذا الاستنباط محكي عن مُحَمَّد بن كَعْب القرظي من أئمة التابعين، وذكر ابن الحاجب هنا دلالة التنبيه والإيماء (٤٢ ب) كفهم كون الوصف علة الحكم المرتب عليه بفاء التعقيب وأهمله المصنف، فرارًا من التكرار لأنَّه ذكره في القياس.
[ ١ / ٣٤٠ ]
ص: (والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق).
ش: قوله: (ما دل عليه اللفظ) جنس و(لا في محل النطق)، فصل يخرج به المنطوق، يشير بذلك إلى أن دلالته ليست وضعية، وإنما هي انتقالات ذهنية، فإنَّ الذهن ينتقل من فهم القليل إلى فهم الكثير، وذلك بطريق التنبيه بأحدهما على الآخر، وسمي مفهومًا؛ لأنَّه لا يفهم غيره وإلا لكان المنطوق أيضًا مفهومًا، بل لما فهم من غير تصريح به، وقضية هذا أن يسمى دلالة الاقتضاء والإشارة مفهومًا، وعليه جرى بعضهم، لكن الجمهور خصوه بما فهم عندَ النطق على وجه يناقض المنطوق به أو يوافقه.
ص: (فإن وافق حكمه المنطوق فموافقة، وفحوى الخطاب: إن كانَ أولى منه ولحنه إن كانَ مساويًا، وقيل: لا يكون مساويًا).
ش: حكم غير المنطوق إما موافق لحكم المنطوق نفيًا أو إثباتًا أو لا، والأولى مفهوم الموافقة وهل يشترط فيه الأولوية على قولين أحسنهما: لا، بل يكون أولى
[ ١ / ٣٤١ ]
ومساويًا، ثمَّ إن كانَ أولى سمي فحوى الخطاب لأنَّ الفحوى ما يعلم من الكلام بطريق القطع كتحريم الضرب من قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ وإن كانَ مساويًا سمي لحن الخطاب أي معناه من قوله تعالى: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ أي معناه كثبوت الوعيد في إتلاف مال اليتيم وإحراقه من قوله تعالى ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ الآية؛ لأنَّه مثل الأكل والثاني أنه يشترط فيه الأولوية، ولا يكون في المساوي، وهو قضية ما نقله إمام الحرمين عن الشافعي، وعزاه الهندي للأكثرين، والخلاف راجع إلى الاسم، ولا خلاف في
[ ١ / ٣٤٢ ]
الاحتجاج بالمساوي كالأولى.
ص: (ثم قالَ الشافعي والإمام دلالته قياسية، وقيل: لفظية، فقال الغزالي والآمدي: فهمت من السياق والقرائن، وهي مجازية من إطلاق الأخص على الأعم، وقيل: نقل اللفظ إليها عرفًا).
ش: ما حكاه عن الشافعي نقله الصيرفي وغيره، ثمَّ قيل: إن مراده، أنه قياس حقيقة، ولهذا ينظر فيه إلى المناسبة، وسماه القياس الجلي ونقله الرافعي في الأقضية عن الأكثرين، وقيل بل أراد أن يشبهه؛ لأنَّ الضرب لما لم يذكر في قَوْلِهِ تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ وإنما استفيد علمه من ناحية المذكور أشبه علمنا بالفرع من ناحية أصله، وإليه مال ابن السمعاني، والقول بأن دلالته لفظية، قالَ
[ ١ / ٣٤٣ ]
الشيخ: أبو حامد الإسفراييني في كتابه في الأصول: إنه الصحيح من المذهب، ولهذا قالَ به منكرو القياس، ولأنَّه لو كانَ قياسًا، لكنا لا نفهمه قبل ورود الشرع بالقياس، وأهل اللغة يفهمون من السياق ذلك، والمراد بكونه لفظيًا، أن فهمه مستند إلى اللفظ، لا أن اللفظ تناوله، ثمَّ القائلون بذلك اختلفوا، فقال المحققون منهم كالغزالي والآمدي: فهمت من السياق والقرائن، ودلالة اللفظ عليه مجاز من باب إطلاق الأخص على الأعم، وهؤلاء يقولون: إن صيغ التنبيه بالأدنى على الأعلى موضوعة في الأصل للمجموع المركب من الأمرين، وهو ثبوت الحكم في ذلك الأدنى الذي هو مذكور وتأكيد ثبوته في الأعلى (٤٣ أ) المسكوت عنه، وقالَ آخرون، إنها وإن كانت في الأصل موضوعة لثبوت الحكم في المذكور لا غير، لكن العرف الطارئ نقلها عنها إلى ثبوت الحكم في المذكور والمسكوت عنه معًا، وعلى هذا والذي قبله فلا يكون من المفهوم، بل منطوقًا به، وهذا الذي أخره المصنف وضعفه هو الذي ذكره في باب العموم حيث قالَ: وقد يعم اللفظ عرفًا كالفحوى.
[ ١ / ٣٤٤ ]
فإن قلت: هل من تناف بينَ ثبوته بالمفهوم وثبوته بالقياس؟ ولم لا يكون إلحاق الضرب بالتأفيف باتفاقهما جميعًا؟ قلت: زعم الصفي أن الحق عدم تنافيهما لكون المفهوم مسكوتًا عنه، والقياس إلحاق مسكوت عنه بمنطوق، قالَ: والدلالة اللفظية إذا لم يرد بها المطابقة، ولا التضمن لا ينافيها القياس، وقد يقال: هما متنافيان؛ لأنَّ المفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق والمقيس ما لا يدل عليه اللفظ ألبتة.
واعلم أن إمام الحرمين في باب القياس من (البرهان) قد أشار إلى أن الخلاف لفظي، والظاهر أنه معنوي، ومن فوائده جواز النسخ به وسيأتي فيه خلاف في النسخ إن شاء الله تعالى.
ص: (وإن خالف فمخالفة، وشرطه ألا يكون المسكوت عنه ترك لخوف ونحوه، ولا يكون المذكور خرج للغالب، خلافًا لإمام الحرمين، أو لسؤال، أو حادثة، أو للجهل بحكمه أو غيره مما يقتضي التخصيص بالذكر).
ش: مفهوم المخالفة أن يكون المسكوت عنه مخالفًا للمنطوق، ويسمى دليل الخطاب، وله شروط منها ما يرجع للمسكوت، ومنها ما يرجع للمذكور، فمن
[ ١ / ٣٤٥ ]
الأول ألا تظهر أولوية ولا مساواة فيه، فيصير موافقة، ذكره ابن الحاجب وغيره، واستغنى المصنف عنه بما سبق، ومنه ألا يكون ترك ذكره لخوف، فإنَّ كانَ هناك خوف يمنع عن ذكر حال المسكوت عنه، فلا مفهوم له؛ لأنَّ الظاهر أن هذه فائدة التخصيص، واعلم أن كلام ابن الحاجب يقتضي عد هذا من شروط المذكور، وتقريره ألا يكون المذكور وأردًا لدفع خوف، فإنَّ ورد فلا مفهوم له، كما لو قيل لمن خاف ترك الصلاة أول الوقت: يَجُوز ترك الصلاة المفروضة في أول الوقت، فإنَّه لا يدل على عدم جواز تركها في غيره، ومن الثاني أن لا يكون المذكور خرج
[ ١ / ٣٤٦ ]
مخرج الغالب، أي: أن العادة جارية باتصاف المذكور بالوصف، كقوله تعالى ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾ فإنَّه إنما ذكر هذا القيد لأنَّ الغالب كون الربيبة في الحجر، وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ فذكر السفر لأنَّ الغالب أن يفقد فيه الكاتب، وهذا الشرط نقله إمام الحرمين عن الشافعي، ثمَّ قالَ: والذي أراه أن خروج الكلام على العرف لا يسقط التعليق بالمفهوم، لكن ظهوره أضعف من ظهوره غيره.
قلت: وإنما صارَ الشافعي إلى ذلك بناء على أصله، أن القيد لا بد له من فائدة، والفائدة منحصرة في نفي الحكم عما عدا المنطوق، فإذا لاح في التخصيص فائدة أخرى غير نفي الحكم تطرق الاحتمال إلى المفهوم، وعلى هذا فيصير عندَه مجملًا، كاللفظ المجمل، حتى لا يحكم بمخالفة ولا موافقة أشار إلى ذلك في (الرسالة) والإمام وإن لم يسقط التعلق به، لكنه قالَ: يضعف دلالته حتى لو عارضه دليل لم
[ ١ / ٣٤٧ ]
يبلغ في القوة ذلك المبلغ أسقطه، ووافقه (٤٣ ب) ابن عبد السلام، وزاد فقالَ: ينبغي العكس، أي: لا يكون له مفهوم إلا إذا خرج مخرج الغالب، محتجًا بأن القيد إذا كانَ الغالب يدل عليه، فذكره حينئذ بغير فائدة أخرى، وهي المفهومية، بخلاف ما إذا لم يخرج مخرج الغالب، وأجاب في أماليه، بأن المفهوم إنما قلنا به لخلو القيد عن الفائدة لولاه، أمَّا إذا كانَ الغالب وقوعه، فإذا نطق باللفظ أولًا فهم القيد لأجل غلبته، فذكره بعد يكون تأكيدًا لثبوت الحكم للمتصف بذلك القيد، فهذه فائدة أمكن اعتبار القيد فيها، فلا حاجة إلى المفهوم بخلاف غير الغالب.
ومنه: ألا يكون خرج لسؤال عن حكم إحدى الصفتين، مثل: إن سأل: هل في الغنم السائمة زكاة؟ فيقول: في الغنم السائمة الزكاة.
ومنه: ألا يخرج مخرج حادثة خاصة بالمذكور، كما لو قيل بحضرة النبيّ ﷺ: لزيد غنم سائمة، فقالَ: فيها زكاة، فإنَّ القصد بيان الحكم فيه لا النفي عما عداه، ولك أن تقول: كيف جعلوا هنا السبب قرينة صارفة عن إعمال المفهوم، ولم يجعلوه صارفًا عن إعمال العام، بل قدموا اللفظ على السبب، وبتقدير أن يكون كما قالوه. فهلا جرى فيه خلاف العبرة بعموم اللفظ، أو بخصوص السبب؟ ثمَّ رأيت صاحب المسودة، حكى عن القاضي عن أصحابهم فيه احتمالين، ولعل الفارق أن دلالة المفهوم ضعيفة بخلاف اللفظ العام.
ومنه: ألا يكون المنطوق خرج لتقدير جهالة من المخاطب لحكم المسكوت
[ ١ / ٣٤٨ ]
عنه، فإنَّ خرج لذلك، كما لو علم شخص أن في المعلوفة زكاة ولم يعلمها في السائمة، فقال النبيّ ﷺ: «في السائمة زكاة» فلا مفهوم له؛ لأنَّ التخصيص حينئذ لإزالة جهل المخاطب لا لنفي الحكم عما عداه فلا مفهوم له، وقوله: (أو غيره مما يقتضي التخصيص) أي تخصيص حكم المنطوق بالذكر من الفوائد التامة التي لا تحتاج معها إلى تقدير فائدة أخرى، ويجمع ما سبق أن نقول، وشرطه ألا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت عنه، وعليه اقتصر في (المنهاج) لكن المصنف تابع ابن الحاجب في سرد
[ ١ / ٣٤٩ ]
الصور.
ص: (ولا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق، بل قيل: يعمه المعروض، وقيل: لا يعمه إجماعًا).
ش: الضمير في قَوْلِهِ: لا يمنع عائد على قوله: (مما يقتضي التخصيص والمعنى أن شرطه، ألا يكون هناك شيء من الأسباب التي تقتضي تخصيص القيد بالذكر، ولا يمنع أن يقاس المسكوت على المنطوق، ويَجُوز عوده على التخصيص بالذكر، والمعنى: ولا يمنع التخصيص - والحالة هذه - بالذكر أن يلحق المسكوت بالمنطوق، إذا اقتضى القياس إلحاقه، والغرض من هذا مسألة حسنة، وهي أنا حيث لا نجعل القيد مخصصًا، فهل نقول: إن ما وراء ذي القيد كالمعلوفة في قولنا: الغنم السائمة - داخل في عموم قولنا: الغنم، وإن وجود لفظ السائمة كالمعدوم، إذ لا تأثير له في منع المعلوفة من الدخول تحت عموم لفظ الغنم؟ أو نقول: إنه منع دخوله تحت العموم، وبقي مسكوتًا عنه كما كان، إذ لا مفهوم ينفيه، ولا لفظ يقتضيه؟ والمختار الثاني، وادعى بعضهم فيه الإجماع وهو قضية قول (٤٤ أ) ابن الحاجب في أثناء المسألة، وأجيب بأن ذلك فرع العموم ولا قائل به، وقالَ بعضهم بالأول، وإليه أشار المصنف بقوله: (بل قيل: يعمه المعروض) وأشار بقوله: (إجماعًا) إلى أن هذا القول قد ادعي قيام الإجماع عليه، فيكون ما وراءه خارقًا للإجماع، ولا فائدة في قَوْلِهِ: (وقيل: لا يعمه إجماعًا) إلا التنبيه على ذلك، وإلا نفى قوله: (ولا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق) ما يفهم أن الإلحاق به قياس سائغ، وبهذا يخرج الجواب عمن اعترض على المصنف بأنه حكى قولًا بالتعميم، والإجماع في مقابله، وتحريره أنه لم يدع قيام الإجماع على مقابله، بل نقل أن بعضهم ادعى ذلك، وأما المعروض فهو اللفظ العام، وهو الغنم مثلًا، في قولنا: الغنم السائمة، إذ لفظ السائمة عارض له، وإنما قالَ: المعروض ولم يقل الموصوف، لئلا يتوهم اختصاص ذلك بمفهوم الصفة، وهو لا يختص به، إذ هذه الأمور تمنع القول بالمفهوم في الصفة والشرط وغيرهما، ولم يقيد المقيد؛ لأنَّ من يدعي أن اللفظ عام، وأنه لا ينافي العموم، فيَجُوز الإلحاق به قياسًا لا يسلم
وجود قيد، ويقول: لفظ السائمة ليس
[ ١ / ٣٥٠ ]
قيدًا؛ لأنَّ ما جاء للتقييد، وإنما خرج لغرض وراء التقييد.
ص: (وهو صفة كالغنم السائمة أو سائمة الغنم لا مجرد السائمة على الأظهر).
ش: مفهوم الصفة، أن يذكر الاسم العام مقترنًا بالصفة الخاصة، كقوله: (في الغنم السائمة زكاة) يفهم نفيها عن المعلوفة، وقوله: (لا وصية لوارث)، يفهم جوازها لغير الوارث، وليس المراد بالصفة النعت فقط، كما هو اصطلاح النحوي، ولهذا يمثلون بـ «مطل الغني ظلم» فجعل الغنى صفة، والتقييد فيه بالإضافة، وإنما غاير المصنف بينَ المثالين بالعطف بـ (أو) لينبه على تغايرهما فإنَّ
[ ١ / ٣٥١ ]
كلام (المنهاج) يقتضي تساويهما ومختار المصنف خلافه، وإن لكل منهما مفهومًا غير المفهوم من الآخر، وبنى ذلك على أن مرادهم بالصفة تفسير لفظ مشترك المعنى، بلفظ آخر مختص ليس بشرط ولا استثناء ولا غاية قالَ: فإنَّ المقيد في: (في الغنم السائمة الزكاة) إنما هو الغنم، وفي: (في سائمة الغنم زكاة) إنما هو السائمة، فمفهوم الأول عدم الوجوب في الغنم المعلوفة، التي لولا التقيد بالسوم، لشملها لفظ الغنم، ومفهوم الثاني عدم وجوب الزكاة في سائمة غير الغنم كالبقر مثلًا، التي لولا تقييد السائمة بإضافتها إلى الغنم لشملها لفظ السائمة، وأما عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة بالنسبة إلى هذا التركيب الثاني، فإنَّه من باب مفهوم اللقب؛ لأنَّ قيد الغنم لم يشمل غيرها كالبقر مثلًا، فلم يخرج بالصفة التي لو أسقطت لم يختل الكلام، وأما قوله: لا مجرد السائمة، يشير به إلى أن صورة مفهوم الصفة المُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أن تذكر الذات العامة، ثمَّ تذكر إحدى صفتيها، كالمثالين المذكورين، أمَّا إذا ذكرت الصفة فقط، مثل السائمة فقط، هل هو كالصفة أو لا مفهوم له؟ لأنَّ الصفة إنما جعل لها مفهوم؛ لأنَّه لا فائدة لها إلا نفي الحكم، والكلام بدونها لا يختل، وأما الصفة المجردة فكاللقب يختل الكلام بدونه على قولين، حكاها
الشيخ أبو حامد، وابن السمعاني وغيرهما، قالَ ابن السمعاني: وجمهور أصحاب الشافعي على التحاقه بالصفة (٤٤ ب) وهذا خلاف ترجيح المصنف، وعلى الأول فلا ينبغي أن يفهم تساويهما، بل الصفة المقيدة بذكر موصوفها أقوى في الدلالة من الصفة المطلقة؛ لأنَّ المقيدة بذكر موصوفها كالنص، وقالَ الهندي: الخلاف في هذا
[ ١ / ٣٥٢ ]
أبعد؛ لأنَّ في صورة التخصيص بالصفة من غير ذكر العام، يمكن أن يكون الباعث للتخصيص هو عدم خطوره بالبال، وهذا الاحتمال إن لم يمنع في العام المرادف بالصفة الخاصة في معرض الاستدراك فلا شك في بعده جدًا، وقيد الوصف بالذي يطرأ ويزال احترازًا عن الصفة اللازمة للجنس كالطعم لما يؤكل، نحو قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: «لا تبيعوا الطعام بالطعام» فإنَّ هذا، ليس الخلاف فيه كالخلاف في تينك الصورتين، بل أبعد وهو قريب من الخلاف في التخصيص بالاسم.
ص: (وهل المنفي غير سائمتها أو غير مطلق السوائم قولان).
ش: لا خلاف أن المنفي غير السائمة، لكن اختلفوا هل هي غير سائمة الغنم أو غير سائمة كل شيء؟ مثاله: (إذا قالَ: في الغنم السائمة زكاة، هل يدل على نفي الزكاة عن المعلوفة مطلقًا من سائر الأجناس، سواء كانت معلوفة الغنم أو الإبل أو البقر أو يختص النفي عن ذلك الجنس، وهي معلوفة الغنم فقط؟ وهذا الخلاف حكاه الشيخ أبو حامد الإسفراييني في كتابه في (الأصول) والإمام في (المحصول) عن أصحابنا وصححا الثاني، ووجهه أن المفهوم نقيض المنطوق والمنطوق سائمة الغنم دون غيرها، قالَ المصنف: ولعل الخلاف مخصوص بصورة (في الغنم السائمة) أمَّا صورة سائمة الغنم، فقد قلنا: إن المنفي فيها سائمة غير الغنم، فالمنفي سائمة لا غير سائمة، والمنفي هناك غير سائمة، لكن غير سائمة، على الغنم أو غير سائمة على الخصوص؟ فيه القولان.
[ ١ / ٣٥٣ ]
ص: (ومنها العلة، والظرف والحال، والعدد)
ش: الضمير في (منها) يعود إلى الصفة، وعادة الأصوليين، يغايرون بينَ الصفة وبين هذه المذكورات، وجعلها إمام الحرمين أقساما من الصفة وراجعه إليها فقالَ: ولو عبر معبر، عن جميع هذه الأنواع بالصفة، لكان ذلك منقدحًا، فإنَّ المحدود والمعدود موصوفان بعددهما وحدهما، والمخصوص بالكون في زمان أو مكان موصوف بالاستقرار فيها، فقول القائل: زيد في الدار أي: مستقر فيها وكائن فيها وكذا القتال يوم الجمعة أي: كائن فيه، وقد صرح به القاضي أبو الطيب في العدد، وقالَ: إنه قسم من الصفة لأنَّ قدر الشيء صفته، وأشار إليه ابن الحاجب أيضًاَ، وجرى عليه المصنف.
ومنها مفهوم العلة، فهو تعليق الحكم بالعلة، نحو: ما أسكر كثيره فقليله حرام، مفهومه: أن ما لا يسكر كثيره لا يحرم، والفرق بينه وبين مفهوم الصفة: أن الصفة قد تكون تكملة العدد لا علة، وهي أعم من العلة، فإنَّ الزكاة لم تجب في السائمة لكونها تسوم، وإلا لوجبت الزكاة في الوحوش، وإنما وجبت لنعمة الملك وهو معَ السوم أتم منها، معَ العلف، كذا قاله القرافي، ولك أن تقول:
[ ١ / ٣٥٤ ]
انتفاء الحكم عن المسكوت لأجل انتفاء العلة المعلق عليها الحكم لا من ناحية المفهوم، والأصل عدم علة أخرى، وأما مفهوم الظرف فهو يتناول ظرف الزمان (٤٥ أ) والمكان وهو حجة عندَ الشافعي كما قاله إمام الحرمين فالزمان كقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ والمكان كقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عندَ المشعر الحرام﴾ وأما مفهوم الحال، أي: تقييد الخطاب بالحال، فكقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ ذكره ابن السمعاني في (القواطع)، وقالَ: إنه كالصفة، وأما العدد، أي: تعلق الحكم بعدد مخصوص، كقوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ وهو كالصفة كما نقله الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي، وكذا الماوردي في باب بيع الطعام قبل أن يستوفي، ومثله بقوله: في أربعين شاة، شاة، قوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا) وفي هذا الثاني نظر، وقد
[ ١ / ٣٥٥ ]
قالَ ابن الصباغ في (العدة): مذهب الشافعي أن مفهوم العدد حجة إلا إذا كانَ في ذكر المعدود تنبيه على ما يزاد عليه، كقوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا)، فإنَّه ينبه على أن ما زاد عليهما أولى بأن لا يحمل، قلت: وهذا قاله الشافعي في اختلاف الحديث، فقالَ: وفي قَوْلِهِ ﷺ: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا»، دلالتان: إحداهما: أن ما بلغ قلتين فأكثر لم يحمل نجسًا؛ لأنَّ القلتين إذا لم يتنجسًا، لم ينجس أكثر منهما، وهذا يوافق حديث بئر بضاعة، والثانية: أنه إذا كانَ دون القلتين حمل النجاسة؛ لأنَّ
قوله: إذا كانَ الماء كذا لم يحمل النجاسة، دليل على أنه إذا لم يكن كذا حمل النجاسة، وهذا يوافق حديث أبي هُرَيْرَةَ في
[ ١ / ٣٥٦ ]
غسل الإناء من الولوغ؛ لأنَّ آنيتهم كانت صغارًا، انتهى، وعلى هذا الثاني يحمل كلام الماوردي وأنه حجة بالنسبة إلى عدم النقصان لا الزيادة.
ص: (وشرط)
ش: هذا قسيم قوله: وهو صفة، ومفهوم الشرط هو تعليق الحكم على شرط، وهو يدل على انتفاء الحكم قبل وجود الشرط، وهو معنى قولهم: المعلق بالشرط عدم، قبل وجود الشرط، وإلا لكان التعليق بالشرط قبيحًا، واقتضى كلام الإمام فخر الدين أن الخلاف في أن عدم المشروط مستفاد من عدم الشرط، أو لا، وليس كذلك فإنَّ القاضي من المنكرين له، وهو قائل بعدم الشرط، لكن علة عدمه استصحاب الأصل، وغيره يعلله بعدم الشرط فالخلاف إنما هو في دلالة حرف الشرط على العدم عندَ العدم لا على أصل العدم عن العدم، فإنَّ ذلك ثابت بالأصل، قبل أن
[ ١ / ٣٥٧ ]
ينطق الناطق بكلام، وكذا القول في سائر المفاهيم، وهل المراد بالشرط الاصطلاحي أو اللغوي حتى يدخل فيه السبب في أنه يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم فيه بحث.
ص: (وغاية)
ش: مفهوم الغاية مد الحكم إلى غاية بإلى وحتى، فيدل على نفي الحكم عما بعدها لقوله تعالى: ﴿وأتموا الصيام إلى الليل﴾ ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ ونص الشافعي في (الأم) على القول به، ومنهم من أنكره، وقالَ:
[ ١ / ٣٥٨ ]
هو نطق بما قبل الغاية، وسكوت عما بعدها، فيبقى على ما كانَ عليه.
ص: (وإنما ومثل لا عالم إلا زيد، وفصل المبتدأ من الخبر بضمير الفصل وتقديم المعمول).
ش: مفهوم الحصر أنكره قوم، وقالَ آخرون هو من المنطوق، والجمهور على أنه من المفهوم ويدخل فيه صور منها: إنما، نحو: «إنما الولاء لمن أعتق» فإنَّه يفيد إثباته للمعتق، ونفيه عن غيره بالمفهوم، وسيذكر المصنف الخلاف فيه، ومنها المنفي بما أو بلا، والاستثناء، نحو (٤٥ ب) لا عالم إلا زيد وما قام إلا زيد، صريح في نفي العلم عن غير زيد، ويقتضي إثبات العلم له، قيل بالمنطوق، وقد رأيت في كتاب ابن فورك الجزم به، وقالَ: فيه قضيتان، نفي وإثبات بخلاف النفي المجرد نحو: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام» فإنَّه قضية واحدة لها مفهوم: انتهى.
[ ١ / ٣٥٩ ]
والصحيح أنه بالمفهوم لما سنذكره وتمثيله بالاستثناء المفرغ يقتضي خلافه لو قلت: ما قام أحد إلا زيد، ولا فرق، ومنها ضمير الفصل بينَ المبتدأ والخبر نحو: زيد هو القائم يفيد ثبوت القيام له، ونفيه عن غيره بالمفهوم، وعليه قوله تعالى: ﴿أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي﴾ وقوله: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ وهذا ذكره البيانيون ومنها: تقديم المعمول، نحو: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ أي: نخصك بالعبادة والاستعانة، وبالغ البيانيون في إفادته الاختصاص، وسيأتي الخلاف فيه. وأطلق المعمول ليشمل المفعول والحال والظرف، وكذلك تقدم الخبر على المبتدأ نحو: تميمي أنا، وبه صرح صاحب (المثل السائر) وأنكر عليه صاحب (الفلك الدائر) وقالَ:
[ ١ / ٣٦٠ ]
لم يقل به أحد، واحتج أصحابنا على تعيين لفظتي التكبير والتسليم بقوله ﷺ (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم﴾ ومنعته الحنفية معتقدين أنه من قبيل المفاهيم، وزيفه إمام الحرمين بأن التعيين يستفاد من الحصر المدلول عليه بالمبتدأ والخبر، فإنَّ التحريم ينحصر في التكبير كانحصار زيد في صداقتك، إذا قلت: صديقي زيد، وقرر الشيخ بهاء الدين النحاس بأن المبتدأ لا يكون أعم من الخبر، لا تقول: الحيوان الإنسان، فإنَّ قلت: زيد صديقي، كانَ الخبر صالحًا لأنَّ يكون أعم من المبتدأ فيجعله كذلك، وكذلك قالُوا: لا يلزم انحصار الصداقة في زيد بخلاف قولك: صديقي زيد، فإنا لا يمكننا أن نجعل الخبر الذي هو زيد أعم من المبتدأ، فما بقي إلا أن نجعله مساويًا، وإلا كانَ الخبر أخص من المبتدأ وأنه غير جائز، وإذا كانَ مساويًا يلزم الانحصار، ضرورة صدق، أن كل من هو صديقي زيد حينئذ.
[ ١ / ٣٦١ ]
ص: (وأعلاه لا عالم إلا زيد ثمَّ ما قيل: إنه منطوق أي: بالإشارة ثمَّ غيره).
ش: أي: أقوى المفاهيم من باب الحصر النفي وإلا؛ لأنَّ إلا موضوعة للاستثناء وهو الإخراج، فدلالته على الإخراج بالمنطوق لا بالمفهوم، ولكن الإخراج من عدم القياس ليس هو غير القيام، بل قد يستلزمه، فلذلك كانَ من المفهوم، واعلم أن بعض الجدليين حكى خلافًا في الاستثناء، هل هو منطوق أو مفهوم؟ ورجح الأول بدليل أنه لو قالَ: ما له علي إلا دينار، كانَ ذلك إقرارًا بالدينار حتى يؤاخذ به، ولولا أنه منطوق لما ثبتت المؤاخذة به؛ لأنَّ دلالة المفهوم لا تعتبر في الإقرار بالاتفاق، وقوله: (ثم ما قيل: إنه منطوق) أي: كأنها، وإنما قالَ: أي: بالإشارة للتنبيه على أنه ليس مراد القائل بكونه منطوقًا إنه منصوص، فذلك بعيد، بل مراده إشارة النص إليه، ولا شك أنه بهذا الاعتبار مرتفع عن رتبة المفاهيم، إذ دلالة النص أقوى من مفهومه، فإنَّ قلت: لا حاجة لقوله أولًا: (وأعلاه لا عالم إلا زيد) لأنَّ من الناس من قالَ: إنه منطوق، وقالَ القرافي: إنه الظاهر (٤٦ أ) فهو داخل في قَوْلِهِ: (ما قيل: إنه منطوق) قلت: لا بد منه؛ لأنَّ القائل بالمنطوق في النفي، قيل إلا أن يدعي أنه منطوق، بخلاف إنما والغاية، ولهذا قالَ: أي بالإشارة والذي أحوجه إلى هذا أنه قصد إثبات تعاقب رتبها في المفهوم، وإن جعلناها من المفهوم، فليست دلالتها على
[ ١ / ٣٦٢ ]
السواء، وقوله: ثمَّ غيره أي: من أنواع الحصر الذي كما وهو ضمير الفصل وتقديم المعمول ويلحق به حصر المبتدأ في الخبر.
ص: (مسألة: المفاهيم إلا اللقب حجة لغة، وقيل: شرعًا، وقيل: معنى).
ش: الألف واللام للعهد، وهي الأربعة السابقة في أنواع المخالفة، فإنَّ مفهوم الموافقة يجمع على القول به كما قاله القاضي أبو بكر وغيره، وقالَ الهندي لا نعلم خلافًا في صحته، بل أطبق الكل عليه حتى منكرو القياس، وقوله: إلا اللقب، لا وجه للاستثناء؛ لأنَّه لم يتقدم له ذكر، وإنما ذكره فيما بعد، وأخره لأنَّه يخالفها في الحجة، وقوله: حجة، أي: ظاهر في المفهوم، مثل العموم ظاهر في الاستغراق، ولهذا نقدمه على القياس، ونؤخره عن النص، قالَ ابن السمعاني، لكن اختلف القائلون به، هل نفى الحكم فيه عما عدا المنطوق به من جهة اللغة، أي: ليس من المنقولات الشرعية، بل هو باق على أصله، أو من جهة الشرع بتصرف منه زائد على وضع اللغة، أو من قبيل المعنى أي: العرف العام، ورجح ابن السمعاني الأول وتابعه المصنف وعزاه لأكثر الأصحاب، وعزا الثالث للإمام، وهو متابع فيه للهندي، وإنما قاله الإمام في (المعالم) وأما في المحصول فاختار مذهب الحنفية، معَ أن المصنف في باب العموم جزم بأن تعميم مفهوم المخالفة بدلالة العقل، ثمَّ أحاله على المذكور هنا، واستثنى من حجية المفاهيم مفهوم اللقب، وهو تعلق الحكم بالاسم الجامد، نحو: قام زيد، فلا يدل على نفي الحكم عما عداه على الصحيح؛ لأنَّ اللفظ لم يتعرض له، وتخصيصه بالذكر، لغرض الإخبار عنه، لا لنفيه عن غيره، وليس المراد باللقب الاصطلاحي: النحوي بل الأعم من اللقب والاسم والكنية.
[ ١ / ٣٦٣ ]
ص: (واحتج باللقب الدقاق والصيرفي وابن خويز منداد وبعض الحنابلة).
ش: زيفوا مذهب الدقاق، بأن المصير إليه ينفي تعيين كل ما اعتبر الشرع عينه، ويستلزم إثبات قيام كل من في العالم عندَ قولنا: زيد جالس، ويلزم تكفير من قالَ: عيسى رسول الله، وله أن يجيب بأن المفهوم اللقبي يحتج به عندَ عدم معارضة المنطوق كغيره من المفاهيم، واعلم أن نسبته إلى الدقاق مشهور وأما
[ ١ / ٣٦٤ ]
الصيرافي فاعتمد المصنف فيه أن السهيلي نقله في (نتائج الفكر) في باب عنه وهو غريب ولعله تحرف علة بالدقاق، وأما حكايته عن ابن خويز منداد، فذكره الماوردي وغيره، وقالَ المصنف: إن الإمام في البرهان حكاه عن طوائف من أصحابنا، وأنه إخبار للاحتجاج به إذا اقترن به ما يفيد نفي الحكم، كقوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾
فائدة: ابن خويز منداد اشتهر على الألسنة بالميم، وعن ابن عبد البر أنه بالباء الموحدة المكسورة.
[ ١ / ٣٦٥ ]
ص: (وأنكر أبو حنيفة الكل مطلقًا، وقوم في الخبر، والشيخ الإمام في غير الشرع، وإمام الحرمين صفة لا تناسب الحكم، وقوم العدد دون غيره).
ش: المنكرون للمفهوم في الجملة اختلفوا (٤٦ ب) على مذاهب، فمنهم من أنكر الكل، أي مفاهيم المخالفة، وقوله: (مطلقًا) لأجل التفصيل الذي بعده، والعجب على اقتصاره على أبي حنيفة، وحده فإنَّه وجه عندَنا صارَ إليه الغزالي، وتوهم ابن الرفعة في (المطلب) أن أبا حنيفة يقول بمفهوم الصفة لإسقاط الزكاة في المعلوفة، وليس مأخذ السقوط عندَه المفهوم، بل إن الأصل عدم الوجوب مطلقًا، خرجت السائمة بدليل، فبقي في المعلوفة على الأصل، ومنهم من أنكره في الخبر، واعترف به في الأمر، فهذا أخذه المصنف من ابن الحاجب، فإنَّه ذكر في أدلة النفاة أنه لو ثبت المفهوم لثبت في الخبر وهو باطل؛ لأنَّ من قالَ في الشام: الغنم السائمة، لم يدل على خلافه قطعًا، وأجاب بالتزامه في الخبر أيضًا، وبأنه قياس في اللغة ثمَّ زيفها، وقالَ: الحق في الفرق بينَ الإنشاء والخبر، فإنَّ الخبر وإن دل على المسكوت - غير مخبر به، فلا يلزم أن يكون حاصلًا في الخارج لأنَّ الخبر يفتقر إلى خارج وهو تعلقه، بخلاف الحكم، إذ لا خارجي له حتى يجري فيه ذلك، وفرق ابن السمعاني فإنَّ المخبر قد يكون له غرض في الإخبار، بأن في الشام غنمًا سائمة مثلًا وأن زيدًا الطويل في الدار، ولا يكون له غرض في الإخبار، عن غير الشام ولا عن غير زيد الطويل فخصهما، بالإخبار لذلك، وأما الشارع في مقام الإنشاء وإن بينَ جميع الأحكام فإذا قالَ: زكوا عن الغنم السائمة، علمنا أنه لو كانت الزكاة في جميع الغنم لعلق بمطلق الاسم.
واعلم أن مقتضى كلام من ذكر أن القول ينفيه في الخبر محل اتفاق، ولهذا تمحلوا طريق الفرق، وصرح به القاضي في التقريب، ومع ذلك فلا يخفى ما في حكاية المصنف له قولًا مفصلا، لكن صاحب (المسودة) حكى عن القاضي وعن أصحابه فيه قولين، مرة سوى بينهما، ومرة فرق، فقالَ: إذا قلت: زيد الطويل في الدار، لم يدل على القصير بنفي ولا إثبات، وقالَ والد المصنف: إنما هو حجة في خطاب الشارع لعلمه بواطن الأمور وظواهرها وليس بحجة في كلام
[ ١ / ٣٦٦ ]
المصنفين والناس لغلبة الذهول عليهم، وعلى هذا فالمفهوم بمنزلة القياس، ويشهد له ما حكاه الرافعي عن فتاوى القاضي حسين، أنه لو ادعى عليه عشرة، فقالَ: لا تلزمني اليوم - لا يطالب بها؛ لأنَّ الإقرار لا يثبت بالمفهوم، قلت: لكن كلام المصنف يقتضي أنه لا فرق بينَهما في طرد الخلاف وقد حكى الغزالي في البسيط فيما لو قالَ: قارضتك على أن لي النصف وسكت عن جانب العامل - فظاهر النص إنه فاسد؛ لأنَّ جميع أجزاء الربح تضاف إليه بحكم الملك، وإنما ينصرف عنه بإضافته إلى غيره ولم يضف، وذكر ابن سريج قولًا مخرجًا أنه يصح تمسكًا بالفحوى والمفهوم، انتهى.
وقالَ الهروي في (الإشراف) لو قالَ: ما لزيد علي أكثر من مائة درهم، لم يكن مقرًا بالمائة؛ لأنَّه نفي مجرد، فلا يدل على الإثبات، وفيه وجه أنه إقرار، وهو قول أبي حنيفة، وأصل هذا أن دليل الخطاب، هل هو حجة أم لا؟ انتهى.
ثم رأيت ابن تَيْمِيَّةَ في بعض مؤلفاته، حكى هذا التفصيل عن بعض الناس، وقالَ: إنه خلاف الإجماع، فإنَّ الناس إما قائل بأن المفهوم من جملة دلالات الألفاظ أو ليس من جملتها، فالتفصيل إحداث قول ثالث، ثمَّ القائلون بأنه حجة إنما قالُوا: هو حجة في الكلام مطلقًا، واستدلوا على كونه حجة في كلام الناس بأنه دلالة (٤٧ أ) من جملة الدلالات كالعموم، وأما القياس فإنما لم يكن حجة في كلام الناس؛ لأنَّه ليس من دلالات الألفاظ المعلومة من جهة اللغة، وإنما يصير دليلًا بنص الشارع بخلاف المفهوم، فإنَّه دليل لغة والشارع بينَ الأحكام بلغة العرب، وقد يقال: إن هذا التفصيل قريب من الذي قبله، أعني التفصيل بينَ الخبر والإنشاء؛ لأنَّ المصنفين مخبرون عن حكم الله لا منشئون وقد عكس بعض الحنفية، ففي (حواشي الهداية) للخبازي في باب جنايات الحج أن شمس الأَئِمَّة ذكر في (السفر الكبير) أن
[ ١ / ٣٦٧ ]
تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على أن الحكم بخلافه، إنما هو في خطابات، فأما في معاملات الناس وعرفهم فإنَّه يدل، ويؤيده ما سبق عن حكاية الهروي، فإنَّ أبا حنيفة جعله مقرًا معَ أنه لا يقول بالمفهوم، على أنه قد يقال: لا معنى لنقل المصنف ذلك عن والده، بل الخلاف فيه قديم من غير خصوصية بالمفهوم، فقد حكى إلكيا الطبري، خلافًا في أن قواعد أصول الفقه المتعلقة بالألفاظ كالعموم والخصوص وغير ذلك، هل يختص بكلام الشارع أو تجري في كلام الآدمي، وسيأتي في باب العموم حكايته عن القاضي الحسين أيضًا، والراجح الاختصاص، ويشهد له مناط قولهم: إن مفهوم الصفة إنما كانَ حجة لما فيه من معنى العلة، والعلل لا نظر إليها في كلام الآدمي، إذ لا قياس فيها قطعًا وقولهم لا يمكن أن يكون المخصص المذكور بالذكر خطوره بالبال دون صيغة؛ لأنَّ ذلك لا يتأتى إلا في كلام الله تعالى، ويعلم من هذا أن تخريج المتأخرين مسائل الفروع على القواعد الأصولية لا يخلو من نزاع، وأنكر أمام الحرمين
المفهوم في الصفة، إذ لم تشتمل على معنى يناسب للحكم، كقولهم: الإنسان الأبيض ذو إرادة، بخلاف المشتملة على المناسب كالسائمة، فإنَّ خفة المؤنة ظاهرة في الإيجاب، وعدمها في عدمه، قالَ ابن السمعاني: وهو خلاف مذهب الشافعي، فإنَّ العلة ليس من شرطها الانعكاس، وهذا أورده الإمام على نفسه، وأجاب بأن قضية اللسان هي الدلالة عندَ إحالة الوصف على ما عداه بخلافه، وزعم أن هذا وضع اللسان ومقتضاه بخلاف العلل المستنبطة، واستفيد مما نقله المصنف عن إمام الحرمين صواب النقل عنه، فإنَّ صاحب المحصول والمنهاج نقلا عنه اختيار المنع كأبي حنيفة ونقل ابن الحاجب عنه القول بغير ذلك، والموجود في البرهان ما حكاه
[ ١ / ٣٦٨ ]
المصنف من التفصيل، وأنكر قوم العدد دون غيره من المفاهيم - يعني خلا اللقب وهذا منسوب إلى الإمام في المحصول، فإنَّه ذكر تفصيلًا حاصله أنه لا، والمنقول عن الشافعي، أنه يدل ممن نقله الماوردي وأبو حامد، لكنه مثل بقوله: إذا بلغ الماء قلتين، والأشبه أنه من الشرط، فإنَّه لا اسم عدد هنا كاثنين وثلاثة بل المعدود.
ص: (مَسْأَلَةٌ: الغايةُ قيلَ: مَنْطُوقٌ: والحقُّ مَفْهومٌ).
ش: ذَهَبَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ إلى أنَّ الحُكْمَ في الغايةِ منطوقٌ، وادَّعَى أنَّ أهلَ اللُغَةِ وقَّفُونَا= على ما يَقُومُ مُقامَ نَصِّهِم، على أنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بالغايةِ موضوعٌ للدَّلالَةِ على أنَّ ما بعدَها خلافُ ما قبْلَها؛ لأنَّهم اتَّفَقُوا على أنَّ الغايةَ ليسَتْ كلامًا مُسْتَقِلًاّ، فإنَّ قولَه: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وقولَه: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، لا بُدَّ فيه من إضْمَارٍ لضَرُورَةِ تتْمِيمِ الكلامِ، وذلك الضميرُ إمَّا ضِدَّ ما قَبْلَه أو غَيْرَه، والثاني باطِلٌ؛ لأنَّه ليسَ في الكلامِ ما يَدُلُّ عليه، فتَعَيَّنَ الأوَّلُ، فتقديرُه: حتى يَطْهُرْنَ
[ ١ / ٣٦٩ ]
فاقْرَبُوهُنَّ، وحتى تُنْكَحَ فتَحِلُّ.
قالَ: والإضْمارُ بمنزلَةِ المَلْفوظِ به؛ فإنَّه إنَّما يَضْمُرُ لسَبْقِه إلى فِهْمِ العارفِ باللسانِ، وعلى ذلك جَرَى صاحبُ (البَدِيعِ) من الحَنَفِيَّةِ، فقالَ: هو عندَنا من قَبِيلِ دلالَةِ الإشارَةِ، لا المفهومُ، ومن هذا يُعْلَمُ أنَّ كلامَ ابنِ الحاجبِ في النَّقْلِ عن القَاضِي يَقْتَضِي أنَّه مَفْهُومٌ، ليسَ بجَيِّدٍ، وكلامُ القَاضِي في التَّقْرِيبِ مُصَرَّحٌ بما ذَكَرْنَا، لكنْ الجمهورُ على أنَّه مفهومٌ، ومَنَعُوا وَضْعَ اللُغَةِ لذلك.
ص: (ويَتْلُوهُ الشَّرْطُ، فالصِّفَةُ المُناسبَةِ، فمُطْلَقُ الصفَةِ غيرَ العَدَدِ، فالعَدَدُ. فتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِدَعْوَى البَيَانِيِّينَ إفَادَتُه الاخْتصاصُ، وخَالَفَهُم ابنُ الحاجِبِ وأَبُو حَيَّانَ).
ش: لمَّا فَرَغَ من بَيانِ كونِه حُجَّةً بينَ مَراتِبِها قُوَّةً وضَعْفًا، فإنَّه لم يُرَتِّبْها فيما سَبَقَ عندَ إيِرادِها، ومن فوائدِه الترْجِيحُ به عندَ التعارضِ، فأقْواها بعدَ مفهومِ الحَصْرِ بإلاَّ، مفهومُ الغايةِ، ولهذا قيلَ بأنَّه مَنْطُوقٌ، كالقَاضِي، ويَلْتَحِقُ به مَفْهُومُ (إنَّما)، فإنَّ فيها هذه المُرَجَّحَاتِ كما سَيَاتِي، ذَكَرَ ذلك المُصَنِّفُ في شَرْحِه لِلْمُخْتَصَرِ، فجَعَلَ أعْلاهَا (مَا) (وإلاَّ) ثمَّ مَفْهومُ (إنَّما) والغايةُ، ثمَّ حَصْرُ المُبْتَدَأِ في الخبَرِ، ثمَّ الشرْطُ انْتَهَى، وتَقْدِيمِه حَصْرُ المُبْتَدَأ في الخبْرِ على الشرْطِ تَابَعَ فيه الغَزَالِيُّ، وإنَّما أَخَّرَ هنا الشرْطَ على الغايةِ؛ لأنَّه لم يقُلْ أَحَدٌ: إنَّه بالنُّطْقِ، فكانَ دُونَ ما قَبْلَه، وقَدَّمَه على
[ ١ / ٣٧٠ ]
الصِّفَةِ؛ لأنَّه قالَ به بعضَ مَن لا يَقُولُ بها كابْنِ سُرَيْجٍ.
ثمَّ الصفَةُ المُنَاسَبَةِ؛ لأنَّها مُتَّفَقٌ عَلَيْهِا عندَ القائلِ بالصفَةِ.
ثمَّ مُطْلَقُ الصفَةِ غيرَ العدَدِ، واقْتَضَى كلامُه أنَّ بَقِيَّةَ أقْسَامِ الصفَةِ من العِلَّةِ والظرْفِ والحالِ على السواءِ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أعْلاهَا العِلَّةُ لدَلالَتِهَا على (إنَّما)، فهي قريبةٌ من النصِّ.
ثمَّ العَدَدُ، ثمَّ تَقْدِيمُ المَعْمُولِ، وإنَّما أَخَّرَهُ؛ لأنَّه لا يُفِيدُ في كلِّ صُوَرِه وأَحْوالِه، ولأنَّ المَحْفوظَ فيه عن القائلِ به لفْظُ الاخْتصاصِ لا الحَصْرُ، وكذا قالَهُ البيانِيُّونَ، وخَالَفَ ابنُ الحَاجِبِ وأَبُو حَيَّانَ، أمَّا ابنُ الحَاجِبِ فقالَ في شَرْحِ (المُفَصَّلِ): إنَّ الاخْتصاصَ الذي يَتَوَهَّمَهُ كثيرٌ من الناسِ في تَقْدِيمِ المَعْمُولِ وَهْمٌ، والتمَسُّكُ فيه مثلَ قولِه تعالى: ﴿بَلْ اللهَ فَاعْبُدْ﴾ ضعيفٌ؛ لأنَّه قد جَاءَ ﴿فَاعْبُدِ اللهَ﴾ واعْبُدِ اللهَ؛ أي: لو كانَ التقديمُ مُفيدًا للحَصْرِ، لكَانَ التاخِيرُ مُفِيدًا عَدَمُه، لكونِه نَقِيضُه، وفيما قالَه نَظَرٌ؛ لأنَّه ليسَ عَدَمِ إفادتِه التاخِيرِ الحَصْرُ لعَدَمِ الحَصْرِ، ليَكُونَ سَبَبًا في إفادةِ التقديمِ الحَصْرُ، بل تَاخِيرُ المَفْعُولِ غيرُ مُسْتَلْزِمٍ للحَصْرِ ولا لِعَدَمِه، والحاصلُ أنَّ القَصْدَ إنْ تَعَلَّقَ بعِبَادَةِ اللهِ تعالى فقطْ أَخَّرَ المَفْعُولَ، وإنْ تَعَلَّقَ بعِبَادَتِه وعَدَمِ عِبَادَةِ غَيْرِه قُدِّمَ، وأمَّا قولُه: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا﴾ فـ ﴿مُخْلِصًا﴾ أَغْنَى عن إفِادَةِ الحَصْرِ في الآيةِ الأولى.
وأمَّا أَبُو حَيَّانَ فَرَدَ في أوَّلِ تَفْسِيرِه على مَن يَدَّعِي الاخْتصاصُ، ونَقَلَ عن سِيبَوَيْهِ، أنَّ التَّقْدِيمَ للاهْتمَامِ والعنايةُ لا للاخْتصاصِ، فإنَّه قالَ: فإنَّهم يُقَدِّمونَ الذي شأنَه أهَمُّ، وَهُم ببَيَانِه أَغْنَى، وأنَّه ذَكَرَ أنَّ الاهْتمامَ والعنَايَةَ في التقْدِيمِ والتاخيرِ سواءٌ في مثالِ: ضَرَبْتَ زَيدًا وزَيدًا ضَرَبْتَ، وإذا قَدَّمْتَ الاسْمَ فهو عَرَبِيٌّ جَيِّدٌ كما كانَ ذلك يَعْنِي تَاخِيرُه عَرَبِيًّا جَيِّدًا، وذلك قولُه: زَيدٌ ضَرَبْتَ، والاهْتَمامُ والعنايةُ هنا في التقْدِيمِ والتاخِيرِ سواءٌ مثلُه في: ضَرَبَ زَيدٌ عَمْرًا، وضَرَبَ عَمْرًا زَيدٌ، انْتَهَى، وهذا لا حُجَّةَ فيه، فإنَّ سِيبَوَيْهِ ذَكَرَهُ في بابِ الفاعِلِ الذي يَتَعَدَّاهُ فِعْلُه إلى مَفْعُولٍ، قالَ: وذلك كقولِهم: ضَرَبَ زيدًا عبدُ اللهِ، ثمَّ قالَ: كأنَّهم يُقَدِّمُونَه إلى آخِرَهُ وهذا ليسَ مَحَلُّ النِّزاعِ؛ لأنَّ الكلامَ في تَقْدِيمِ المَعْمولِ على العاملِ لا في تَقْدِيمِه على الفاعلِ، فإنَّ قُلْتَ: فقد ذَكَرَهُ في بابِ ما يَكُونُ الاسمُ فيه مَبْنِيًّا على الفِعْلِ، قالَ: وذلك قولُك: زَيدًا ضَرَبْتَ، فالاهْتِمامُ والعنايةُ هنا في التقديمِ والتأخيرِ سواءٌ، مثلُه في: ضَرَبَ زَيدٌ عَمْرًا، وضَرَبَ
[ ١ / ٣٧١ ]
عَمْرًا زَيدٌ.
قلتُ: إنْ كانَ هذا مَحَلَّ النِّزاعِ فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه إنَّما ذَكَرَهُ من الجِهَةِ التي شَابَهُ بها تَقْدِيمَ الفَاعِلِ على المفعولِ، أو العكسِ في المثالَيْنِ، وليسَ فيه من هذه الجَهَةِ إلاَّ الاهتمامُ، ولا يَبْقَى ذلك الذي اخْتَصَّ به إذا تَقَدَّمَ على العامِلِ وهي الحَصْرُ، ويُمْكِنُ تَنْزِيلُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ أنَّ الاهتمامَ والعنايةَ في التقديمِ والتأخيرِ سواءٌ بالنِّسْبَةِ إلى الإسْنادِ، والواقعُ في الكلامِ ورَبْطُ الفِعْلِ بالفاعلِ والمفعولِ، لا بالنِّسْبَةِ إلى ما يَلْمَحُ من معنٍى آخَرَ زائِدٍ على ذلك، وفي كلامِه ما يُشِيرُ إلى ذلك، حيثُ قالَ: كأنَّهم يُقَدِّمُونَ الذي شَانَه أَهَمُّ لهم وهُم بِبَيَانِه أَعْنَى، وإنْ كَانَا جَمِيعًا يَهُمَّانِهم، فانْظُرْ كيفَ أَثْبَتَ زِيادَةَ معنًى في التقْدِيمِ، وأَتَى بأَفْعَلِ التفْضِيلِ؟ فإنَّ أنْزَلْتَ كلامَه الأوَّلُ= والثاني على هذا التقديرِ، وجُعِلَتُ اسْتِواءُ التقديمِ والتأخيرِ بالنسبةِ إلى الإسنادِ الحاصلِ، وأنَّ ذلك لا تَتَغَيَّرُ دلالَتُه عندَ التقديمِ والتأخيرِ، إلاَّ أنَّ التقديمَ يُفيدُ زيادةً في الاهتمامِ، - عَرَفْتَ أنَّه ليسَ في كلامِه هذا ما يَمْنَعُ من إفادَةِ الاخْتِصاصِ عندَ تأخيرِ العاملِ، فإنَّا لا نَمْنَعُ أنَّ التقْدِيمَ والتاخِيرَ، سواءٌ بالنسبةِ إلى رَبْطِ الفِعْلِ بالفاعِلِ والمفعولِ، وإنَّما المُدَّعِي قَدْرٌ زائدٌ على ذلك، ومن العَجَبِ أنَّ أَبَا حَيَّانَ ذَكَرَ كلامَ سِيبَوَيْهِ عَقِبَ كلامِه الأوَّلِ، مُؤَيِّدًا له به مُقَرِّرًا بها امْتِناعُ الاخْتصاصُ.
وممَّا اسْتَدَلَّ به بعضُ المتأَخِّرينَ على عَدَمِ إفادةِ الحَصْرِ وقوعُ الأمْرَيْنِ في القرآنِ، نحوَ: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمَرْسَاهَا﴾. وقالَ تعالى: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِكَ﴾. ونَظَائِرُها كمَا سَبَقَ في: ﴿فَاعَبْدِ اللهَ﴾ ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾. ولَحْنُ كلٍّ منها فصيحٌ في بابِه، ولا يَكادُ التقْديمُ فيه يقومُ مُقامَ التأخِيرِ ولا العكسُ، بل فيها ما يَرْشُدُ إلى الاخْتِصاصِ، فإنَّ قولَه: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. لا يَمْنَعُ أنْ يَقْرَأَ بغَيرِ الاسْمِ، وقولُه: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا﴾. تَمَنَعُ أنَّها تَجْرِي إلاَّ بِاسْمِه.
وقالَ
[ ١ / ٣٧٢ ]
صاحبُ (الفَلَكِ الدَائِرِ): الحقُّ أنَّه لا يَدُلُّ على الاخْتصاصِ إلاَّ بالقَرائِنِ، وإلاَّ فقد كَثُرَ في القرائنِ التصْريحُ به معَ عَدَمِه، كقَولِه: ﴿إنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى﴾ ولم يَكُنْ ذلك مُخْتَصًّا به، فقد كانَتْ حواءٌ كذلك.
ص: (والاخْتصاصُ الحَصْرُ، خِلافًا للشيخِ الإمامِ حيثُ أثْبَتَهُ، وقالَ: ليسَ هو الحَصْرُ).
ش: اشْتَهَرَ في كلامِ البَيَانِيِّينَ أنَّ تقديمَ المعْمولِ يُفِيدُ الاخْتصاصَ، ويَفْهَمُ كثيرٌ من الناسِ من الاخْتصاصِ الحَصْرَ، فإذا قُلْتَ: زَيدًا ضَرَبْتُ، يكونُ معناهُ: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ زَيدًاَ.
وخَالَفَهم والِدُ المُصَنِّفِ وقالَ: الفُضَلاءُ لم يَذْكُرُوا في تَقْدِيمِ المعْمولِ إلاَّ لفْظَ الاخْتصاصِ، منهم الزَّمَخْشَرِيُّ في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وغيرُها، والحقُّ أنَّهما مُتَغَايرانِ، والفرْقُ بينَهما أنَّ الاخْتِصاصَ افْتعالٌ من الخُصوصيَّةِ، والخصوصُ مُرَكَّبٌ من شَيْئَيْنِ: أحدُهما عامٌّ مُشْتَرِكٌ بينَ أشياءٍ.
والثاني: معنى يَنْضَمُّ إليه بفَصْلِه عن غيرِه كضَرْبِ زَيدٍ، فإنَّه أَخَصُّ من مُطْلَقِ الضرْبِ، فإذا قُلْتَ: ضَرَبْتُ زَيدًا، أَخْبَرْتَ بضَرْبٍ عامٍّ، وَقَعَ منك على شَخْصٍ خاصٍّ، فصَارَ ذلك الضَّرْبُ المُخْبِرُ به خاصًّا لمَا انْضَمَّ إليه مِنْكَ ومِن زَيْدٍ، وهذه المعانِي الثلاثةُ، أعْنِي: مُطْلَقُ الضَرْبِ، وكونَه واقعًا مِنْكَ، وكونَه واقعًا على زَيدٍ - قد يكونُ مَقْصودُ المُتَكَلِّمِ لها ثَلاثَتُها على السواءِ، وقد يُرَجِّحُ قصْدَه لبَعضِها على بعضٍ، ويُعْرَفُ ذلك بما ابْتَدَأَ كلامَه، فإنَّ الابْتِداءَ بالشيءِ يَدُلُّ على الاهتمامِ به، فإذا قُلْتَ: زَيدٌ ضَرَبْتُ، عُلِمَ أنَّ خُصوصَ الضرْبِ على زيدٍ هو المقصودُ، ولا شَكَّ أنَّ الكُلَّ مُرَكَّبٌ من خاصٍّ وعامٍّ من جهَتَيْنِ، فقد يُقْصَدُ من جِهَةِ عُمُومِه، وقد يُقْصَدُ من جِهَةِ خُصوصِه، فقَصْدُه من
[ ١ / ٣٧٣ ]
جِهَةِ خُصُوصِه هو الاخْتصاصُ، وأنَّه هو الأهَمُّ عندَ المُتَكَلِّمِ، وهو الذي قَصَدَ إفادَتَه السَامِعَ من غيرِ تَعَرُّضٍ ولا قَصْدٍ لغَيْرَهِ بإثباتٍ ولا نَفْيٍ، وأمَّا الحَصْرُ فمَعْنَاه: إثباتُ المَذْكورِ= ونَفْيُ غيرِه، وهو زائدٌ على الاخْتصاصِ، وإنَّما جَاءَ هذا في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ للعِلْمِ بأنَّه لا يَعْبُدُ غيرَ اللهِ، لا من موضوعِ اللفْظِ، ألاَّ تَرَى أنَّ بَقِيَّةَ الآياتِ لم يَطَّرِدُ فيها ذلك، فإنَّ قولَه تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾ لو جَعَلَ في معنَى: ما يَبْغُونَ إلاَّ غيرَ دِينِ اللهِ، وهَمْزَةُ الإنْكارِ داخلِةٌ عليه، لَزِمَ أنْ يَكونَ المُنْكَرُ الحَصْرَ، لا مُجَرَّدٌ بَغَْيهِم غيرِ دينِ اللهِ، ولا شَكَّ أنَّ مُجَرَّدَ بَغْيهِم غيرِ دِينِ اللهِ مُنْكَرٌ، وكذلك بَقِيَةُ الآياتِ إذا تَأَمَّلْتَها. انْتَهى مُلخصًّا.
وحاصلُه: أنَّ الاخْتصاصَ في إعْطاءِ الحُكْمِ للشيءِ والسُّكوتِ عمَّا عَدَاهُ، الحَصْرُ: إعطاءُ الحُكْمِ للشيءِ والتعَرُّضُ لنَفْيهِ عمَّا عَدَاهُ، ففِي الاخْتِصاصِ قضِيَّةٌ واحِدَةٌ، وفي الحَصْرِ قَضِيَّتَانِ، وقد يَحْتَجُّ للتغَايُرِ بقولِه تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. فإنَّه لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ بحَصْرِ رحْمَتِه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ حَصْرُها.
ص: مسألَةٌ: (إنَّما) قالَ الآمِدِيُّ وأَبُو حَيَّانَ: لا تُفِيدُ الحَصْرَ، وأَبْو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ والغَزَالِيُّ والكِيَا والشيخُ الإمَامُ: تُفِيدُ فَهْمًا، وقيلَ: نُطْقًا).
ش: اخْتَلَفَ الأصُولِيُّونَ في (إنَّما) هل تُفِيدُ الحَصْرَ؟ فقيلَ: تُفِيدُ، وقيلَ:
[ ١ / ٣٧٤ ]
لا تُفِيدُ، واخْتَلَفَ القائِلُونَ به: هل هو مَنْطُوقٌ أو مَفْهُومٌ؟ والقولُ بأنَّها لا تُفِيدُ هو رَايُ الآمِدِيُّ، وإنَّما يُفِيدُ تَاكِيدَ الإثباتِ، وهو قضيةُ كلامِ ابنِ دَقِيقِ العِيدِ، فإنَّه قالَ: إنَّ دَلَّ السياقُ، والمقْصودُ من الكلامِ على الحَصْرِ في شيءٍ مَخْصُوصٍ - قُيِّدَ به، وإنْ لم يَدُلُّ عليه، فاحْمِلِ الحَصْرَ على الإطْلاقِ، كقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾، فإنَّ الرسولَ ﷺ لا يَنْحَصِرُ في النَذَارَةِ، بل له أَوْصافٌ جَمِيلَةٌ كثيرةٌ كالبِشارَةِ وغيرِها.
ولكنَّ مفهومَ الكلامِ يَقْتَضِي حَصْرَهُ في النذَارَةِ لِمَنْ لا يُؤْمِنُ، واخْتَارَهُ الشيخُ أَبُو حَيَّانَ وكانَ يقولُ: إنَّها لا تَدُّلُ على الحَصْرِ بالوَضْعِ، كما أنَّ الحَصْرَ لا يُفْهَمُ من أخواتِها التي كَفَّتْ بما، فلا فَرْقَ بينَ: لَعَلَّ زيدًا قَائِمٌ، ولعَلَّمَا زيدٌ قائمٌ، وكذلك: إنَّ زيدًا قائمٌ، وإنَّما زَيدٌ قائمٌ، وإذا فُهِمَ حُصِرَ= فإنَّما يُفْهَمُ من سياقِ الكلامِ، لا أنَّ (إنَّما) دَلَّتْ عليه، واشْتَدَّ نَكِيرُه على مَن يُخالِفُه، ونَقَلَه عن البَصْرِيِّينَ وفيه نَظَرٌ، فإنَّ الأَزْهَرِيَّ، من أَئِمَّةِ اللُغَةِ في كتابِه (الزَّاهِرُ) عن أهْلِ اللُغَةِ: إنَّها تَقْتَضِي
[ ١ / ٣٧٥ ]
إِيجَابُ شيءٍ ونَفْيُ غيرِه، كقولِك: إنَّما المَرْءُ بأَصْغَرَيْهِ؛ أي: كَمَالُه بِهَذَيْنِ العُضُوَيْنِ لا بِرُؤيَتِه ومَنْظَرِه، والقولُ بأنَّها تُفِيدُ من جِهَةِ المفهومِ. قالَ به الشيخُ أَبُو إِسْحَاقَ ومَن ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ، وفيه نَظَرٌ، فإنَّ الغَزَالِيَّ نَقَلَ عن القَاضِي أنَّه ظَاهِرٌ في الحَصْرِ ومُحْتَمِلٌ للتَّوْكيدِ، ثمَّ قالَ: وهو المختارُ، ووافَقَهُ الكِيَا، والذي في (التَّقْرِيبِ) للقَاضِي: أنَّها مُحْتَمِلَةٌ لتَاكِيدِ الإثْباتِ ومُحْتَمِلَةٌ للحَصْرِ، وزَعَمَ أنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلَتْها لكلٍّ مِن الأَمْرَيْنِ، ثمَّ قالَ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: ظاهرٌ في الحَصْرِ، وقالَ السَّكَاكِيُّ: ليسَ الحَصْرُ في (إنَّما) من جِهَةِ أنَّ (مَا) للنَّفِيِّ كما يَفْهَمَهُ مَن لا وُقُوفَ له على عِلْمِ النَّحْوِ، يُريدُ به طَريقَةَ الرَّازِيِّ والبَيْضَاوِيِّ؛ لأنَّها لو كانَتْ للنَّفْيِ لكانَ لها صَدْرُ الكلامِ، وإنَّما هي (مَا) الكَافَّةُ لـ (إِنَّ) عن العَمَلِ.
ثمَّ حَكَى عن عَلِيِّ بنِ عِيسَى الرَّبْعِيِّ، واسْتَلْطَفَه: أنَّ
[ ١ / ٣٧٦ ]
(إِنَّ) لتوكِيدِ إثبَاتِ المُسْنَدِ للمُسْنَدِ إليه و(مَا) مُؤكِّدَةٌ فيُنَاسِبُ تَضَمُّنِ معنى الحَصْرِ، وفيه نَظَرٌ، إذ لا يَلْزَمُ الحَصْرُ بحصولِ تَاكِيدٍ على تَاكِيدٍ، نحوَ: قَامَ القومُ كُلُّهم أَجْمَعُونَ، وكانَ بعضُ مشايخِنَا يقولُ: أَحْسَنُ ما يُسْتَدَلُّ به على الحَصْرِ في (إنَّما) انْفِصالُ الضميرِ بعدَها (هو) أمَّا احْتِجَاجُ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ بأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ فَهِمَ الحَصْرَ من قولِه: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ»، فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ روَى الحَدِيثَ بهذا اللفظِ، ورَوَاهُ عن أُسامَةَ بنِ زيدٍ بلفظٍ: «لَيْسَ الرِّبَا إِلاَّ فِي النَّسِيئَةِ». كما ثَبَتَ في صحيحِ مُسْلِمٍ، وهذه الصيغَةُ الثانيةُ، صيغةُ حَصْرٍ بالإجْماعِ، فما المَانِعُ أنْ يكونَ
[ ١ / ٣٧٧ ]
ابنُ عَبَّاسٍ إنَّما فَهِمَه من هذه الصِّيَغَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِا، لا صيغَةَ (إنَّما) المُخْتَلِفُ فيها؟ ومَثَلُ الشيخُ على تَحْقِيقِه وتَدْقِيقِه لا يُسامِحُ بتساوِي الصِّيغَتَيْنِ، والقولُ بأنَّها مَنْطُوقٌ، حَكَاهُ الشيخُ أَبُو إِسْحَاقَ في (التَّبْصِرَةِ) عن القَاضِي أَبِي حَامِدَ المَرُوزِيِّ، قالَ معَ نَفْيهِ لدليلِ الخِطابِ: وتَظْهَرُ فائِدَةُ الخلافِ فيما لو قالَ: إنَّما قَامَ زَيدٌ، ثمَّ قالَ: وعَمْرٌو، فهل يَكُونُ قولُه: وعمرٌو تَخْصِيصًا أو نَسْخًا؟ فمَن قالَ: إنَّه بالمَنْطوقِ يَدُلُّ على عَدَمِ قِيامِ غيرِه - كانَ نَسْخًا، ومَن قالَ: إنَّه بالمَفْهُومِ - كانَ تَخْصيصًا.
ص: (وبِالفَتْحِ، الأصَحُّ أنَّ حَرْفَ (أنَّ) فيها فَرْعُ المَكْسُورَةِ، ومِن ثَمَّةِ
[ ١ / ٣٧٨ ]
ادَّعَى الزَّمَخْشَرِيُّ إِفَادَتَه= الحَصْرِ).
ش: مَا تَقَدَّمَ في (إنَّما) بكَسْرِ (إنَّ) أمَّا المَفْتُوحَةُ فزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكلامِ على قولِه: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهَكَمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إِفَادَتُها القَصْرُ، وجَعَلَ المُصَنِّفُ مَاخَذَهُ البِنَاءُ على أَصْلٍ نَحْوِيٍ، وهي أنَّها فَرْعُ المَكْسُورَةِ وهو الأَصَحُّ، وقيلَ: المَفْتُوحَةُ أَصْلٌ، وقيلَ: كلُّ منْهُما أَصْلٌ بنَفْسِه، هكذا حَكَى ابنُ الخَبَّازِ النَّحْوِيُ الأقْوالِ الثلاثَةِ، ومن هنا يُسْتَنْكَرُ على الشيخِ أَبِي حَيَّانَ دَعْواهُ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ تَفَرَّدَ بهذه المقالَةِ، وأنَّه لا يَعْرِفُ القولَ بذلك إلاَّ في (إنَّما) بالكَسْرِ، وهذا مَرْدُودٌ، فإنَّها فَرْعُها، ولهذا قالَ سِيبَوَيْهِ في بابِ إنَّ وأخواتُها: بابُ الأَحْرُفِ الخَمْسَةِ، فعدَّ (إنَّ) و(أنَّ) واحِدَةٌ.
وإذا كانَتْ المَفْتُوحَةُ فَرْعُ المَكْسُورَةِ، فكلُّ حُكْمٍ ثَبَتَ للأَصْلِ ثَبَتَ للفَرْعِ ما لم يَمْنَعْ مَانِعٍ، واعْتُرِضَ عليه أيضًا بأنَّ دَعْوَى الحَصْرِ فيها بَاطلٌ؛ باقْتِضاءِ إنَّه لم يُوحَ إليه سِوَى التوحيدِ، وهو عَجِيبٌ من وجْهَيْنِ:
أحدُهما: أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ يَلْتَزِمُ ذلك بناءً على رَايهِ الفاسدِ في الاعْتزالِ من إنْكارِ الصفاتِ، بل لَعَلَّ هذا هو مَاخَذَهُ في دَعْوَى الحَصْرِ.
ثانيهُما: أنَّ هذا حَصْرٌ مُقَيَّدٌ، فإنَّ الخِطابَ معَ المُشْركِينَ فالمعنَى ما أُوحِيَ إليَّ في أَمْرِ الرُّبُوبِيَّةِ إلاَّ التوحيدَ لا الإشراكَ، ويُسَمِّيهِ البَيانِيُّونَ قَصْرُ قَلْبٍ لقَلْبِ اعْتِقادِ المُخاطَبِ.
[ ١ / ٣٧٩ ]
ص: (مَسْأَلَةٌ: من الأَلْطافِ حُدوثُ المَوْضوعَاتِ اللُغَوِيَّةِ ليُعَبَّرَ عمَّا في الضمِيرِ، وهي أَفْيَدُ من الإشارةِ والمثالِ وأَيْسَرُ).
ش: وجْهُ كونِه من الألْطافِ، حَاجَةُ الخَلْقِ إلى إعْلامِ بعضُهم بعضًا، ما في ضمائِرِهم من أمْرِ مَعاشِهم للمُعامَلاتِ وأَمْرِ مَعَادِهم لإفادِةِ المَعْرِفَةِ والأحْكامِ، فوضَعَ لهم الألفاظَ لمَعانِيها ووقَّفَهم عليه على قولِ التَّوقُّفِ، أو جَعَلَهم قَادِرِينَ على وَضْعِ الألفاظِ لمَعانِيها، على قولِ الاصْطلاحِ، ولهذا عَبَّرَ المُصَنِّفُ بالحُدوثِ، ليُنَبِّهَ= على أنَّه لُطْف= على كلا القَوْلَيْنِ، بخلافِ تَعْبِيرِ ابنِ الحَاجِبِ بالإِحْداثِ، فإنَّه يُوهِمُ التخْصيصُ بالتَّوَقُّفِ، ثمَّ إنَّه جَعَلَ ذلك بالنُّطْقِ دونَ الإشارَةِ والمثالِ؛ لكونِه أَفْيدُ وأَسْهَلُ.
أمَّا كونُه أَفْيدُ، فلأنَّ اللفْظَ يَعُمُّ كلَّ موجودٍ ومَعْدُومٍ بخلافِ الإشارَةِ، فإنَّها للموجودِ، وبخلافِ المِثالِ، وهو أنْ يَجْعَلَ لِمَا في الضميرِ مُشْكلًا، فإنَّه أيضًا كذلك؛ لأنَّه يَعْسُرُ، بل يَتَعَذَّرُ أنْ يَجْعَلَ لكلِّ شيءٍ مثالٌ= يُطابِقُه، وأمَّا كونُه أَيْسَرُ فلأنَّه يُوافِقُ الأمْرَ الطبيعِيِّ؛ لأنَّ الحروفَ كيْفِيَّاتٍ تُعْرَضُ للنَّفْسِ الضَرُورِيُّ، ولا شَكَّ أنَّ المُوافِقَ للأمْرِ الطبِيعِيِّ أسْهَلٌ من غيرِ فَخْفَتِ المَؤنَةُ وعَمَّتِ الفائِدَةُ.
ص: (وهي الألفاظُ الدَّالَّةُ على المعانِي).
ش: الضميرُ راجِعٌ إلى الموضوعاتِ اللُّغَوِيَّةِ، والألفاظُ جِنْسٌ قريبٌ، فيَخْرُجُ ما دَلَّ على معنًى، وليسَ بلَفْظٍ كالخَطِّ والعقودُ، والإشارَةُ فلا يَكُونُ شيءٌ منها لُغَةً، والمرادُ بالألفاظِ كلُّ ما كانَ مَلْفُوظًا به حقيقةً أو حكمًا، لتَدْخُلَ الضَّمائِرُ المُسْتَتِرَةُ في الأفْعَالِ، فإنَّها ملفوظٌ بها حُكْمًا بدليلِ إسنادِ الفِعْلِ إليها، وجوازِ تَاكِيدِها، والعَطْفِ عليها، وخَرَجَ بالدَّلالَةِ على المعانِي المُهْمَلاتِ، ودَخَلَ في هذا الحَدِّ المُفْرَدُ والمُرَكَّبُ حُكْمًا، إذِ اللُّغَةُ تلطف= على الجميعِ، وعُلِمَ منه أنَّ دلالَةَ الألفاظِ المُرَكَّبَةِ على معانِيها وَضْعِيَّةٌ، وسَيَذْكُرُها المُصَنِّفُ في بابِ الأَخْبَارِ، وهذا التعريفُ أَحْسَنُ من قولِ ابنِ
[ ١ / ٣٨٠ ]
الحَاجِبِ: كُلُّ لفظٍ وُضِعَ لمعنًى، لِمَا في (كُلِّ) من الإشكالِ.
ص: (وتُعْرَفُ بالنَّقْلِ تواترًا أو آحادًا أو باسْتِنْباطِ العَقْلِ من النَّقْلِ، لا بِمُجَرَّدِ العَقْلِ).
ش: يُعْرَفُ وَضْعُ اللفظِ للمعنَى بطريقِ الحَصْرِ، إمَّا النَّقْلُ الصَّرْفُ أو العَقْلُ الصَّرْفُ أو المُرَكَّبُ منهُما.
فأمَّا العقلُ الصَّرْفُ، فلا مَدْخَلَ له في ذلكَ، فإنَّه لا يَسْتَقِرُّ بالأمورِ الوَضْعِيَّةِ.
وأمَّا النَّقْلُ الصَّرْفُ، فهو إمَّا متواترٌ كالسماءِ، والحَرِّ والبَرْدِ، ونحوِها ممَّا لا يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ، وهو يُفِيدُ القَطْعَ، وإمَّا آحادٌ كالقَرْءِ ونحوِه، وهو يُفِيدُ الظَّنَّ، فيَتَمَسَّكُ به في المَسائِلِ الظِّنِّيَّةِ دونَ القَطْعِيَّةِ.
وأمَّا المُرَكَّبُ منهُما، كما إذا نُقِلَ إلِينَا أنَّ الجَمْعَ المُعَرَّفُ بالألِفِ واللاَّمِ للعمومِ.
وكانَ الشيخُ زَينُ الدِّينِ الكِنَانِيُّ
[ ١ / ٣٨١ ]
يَعْتَرِضُ على هذا المثالِ بأنَّ المُقَدِّمَتَيْنِ نَقْلِيَّتَانِ، وإذا تَرَكَّبَ الدليلُ من مقدمتَيْنِ نَقْلِيَّتَيْنِ لم يَصِحَّ أنْ يُقالَ: إنَّه مُرَكَّبٌ من العَقْلِ والنَّقْلِ، وإنَّما غايتُه أنَّ العَقْلَ تَفَطَّنَ لنَتِيجَتِهِمَا، وهذا مردودٌ، فإنَّ الدليلَ ليسَ مُرَكَّبًا من نَقْلِيَّتَيْنِ ضَرَورَةٌ عَدَمِ تَكَرُّرِ الحَدِّ الأوسْطِ فيهما، وإنَّما هو مُرَكَّبٌ من مُقَدِّمَةٍ نَقْلِيَّةٍ مَحْضَةٍ، وهي الاستثناءُ، إخْراجُ بعضِ ما يَتَنَاولُه اللفظُ، ومُقَدِّمَةٍ عَقْلِيَّةٍ لازمَةٍ لمُقَدِّمَةٍ أُخْرَى، وهي أنَّ كُلَّ ما دَخَلَه الاستثناءُ عامٌّ، لأنَّه لو لم يكنُ عامًا لم يَدْخُلِ المُسْتَثْنَى فيه، ثمَّ جُعِلَتْ هذه القضيةُ كُبْرَى للمُقَدِّمَةِ الأُخْرَى النَّقْلِيَّةِ، فصَارَ صُورَةُ الدليلِ هكذا: الجَمْعُ المُحَلَّى بألْ يَدْخُلُه الاستثناءُ، وكلُّ ما يَدْخُلُه الاستثناءُ عامٌّ، يَنْتُجُ أنَّ المُحَلَّى بألْ عَامٌّ.
ص: (ومَدْلُولُ اللفظِ إمَّا معنًى جُزْئِيٌّ أو كُلْيٌّ، أو لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُسْتَعْمَلٌ، كالكَلِمَةِ فهي قَوْلٌ وُضِعَ لمَعنًى مُفْرَدٍ، أو مُهْمَلٍ كأسماءِ حروفِ الهَجاءِ، أو مُرَكَّبٌ).
ش: مدلولُ اللَفْظِ يَنْقَسِمُ إلى أقسامٍ؛ لأنَّ مدلولَه إمَّا معنًى أو لَفْظٌ، والأوَّلُ يَنْقَسِمُ إلى جُزْئِيٍّ وكُلُّيٍّ، لأنَّه إمَّا أنْ يَكُونَ المَعْنَى مُشْتَرِكًا بينَ الأفْرَادِ المَوْجُودَةِ أو المُتَوَهِّمَةِ، فهو الكُلُّيُّ كالإنسانِ والعنقاءِ أو لا يَكُونُ فهو الجُزْئِيُّ كزيدٍ.
[ ١ / ٣٨٢ ]
والثاني: إمَّا أنْ يَكُونَ اللفظُ الذي هو مَدْلُولُه مُفْرَدًا أو مُرَكَّبًا، وكلُّ منهما إمَّا أنْ يَكُونَ مُهْمَلًا أو مُسْتَعْمَلًا، فالأوَّلُ: الكلمةُ، فإنَّه لَفْظُ مدلولِه، لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُسْتَعْمَلٌ، وهو الاسمُ والفِعْلُ والحَرْفُ، إنَّما قالَ: (قَولٌ) ولم يَقُلْ: لفظٌ؛ لأنَّ القَوْلَ جِنْسٌ قَرِيبٌ، لاخْتِصاصِهِ بالمُسْتَعْمَلِ، بخلافِ اللفْظِ، ولهذا لم يَقُلْ: وُضِعَ لمعنًى مُفْرَدٍ، كما قالَهُ غيرُه؛ لأنَّ أولئِكَ أَخَذُوا اللفظَ جِنْسًا، فاحْتَاجُوا للاحْتِرَازِ عن المُهْمَلِ بذِكْرِ الوَضْعِ، والمُصَنِّفُ لمَّا أَخَذَ القَوْلُ جِنْسًا وهو خاصٌّ بالوَضْعِ أَغْنَاهُ عن اشْتِرَاطِ الوَضْعِ.
والثانِي: كَأَسْمَاءِ حُرُوفِ التَّهَجِّي، فإنَّ مَدْلُولَه لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُهْمَلٌ، ألاَ تَرَى أنَّ حُرُوفَ جَلَسَ لم يُوضَعْ لمعنًى، معَ أنَّ كُلًاّ منها قد وُضِعَ له اسمٌ، فالأوَّلُ الجيمُ، والثانِي اللاَّمُ، والثالثُ السِّينُ.
والثالثُ: كلفظِ الخَبَرِ، فإنَّ مدلولَه لفظٌ مُرَكَّبٌ مُسْتَعْمَلٌ، نحوَ: قَامَ زَيدٌ.
والرابعُ: أنَّ يَكُونَ المَدْلُولُ لفْظًا مُرْكبًا مُهْمَلًا، وفي كونِه مُجْرَدًا خلافٌ، حَكَاهُ المصنف في بابِ الأَخْبَارِ، وقد تَعَرَّضَ في المِنْهاجِ هنا لأقْسامِ المُرَكَّبِ، وأَهْمَلَه المُصَنِّفُ؛ لأنَّه ذَكَرَه في بابِ الأَخْبَارِ.
ص: (والوَضْعُ جَعَلَ اللفظَ دَلِيلًا على المعنَى).
ش: أي: جَعَلَه مُهَيَّأً لأنْ يُفِيدَ ذلك المعنَى عندَ اسْتِعْمَالِ المُتَكَلِّمِ له على وجْهٍ
[ ١ / ٣٨٣ ]
مَخْصُوصٍ، كتَسْمِيَةِ الوَلَدُ زَيْدًا، ومنهُم مَن قَالَ بتَخْصيصِ الشَّيءِ بالشيءِ، بحيثُ إذا أُطْلِقَ الأوَّلُ فُهِمَ منه الثانِي، فإنَّك إذا أَطْلَقْتَ قولَك: قَامَ زيدٌ، فُهِمَ منه القيامُ، وهذا التعريفُ الذي ذَكَرَه المُصَنِّفُ لأحَدِ أقْسامِ الوَضْعِ وهو اللُّغَوِيُّ وهو مُرَادُهُ، ويُطْلَقُ باعتبارَيْنَ آخَرَيْنِ:
أحدُهما: على عِلَّتِه، اسْتِعْمَالُ اللَّفْظُ في المعنَى، حتى يَصِيرَ أشْهَرَ فيه من غيرِه، وهذا وَضْعُ المَنْقُولاتِ الثلاثِ الشَّرْعِيِّ كالصلاةِ، والعُرْفِيِّ العامِّ كالدابَّةِ، والعُرْفِيِّ الخاصِّ كالجَوْهَرِ والعَرَضِ عندَ المتكلمِينَ.
والثاني: أصْلُ الاسْتِعْمالِ من غيرِ غَلَبَةٍ، كقولِهم: هل مِن شَرْطِ المَجَازِ الوَضْعُ؟
ص: (ولا يُشْتَرَطُ مُنَاسَبَةُ اللفظِ للمعنَى، خلافًا لعَبَّادٍ حيثُ أَثْبَتَها، فقيلَ بمعنَى أنَّها حامِلَةٌ على الوضْعِ، وقيلَ: بل كافيةٌ في دلالةِ اللفظِ على المعنَى)
ش: ذَهَبَ عَبَّادٌ إلى أنَّ دلالَةَ اللفظِ على المعنَى لمُنَاسَبَةِ طَبِيعِيَّةٍ، وإلاَّ لِمَا كَانَ اختصاصُ ذلك اللفظِ أَوْلَى من غيرِه، وخَالَفَه الجمهورُ، مُحْتَجِّينَ بِصِحَّةِ
[ ١ / ٣٨٤ ]
الوَضْعِ للشيءِ ونَقِيضِه وضدِّه، ولو كَانَتِ المُنَاسَبَةُ شَرْطًا لمَا جَازَ؛ لأنَّ الشيءَ الواحدُ لا يُنَاسِبُ الضِّدَّيْنِ مُنَاسَبَةً طبيعِيَّةً، وأَجَابُوا عن شُبْهَةِ (عَبَّادٍ) بأنَّا إنْ قُلْنَا: إنَّ الوَاضِعَ هو اللهُ، فسَبَبُ التَّخْصِيصِ هو الإرَادَةُ القَدِيمَةُ، وإنْ كانَ هو العبدُ، فسَبَبُه هو خُطُورُ ذلك المَعْنَى ببَالِه دونَ غيرِه كتَخْصِيصِ الأعلامِ بالأشخاصِ، والنَّقْلُ عَن عَبَّادٍ مُخْتَلِفٌ، فقيلَ: إنَّه أَثْبَتَها بمعنَى أنَّها - أي: المُنَاسَبَةُ - حامِلَةٌ على الوَضْعِ، سواءٌ كانَ الواضِعُ هو اللهُ أو غيرُه، وهو قَضِيَّةٌ نَقَلِ الآمِدِيِّ، وقيلَ: بل تِلْكَ المُنَاسَبَةُ كافيَةٌ في دلالَةِ اللفْظِ على المعنَى من غيرِ افْتِقَارٍ إلى الوَضْعِ لمَا بينَهما من المناسبةِ الطبيعِيَّةِ، وهو قَضِيَّةُ نَقْلِ المَحْصُولِ.
وتَرَدَّدَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ في حَمْلِ مَذْهَبِ عَبَّادٍ على هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، وقَالَ: إنْ أَرَادَ الأوَّلُ فهو قَرِيبٌ، لكنْ لا يُمْكِنُ ادَّعَاؤهُ في كلِّ الألفاظِ واللُّغاتِ، لأنَّا لا نَعْلَمُ بالضَّرُورَةِ أنَّ ما يَلْمَحُونَه من المناسبةِ بينَ حُروفِ الألفاظِ ومَعانِيها غيرَ مَرْعِيٍّ في كلِّ الألفاظِ واللُّغَاتِ، وعلى هذا فإفْسادُ الآمِدِيِّ
[ ١ / ٣٨٥ ]
مَذْهَبُه، فإنَّا نَعْلَمُ أنَّ الواضِعَ في ابتداءِ الوَضْعِ لو وُضِعَ لفظُ الوجودِ للعَدَمِ أو بالعَكْسِ لِمَا كَانَ مُمْتَنِعًا، غيرُ مُسْتَقِيمٍ، إذِ الخِصْمُ لا يَقُولُ: إنَّ ذلك مُمْتَنِعٌ على هذا التَّقْدِيرِ، بل غايتُه أنُّه يَلْزَمُ القَوْلُ بالمُناسبَةِ الطبيعِيَّةِ وهو غيرُ مُمْتَنِعٌ، قَالَ: وإنْ أَرَادَ الثاني، فهو مَعْلُومُ الفسادِ بالضرُورَةِ، يعنِي: لأنَّه لو كانَ كذلكَ لعَلِمَ كُلُّ أَحَدٍ جميعَ اللُّغَةِ؛ لعَدَمِ الاختلافِ في دلالةِ الذاتِ، ولَعَلَّ عَبَّادًا يَدَّعِي ما يَدَّعِيهِ الاشْتِقَاقِيُّونَ من مُلاحَظَةِ الواضِعِ مُنَاسَبَةً ما بينَ اللفظِ ومدلولِه في الوَضْعِ، وإلاَّ فبُطْلانُه ضرورِيٌّ.
تنبيهانِ: الأوَّلُ: جَعْلُه الخلافَ في الاشْتِراطِ وعَدَمِه قد يُنَاقِشُ فيه، وإنَّما مَذْهَبُ عَبَّادٍ أنَّ إفادَةَ اللفظُ المعنَى لذاتِه، وقد أَنْكَرَ الأصْفَهَانِيُّ في (شَرْحِ المَحْصُولِ) على مَن حَمَلَ مَذْهَبَ عَبَّادٍ على أنَّ شَرْطَ وَضْعِ اللفظِ بإزاءِ المعنَى المُنَاسَبَةُ الذَّاتِيَّةُ.
وقالَ: المذاهبُ لا تُنْتَقَلُ بالاحْتِمَالِ، والمَنْقُولِ عنه ما ذَكَرْنَا، ثمَّ ذلك بَاطِلٌ بالضرورَةِ، فإنَّه يُمْكِنُنَا وَضْعُ أَلْفَاظُ المعانِي من غيرِ مُرَاعَاةِ المُنَاسَبَةِ الذاتِيَّةِ قَطْعًا، ولو كانَ شَرْطًا لِمَا أَمْكَن.
الثاني: قد يَشْتَمِلُ مَحَلُّ الخلافَ، فإنَّا إذا قُلْنَا: إنَّ اللُّغَةَ توقِيفِيَّةٌ، فيَنْبَغِي ألاَّ يَشْتَرِطُ قَطْعًا، وإنَّما يَتَّجِهُ الخلافُ في أنَّه هل يَخْلُو الوَضْعُ عن المُنَاسَبَةِ أم لا؟ لأنَّ الواضِعَ حَكِيمٌ، كما في نَظِيرِه من الخلافِ في أنَّ الأحْكَامِ هل تُعَلَّلُ بالمصالِحِ أم لا؟ وإذا قُلْنَا: اصْطِلاحِيَّةٌ، فيَنْبَغِي أنْ يُشْتَرَطَ قَطْعًا، فأينَ الخلافُ، وجوابُ هذا يُعْلَمُ من تخصيصِ الخلافِ عن عَبَّادٍ، وقد عَبَّرَ الطَّرْطُوشِيُّ بعِبَارَةٍ حَسَنَةٍ تُزِيلُ الإشْكالَ،
[ ١ / ٣٨٦ ]
فقالَ: الخطابُ إنَّما يُفِيدُ بالمُواطَأَةِ والمُوَاضَعَةِ، وليسَ يُفِيدُ لذاتِه ولا لِصَفَةٍ هو في العَقْلِ عليها، ألاَ تَرَى أنَّ سَامِعَه إذا لم يَعْرِفُ المُوَاطَأَةَ لم يَسْتَفِدْ به شيئًاَ.
ص: (واللفظُ مَوْضُوعٌ للمعنَى الخارجيِّ لا الذهنيِّ، خلافًا للإمامِ، وقالَ الشيخُ الإمامُ: للمعنَى من حيثُ هو).
ش: اخْتُلِفَ في أنَّ اللفظَ وُضِعَ لماذا؟ على مذاهبَ:
أرْجُحَها: أنَّه موضوعٌ للمعنَى الخارجيِّ؛ أي: الموجودُ في الخارجِ، وبه جَزَمَ الشيخُ أَبُو إِسْحَاقَ في (شَرْحِ اللُمَعِ)؛ لأنَّه به تَسْتَقِرُّ الأحكامُ، ونَصَرَهُ ابنُ مالِكٍ في كتابِ (المُفَضَّلَ على المُفَصَّلِ).
والثاني: للمعنى الذِّهْنِيِّ؛ أي: سواءٌ طَابَقَ أم لا، واختارَهُ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ والبَيْضَاوِيُّ، لدَوَرَانِ الألفاظِ على المعانِي الذِّهْنِيَّةِ وجودًا وَعَدَمًا، فإنَّ الإنسانَ إذا رَأَى شَبَحًا من بَعيدٍ تَخَيَّلَه طَللًا، سَمَّاهُ طللًا، فإذا رَآهُ يَتَحَرَّكُ ظَنَّهُ شَجَرًا سَمَّاهُ شَجَرًا، ثمَّ لَمَّا قَرُبَ منه ورآهُ رُجَلًا سَمَّاهُ رُجُلًا، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ اختلافَ الألفاظِ للمعانِي الذِّهْنِيَّةِ إنَّما هو لاعتقادِ أنَّها في الخارجِ كذلك، لا لِمُجَرَّدِ اخْتِلافِها في الذِّهْنِ فلا يَدُلُّ على أنَّها موضوعَةٌ بإزاءِ المعانِي الذهنِيَّةِ فقطْ، ويَلْزَمُ مِن أنَّه لم يُوضَعْ لِمَا في الخَارِجِ، أنْ تَكُونَ دلالَةُ اللفظِ على ما في الخارجِ ليْسَتْ مُطَابَقَةً ولا تَضَمُّنًا.
[ ١ / ٣٨٧ ]
والثالثُ: أنَّه موضوعٌ للمعنَى من حيثُ هو أَعَمٌّ من الذهْنِيِّ والخارجيِّ، وهذا ما ذَهَبَ إليه والِدُ المُصَنِّفِ، وَرَدَّ مَذْهَبُ الإمامُ إليه، وأَفْرَدَ المسألَةُ بالتَّصْنِيفِ، والحقُّ أنَّ دلالَتَه على المعانِي الخَارِجِيَّةِ إنَّما هو بتوسُّطِ دلالتِها على المعانِي الذِّهْنِيَّةِ، ودلالَتُها على المعانِي الذَِّهْنِيَّةِ بغيرِ وَسْطٍ، ويَنْبَغِي تَنْزِيلُ كلامَ الإمامِ عليه، وأنَّه لم يَرِدْ أنَّها لم تُوضَعُ للمَعَانِي الخارجِيَّةِ ابتداءً، لأنَّها غيرَ مَقْصُودَةٍ أَصْلًا، فإنَّ ذلك باطلٌ؛ لأنَّ المُخْبِرَ إذا أَخْبَرَ غَيْرَه بقولِه: جَاءَ زَيدٌ، فمَقْصُودُ الإخبارِ بمَجِيءِ زيدٍ في الخارجِ.
ص: (وليسَ لكلِّ معنًى لفظٍ، بل كلُّ معنًى مُحْتَاجٍ إلى اللفظِ).
ش: لا يَجِبُ أنْ يكونَ لكلِّ معنًى من المعانِي لفظُ مَوْضِعٍ بِإزَائِه وهو ظاهرٌ، فإنَّ أنواعَ الأراييحِ كثيرةٌ، مع أنَّهم لم يَضَعُوا لها ألْفاظًا، تُؤْذِنُ= بها، وأيْضًا كانَ يَلَزَمُ انتفاءَ المجازِ المعلومُ ثُبوتُه ضرورَةً، واسْتَدَّلَ في (المحصولِ) بأنَّ المعانِي غيرُ مُتناهِيَةٍ، والألفاظُ متناهِيَةٌ، لتَرَكُّبِها من الحروفِ المُتَنَاهِيَةِ، والمُرَكَّبُ من المُتَنَاهِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَناهِيًا، وقد يُمْنَعُ عَدَمُ تناهِي المعانِي، فإنَّ المَعْقُولَ مُتَنَاهٍ وبه صَرَّحَ الإمامُ في مسألَةِ المُشْتَرَكِ، ثمَّ قالَ الإمامُ: فإذا ثَبَتَ هذا فالمَعانِي قسمانِ:
أحدُهما: ما تُشْتَدُّ الحاجَةُ إلى التَّعبيرِ عنه، فيَجِبُ الوَضْعُ له لأَجْلِ الإفهامِ بالمُخَاطَبَةِ.
[ ١ / ٣٨٨ ]
والثاني: ما لا تُشْتَدُّ الحاجَةُ إليه، فيَجُوزُ فيه الأمرانِ، يعني: الوَضْعُ وعَدَمِه، أمَّا عَدَمُ الوَضْعُ فإنَّه ليسَ ممَّا يَحْتَاجُ إليه، وأمَّا الوَضْعُ فللفوائدِ الحاصلَةِ به.
واعْلَمْ أنَّ لفظَ (المحصولِ): لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ لكُلِّ لفظٍ معنًى، بل ولا يَجُوزُ واقْتَصَرَ في (الحاصلِ) على نَفْيِ الوجوبِ، وفي (المُنْتَخَبِ) على نَفْي الجوازِ، والمُصَنِّفُ أَتَى بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُهُمَا.
ص: (والمُحْكَمُ المُتَّضَحُ المَعْنَى والمُتَشَابِهُ، ما اسْتَاثَرَ اللهُ تعالَى بعِلْمِه، وقد يُطْلِعُ عليه بعضَ أصْفِيائِه).
ش: في القرآنِ مُحْكَمٌ ومُتَشَابِهٌ، كما قالَ تعالَى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٍ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٍ﴾ وقد كَثَرُ الخِلافَ في مَعْنَاهِمَا.
[ ١ / ٣٨٩ ]
والمُصَنِّفُ في تَفْسِيرِ المُحْكَمِ مُتَابِعٌ لابنِ الحَاجِبِ، والمُرَادُ بالمُتَّضَحِ هو المَعْنَى الذي لا يَتَطَرَّقُ إليه إشكالٌ، مَاخُوذٌ من الإحْكامِ وهو الاتفاقُ، فيَدْخُلُ فيه النَّصُّ والظاهرُ، وقالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ أَحَسَنُ الأقوالِ فيه: ما أَمْكَنَ مَعْرَفَةُ المُرَادُ بظَاهرٍ أو بدَلالَةٍ تُكْشَفُ عنه، وفَسَّرَ المُصَنِّفُ المُتَشابِهُ بحُكْمِه، وإلاَّ فهو مُقَابِلُ المُحْكَمِ، فيكونُ ما لم يَتَّضِحْ معناهُ، فيَشْمَلُ المُجْمَلَ وما ظاهِرُه التَّشْبِيهُ، وهو المقصودُ هنا.
وقد اخْتُلِفَ في إدْراكِ عِلْمِ المُتشابِه، فذَهَبَ الأشْعَرِيُّ والمُعْتَزِلَةُ إلى أنَّه لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في جُمْلَةِ
[ ١ / ٣٩٠ ]
الرَّاسِخِينَ مَن يَعْلَمُه، ووَقَفُوا على قولِه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. وقالَ ابنُ الحَاجِبِ: إنَّه الظاهرُ؛ لأنَّ الخِطَابَ بما لا يُفْهَمُ بعيدٌ، وقالَ النَّوَوِيُّ في كتابِ العِلْمِ من (شَرْحِ مُسْلِمٍ)، إنَّه الأَصَحُّ؛ لأنَّه يَبْعُدُ أنْ يُخَاطِبَ اللهُ عِبادَه بما لا سبيلَ لأَحَدٍ من الخَلْقِ إلى مَعْرِفَتِه، قالَ: وقد اتَّفَقَ أصْحَابُنَا وغيرُهم من المُحَقِّقِينَ على أنَّه يَسْتَحِيلُ أنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ بما لا يُفِيدُ.
وذَهَبَ كثيرٌ من أصْحَابِنَا المُتَكَلِّمِينَ والفقهاءِ كالحَارِثِ والقَلانِسِيِّ إلى أنَّه لا يَعْلَمُ تَاوِيلَه إلاَّ اللهُ، ووَقَفُوا على قولِه: ﴿إِلاَّ اللهُ﴾.
قالَ الأستاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وهو الأَصَحُّ عندَنا؛ لأنَّه قولُ الصحابَةِ.
وقالَ ابنُ
[ ١ / ٣٩١ ]
السَّمْعَانِيِّ: إنَّه المُخْتَارُ على طَرِيقَةِ أهلِ السُّنَّةِ.
ص: (قالَ الإمامُ: واللفظُ الشائعُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِمَعنًى خَفِيٍ إلاَّ على الخواصِّ، كما يَقُولُ مُثْبِتُو الحالِ: الحركةُ معنًى تُوجِبُ تَحَرُّكُ الذَّاتِ).
ش: مَنَعَ الإمامُ فَخْرِ الدِّينِ أنَّ اللفظَ المَشْهورَ المتداولَ بينَ الخاصَّةِ والعامَّةِ في معنَى - أنْ يُوضَعَ لمَعنًى خَفِيٍّ جِدًا، بحيثُ لا يَعْرِفُه إلا الخواصُّ، والغَرَضُ من هذه المسألَةِ الرَّدُ على مُثْبِتِي الأحوالِ؛ لأنَّهم يَقُولُونَ: الحركَةُ معنًى يُوجِبُ كَوْنِ الذاتِ مُتَحِرِّكَةٌ، والمَشْهُور بين الخاصَّةِ والعامَّةِ أنَّها نَفْسُ الانتقالِ، لا معنًى أَوْجَبَ الانتقالَ، يَمْتَنِعُ أنْ تَكونَ موضوعَةٌ لذلك المعنَى، إذِ يَتَعَذَّرُ تَعَقُّلُه على غيرِ الخواصِّ.
وقد رَدَّ عليه الأصْفَهَانِيُّ في شَرْحِه، وقالَ: قد يُدْرِكُ الإنسانُ معانِي خَفِيَّةٍ لَطِيفَةٍ، ولا يَجِدُ لها لفْظًا دالًاّ عليها؛ لأنَّ ذلك المعنَى مُبْتَكِرٌ، ويَحْتَاجُ إلى وَضْعِ لفظٍ بإزائِهِ؛ ليَفْهَمَ ذلك الغيرُ ذلك المعنَى، سواءٌ أَكَانَ اللفظُ من الألفاظِ المشهورةِ أو لا، ولا حَجْرَ في الاصْطِلاحَاتِ، والكُتُبِ العِلْمِيَّةِ مَشْحُونَةٌ، بأمثالِ هذه الألفاظِ، وذلك يُمْكِنُ رَدُّهُ بالدليلِ، نَعَمْ، إنْ ادَّعَى الخِصْمُ أنَّ هذا اللفْظَ المشهورَ موضوعٌ بإزاءِ المعنَى الخَفِيِّ أو
[ ١ / ٣٩٢ ]
لا فمَمْنُوعٌ، قالَ: وأسماءُ اللهُ تعالَى المُقَدَّسَةُ من قَبِيلِ القسمِ الأوَّلِ، فإنَّ منها ألفاظًا مشهورةً، وبإزائِها مَعَانِي دَقِيقَةٍ غَامِضَةٍ لا يَفْهَمُها إلا الخواصُّ.
ص: (مسألَةٌ: قالَ ابنُ فُورَكْ والجمهورُ: اللُّغاتُ تَوْقِيفِيَّةٌ عَلَّمَها اللهُ تعالَى بالوَحْيِ أو خَلْقِ الأصْواتِ، أو العِلْمِ الضَّرُورِيَّ، وعُزِيَ إلى الأشْعَرِيِّ، وأكثرِ المعتزلِةِ اصطلاحِيَةٌ، حَصَلَ عِرْفَانُها بالإشارَةِ والقريِنَةِ كالطِّفْلِ، والأستاذُ: القَدْرُ المُحْتَاجُ في التعريفِ تَوْقِيفِيٌّ وغيرُه مُحْتَمَلٌ، وقيلَ: عَكْسُهُ، وتَوَقَّفَ كثيرٌ، والمُخْتَارُ الوَقْفُ عن القَطْعِ، وأنَّ التَّوْقِيفَ مَظْنُونٌ).
ش: هذه المَسْأَلَةُ في البحثِ عن الواضِعِ، وفيها أقوالٌ:
إحدَاها: قولُ الجمهورُ: إنَّها تَوْقِيفِيَّةٌ وأنَّ الواضِعَ هو اللهُ تعالَى، والتَّعْرِيفُ إمَّا الوَحْيُ أو الإلْهَامُ، بأنْ عَلَّمَها بالوَحْيِ إلى الأنبياءِ أو خَلْقِ أصواتٍ تَدُلُّ على اللُّغَاتِ وإسْمَاعِها لواحدٍ أو جَمَاعَةٍ، أو بخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُوريٍّ في الصدورِ لصِيَغٍ مَخْصُوصَةٍ لمَعَانٍ، فبَيَّنَ العُقلاءُ الصِّيَغَ ومعانِيها.
قالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: فيكونُ معنَى التَّوقيفَ أنْ
[ ١ / ٣٩٣ ]
تَلْقَفُوا وَضْعَ الصِّيَغِ على حُكْمِ الإرَادَةِ والاختيارِ، واخْتَارَهُ ابنُ فارسٍ في كتابِه (فِقُهُ العَرَبِيَّةِ) واحْتَجَّ له بالإجماعِ على الاحتجاجِ بلُغَةِ القَوْمِ، ولو كانَتِ اللُّغَةُ مُواضِعَةٌ لم يَكُنْ أُولئكَ في الاحتجاجِ بهم بأَوْلَى منَّا في الاحتجاجِ، فقالُوا: اصْطَلَحْنَا على لُغَةِ القَوْمِ ولا فَرْقَ، واحْتَجَّ غيرُه من النُّحاةِ، بأنَّه لو كانَ اصْطِلاحًا لم يَخْتَلَفُوا، فيَقُولُ بعضُهم: مَرَرْتُ بِأَبِيكَ، وآخَرُونَ: بآبَائِكَ، وأيضًا فقد اسْتِعْمَلُوا أَبْنِيَةً وتَرَكُوا غَيْرَها، ولا سَبيلَ إلى الاصطلاحِ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ قَط أُمَّةٌ وُلِدَتْ مُتَكَلِّمَةً، ولا تَكَلَّمَتْ حتى وُلِدَتْ، حَكَاهُ ابنُ خَروفٍ في (شَرْحِ سِيبَوَيْهِ) وقالَ: الأَقْرَبُ أنَّه إِلْهَامٌ من اللهِ تعالَى، وهذا المَذْهَبُ عَزَاهُ جماعَةٌ إلى الأشْعَرِيِّ، وإنَّما لم يَجْزِمِ المُصَنِّفُ بنِسْبَتِه إليه لِمَا سَنَذْكُرُه، ولكنَّه عَزَاهُ لأكَابِرِ أصْحَابِه كابنِ فَوْرَكٍ، وقد رَأَيْتُه في كِتَابِه، فقالَ: الذي يَصِحُّ من ذلك قولُ من قالَ: إنَّه تَوْقِيفِيٌّ؛ وذلك لأنَّه لو وَقَعَ اصْطِلاحًا، لم يَقَعْ كذلك إلاَّ بِلُغَةٍ أُخْرَى أو إِشَارَةٍ أو كِتَابَةٍ أُخْرَى، وكانَ يَحْتَاجُ من الاصطلاحِ مثلَ ما يَحْتَاجُ إليه ما وَرَاءَهَا= إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى أَمْرٍ غيرَ مُصْطَلَحٍ عليه، فنقول: الأمْرُ فيه إلى التوقيفِ.
والثاني: وعليه أَكْثَرُ المُعْتَزِلَةُ أنَّها اصْطِلاحِيَّةٌ بمعنَى أنَّ واحدًا من البشرِ أو جَماعةُ وَضَعَها، وحَصَلَ التعريفُ للباقِينَ بالإشارَةِ والقرائنَ.
كتعريفِ الوالدَيْنِ لُغَتَهُما للأطفالِ، وفَسَّرَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ الاصطلاحَ؛ بأنَّه لا يَبْعُدُ أنْ يُحَرِّكَ اللهُ به نُفُوسَ العُقلاءِ لذلك؛ أي: يَعْلَمُ بَعْضَهم مَرادَ بَعْضٍ، ثمَّ يُنْشِؤُونَ على اختيارٍ منهم صِيغًا لتِلْكِ المعانِي التي يُرِيدُونَها، ألاَ تَرَى أنَّ الإنسانَ يُولَدُ له مولودٌ فيُنْشِئُ له اسْمًا، وكذا يَجُوزُ أنْ تَسْتَحْدِثَ صِيغَةً دالَّةً، فتَصِيغُ للصِّفَةِ اسمًا
[ ١ / ٣٩٤ ]
وللآلَةِ اسمًا.
الثالثُ: مَذْهَبُ الأستاذُ أنَّ القَدْرَ المُحْتَاجَ إليه منها في التعريفِ تَوْقِيفِيٌّ، والباقِي مُحْتَمَلٌ للتَّوْقِيفِ وغيرِه، كذا حَكَاهُ ابنُ بُرْهَانَ والآمِدِيُّ وغيرُهما، والذي في (المَحْصُولِ) و(المِنْهَاجِ) عنه: أنَّ الباقِي مُصْطَلَحٌ، مع أنَّه في (المحصولِ) عندَ الاسْتِدْلالِ عليه حَكَى الأوَّلُ، وهذا هو الصوابُ كما رَأَيْتُه في كِتَابِه، وعلى هذا فيكونُ مَذْهَبَه مُرَكَّبًا من الوَقْفِ والتَّوْقِيفِ.
الرابعُ: عَكْسُه، وهو يُفْهَمُ أنَّ القَدْرَ المُحْتَاجَ إليه اصطلاحٌ والباقِي مُحْتَمَلٌ، لكنَّ الذين حَكُوا هذا المَذْهَبَ قالُوا: إنَّ الباقِي مُصْطَلَحٌ.
والخامسُ: الوَقْفُ، بمعنَى أنَّ الجميعَ مُمْكِنٌّ لتَعَارُضِ الأدِلَّةِ، وعَزَاهُ في (المَحْصُولِ) للقَاضِي وجُمْهُورِ المُحَقِّقِينَ.
والسادسُ: الوَقْفُ عن القَطْعِ بواحدٍ من هذه الاحْتِمَالاتِ، وتَرْجِيحُ مَذْهَبُ الأشْعَرِيِّ بغَلَبَةِ الظَّنِّ، وهذا ما اخْتَارَهُ ابنُ الحَاجِبِ والمُصَنِّفِ، ويَخْرُجُ من كلامِ
[ ١ / ٣٩٥ ]
ابنِ السَّمْعَانِيِّ.
سابعٌ: وهو تَجْوِيزُ الكُلِّ مع ظهورِ مَذْهَبِ الأستاذِ؛ فإنَّه قالَ: المُخْتَارُ تَجْويزُ كُلِّ ذلك، ثمَّ قالَ: والظاهرُ أنَّ بعضَها كَانَ تَوْقِيفًا من اللهِ تعالَى على ما نَطَقَ به الكتابُ، وبعضَها كانَ اصطلاحًا وتَوَاطُؤًا، ومن المُتَأَخِّرِينَ مَن قالَ: منها ما يَقْطَعُ فيه بالاصطلاحِ كالأعلامِ، وقيلَ إنَّ الأشْعَرِيَّ إنَّما تَكَلَّمَ في الوقوعِ معَ تَجْوِيزِ صُدُورِ= اللُّغَةِ اصطلاحًا، ولو مُنِعَ الجَوازُ لنَقَلَهُ عن القاضِي وغيرِه من أصْحَابِه، وذَكَرَ إمامُ الحَرَمَيْنِ الخلافَ في الجوازِ ثمَّ قالَ: إنَّ الوقوعَ لم يَثْبُتْ.
فائدةٌ: تَكَلَّمُوا في فَائِدَةِ هذه المسألَةِ، فمنْهُم مَن نَفَاهَا كالأَبْيَارِيِّ شارحُ (البُّرْهَانِ) وقالَ: ذَكَرَها في الأُصُولِ فُضُولٌ، ومنهم مَن قالَ: فائدُتُها قَلْبُ اللُّغَةِ، وقالَ المَاوَرْدِيُّ في تَفْسِيرِه: فائِدَةُ الخلافِ أنَّ مَن جَعَلَ الكلامَ تَوْقِيفًا جَعَلَ التَّكْلِيفَ مُقَارِنًا لكَمَالِ العَقْلِ، ومَن جَعَلَه اصْطِلاحًا جَعَلَ التَّكْلِيفَ مُتَأَخِّرًا عن العَقْلِ مُدَّةَ الاصطلاحِ على مَعْرِفَةِ الكلامِ.
[ ١ / ٣٩٦ ]
ص: (مسأَلَةٌ: قالَ القَاضِي، وإمَامُ الحَرَمَيْنِ، والغَزَالِيُّ والآمِدِيُّ: لا تَثْبُتُ اللُّغَةُ قياسًا، وخَالَفَهُم ابنُ سُرَيْجٍ، وابنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وأَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْرَازِيُّ، والإمامُ، وقيلَ: تَثْبُتُ الحقيقةُ لا المجازَ، ولفظُ القياسَ يُغْنِي عن قولِك: مَحَلَّ الخلافِ، ما لم يَثُبُتْ تَعْمِيمُه باسْتِقَرَاءِ).
ش: اتَّفَقُوا كُلَّهُم على امْتِناعِ جَرَيانِ القِياسِ في أَسْمَاءِ الأعْلامِ؛ لأنَّها غيرُ مَعْقُولَةِ المعنَى، والقياسُ فَرْعُ المعنَى، فهو كحُكْمٍ تَعَبُّدِيٍّ لا يَعْقُلُ معنَاهُ، وكذلك على امْتِنَاعِه في الصِّفَاتِ من اسمِ الفاعلِ والمفعولِ ونحوِهما؛ لأنَّ القياسَ لا بُدَّ فيه من أَصْلٍ، وهو غيرُ مُتَحَقِّقٌ فيها، إذ ليسَ جَعَلَ= البعضُ أصلًا والبعضُ الآخَرَ فَرْعًا أَوْلَى من العَكْسِ، واطْرِادَهما في محالِهما مُسْتَفَادٌ من الوَضْعِ لا القياسُ، فلأنَّهم وَضَعُوا القائمَ والقاعِدَةَ بإزاءِ كُلٍّ من قَامَ وقَعَدَ، وعلى امْتِنَاعِه فيما يَثْبُتُ بالاسْتِقْرَاءِ إرَادَةً للمعنَى الكُلِّيِّ، كقولِنا: الفاعلُ مرفوعٌ، والمفعولُ منصوبٌ، وإنَّما مَحَلُّ الخلافِ فيما إذا أَطْلَقُوا اسْمًا مُشْتَمَلًا على وَصْفٍ، واعْتَقَدْنَا أنَّ التَّسْمِيَةَ لذلك الوصفِ، فأَرَدْنَا تَعْدِيَةَ الاسمَ إلى مَحَلٍّ آخَرَ مَسْكُوتٌ عنه، كما إذا اعْتِقَدْنا أنَّ إطلاقَ اسمَ الخَمْرِ باعْتِبارِ التَّخْمِيرِ، فعَدَيْنَاهُ إلى النَّبْيذِ وفيه مذاهبَ.
[ ١ / ٣٩٧ ]
أحدُها: المَنْعُ، وبه قالَ مُعْظَمُ أصْحابِنا والحَنَفِيَّةُ، وفي ذِكْرِ القاضِي مِن المَانِعِينَ فائدةٌ، وهي: الرَّدُّ على ابنِ الحَاجِبِ حِكَايَتَه عن القاضِي الجَوازُ، والموجودُ في (التقريبِ) للقاضِي المَنْعُ، وكذا حَكَاهُ عن المَاوَرْدِيِّ وغيرِه، ومِن أَدِلَّتِهم: ما مِن شيءٍ إلاَّ ولَه اسمٌ في اللُّغَةِ توقيفًا فلا يَجُوزُ أنْ يَثْبُتَ له اسمٌ آخَرَ بالقياسِ، كما إذا ثَبَتَ لشيءٍ حَكَمَ بالنَّصِّ لم يُجِزْ أنْ يَثْبُتْ له حُكْمٌ آخَرَ بالقياسِ؛ ولأنَّ الخلافَ إنَّما هو الأسماءُ في المُشْتَقَّةِ والعُرْفِ لا يَلْزَمُ طَرْدُ القياسِ في الاشتقاقِ، فإنَّهم سَمُّوا الدَّابَةَ لدِبِيبِها، ولم يُسَمُّوا كلَّ ما دَبَّ دَابَّةً، ولأنَّ الخَمْرَ فُسِّرَ في معنَى اسمِها الاضطرابُ، وإنَّما هي من المُخَامَرَةُ أو التَّخْمِيرِ، فلو شَاعَ الاسْتِمْساكُ بالاشتقاقِ لكانَ كلُّ ما يُخَامَرُ العقلُ وإنْ لم يَضْطَرِبْ يكونُ خَمْرًا.
والثاني: الجوازُ؛ لأنَّ الاشتقاقَ في الاسمِ بمَنْزِلةِ التعليلِ، فكأنَّهم جَعَلُوا المُشْتَقَّ بمنزلَةِ الفَرْعِ، والمُشْتَقَّ منهُ بمنزلَةِ الأصْلِ، والمعنَى الذي لأَجْلِه بمنزلَةِ العِلَّةِ، وما عَزَاهُ المُصَنِّفُ للإمامِ صحيحٌ، ولا يُنَافِيهِ قولُه: في مواضِعَ، هذا قياسٌ في اللُّغَةِ فلا نَقُولُ به، فهذا اسْتِطْرادٌ لا يُؤَثِّرُ فيما ذَكَرَهُ مَظِنَّةٌ؛ ولأنَّ المُنَاظَرَةَ قد يَرْتَكِبُ فيها غيرُ
[ ١ / ٣٩٨ ]
المَذْهَبِ، نَعَمْ، ما عَزَاهُ لابنِ سُرَيْجٍ فيه نَظَرٌ؛ فإنَّ ابنَ السَّمْعَانِيِّ بعدَ أنْ سَرَدَ أَدِلَّةَ المانِعِينَ، قالَ: وهذه الأدِلَّةُ قَوِيَّةٌ جِدًّا، فالأوْلَى أنْ نَقُولَ: يَجُوزُ إثباتُ الأسَامِي شَرْعًا، ولا يَجُوزُ إثباتُها لُغَةً، وهو الذي اخْتَارَهُ ابنُ سُرَيْجٍ، والدليلُ على جوازِ ذلكَ أنَّا نَعْلَمُ أنَّ الشرِيعَةَ إنَّما سَمَّتِ الصلاةَ صلاةً لصفَةِ متى انْتَفَتْ عنها لم تُسَمَّ صلاةً، ففِعْلُه إنْ مَا شَارَكَها في تلك الصِّفَةِ يَكُونُ صلاةً، فبَانَ بهذا ثُبُوتُ الأسماءِ الشَّرْعِيَّةِ بالعِلَلِ، وإذا ثَبَتَ هذا الاسمُ لِمَعَانٍ، جَازَ قِياسُ كلَّ مَحَلٍّ وُجِدَ فيه ذلك المعنَى وتَسْمِيتَه بذلك الاسمِ، وعلى هذا خَرَجَتِ الأسماءُ اللُّغَوِيَّةُ، ولم يَلْزَمْ ما ذَكَرُوهُ من اطِّرَادِ معانِي الاسمِ، وعلى هذا يَثْبُتُ اسمُ الخَمْرِ للنَّبِيذِ شَرْعًا، ويَثْبُتُ للِّواطِ اسمُ الزِّنَا شَرْعًا، ثم يَجِبُ الحَدُّ بالآيةِ، ويَثْبُتُ السارِقُ للنَّبَّاشِ شَرْعًا، ثمَّ يَجِبُ القَطْعُ بالآيةِ. انتهى.
ويَتَحَصَّلُ أربعةُ مَذاهِبَ: المَنْعُ، والجَوَازُ، إثباتُ الاسمِ بالشَّرْعِ، إثْبَاتُه باللُّغَةِ، وفائِدَةُ الخلافِ في هذه المسألَةِ: أنَّ مَن أَثْبَتَ عُمُومُ الاسمِ بِطَرِيقِ القياسِ اللُّغَوِيِّ، انْدَرَجَتِ المُسَمِّياتِ تحتَ العُمُومِ ولم يَحْتَجْ إلى القياسِ الشَّرْعِيِّ وشَرَائِطِه، فيَدْخُلُ تَحْتَ قولِه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾. ومَن لم يُثْبِتْه بالقياسِ اللُّغَوِيِّ احْتَاجَ إلى ذلك.
وعلى الأوَّلِ: يُقْطَعُ النَّبَّاشُ بالنَّصِّ.
وعلى الثاني: بالقياسِ الشَّرْعِيِّ على السرقةِ.
والمَذْهَبُ الثالثُ: يَجْرِي في الحقيقةِ لا في المجازِ، وهو يَخْرُجُ من كلامِ القاضِي عبدِ الوَهَّابِ.
[ ١ / ٣٩٩ ]
لأنَّ المجازَ أَخَسُّ رُتْبَةً من الحقيقةِ، فيَجِبُ تَمْييزُ الحقيقةِ عليه.
وقولُه: (ولَفْظًُ القِياسِ) يُشِيرُ إلى الاستغناءِ عن قولِ ابنِ الحَاجِبِ: ليسَ الخلافُ فيما يَثْبُتُ تَعْمِيمُه بالاسْتِقْرَاءِ كرَفْعِ الفاعلِ ونَصْبِ المفعولِ، ووَجْهُ الاسْتِغْنَاءُ عنه، أنَّ لَفْظَ القياسِ الذي هو موضوعُ المسألَةِ يُعْطِي ذلك؛ لأنَّ اطِّرادَ ذلك في كلِّ ما أُسْنِدَ إليه فِعْلٌ مَعْلُومٌ بالنَّصِّ لا بالقياسِ، ولذلك لم يَحْتَجْ إلى استثناءِ الأعلامِ، فإنَّه لا يُتَصَوَّرُ دُخُولُ القياسِ فيها لِمَا سَبَقَ.
ص: (مسألَةٌ: اللفظُ والمعنَى إنِ اتَّحَدَا فإنْ مَنَعَ تَصَوُّرَ مَعْنَاهُ الشركةُ، فجُزْئِيٌّ وإلاَّ فَكُلِّيٌّ).
ش: هذه المسألةُ في تَقْسيمِ اللفْظِ المُفْرَدِ باعتبارِ نِسْبَتِه إلى المعنَى، وهو أربعةُ أقسامٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَتَّحِدَ اللفظُ والمعنَى، فإنْ مَنَعَ تَصَوُّرُ معنَاهُ من وقوعِ الشركةِ في مَفْهُومِه، فهو جُزْئِيٌّ كالعَلَمِ نحوَ: زَيدٌ، وغيرُه من سائرِ الأعْلامِ؛ فإنَّه لا يُشَارِكُه فيه غيرُه، وإنْ لم يَمْنَعْ تَصَوُّرُ معناهُ من وقوعِ الشركةِ فيه، فهو الكُلِّيُّ كالحيوانِ والإنسانِ.
واعْلَمْ أنَّ الجُزْئِيَّ والكُلِّيَّ بالذاتِ هو ذلك المعنَى، وإنَّما يُقَالُ للَّفْظِ الدَّالِ عليه: كُلِّيٌّ وجُزْئِيٌّ بالعَرَضِ والتَّبِعَيَّةِ تَسْمِيةٌ للدَّالِ باسمِ المَدْلُولِ، وغيرُ المُصَنِّفِ قالَ: نَفْسُ تَصَوُّرِ معناهُ، وإنَّما قَيَّدَ التَّصَوُّرَ؛ ليَخْرُجَ بعضُ أقسامِ الكًُلِّيِّ، وهو ما تَمْتَنِعُ فيه الشركةُ لا لِنَفْسِ مَفْهُومِه، بل لأمْرٍ خارجٍ كواجِبِ الوجودِ، والمُصَنِّفُ حَذَفُه؛ لأنَّه ظَنَّ تَمَامَ الحَدِّ= بدونِه وليسَ كذلكَ، فإنَّه لَمَّا أَخَذَ التَّصُوُّرَ في تعريفِ الكُلِّيُّ، عَلِمْنا أنَّ الكُلْيَّةَ والجُزْئِيَّةَ من عوارِضِ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ، فيهما تَوَهَّمٌ؛ أنَّه لو كانَ من الصُّوَرِ الذهنِيَّةِ مالا يَمْنَعُ الشرِكَةُ، كانَتْ حَقِيقَتُها الخارجِيَّةِ كذلك؛ لأنَّ الصَّورَ الذهنِيَّةَ مُطَابِقَةٌ للخَارِجِ، فأُزِيلَ هذا الوَهْمُ، فإنْ مَنَعَ التَّصَوُّرَ الذِّهْنِيَّ للشركةِ وعَدَمَ منعِه ليسَ بالنَّظَرِ
[ ١ / ٤٠٠ ]
إلى ذاتِها بل من حيثُ تَصَوَّرِها.
وقولُه: (لاَ يَمْنَعُ تَصَوُّرَهُ مِن الشركَةِ) أعمٌّ من أنْ يكونَ قَابِلًا للشركةِ أو غيرِ قابلٍ؛ لأنَّ عَدَمَ المَنْعِ أَعَمٌّ من القبولِ، وبهذا يَظْهَرُ حُسْنُ التعبيرِ بنَفْسِ التَّصَوُّرِ؛ لأنَّ المقصودَ أنَّه لا يُشْتَرَطُ كُونُ الشركةِ مُمْكِنَةً عقلًا، بل لم يُنْظَرْ في وَضْعِه إلى الشرِكَةِ، ولا إلى الوقوعِ في الخارجِ، فإنَّ الكُلَّ قد لا يَقْبَلُ الوجودَ بالكُلْيَّةِ كالمُسْتَحِيلِ، وقد يَقْبَلَهُ، ولم يُوجَدْ واحِدٌ من أفرادِه، كبحرٍ من زِئْبَقٍ، أو وُجِدَ واحدٌ إمَّا مع إمْكانِ غيرِه، كالشَّمْسِ عندَ مَن يُجَوِّزُ وُجودَ شَمْسٍ أُخْرَى، أو امتناعِ غيرِه كهي عندَ مَن لا يُجَوِّزُه، كذا قالَه الهِنْدِيُّ، وغيرُه، وقالَ الآمِدِيُّ في (رُمُوزِ الكُنُوزِ) لفظُ الشمْسِ والقَمَرِ كُلِّيَّانِ إلاَّ أنْ يُرَادَ به هذا الشمسُ وهذا القمرُ.
تنبيهان:
أحدُهما: هذا التعريفُ أَحْسَنُ من تعريفِ ابنِ الحَاجِبِ؛ فإنَّ الاشتراكَ ليسَ بشَرْطٍ، وتعبيرُ ابنُ الحَاجِبِ يُوهِمُ شَرْطِيَّتَه، ولا بُدَّ أنْ يَلْحَظَ في الجُزْئِيِّ قَيْدَ التشْخِيصِ والتَّعْيينِ، فإنَّ مع انْتِفاءِ ذلك، لا بُدَّ أنْ يَشْتَرِكا ولو في أَخَصِّ صفاتِ النَّفْسِ.
الثاني: قالَ التَّسْتَرِيُّ، في حَدِّ الكًُلِّيِّ، في حالِ الإيجابِ، قالَ: فإنَّ زيدًا
[ ١ / ٤٠١ ]
يَشْتَرِكُ كثيرُونَ في سَلْبِه عن مَفْهُومِه معَ أنَّه ليسَ بِكُلِّيٍّ، وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ تَصَوُّرَ معناهُ غيرُ الحُكْمِ عليه بالإيجابِ والسَّلْبِ.
ص: (مُتَوَاطِئٌ إنِ اسْتَوَى، ومُشَكِّكٌ إنْ تَفَاوَتَ).
ش: يَنْقَسِمُ الكُلِّيُّ إلى مُتَوَاطِئٍ ومُشَكِّكٍ؛ لأنَّه إنْ كانَ حُصُولُ معناهُ في أفْرَادِه على التَّساوِي، فهو المُتَواطِئُ كدلالَةِ الإنسانِ على زَيدٍ وعمرٍو ونحوِه، إذِ كُلُّ فَرْدٍ من أَفْرَادِه لا يَزِيدُ على الآخَرِ في الإنسانِيَّةِ، فإنَّ الإنسانِيَّةَ التي في زَيدٍ مَثَلًا ليْسَتْ بِأَسَدٍ ولا أَوْلَى ولا أَقْدَمُ منها في عمرٍو، سُمِّيَ بذلك لمُطَابَقَةِ كلِّ واحدٍ من أفرادِه معناهُ، والمُوَاطَأَةُ: المُوَافَقَةُ، وإنْ كانَ حُصُولُ ذلك المعنَى في بعضِ أفْرَادِه يَتَفَاوتُ في مَفْهُومِه لشِدَّةٍ أو ضَعْفٍ، أو تَقَدُّمٍ أو تَأَخُّرٍ - فهو المُشَكِّكُ، كإطلاقِ الأبَيضِ على الثَّلْجِ والعَاجِّ ونحوِه، فإنَّ البَياضَ الذي في الثَّلْجِ أَشَدُّ منه في العَاجِّ، سُمِّيَ مُشَكِّكًا؛ لأنَّه يُشَكِّكُ النَّاظِرَ هل هو مُتَوَاطِئٌ لوحِدَةِ الحقيقَةِ فيه، أو مُشْتَرِكٌ لِمَا بينَهُما من الاختلافِ؟ وجَوَّزَ الهِنْدِيُّ فَتْحَ الكافِّ على أنَّه اسمُ مفعولٍ، لكونِ
[ ١ / ٤٠٢ ]
الناظرِ يَتَشَكَّكُ فيه، في ذلكَ، وقد أَوْرَدَ عليه أنَّ الأَبْيَضَ مثلًا، إذا أُطْلِقَ على الثَّلْجِ فإمَّا أنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُه فيه مع ضَمِيمَةِ تلكَ الزيادَةِ، أو لا، فإنَّ لم تَكُنْ فهو المُتَوَاطِئُ، وإنْ كانَ فهو المْشَتَرِكُ، فإذا لا حقيقةَ لهذا القِسْمِ المُسَمَّى بالمُشَكِّكِ، وأُجِيبَ بأنَّ تركيبَ الشَّبَهَيْنِ يُحْدِثُ له طبيعَةً أُخْرَى، كالخُنْثَى لا ذَكَرَ ولا أُنْثَى، واعْلَمْ أنَّه رُبَّما اتَّفَقَ في الاسم الواحدِ بالنَّظَرِ إلى مُسَمِّيَيْنِ؛ التَّوَاطُؤِ والاشِتراكِ من جِهَتَيْنِ كالأسودِ إذا قيلَ على شَيْئَيْنِ مُلَوَّنَيْنِ بالسوادِ فإنَّه مُشْتَرِكٌ إنْ جُعِلَ لَقَبًا لهما ومُتَوَطِّئَينِ إنْ دَلَّ عليْهِما باعتبارِ سَوَادَيْهِما.
ص: (وإنْ تَعَدَّدَا فمُتَبَايُنٌ).
ش: القِسمُ الثاني: أنْ يَتَعَدَّدَ اللَّفْظُ والمعنَى، فهي الألفاظُ المُتَبايِنَةٌ كالإنسانِ والفَرَسِ والبَقَرِ، وغيرِ ذلك من الألفاظِ المُخْتَلِفَةِ المَوْضُوعَةِ لمَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، سُمِّيَ بذلك لتَبَايُنِها في الدلالَةِ والألفاظِ.
ص: (وإنْ اتَّحَدَ المعنَى دونَ اللفظِ فمُتَرادِفٌ).
ش: الثالثُ: أنْ يكونَ اللفظُ كثيرًا والمعنَى واحدٌ، فهي الألفاظُ المترادفِةُ، كالإنسانِ والبَشَرِ لِواحدٍ، قالَ الآمِدِيُّ: واتِّحادُ موضوعِ المُسَمِّياتِ المُنْفِرِدَةِ لا
[ ١ / ٤٠٣ ]
يُوجِبُ الترادُفَ، كالسيفِ والصارمِ والهِنْدِيِّ، بل هي مُتَبَايَنَةٌ.
ص: (وعَكْسُه إنْ كانَ حَقِيقَةٌ فيهما فمُشْتَرَكٌ، وإلاَّ فحقيقةٌ ومجازٌ).
ش: الرابعُ: أنْ يَتَّحِدَ اللفظُ ويَتَكَثَّرَ المعنَى، وهو يَشْتَمِلُ على أقسامٍ، لأنَّه وُضِعَ لمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أو أَزْيدَ دَفْعَةَ فهو المُشْتَرِكُ، كالعَيْنِ: للبَاصِرَةِ والجَارِيَةِ والدينارِ وغيرِها، وإنْ وُضِعَ لمعنًى ثمَّ نُقِلَ عنه إلى معنًى آخَرَ لعَلاقَةٍ ولم يَغْلُبْ اسْتِعْمَالُه في المَنْقُولِ إليه - فهو بالنِّسْبَةِ إلى المعنَى الأوَّلِ حقيقةٌ، وإلى الثاني مجازٌ، كالأسَدِ الموضوعِ للحيوانِ المُفْتَرِسِ المَنْقُولِ إلى الرجُلِ الشجاعِ للمُنَاسبَةِ بينَهما، وهي القَوْلَةُ؛ فإنْ غَلَبَ سُمِّيَ لفظًا مَنْقُولًا، وقَسَّمُوهُ باعتبارِ الناقلِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ؛ لأنَّه إمَّا الشرعُ أو العُرْفُ العامُّ أو الخاصُّ، وسُمِّيَتِ المنقولةُ مجازًا، اشْتِقاقًا من التجاوزِ، وهو التَّعَدِّي، إذِ التَّجَوَّزُ يَتَعَدَّى المعنى الحقيقيَّ.
ص: (والعَلَمُ: ما وُضِعَ لمُعَيِّنٍ لا يَتَنَاولُ غيرَه).
ش: هذا منه بيانٌ لبعضِ أقسامِ الجزئيِّ، وعَرَّفَه تَوْطِئَةً لِمَا سيَذْكُرُه من الفرقِ بينَ الشخْصِيِّ منه والجِنْسِيِّ، فقولُه: (ما وُضِعَ لمُعَيِّنٍ) جِنْسٌ يَتَنَاولُ جميعَ المعارفِ، وخَرَجَ عن المنكراتِ.
وقولُه: (لا يَتَنَاولُ غيرَه) فَصَلَ خَرَجَ به ما عَدَاهُ من المعارفِ؛ فإنَّ اسمَ الإشارةِ صَالِحٌ لكلِّ مُشَارٍ إليه، والضميرُ صالِحٌ لكلِّ مُتَكَلِّمٍ ومُخَاطَبٍ وغَائِبٍ، وهذا الحدُّ ذَكَرَهُ ابنُ الحَاجِبِ في مُقَدِّمَتِه النَّحْوِيَّةِ، وزَادَ فيه: بوَضْعٍ واحدٍ، لئلاَّ يَتَوَهَّمَ أنَّ زيدًا إذا سُمِّيَ به رجُلًا ثمَّ سُمِّيَ به آخَرَ فهو مُتَنَاولٌ لغَيْرِه فلا يكونُ الحَدُّ جامعًا، فلمَّا قالَ: بوَضْعٍ واحدٍ، دَخَلَ ذلك؛ فإنَّه وإنْ تَنَاولَ غيرَه، لكنْ ليسَ
[ ١ / ٤٠٤ ]
بوَضْعٍ واحدٍ بل بأوضاعٍ.
وقالَ في شَرْحِه: خَرَجَ بقولِه: لا يَتَنَاولُه غيرَه، قولُكَ: أنتَ وأنتَ مُخَاطِبٌ زيدًا، فإنَّه يَصِحُّ أنْ يُقالَ: وأنتَ، لعَمْرٍو إذا خَاطَبْتُه أيضًا، ومُرادُه بذلك أنَّ (أنتَ) يُوضَعُ لشيءٍ بعَيْنِه، وهو معَ ذلكَ مُتَنَاولٌ لغيرِ ما وُضِعَ له على التَّعْيينِ، واعْتُرِضَ عليه؛ بأنَّ هذا اللفظَ وُضِعَ للمُخَاطَبِ على التَّعْيينِ، فهو لا يَتَنَاولُ غيرَه، لكنْ قد يَعِرضُ الاشتراكَ بحَسَبِ مُخَاطَبَيْنِ أو ثلاثةٍ، وهذا بعينِه.
فقالَ: في العَلَمِ؛ لأنَّ زيدًا أيضًا قد يَقَعُ فيه الاشتراكُ بحَسَبِ الاتفاقِ، وذلكَ لا عِبْرَةَ له؛ لأنَّ واضِعَ اللُّغَةِ جَعَلَ النَّكِرَاتَ شَائِعَةً في نوعِها أو جِنْسِها من غيرِ نَظَرٍ إلى فَرْدٍ من أفرادِها، وجَعَلَ المَعْرَفَةَ لشيءٍ له بعينِه، ثم إنَّ العَالَمَ بلُغَتِه يَسْتَعْمَلَ ألفاظَ المعارِفِ بعدَ عَدَمِ أشخاصِها لأشخاصٍ أُخَرَ، معَ مُرَاعَاةِ غَرِضِ الواضِعِ، وهو التَّعْيينُ في الأصْلِ، والحقُّ أنَّ الضَّمِيرَ كُلِّيٌّ باعتبارِ صلاحيتِه لكلِّ مُتَكَلِّمٍ ومُخَاطَبٍ وغَائِبٍ، وجُزْئِيٍّ باعتبارِ عُروضِ الجُزْئِيَّةِ والشخْصِيَّةِ بسَبَبِ قَصْدُكَ به مُعِينًا فقولُهم: إنَّه وُضِعَ لمعنًى، إنَّما هو باعتبارِ العارضِ.
ص: (فإنْ كانَ التَّعْيينُ خارجيًّا، فعَلَمُ الشَّخْصُ، وإلاَّ: فعَلَمُ الجِنْسِ، وإنَّ للمَاهِيَّةِ من حيثُ هي: فاسمُ جِنْسٍ).
ش: العَلَمُ إمَّا مُسَمَّاهُ جُزْئِيٌّ مخصوصٌ كزيدٍ، ويُسَمَّى عَلَمُ الشخصِ، أو كُلِّيٌّ شائعٌ، كأُسَامَةَ للأسدِ، وثُعَالَةَ للثَّعْلَبِ، ويُسَمَّى عَلَمُ الجِنْسِ، وهو عَلَمٌ لفظًا، نَكِرَةٌُ معنًى، فاسمُ أُسَامَةَ صَالِحٌ لكلِّ أَسَدٍ، بخلافِ عَلَمُ الجِنْسِ، وقد كَثُرَ كلامُ الناسِ في الفرقِ بينَ هذه الثلاثةِ، أعْنِي عَلَمُ الشَّخْصِ، وعَلَمُ الجِنْسِ، واسمُ الجِنْسِ النَّكِرَةِ كأسدٍ، وهو من نَفَائِسِ المَبَاحِثِ، قالَ القِرَافِيُّ: وكانَ الخسروشاهيُّ
[ ١ / ٤٠٥ ]
يُقَرِّرُهُ، ولم أَسْمَعْه من أَحَدٍ إلاَّ منهُ، وكانَ يقولُ: ما في البلادِ المصريَّةِ مَن يَعِرِفُه، وفَرَّقَ بينَ العَلَمَيْنِ، بأنَّ عَلَمَ التَّشَخُّصِ مَوْضوعٌ للحقيقَةِ بقَيْدِ التَّشَخُّصِ الخارجيِّ، وعَلَمَ الجِنْسِ مَوْضوعٌ للمَاهِيَّةِ بقَيْدِ التَّشَخُّصِ الذِّهْنِيِّ، وفَرَّقَ بينَ اسمِ الجِنْسِ وعَلَمِ الجِنْسِ بخصوصِ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ، فإنْ وُضِعَ لها من حيثُ خُصُوصُها فهو عَلَمُ الجِنْسِ، أو من حيثُ عُمُومُها فاسمُ الجِنْسِ، وعلى هذا الفَرْقِ مَشَى المُصَنِّفُ، أنَّ اسمَ الجِنْسِ هو الموضوعُ للحقيقةِ الذِّهْنِيَّةِ من حيثُ هي، فـ (أَسَدٌ) موضوعٌ للحقيقةِ من غيرِ اعتبارِ قَيْدٍ مَعَهَا أَصْلًا، وعَلَمُ الجِنْسِ مَوْضوعٌ للحقيقةِ باعتبارِ حضورِها الذِّهْنِيِّ، الذي هو نَوْعُ تَشَخُّصٍ لها مع قَطْعِ النَّظَرِ عن أَفْرَادِها، ونَظِيرُه المُعَرَّفَةُ باللاَّمِ التي هي للحقيقةِ والماهِيَّةِ، فإنَّ الحقيقةَ الحاضِرَةُ في الذِّهْنِ وإنْ كانَتْ عامَّةٌ بالنسْبَةِ إلى أفرادِها، فهي باعتبارِ حُضُورِها فيه أَخَصٌّ من مُطْلَقِ الحقيقةِ، فإذا اسْتَحْضَرَ الواضِعُ صورةَ الأسَدِ، ليَضَعَ لها تلكَ الصورةَ الكائنَةَ في ذِهْنِه، جُزْئِيَّةً بالنسبَةِ إلى مُطْلَقٍ صورةِ الأسدِ، فإنَّ هذه الصورةَ واقِعَةٌ لهذا
الشَّخْصِ في زمانٍ، ومِثْلُها يَقَعُ في زمانٍ آخَرَ، وفي ذِهْنٍ آخَرَ والجميعُ مُشْتَرِكٌ في مُطْلَقِ صُورَةِ الأسَدِ، وفي كلامِ سِيبَوَيْهِ إشارةٌ إلى هذا الفَرْقِ، فإنَّه قالَ في بابِ تَرْجَمَتِه (هذا بابُ مِن المَعْرِفَةِ يكونُ الاسمُ الخاصُّ فيه شائعًا في أُمَّتِه، ليسَ واحدًا منها بأَوْلَى من الآخَرِ) ما نَصَّهُ: إذا قلتَ: هذا أَبُو الحَارِثَ، إنَّما تُرِيدُ هذا الأسدُ، أي: هذا الذي سَمِعْتَ باسْمِه لو عَرَفْتَ أشْبَاهَه، ولا تُرِيدُ أنْ تُشِيرَ إلى شيءٍ قد عَرَفْتَه كزيدٍ، ولكنَّه أَرَادَ هذا الذي كلَّ واحدٍ من أمَّتِه له هذا الاسمِ. انتهى.
فجَعَلَه بمَنْزِلَةِ المُعَرَّفِ باللاَّمِ التي للحقيقةِ، وقولًُه: (هذا) إشارَةٌ إلى شيءٍ بعَيْنِه، فصَارَ أُسَامَةُ يُغْنِي عن هذا، كما أنَّ زيدًا يُغْنِي عن قولِك: الرجُلُ المعروفِ بكذا وكذا، وكونُ أُسَامَةَ وَاقِعٌ على كلِّ أَسَدٍ إنَّما كانَ؛ لأنَّ التعريفَ فيه للحقيقةِ، وهي مَوْجُودَةٌ فيه كذا قَرَّرَهُ ابنُ عَمْرُونَ قالَ:
[ ١ / ٤٠٦ ]
ونَظِيرُه: يا رُجُلَ، إذا أَرَدْتَ مُعَيَّنًا، فأيُّ رَجُلٍ أَقْبَلْتَ عليه ونَادَيْتَه، كانَ مُعَرَّفَةٌ لوجودِ القَصْدِ إليه، فكذا أُسَامَةُ؛ أي: أَسَدٌ رَأَيْتَه، فإنَّك تُرِيدُ هذه الحقيقةَ المَعْرُوفَةَ بكذا، فالتَّعَدُّدِ ليسَ بطريقِ الأصلِ. انتهى.
وقالَ ابنُ مَالِكٍ بعدَ ذِكْرِه نَصَّ= سِيبَوَيْهِ هذا: جَعَلَه خَاصًّا شائعًا في حالةٍ واحدةٍ مَخْصُوصَةٍ، باعتبارِ تَعْيينِه الحقيقَةُ= في الذِّهْنِ، وشِيَاعُه باعتبارِ أنَّ لِكُلِّ شَخْصٍ من أشخاصِ نَوْعِه قِسْطًا من تلك الحقيقةِ في الخارجِ، والذي اخْتَارَهُ والدُ المُصَنِّفِ أنَّ عَلَمَ الجِنْسِ: ما قُصِدَ به تَمْييزُ الجِنْسِ عن غيرِه مع قَطْعِ النَّظَرِ عن أفرادِه.
واسمُ الجِنْسِ: ما قُصِدَ به مُسَمَّى الجِنْسِ باعتبارِ وقُوعِه على الأفرادِ، حتى إذا دَخَلَتْ عليه الألِفُ واللاَّمُ الجِنْسِيَّةُ، صَارَ مُساويًا لعَلَمِ الجِنْسِ؛ لأنَّ الألِفَ واللاَّمَ الجِنْسِيَّةَ لتَعْرِيفِ المَاهِيَّةِ، وفَرَّعَ على ذلك أنَّ عَلَمَ الجِنْسِ لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ، لأنَّ الحقيقةَ من حيثُ هي لا تَقْبَلُ جمعًا ولا تَثْنِيَةً؛ لأنَّ التَّثْنِيَةَ والجَمْعُ إنَّما هو للأفرادِ، لكنْ صَرَّحَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ في (القواطعِ) أنَّ الألِفَ واللاَّمَ الداخِلَةِ على اسمِ الجِنْسِ، لعَهْدِ الجَنْسِ لا للتَّعْرِيفِ.
وقالَ ابنُ الحَاجِبِ في (شَرْحِ المُفَصَّلِ) في الفَرْقِ بينَ أُسَامَةَ وزَيدٍ: إنَّ أسدًا مَوْضُوعٌ لفَرْدٍ من أفرادِ النَّوْعِ لا بعَيْنِه، فالتَّعَدُّدُ فيه من أَصْلِ الوَضْعِ، وأُسَامَةَ موضوعٌ للحقيقةِ المُتَّحِدَةِ في الذِّهْنِ، فإذا أَطْلَقْتَ أسدًا على واحدٍ أَطْلَقْتَه على أَصْلِ وَضْعِه، وإذا أَطْلَقْتَ أُسَامَةَ على الواحدِ فإنَّما أَرَدْتَ الحقيقةَ، ويَلْزَمُ من ذلك التَّعَدُّدُ في الخارجِ، فالتَّعَدُّدُ فيه ضِمْنًا لا قَصْدًا بالوَضْعِ، وهذه الفروقُ إنْ أُرِيدَ بها أنَّ وَضْعَ اللُّغَةِ ذلك فيَحْتَاجُ إلى دليلٍ وإلاَّ فهِيَ تَحَكُّمَاتٍ.
[ ١ / ٤٠٧ ]
ص: (مسألةٌ: الاشتقاقُ: رُدَّ لَفْظٌ إلى آخَرَ ولو مَجازًا، لمُنَاسبَةٍ بينَهما في المعنَى والحروفِ الأصْلِيَّةِ).
ش: قولُه: (رُدَّ لَفْظٌ) جِنْسٌ، والمرادُ به جَعَلَ أحدَهُما أَصْلًا، والآخَرَ فَرْعًا، والفَرْعُ مَرْدُودٌ إلى الأصلِ، وشَمِلَ اللفظُ للاسِمِ والفِعْلِ، وقولُه: (ولو مَجازًا) إشَارَةٌ إلى أنَّ الاشتقاقَ يكونُ من حقيقةٍ، ولا خلافَ فيه، ويكونُ من مجازٍ، وخَالَفَ فيه القَاضِي أَبُو بَكْرٍ، والغَزَالِيُّ، والكَيَا، فمَنَعُوا الاشتقاقَ من المَجَازَاتِ، وقالُوا: إنَّما يَكُونُ الاشتقاقُ من الحقائقِ، كالأمْرِ، فإنَّه يَشْتَقُّ منه الآمِرَ والمَامُورَ وغيرَهما، باعتبارِ معنَاها الذي هو الفِعْلُ لكونِه مجازًا فيه، والرَّاجِحُ الجوازُ فيه كالحقيقةِ، ويَشْهَدُ له إجماعُ البيانِيِّينَ على صِحَّةِ الاستعارَةِ التَّبَعِيَّةِ وهي مُشْتَقَّةٌ من المجازِ؛ لأنَّ الاستعارَةَ أوْلًا تكونُ في المَصْدَرِ، ثم يُشْتَقُّ منه، ولأجْلِ الخلافِ فيه أَتَى المُصَنِّفُ بـ (لو).
وقولُه: (لِمُنَاسَبَةٍ)؛ أي: بأنْ يَكُونَ فيه معنَى الأصْلِ، إمَّا معَ زيادَةٍ كالضربِ والضاربِ، فإنَّ الضاربَ ذاتَ له الضربَ، وإمَّا دونَها كالقَتْلِ مَصْدَرًا من قَتْلٍ.
وقولُه: (والحروفُ الأصْلِيَّةِ) خَرَجَتِ الزيادَةُ فلا عِبْرَةَ بها كالاسْتِعْجَالِ والاشتقاقِ، ولا يُشْتَرَطُ في الأصلِيَّةِ أنَّ تكونَ مَوْجُودَةٌ؛ لأنَّه رُبَّما حَذَفَ بعضَها لمانِعٍ، كخَفْ من الخَوْفِ، نَعَمْ، يُشَتَرَطُ التَّرْتِيبُ، وأَهْمَلُوهُ.
[ ١ / ٤٠٨ ]
واعْلَمْ أنَّ الاشتقاقَ ثلاثةُ أقسامٍ:
أَصْغَرُ: وهو اتِّفَاقُ اللفظَيْنِ في الحروفِ والترتيبِ، نحوَ: نَصَرَ ونَصِيرٍ.
وصغيرٌ: ويُسَمَّى أَوْسَطُ: وهو اتِّفَاقُهُما في الحروفِ دونَ التَّرْتِيبِ، نحوَ: جَبَذَ وجَذَبَ.
وأكْبَرُ: وهو اتِّفاقُهما في بعضِ الحروفِ دونَ بعضٍ، نحوَ: ثَلَمَ وثَلَبَ. ومنه قولُهم: الضَّمانُ مُشْتَقٌّ من الضَّمِّ، فيَظْهَرُ أنَّه يَعْتَبِرُ في الأوَّلِ مُوافَقَةُ المعنَى والحروفِ الأصلِيَّةِ مع الترتيبِ، وفي الأخيرَيْنِ المُنَاسَبَةُ فقطْ، فإنْ أَرَادَ المُصَنِّفُ تعريفَ الأصْغَرِ فلْيُزِدْ قَيْدَ الترتيبِ، وأَجَابَ بأنَّ المُرادَ الأصغرُ، ولا حَاجَةَ لقَيْدِ الترتيبِ، فإنَّه إنْ لم يَكُنْ على تَرْتِيبِه لم يُنَاسِبْهُ، فإنْ قيلَ: المُنَاسبَةُ أَعَمٌّ، قُلْنَا: لا نُسَلِّمُ.
ص: (ولا بُدَّ من تَغْييرٍ).
ش: أي: بينَ اللَّفْظَيْنِ بزِيادَةٍ أو نُقْصَانٍ أو بهما في حَرْفٍ أو حَرَكَةٍ أو فِيهِمَا، والتغييرُ المَعْنَوِيُّ إنَّما يَحْصُلُ بطريقِ التَّبَعِ، وهذا أَحَسَنُ من قولِ ابنِ الحَاجِبِ، وقد يُرَادُ بتَغْييرِ ما. فإنَّه يُوِهِمُ أنَّه من تَمَامِ الحَدِّ، وإنَّما هو شَرْطٌ ذُكِرَ تَمْهِيدًا للقِسْمَةِ التي ذَكَرُوها إلى خَمْسَةَ عَشَرَ صورةً فصاعدًا لا قَيْدًا، وقيلَ: المُرادُ بالتَّغْييرِ: المَعْنَوِيُّ،
[ ١ / ٤٠٩ ]
كما صَرَّحَ به صَاحِبُ (المُنْتَهَى)؛ لأنَّ التغييرَ اللفظيَّ فُهِمَ من قولِه أوْلًا.
(رُدَّ لَفْظٌ إلى آخَرَ) لاستحالَةِ رَدِّ الشيءِ إلى نَفْسِه، والأَوْلَى أنْ يُرَادَ كلٌّ منهُما، والأوْلَى وإنْ فُهِمَ منه التغييرُ اللفظيُّ، لكنْ ذَكَرَهُ ثانيًا لأمْرَيْنِ:
أحدُهما: ليَدُلَّ له بطريقِ المُطَابَقَةِ.
وثانيهما: أنَّه لَمَّا كانَ التغييرُ اللفظيُّ لا يَجِبُ أنْ يكونَ حقيقةً، بل لو كانَ تَقدِيرِيًّا كَفَى، كما في الفُلْكِ مُفْرَدًا وجَمْعًا، احْتَاجَ إلى ذِكْرِه ثانيًا ليُنَبِّهَ على أنَّ المُرادَ بالتغييرِ ما هو الأَعَمُّ من الحقيقيِّ والتقديريِّ.
وبهذا يُجَابُ عن اعتراضِ بعضِهم على اشْتِراطِ أصْلِ التغييرِ بنحوِ: طَلَبَ من الطَلَبِ، وغَلَبَ من الغَلَبِ، وجَلَبَ من الجَلَبِ، فإنَّ هذه الأفْعَالِ مُشْتَّقَةٌ من هذه المصادِرِ معَ عَدَمِ التغييرِ لبَقَاءِ الحَرَكَةِ فيه على وجْهِ المصادِرِ.
وأَجَابَ الأصْفَهَانِيُّ وغيرُه بالتغييرِ حاصلٌ تقديرًا، فإنَّ الحركةَ في الفعلِ للبناءِ، وفي المصدرِ للإعرابِ، والأوْلَى كالجزءِ من الكَلِمَةِ لثُبُوتِها.
والثانيةُ عَارِضَةٌ لتَبَدُّلِها بغيرِها، ولم يَرْتَضِ صاحبُ (البَدِيعِ) هذا الجوابُ، فقالَ: مُطْلَقُ الحَرَكَةِ لازِمٌ، والذي يُنْظَرُ فيه الاشتقاقيُّ.
[ ١ / ٤١٠ ]
ص: (وقد يُطَّرَدُ كاسمِ الفاعلِ، وقد يُخْتَصُّ كالقارورَةِ).
ش: المُشْتَّقُ قد يُطَّرَدُ استعمالًا كاسمِ الفاعلِ، وما في معناهُ من: اسمِ المفعولِ، والصفةِ المُشَبَّهَةِ، وأفعلِ التفضيلِ، والزمانِ، والمكانِ، والآلةِ، وقد لا يُطَّرَدُ. وهو المختصُّ: كالقارورةِ، لاخْتصاصِها بالزُّجاجَةِ، والدَّبَرَانِ لمنزلَةِ القَمَرِ، فإنَّهما لم يَطَّرِدَا مع اشْتِقَاقِهِما من الاسْتِقْرارِ والدَّبُورِ، والقَصْدُ بهذا أنَّ وجودَ معنى الأصْلِ في مَحَلِّ التَّسْمِيَةِ قد يُعْتَبَرُ من حيثُ إنَّه داخلٌ في التَّسْمِيَةِ، والمرادُ ذاتُ ما، باعتبارِ نَسَبِه له إليها، فهذا يَطَّرِدُ في كلِّ ذاتٍ كذلك، وقد يُعْتَبَرُ من حيثُ إنَّه مُصَحِّحٌ للتَّسْمِيَةِ، مُرَجِّحٌ لها من الأسماءِ من غيرِ دُخولِه في التَّسْمِيَةِ، والمرادُ ذاتٌ مَخْصُوصَةٌ فيها المعنَى، لا من حيثُ هو فيها، بل باعتبارِ خصوصِها، فهذا لا يُطَّرَدُ، وحاصلُه الفَرْقِ بينَ تَسْمِيَةِ الغيرِ لوجودِه فيه أو بوجودِه فيه.
[ ١ / ٤١١ ]
ص: (ومَن لم يَقُمْ به وَصْفٌ لم يَجُزْ أنْ يَشْتَقَّ له منه اسمٌ، خلافًا للمعتزلَةِ، ومن بنائِهِم أنَّ إبراهيمَ ﵇ ذابِحٌ، واخْتِلافِهم هل إسماعيلُ مَذْبُوحٌ).
ش: أصلُ الخلافِ في هذه المسألَةِ أنَّ اللهَ تعالَى يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا بالاتِّفاقِ، وهو مُشْتَقٌّ من الكلامِ، ثم إنَّ الأشاعرَةَ أَطْلَقُوهُ على اللهِ وما منهُ الاشتقاقُ قَائِمٌ بذاتِه الكريمَةِ، وهو الكلامُ النَّفْسِي، وأمَّا المعتزلَةُ فيَطْلِقُونَ اسمَ المُتَكَلِّمِ على اللهِ باعتبارِ قيامِه بغيرِه لا بذَاتِه، وهو خَلْقُه الكلامَ= في اللَّوْحِ المحفوظِ أو في غيرِه، ولا يَعْتَرِفُونَ بالكلامِ النَّفْسِيِّ، فلَزِمَ من مَذْهَبِهم جوازُ صِدْقِ المُشْتَقِّ على مَن لم تَقُمْ به صِفَةُ الاشْتقاقِ، وعلى هذا ففِي نِسْبَةِ الجوازِ لُغَةٌ إليهم، نَظَرٌ، بناءٌ على أنَّ الخلافَ في أنَّ لازِمَ المذهبِ هل هو مذهبٌ أم لا؟ والصحيحُ المَنْعُ، ولهذا لم يُنْسَبِ القولُ المُخَرَّجَ= إلى الشَّافِعِيِّ على الصحيحِ.
وقولُه: (ومن بنائِهم) يُشِيرُ إلى ما ذَكَرُوهُ في مسألَةِ النَّسْخِ قبلَ الفِعْلِ، فإنَّ المُعْتَزِلَةَ مَنَعُوهُ، واسْتَدَّلَ أَصْحَابُنا عليهم، بأنَّ إبراهيمَ عليهِ
[ ١ / ٤١٢ ]
الصلاةُ والسلامُ، أَمَرَ بالذَّبْحِ، ثم نُسِخَ قبلَ التَّمَكُّنِ، فأَجَابُوا بأنَّه ذَبَحَ وكانَ يَلْتَحِمُ، فأَبْطَلَ أصحابُنا هذا بأنَّهم اتَّفَقُوا على أنَّ إسماعيلَ ﵊، ليسَ بمذبوحٍ، واخْتَلَفُوا في أنَّ إبراهيمَ هل هو ذابِحٌ؟ فقالَ قومٌ: هو ذابحٌ للقَطْعِ، والولَدُ ليسَ بمَذْبُوحٍ للالتئامِ، وأَنْكَرَهُ قومٌ، وقالُوا: ذابِحٌ ولا مَذْبُوحٌ مُحَالٌ، فإنْ قُلْتَ: كيفَ يَسْتَحِيلُ عندَ المُعْتَزِلَةِ إثباتُ ذابحٍ ولا مذبوحٍ مع قولِهم: يَجُوزُ اشتقاقُ اسمُ الفاعلِ لِمَنْ لم يَقُمْ به الفِعْلُ؟ قلتُ: اسمُ الفاعلِ لا يُطْلَقُ إلاَّ عندَ وقوعِ الفِعْلِ بالإجماعِ، لكنْ هل يَخْتَصُّ بمَنْ قَامَ به أو يُطْلَقُ على مَن لم يَقُمْ به؟ فيه الخلافُ بينَنا وبينَهم، وهذا عندَ هؤلاءِ أنَّ الفِعْلَ لم يَقَعْ؛ لأنَّ الفِعْلَ هو الذَّبْحُ، وحقيقَتُهُ على ما يَقُولُونَ - ثُبُوتِ مَذْبُوحٍ تَزْهَقُ رُوحَه، كذا قالَه المُصَنِّفُ في (شَرْحِ المُخْتَصَرِ)، وهو أَوْلَى من قولِه هنا: اتَّفَقُوا على أنَّ إبْرَاهِيمَ ذابِحٌ، واخْتَلَفُوا في أنَّ إسماعيلَ مَذْبُوحٌ.
ص: (فإنْ قَامَ بِمَا له اسمٌ، وَجَبَ الاشْتِقاقُ، أو بِمَا ليسَ له اسمٌ كأنْواعِ الرَّوائِحِ، لم يَجِبْ).
ش: المعنى القائمُ بالشيءِ هل يَجِبُ أنْ يُشْتَقَّ لمَحَلٍّ منه اسمٌ؟ اخْتَلَفُوا فيه، وقالَ الإمامُ في (المَحْصُولِ): الحقُّ التفصيلُ، فإنْ كانَ لذلكَ المعنَى اسمٌ، وَجَبَ أنْ يُشْتَقَّ اسمًا له عندَ أئِمَّتِنَا المُتَكَلِّمِينَ، فإنَّ المُعْتَزِلَةَ لَمَّا قالُوا: إنَّ اللهَ يَخْلُقُ كلامَه في جِسْمٍ، قالَ أصْحابُنا لهم: لو كانَ كذلكَ لَوَجَبَ أنْ يُشْتَقَّ لذلكَ المَحَلِّ اسمُ المُتَكَلِّمِ من ذلكَ الكلامِ، وعندَ المُعْتَزِلَةِ: أنَّه غيرُ وَاجِبٍ، وإنْ لم يَكُنْ له اسمٌ كأنْواعِ الروائحِ والآلامِ، اسْتِحَالَ أنْ يُشْتَقَّ لمَحَلِّه منه اسمٌ بالضرورةِ.
[ ١ / ٤١٣ ]
ص: (والجمهورُ على اشتراطِ بقاءِ المُشْتَقِّ منه في كونِ المُشْتَقِّ حقيقةً إنْ أَمْكَنَ، وإلاَّ فآخِرُ جُزْءٍ، وثالثُها: الوَقْفُ).
ش: إطْلاقُ اسمُ المُشْتَّقِ باعتبارِ المُسْتَقْبَلِ مجازًا إجماعًا، وباعتبارِ الحالِ حقيقةً إجماعًا، وأمَّا بعدَ انقضاءِ ما منه الاشتقاقُ كالضاربِ، المُشْتَقُّ منه اسمُ المُشْتَقِّ حقيقةً أم لا؟ وفيه مذاهبَ:
أحدُها: أنَّه لا يُشْتَرَطُ مُطْلَقًا، بل يُطْلَقُ بعدَ الانْقضاءِ حقيقةً، وعُزِيَ لابنِ سِينَا وأَبِي هاشِمٍ.
والثاني: اشْتِرَاطُه مُطْلَقًا، وهو بعدُ الانقضاءِ مجازٌ، وقالَ في (المحصولِ): إنَّه الأقربُ.
[ ١ / ٤١٤ ]
والثالثُ: التفصيلُ بينَ ما يُمْكِنُ الحصولُ بتمامِه كالقيامِ والقعودِ، فيُشْتَرَطُ بقاؤُه، فلا يُصَدَّقُ قائمٌ وقَاعِدٌ حقيقةً، بعد انقضاءِ القعودِ والقيامِ، وبينَ ما لا يُمْكِنُ كالمصادرِ السَّيَّالَةِ، مثلَ الكلامِ وأنواعِه، فوجودُ آخَرِ جُزْءٍ منه كافٍ في الإطلاقِ الحقيقيِّ، والفرقُ أنَّ الأوَّلُ لا يُمْكِنُ أنْ تُوجَدَ أجْزاءُ أصْلِه معًا في الخارجِ فاشْتَرَطَ دوامَ أصْلِه.
والثاني: اتِّباعُ أجْزائِه معًا، فالتَقَى بآخَرِ جُزْءٍ منها، حتى يكونَ المُتَكَلِّمُ وغيرُه صادقًا حقيقةًَ قبلَ الفراغِ من الدالِّ في: قَامَ زيدٌ، ومن المِيمِ في: زيدٌ قائمٌ، بعدَ الشُّرُوعِ في الكلامَيْنِ، وإذا فَرَغَ عنهما، كانَ حينَئذٍ مجازًا لا حقيقةً، وهذا ما عَزَاهُ المُصَنِّفُ إلى الجمهورِ، وتَابَعَ فيه الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ، وفيه نَظَرٌ، فإنَّ كلامَ الإمامِ في (المحصولِ) مُصَرَّحٌ بأنَّه بَحْثٌ له، لم يَقُلْ به أَحَدٌ، فإنَّه أَوْرَدَ من جِهَةِ المَانِعِ أنَّه لو كانَ وجودُ المعنَى شَرْطًا في كونِ المُشْتَقِّ حقيقةً، لِمَا كانَ اسمُ المُتَكَلِّمِ والمُخْبَرِ حقيقةً في شيءِ أَصْلًا؛ لأنَّ الكلامَ اسمٌ لِجُمْلَةِ الحُروفِ المُرَكَّبَةِ، ويَسْتَحِيلُ قيامُ حَمْلِها بالمُتَكَلِّمِ حالَ التَّكَلُّمِ، ضرورةٌ أنَّه لا يُمكنُ النَّطْقُ بالجُمْلَةِ دُفْعَةٌ واحدَةٌ، بل على التَّدْرِيجِ، مع أنَّه يُقالُ: زيدٌ مُتَكَلِّمٌ ومُخْبِرٌ، والأصْلُ في الإطلاقِ الحقيقةُ، ثمَّ قالَ: فإنْ أَجَبْتَ بأنَّه لم لا يَجُوزُ أنْ يُقَالَ: حصولُ المُشْتَّقِ منه شَرْطٌ في كونِ المُشْتَقِّ حقيقةً، إذا كانَ مُمْكِنُ الحصولِ، فأمَّا إذا لم يكنْ كذلك فلا؟ قلنَا: هذا باطلٌ، لأنَّه لم يَقُلْ بهذا الفَرْقِ أَحَدٌ من الأمَّةِ، هذا لَفْظُه، وقالَ الآمِدِيُّ في (الإحكامِ): هل يُشْتَرَطُ بقاءُ الصفَةِ المُشْتَقِّ منها في إطلاقِ اسمِ المُشْتَقِّ حقيقةً؟ فأَثْبَتَه قومٌ ونَفَاهُ آخَرُونَ، وفَصَّلَ بعضُهم بينَ المُمْكِنِ الحصولِ، فاشْتُرِطَ ذلك فيه، وبينَ ما لا يُمْكِنُ فلا، والظاهرُ أنَّ مُرادَهُ به احتمالُ صاحبِ (المحصولِ)، وأمَّا حكايةُ المُصَنِّفِ قولًا بالوَقْفِ فلم أَرَهُ صريحًا لأَحَدٍ إلاَّ أنَّ العَضَدَ في (شرحِ المُخْتَصَرِ) قالَ: كانَ مَيْلُ ابنُ الحَاجِبِ إلى التَّوَقُّفِ في
[ ١ / ٤١٥ ]
المَسْأَلَةِ ولذلك
ذَكَرَ دلائلَ الفَرْقِ، وأَجَابَ عنها، لكنْ قَالَ الشَّرِيفُ: إنَّه اختارَ الثالثُ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: ورابِعُها الوَقْفُ؛ لأنَّ التَّفْصِيلَ السابِقَ هو ثالثُها، كما صَرَّحَ به ابنُ الحَاجِبِ.
ص: (ومَن ثُمَّ كانَ اسمُ الفاعلِ والمفعولِ حقيقةً باعتبارِ الحالِ؛ أي: حَالَ التَّلَبُّسِ لا النُّطْقِ خلافًا للقِرَافِيِّ).
ش: أي: من هذه الحَيْثِيَّةِ، يُعْلَمُ أنَّ إطلاقَ الاسمِ المُشْتَقِّ، كاسمِ الفاعلِ والمفعولِ، باعتبارِ الحالِ حقيقةً، ولا خلافَ فيه، كتَسْمِيَةِ الخَمْرِ خَمْرًا، وإنَّما الخلافُ
[ ١ / ٤١٦ ]
باعتبارِ الماضِي، كإطلاقِ الضَّارِبِ على مَن صَدَرَ منه الضَّرْبُ، ثمَّ المرادُ بقولِنا: اسمُ الفاعلِ بمعنَى الحالِ حقيقةً؛ أي: حالَ التَّلَبُّسِ بالفِعْلِ، لا حالَ النُّطْقِ باللفْظِ المُشْتَقِّ، فإنَّ حقيقةَ الضاربِ والمَضْرُوبِ، لا يَتَقَدَّمُ على الضَّرْبِ، ولا يَتَأَخُّرُ عنه، وبهذا يُعْلَمُ أنَّ نحوَ قولُه ﷺ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا»، حقيقةً، وأنَّ ما ذَكَرَهُ الأئِمَّةُ مِن أنَّه سُمِيَّ قَتِيلًا باعتبارِ مُشَارَفَتِه القَتْلَ لا تحقيقَ له، والمُخَالِفُ في هذه القاعدَةِ القِرَافِيُّ، فإنَّه قالَ: مَحَلُّ الخلافِ إذا كانَ المُشْتَقُّ مَحْكومًا به، كقولِنا: زيدٌ مُشْرِكٌ أو زَانٌ، فإنَّ كانَ مَحْكومًا عليه، كقولِنا: السارقُ تُقْطَعُ يَدَه، فإنَّه حقيقةٌ مُطْلَقًا فيمَنْ اتَّصَفَ به في الماضِي والحالِ والاستقبالِ، قالَ: ولولا ذلكَ لأَشْكَلَ القَطْعُ والجَلْدُ؛ لأنَّ هذه الأَزْمِنَةِ إنَّما هي بحَسَبِ زَمَنِ إطلاقِ اللفظِ المُشْتَرَكِ، فتكونُ الآياتُ المذكورةُ ونظائرُها مجازاتٍ باعتبارِ مَن اتَّصَفَ بهذه الصفاتِ في زمانِنَا؛ لأنَّهم في المستقبلِ غيرُ زَمَنِ الخِطَابِ عندَ النُّزولِ على رسولِ اللهِ ﷺ.
ولا نَخْلُصُ من هذا الإشكالِ إلاَّ بما سَبَقَ، قالَ: فاللهُ تعالَى لم يَحْكُمْ في تلك الآياتِ بشِرْكِ أَحَدٍ ولا بزِنَاهُ.
[ ١ / ٤١٧ ]
وإنَّما حُكْمُه بالقَتْلِ والجَلْدِ وغيرِهما، والموصوفُ بتلكَ الصِّفَاتِ يَعُمُّ مُتَعَلِّقُ هذه الأحكامِ، هذا حاصلٌ ما قالَ.
وذَكَرَ الأصْفَهَانِيُّ شَارِحَ (المحصولِ) نحوه، قالَ: ولا يُقَالُ: إنَّه لِمَا كانَ موصوفًا بالمُشْتَقِّ منه وهو الزنَا والسرقةُ وَجَبَ عليه ما هو مُقْتَضَى ذلك، ثمَّ يَسْتَوْفِي منه ما وَجَبَ أولًا؛ لأنَّا نَقُولُ: هذا غيرُ واقِعٍ لِمَا ذَكَرْنَا؛ لأنَّ كلامَنَا مَفْرُوضٌ في امتثالِ الأمْرِ، وذلك الأَمْرُ أمْرٌ بجَلْدِ الزانِي وقَطْعِ السارقِ، ولو كانَ بقاءُ وجْه الاشتقاقِ شَرْطًا، لم يَبْقَ زانيًا ولا سارقًا بعدَ انقضائِه، فلا يَكُونُ الجَلْدُ جَلْدًا لزانٍ، ولا القَطْعُ قَطْعًا لسارقٍ، فلا يَقَعُ امتثالًا للأمْرِ، والحقُّ أنَّ اسمَ الفاعلِ لا دلالَةَ له على زَمَنِ الخِطَابِ الْبَتَّةَ، بل مَدْلُولُه شَخْصٌ مُتَّصِفٌ بِصَفَةٍ صَادِرَةٍ منه لا تُعْرَضُ له لزمانٍ، كما هو شأنُ الأسماءِ كلِّها، وإذا لم يَدُلَّ على الزمانِ الأَعَمِّ من الحالِ فلا يَدُلُّ على الحالِ الأَخَصِّ منه بالأوْلَى، وإنَّما جَاءَ الفَسادُ من جِهَةِ أنَّهم فَهِمُوا من قولِنا: زيدٌ ضاربٌ، أنَّه ضاربٌ في الحالِ، فاعْتَقَدُوا أنَّ هذا لدلالَةِ اسمِ الفاعلِ عليه، وهو باطلٌ؛ لأنَّك تَقُولُ: هذا حَجَرٌ، وتُرِيدُ إنسانًا، فيُفْهَمُ منه الحالُ أيضًا، مع أنَّ الحَجَرَ والإنسانَ لا دَلالَةَ لهُما على الزمانِ، وهذا مِن تَحْقِيقِ والِدِ المُصَنِّفِ رَحِمَهُما اللهُ تعالَى.
ص: (وقيلَ: إنْ طَرَأَ على المَحَلِّ وَصْفٌ وُجُودِيٌّ يُنَاقِضُ الأوَّلَ، لم يُسَمَّ بالأوَّلِ إجْمَاعًا).
ش: جَعَلَ بعضُهم مَحَلَّ الخلافِ فيما إذا لم يَطْرَا على المَحَلِّ ما يُنَاقِضُه، كالقاتلِ والسارقِ، فيَبْقَى صِدْقُ المُشْتَقِّ على قَوْلٍ، فإنْ طَرَأَ عليه ما يُضَادُّه، واشْتَقَّ له اسمُ غيرَ المُشْتَقِ الأوَّلِ، فحينَئذٍ لا يُصَدَّقُ المُشْتَقُّ الأوَّلُ قَطْعًا، كاللونِ إذا قَامَ به البياضُ يُسَمَّى أَبْيضُ، فإذا اسْوَدَّ لا يُقَالُ في حالة السَّوادِ: إنَّه أَبيضُ بالإجماعِ، وهذا مُتَّجَهٌ، وكلامُ الآمِدِيِّ في أثناءِ الحجَّاجِ يَدُلُّ عليه، فلا وَجْهَ
[ ١ / ٤١٨ ]
لتَضْعِيفِ المُصَنِّفِ، وإنْ كانَ الجمهورُ أَطْلَقَ الخلافَ.
ص: (وليسَ في المُشْتَّقِ إشْعارٌ بخصوصِيَّةِ الذاتِ).
ش: أي: التي يُصَدِّقُ عليها من كونِها جِسْمًا أو جَمَادًا أو غيرَه، لا بطريقِ المُطَابَقَةِ ولا التَّضَمُّنِ؛ ولأنَّه لا معنًى، إلاَّ أنَّه وإنْ قَامَ به المُشْتَقُّ منه كالأسْوَدِ مثلًا، فإنَّه يَدُلُّ على ذاتٍ مُتَّصِفَةٍ بِسوادٍ من غيرِ دلالَةٍ على خصوصِ تلك الذاتِ، وإنْ دَلَّتْ على خصوصِيَّةِ كونِه جِسْمًا أو حيوانًا أو غيرِه، فإنَّما يَدُلُّ عليه بطريقِ الالتزامِ، كذا قالَهُ الصِّفِيُّ الهِنْدِيُّ، فليُحْمَلُ نَفْيُ المُصَنِّفِ الإشعارُ على المُطَابَقَةِ والتَّضَمُّنِ خاصَّةً.
ص: (مسألَةٌ: التَّرَادُفُ واقِعٌ، خلافًا لثَعْلَبٍ وابنُ فَارِسٍ: مُطْلَقًا، والإمامُ: في الأسماءِ الشَّرْعِيَّةِ).
ش: في وقوعِ التَّرَادُفِ في اللُّغَةِ مذاهبُ، أَصَحُّهَا: نَعَمْ، ولُغَةُ العَرَبِ طَافِحَةٌ به.
والثاني: المَنْعُ، وحَكَاهُ ابنُ فَارِسٍ في كتابِه المُسَمَّى بـ (فِقْهِ العَرَبِيَّةِ) عن
[ ١ / ٤١٩ ]
ثَعْلَبٍ، واختارَهُ؛ لأنَّ وَضْعَ اللفظَيْنِ لمعنًى واحدٍ عِيٍّ يَجِلُّ الواضِعَ عنه، وما وَرَدَ مِمَّا يُوهِمُ التَّرَادُفُ يَتَكَلَّفُونَ له التَّغَايُرَ.
وحَكَى القَاضِي ابنُ العَرَبِيِّ بسَنَدِه عن أَبِي عَلِيٍّ الفَارِسِيِّ، قالَ: كُنْتًُ بمَجْلِسِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بحَلَبَ، بالحَضْرَةِ جماعَةٌ من أهْلِ اللُّغَةِ ومنهم ابنُ خَالَوَيْهِ إلى أنْ قالَ ابنُ خالَوَيْهِ: أَحْفَظُ للسَّيْفِ خَمْسِينَ اسْمًا، فتَبَسَّمَ أَبُو عَلِيٍّ وقَالَ: مَا أَحْفَظُ له إلاَّ اسْمًا واحدًا وهو السَّيِفُ، قالَ ابنُ خَالَوَيْهِ، فأَيْنَ المُهَنَّدُ؟ وأينَ الصَّارِمُ؟ وأينَ الرُّسُوبُ، وأينَ المُخَدَّمُ؟ وجَعَلَ يُعَدِّدُ، فقالَ
[ ١ / ٤٢٠ ]
أَبُو عَلِيٍّ: هذه صفاتٌ، وكانَ الشيخُ لا يُفِرِّقُ بينَ الاسمِ والصِّفَةِ، والحاصلُ أنَّ مَن جَعَلَها مُتَرَادِفَةً نَظَرَ إلى اتِّحَادِ دلالتِها على الذاتِ، ومَن مَنَعَ نَظَرَ إلى اختصاصِ بعْضِها بمزيدِ معنًى، فهي تُشْبِهُ المُتَرَادِفَةُ في الذَّاتِ، والمُتَبَايِنَةُ في الصفاتِ.
ومِن ثمَّ قالَ بَعْضُ المُتَأَخِّرِينَ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هذا قِسْمًا آخَرَ وسَمَّاهُ: المُتَكَافِئَةُ، قالَ: وأَسْمَاءُ اللهِ تعالَى الحُسْنَى، وأَسْمَاءُ رسولِ اللهِ ﷺ كلُّها من هذا النوعِ، فإنَّك إذا قُلْتَ: إنَّ اللهَ عزيزٌ، غفورٌ، رحيمٌ، قديرٌ، فكلُّها دالَّةٌ على الموصوفِ بهذه الصفاتِ، فهذا يَدُلُّ على العِزَّةِ، وهذا يَدُلُّ على الرَّحْمَةِ.
قالَ الأَصْفَهَانِيُّ: ويَنْبَغِي أنْ يَحْمَلَ كلامَهُم على مَنْعِه في لُغَةٍ واحدةٍ، فأمَّا في لُغَتَيْنِ فلا يُنْكِرُه عَاقِلٌ.
والثالثُ: يَقَعُ في اللُّغَةِ لا في الأسماءِ الشَّرْعِيَّةِ، وإليه ذَهَبَ الإمامُ في (المحصولِ) في الحقيقةِ الشَّرْعِيَّةِ، بعدَ ما ذَكَرَ وقوعُ الأسماءِ المُشْتَرَكَةِ، فقالَ: أمَّا التَّرَادُفُ فالأظْهُرُ أنَّه لم يُوجَدْ؛ لأنَّه يَثْبُتُ على خلافِ الأصْلِ، فيَتَقَدَّرُ بقَدَرِ الخاصَّةِ. انتهى.
هذا والإمامُ نَفْسُه ممَّنْ يقولُ بأنَّ الفَرْضَ والواجِبَ مُتَرَادِفَانِ، وكذا السُّنَّةُ والتَّطَوُّعُ.
ص: (والحَدُّ والمَحْدُودُ ونحوَ: حَسَنَ بَسَنَ - غيرَ مترادفَيْنِ على الأصَحِّ).
ش: فيه مسألَتَانِ:
إحدَاهُما: قيلَ: الحَدُّ والمحدودُ مُتَرَادِفَانِ، والصحيحُ تَغَايُرُهُما؛ لأنَّ كُلَّ مُتَرَادَفَيْنِ يَدُلُّ كلٌّ منهما بالمطابَقَةِ على ما يَدُلُّ عليه الآخَرَ بالإجْماعِ، وليسَ فقط الحدُّ والمحدودُ كذلكَ؛ لأنَّ المحدودَ يَدُلُّ على المَاهِيَّةِ، من حيثُ هي، والحدُّ يَدُلُّ عليها باعتبارِ دلالَتِه على أجزائِها، واعْلَمْ أنَّ أَصْلَ هذا الخلافُ حَكَاهُ الغزالِيُّ في مُقَدِّمَةِ
[ ١ / ٤٢١ ]
(المُسْتَصْفَى) ثمَّ زَيَّفَ قولُ مَن جَعَلَه خلافًا مُحَقَّقًا، فقالَ: اخْتُلِفَ في حَدِّ الحَدِّ، فقيلَ: حَدُّ الشيءِ: هو نَفْسُه وذاتُه، وقيلَ: هو اللفظُ المُفَسِّرُ لمعناهُ على وَجْهٍ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ، وظَنَّ آخرونَ أنَّ هذا خلافٌ، وليسَ كذلكَ، فإنَّهما لَمَّا يَتَوَارَدَا على مَحَلٍّ واحدٍ، بل الأوَّلُ اسمُ الحدِّ عندَه موضوعٌ لمدلول لفظِ الحَدِّ، والثاني اسمُ الحدِّ عندَه موضوعٌ للفظِ نَفْسِه.
والحاصلُ أنَّه باعتبارَيْنِ، فمَن نَظَرَ إلى الحقيقةِ في الذِّهْنِ قالَ بالأوَّلِ، ومن نَظَرَ إلى العبارَةِ عنَها قال بالثاني؛ ولهذا قالَ القِرَافِيُّ في (التَّنْقِيحِ): وهو غيرُ المحدودِ إنْ أُرِيدَ به اللفظُ، ونَفْسُه إنْ أُرِيدَ المعنَى.
الثانيةُ: ما لا يُسْتَعْمَلُ إلاَّ تَابِعًا، نحوَ: حَسَنَ بَسَنَ، وجَامَعَ مَانَعَ، وفيه صَنَّفَ ابنُ خَالَوَيْهِ كتابَ (الإتباعِ والإلماعِ) قيلَ: هما مُتَرَادِفَانِ، والصحيحُ المَنْعُ؛ لأنَّ التَّابِعَ لا يَدُلُّ على ما يَدُلُّ عليه المتبوعُ إلاَّ بتَبَعِيَّةِ الأوَّلِ، وإذا قَطَعَ عنه لا يَدُلُّ على شيءٍ أَصْلًا بخلافِ المُتَرَادِفَيْنِ.
ص: (والحقُّ إفادَةُ التَّابِعِ التَّقْوِيَةَ).
ش: خلافًا لإطلاقِ (المِنْهَاجِ) أنَّه لا يُفِيدُ، والدليلُ عليه أنَّ العَرَبَ لا تَضَعَهُ
[ ١ / ٤٢٢ ]
سُدًى، وقالَ الإمامُ: شَرْطُ كونِه مفيدًا تَقَدَّمَ الأوَّلُ عليه، وعبارَةُ المُصَنِّفِ مُصَرَّحَةٌ بأنَّه لا فائِدَةَ له إلاَّ التَّقْوِيَةَ، وهو حَسَنٌ، ليُنَبِّهَ على الفَرْقِ بَيْنَه وبينَ التَّوْكِيدِ، فإنَّ من الناسِ مَن يَظُنُّ أنَّه تأكيدٌ، فإنَّه أيضًا إنَّما يُفِيدُ التقويةَ، لكنَّ الفَرْقَ بينَهما أنَّ التأكيدَ يُفِيدُ مع التَّقْوِيَةِ نَفْيُ احتمالِ المجازِ، فإنَّك إذا قُلْتَ: قَامَ القَوْمُ، احْتَمَلَ بعضُهم مجازًا، ويَنْتَفِي بقولِك: كلُّهم.
ص: (ووقوعُ كُلٌّ من المُتَرَادَفَيْنِ مَكَانَ الآخَرِ إنْ لم يَكُنْ تَعَبَّدَ بلَفْظِه، خلافًا للإمامِ: مُطْلَقًا، والبَيْضَاوِيُّ والهِنْدِيُّ: إذا كانَا مِن لُغَتَيْنِ).
ش: هل يَجِبُ صِحَّةُ إقَامَةِ كلًَّ واحدٍ من المترادفَيْنِ مكانَ الآخَرِ؟ ففيه مذاهبَ:
أحدُها: أنَّه واجِبُ بمعنَى أنَّه يَصِحُّ مُطْلَقًا، وهو اختيارُ ابنُ الحاجَبِ والأَصْفَهَانِيُّ وغيرُهما، وتَابَعَهُما المُصَنِّفُ، فيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: هذا قَمْحٌ جَيِّدٌ، وهذه حِنْطَةٌ جَيِّدَةٌ؛ لأنَّ صِحَةَ ضَمِّ الأَلْفَاظِ بعضِها إلى بعضٍ تَابِعَةٌ لصِحَّةِ ضَمِّ المعانِي وحُجَّةٍ في التَّرْكِيبِ.
والثاني: أنَّه غيرُ واجِبٍ؛ أي: جوازُ تَبْدِيلِ أحدِهما بالآخَرِ غيرُ لازمٍ، قالَ الإمامُ: وهو الحقُّ؛ لأنَّ صِحَّةَ الضَّمِّ قد تكونُ من عوارضِ الألفاظِ.
[ ١ / ٤٢٣ ]
والثالثُ: وهو اختيارُ البَيْضَاوِيُّ والصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: إنْ كَانَا مِن لُغَةٍ وَاحِدَةٍ صَحَّ وإلاَّ فلا، وفي كلامِ (المِنْهَاجِ) إشارَةٌ إلى أنَّ الخلافَ في حالِ التَّرْكِيبِ، أمَّا في حالِ الإفْرادِ - كما في تَعْدِيدِ الأشياءِ - فلا خلافَ في الجوازِ.
وأَشَارَ المُصَنِّفُ بقولِهِ: (إنْ لم يَكُنْ تَعَبَّدَ) إلى تَقْييدِ مَحَلِّ الخلافِ ذلك، أمَّا ما تَعَبَّدْنَا بلَفْظِه، فلا يَجُوزُ كالتَّكْبِيرِ في الصلاةِ، وهذا القَيْدُ ليسَ مُنَاسبًا للمَسْأَلَةِ، فإنَّ عِلَّةَ المَنْعِ في التَّعَبُّدِي ليسَ هو لامتناعِ إقَامَةِ أَحَدِ المُتَرَادِفَيْنِ مكانَ الآخَرِ، بل لَمَّا وَقَعَ التَّعُبُّدُ بجَوْهَرِ لَفْظِه، كالخلافِ في أنَّ لَفْظَ النَّكَاحِ، هل يَنْعَقِدُ بالعَجَمِيَّةِ؟ ونحوٍِه.
وقوله: (يَكُنْ) هي تَامَّةٌ إنْ جَعَلْتَ ما بَعْدَها اسْمًا، وإنْ جَعَلْتَه فِعْلًا مَبْنِيًّا للمفعولِ كانَتْ ناقِصَةً.
[ ١ / ٤٢٤ ]
ص: (مسألَةٌ: المُشْتَرِكُ واقِعٌ، خلافًا لثَعْلَبٍ والأَبْهَرِيِّ والبَلْخِيِّ مُطْلَقًا، ولقومٍ: في القرآنِ، وقيلَ: في الحديثِ، وقيلَ: واجِبُ الوقوعِ، وقيلَ: مُمْتَنِعٌ، وقالَ الإمامُ: مُمْتَنِعٌ في النَّقِيضَيْنِ فقط).
ش: جَمَعَ المُصَنِّفُ سَبْعَةَ مَذَاهِبَ:
أَصَحُّهَا: أنَّه جائزٌ واقِعٌ، وليسَ بواجبٍ.
[ ١ / ٤٢٥ ]
الثاني: جَائزٌ غيرُ واقِعٍ، وحَكَاهُ عن ثَعْلَبٍ ومَن معَهُ، كابنِ العَارِضِ المُعْتَزَلِيِّ في كتابهِ (النُّكَتْ). وقيلَ: المعروفُ غيرها ولا الإحالةَ.
والثالثُ: أنَّه غيرُ واقِعٍ في القرآنِ خاصَّةً، ونُسِبَ لابنِ دَاودَ الظَّاهِرِيِّ.
والرابعُ: في القرآنِ والحديثِ دونَ غيرِهما.
والخامسُ: أنَّه واجبُ الوقوعِ.
والسادسُ: أنَّه مُحالٌ، وهو المُرادُ بقولِه: (وَقِيلَ مُمْتَنِعٌ)؛ أي: عَقْلًا، وهذا هو الفرقُ بينَ هذا والقولِ المَحْكِيِّ عن ثَعْلَبٍ، فإنَّ ذلك مَنْعَهُ لُغَةً.
[ ١ / ٤٢٦ ]
والسابعُ: أنَّه يَمْتَنِعُ مع النَّقِيضَيْنِ خاصَّة، ً وإليه صَارَ الإمامُ.
وقد نَازَعَ الأَصْفَهَانِيُّ في تَعْدَادِ المَذَاهِبِ، وجَعَلَها رَاجِعَةٌ إلى قولَيْنِ، وهُما: الوقوعُ وعَدَمُه، قالَ: لأنَّ الوجوبَ هَهُنا هو الوجوبُ بالغَيْرِ، إذ لا معنًى للوجوبِ بالذاتِ، والمُمْكِنُ الواقعُ هو الواجبُ بالغيرِ، فحينَئذٍ لا فَرْقَ بينَهُما، وكذا بينَ المُمْكِنِ غيرِ الواقِعِ والمُمْتَنِعِ.
قالَ: ولهذا لم يَتَعَرَّضِ ابنُ الحَاجِبِ إلاَّ لقَوْلِ الوقوعِ وعَدَمِه، وليسَ كما قالَ، فإنَّ قولَ الوقوعِ معَ الإمكانِ والوجوبِ، قولانِ ثابتَانِ مُتَغايرانِ، ولا يَلْزَمُ من أحدِهما الآخَرُ، نَعَمْ، في ثُبوتِ تَغَايُرِ القولِ بالقرآنِ والسُّنَّةِ نَظَرَ، فإنَّ المُنْكَرَ لِوقُوعِه في القرآنِ، الظاهرُ أنَّه مُنْكَرٌ لِوقُوعِه في السُّنَّةِ أيضًا؛ لأنَّ الشُّبْهَةَ شامِلَةٌ، وقد صَرَّحَ بذلك صَاحِبُ (التحصيلِ) واحْتَجَّ في (المحصولِ) على أنَّه لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللفظُ مَوْضُوعًا لنقيضَيْنِ لوجودِ الشيءِ وعَدَمِه، قالَ: لأنَّ سَمَاعَه لا يُفِيدُ عندَ التَّرَدُّدِ بينَ الأَمْرَيْنِ، وهو حاصلٌ بالعَقْلِ، فالوَضْعُ له عَبَثٌ، وأُجِيبَ بأنَّه جَازَ أنْ يَكُونَ له فائِدَةٌ، وهي اسْتِحْضَارُ التَّرَدُّدِ بينَ الأمرَيْنِ، يَغْفُلُ الذِّهِنُ عنهما، والفائِدَةُ الإجمالِيَّةُ مَقْصُودَةٌ.
ص: (مسألَةٌ: المُشْتَرَكُ يَصِحُّ إطْلاقُه على مَعْنَيَيْهِ معًا مجازًا، وعن الشَّافِعِيِّ والقَاضِي والمُعْتَزِلَةِ حقيقةً، زَادَ الشَّافِعِيُّ: وظاهرٌ فيهما عندَ التَّجَرُّدِ عَن القرائنِ، فيَحْمِلُ عليهما، وعن القَاضِي: مُجْمَلٌ ولكنْ يُحْمَلَ عليهما احتياطًا،
[ ١ / ٤٢٧ ]
وقالَ أَبُو الحُسَيْنِ والغَزَالِيُّ: يَصِحُّ أنْ يُرَادَ، لا أنَّه لُغَةٌ، وقيلَ: يَجُوزُ في النَّفْيِ لا الإثباتِ.
ش: اخْتَلَفَ في صِحَّةِ إطْلاقِ المُشْتَرَكِ على مَعْنَيَيْهِ معًا، على مذاهبَ:
أحدُها: مَنَعُه مُطْلَقًا، ونَصَرَه ابنُ الصَّبَّاغِ في (العُدَّةِ)، والإمامُ في (المحصولِ) مع أنَّه قالَ في بابِ الإجْماعِ: إنَّ المُضَارِعَ مُشْتَرِكٌ بينَ الحَالِ والاسْتِقْبَالِ، ويُحْمَلُ عليهما في قولِه تعالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ﴾ ثمَّ اخْتَلَفَ المَانِعُونَ في سَبَبِ المَنْعِ، فمِنْهُم مَن قالَ: سبَبُه الوَضْعُ، واختارَهُ في (المحصولِ)، وسَيَحْكِيه المُصَنِّفُ عن الغَزَالِيِّ، ومعناهُ أنَّ الوَاضِعَ لم يَضَعِ اللَّفْظَ لهُما على الجَمْعِ، بل على البَدَلِ، ومِنْهُمْ مَن قَالَ: سَبَبُه أنَّه يَرْجِعُ إلى القَصْدِ؛
[ ١ / ٤٢٨ ]
لأنَّ إرَادَةَ كُلِّ واحدَةٍ منهما مُسْتَلْزِمَةٌ لعَدَمِ إِرَادَةِ الأُخْرَى؛ لأنَّه تَقَرَّرَ أنَّه مَوْضُوعٌ لهما على البَدَلِيَّةِ، لا على المَعِيَّةِ، فلو كانَ مُرَادَيْنِ معًا، لَزِمَ ألاَّ يَكُونَ مُرَادَيْنِ معًا، وهو مُحَالٌ،
والثاني: وعليه الأكثرونَ: الجوازُ، فلا يَمْتَنِعُ أنْ يَقًُولَ: العَيْنُ مَخْلُوقَةٌ، ويُرِيدُ جَمِيعُ مَحامِلِها، وشَرَطُوا ألاَّ يَمْتَنِعُ الجَمْعُ لأمْرِ خارجيٍّ، كما في الجَمْعِ بينَ الضِّدَيْنِ، ومَثَّلُوهُ بصِيغَةِ افْعَلْ، للأمْرِ والتَّهْدِيدِ فإنَّه يَمْتَنِعُ الجَمْعُ بينَهما، وصِحَّةُ الجَمْعِ بينَ المَعْنَيَيْنِ، يَكُونُ بأنْ يَصِحَّ انْتِسَابُه إلى كلِّ واحدٍ من المَعْنَيَيْنِ في التَّرْكِيبِ، كقولُنا: العَيْنُ مُتَحَيِّزٌ، ونُرِيدُ الجَارِحَةُ والذَّهَبُ، أو بأنَّ يَكُونَ المَنْسُوبُ إليه في التَّرْكِيبِ قَابِلًا للتَّوْزِيعِ بالنَّسْبَةِ بأنْ يَكُونَ البَعْضُ مَنْسُوبًا إلى أَحَدِهما، والبعضُ مَنْسُوبًا إلى الآخَرِ، كما في قولِه تعالَى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ فإنَّ الضميرَ قَابِلٌ للتَّوْزِيعِ، لاخْتِلافِ مَدْلُولِ الصَّلاةِ بالنِّسْبَةِ إلى اللهِ تعالَى وإلى الملائكةِ، ثم اخْتَلَفَ المُجَوِّزُونَ هل هو حقيقةٌ أو مجازٌ؟.
فالمُخْتَارُ عندَ ابنِ الحَاجِبِ والمُصَنِّفِ أنَّه مَجَازٌ، وإليه مِيلَ إمامُ الحَرَمَيْنِ، فإنَّه صَرَّحَ بأنَّه لا يُسْتَعْمَلُ في الجميعِ إذا تَجَرَّدَ عن القرائنِ وبالجوازِ معَ قرينَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وعَلَلَّ المَنْعَ بكونِ الواضِعِ إنَّما وَضَعَهُ لهُما على
[ ١ / ٤٢٩ ]
البَدَلِ لا على الجَمْعِ، وقيلَ: بطَرِيقِ الحقيقةِ، ونَقَلَهُ الآمِدِيُّ عن الشافِعِيِّ والقَاضِيِّ، وتَابَعَه المُصَنِّفُ، وفيه نَظَرٌ، واخْتَلَفَ المُجَوِّزُونَ للاسْتِعْمَالِ، هل يَجِبُ حَمْلُه عليهما إذا تَجَرَّدَ عن قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ؟ فقيلَ: لا يَجِبُ، ويكونُ مُجْمَلًا، وعَزَاهُ الهِنْدِيُّ للأكْثَرِينَ، وبه قالَ الإمامُ تَفْرِيعًا على القولِ بالجوازِ؛ لأنَّ اللفظَ كما هو حقيقةٌ في المجموعِ، فكذا هو حقيقةٌ في أحدِهما على البَدَلِ أيضًا، فلو قُلْنَا بوجوبِ الحَمْلِ عليهما عندَ تَجَرُّدِه عن القرينَةِ، لكانَ ذلك تَرْجِيحًا لأحدِ المَفْهُومَيْنِ على الآخَرِ من غيرِ مُرَجَّحٍ، ونُقِلَ عن الشافِعِيِّ والقَاضِي وجُوبُه، وليسَ ذلك تَرْجِيحًا بلا مُرَجَّحٍ، كأنْ عَمَّ المَانِعُ، بل بمُرَجَّحٍ، وهو تَكْثِيرُ الفائدَةِ، ودَفْعُ الإجْمَالِ، لكنِ اخْتَلَفَ هل هو للاحتياطِ أو من بابِ العُمُومِ؟ فالمَنْقُولُ عن القَاضِي الأَوَّلُ، وعن الشَّافِعِيِّ الثاني، فيَرَى أنَّه ظَاهِرٌ فيهما دونَ أَحَدِهما، فيُحْمَلُ عندَ التَّجَرُّدِ عليهما، ولا يُحْمَلُ على أحدِهما خاصَّةً إلاَّ بقَرِينَةٍ، وهذا معنى المُشْتَرَكِ، والعامُّ عندَه قِسْمَانِ: قِسْمٌ مُتَّفَقُ الحقيقةِ، وقِسْمٌ مُخْتَلِفُ الحقيقةِ، واعْلَمْ أنَّ هذا النَّقْلَ عن القَاضِي تَابَعَ المُصَنِّفُ فيه = (المحصولَ) وغيرَه، وليسَ كذلكَ فقد صَرَّحَ القاضِي في (التقريبِ)
[ ١ / ٤٣٠ ]
بأنَّه لا يَجُوزُ حَمْلُه عليهما ولا على واحدٍ منهما إلاَّ بقرينَةٍ، قالَ: وهكذا كُلُّ مُحْتَمَلٍ من القولِ
وليسَ بموضوعٍ في الأصْلِ لأحدِ مُحْتَمَلَيْهِ. انتهى.
فكانَ الصوابُ أنْ يَقُولَ: وقالَ القَاضِي بالوَقْفِ، فلا يُحْمَلُ على شيءٍ إلا بدليلٍ، وهكذا حَكَاهُ الأستاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وقالَ: إنَّه قولُ الواقِفِيَّةُ في صِيَغِ العُمُومِ؛ أي: وفيهم القاضِي.
والثالثُ: وبه قالَ أَبُو الحُسَيْنِ والغَزَالِيُّ: يَصِحُّ أنْ يُرَادَ باللفظِ الواحدِ مَعْنَيَيْهِ بوَضْعٍ جديدٍ، ولا مَانِعَ من القَصْدِ، لكنْ ليسَ من اللُّغَةِ، فإنَّ اللغَةَ مُنِعَتْ منه، ولولا مَنْعُها منه لم يُمْنَعْ منه النَّقْلُ.
والرابِعُ: لا يَجُوزُ في الإثباتِ، ويَجُوزُ في النَّفْيِ، كما لو قالَ: الحَامِلُ لا قَرْءَ لها تَعْتَدُّ به؛ لأنَّ النَّكِرَةَ في سياقِ النَّفْيِ تَعَمُّ، فيَجُوزُ أنْ يُرَادَ به مَدْلُولاتُه المُخْتَلِفَةُ، وإليه ذَهَبَ صاحبُ (الهِدَايَةِ) من الحَنَفِيَّةِ في بابِ الوَصِيَّةِ.
والخامسُ: يَجُوزُ في الجَمْعِ، نحوَ: اعْتَدِّي بالأقْرَاءِ، دونَ المُفْرَدِ، سواءٌ الإثباتُ والنَّفْيُ؛ لأنَّ الجَمْعَ في حُكْمِ تَعْدِيدِ الأفْرادِ، فكأنَّه ذَكَرَ أَلَفْاظًا وأَرَادَ بكلِّ
[ ١ / ٤٣١ ]
معنًى بخلافِ المُفْرَدِ.
ص: (والأكثرُ على أنْ جَمْعَهُ باعتبارِ مَعْنَيَيْهِ إنْ سَاغَ، مَبْنِيٌّ عليه).
ش: اخْتُلِفَ في جَمْعِ المُشْتَرَكِ باعتبارِ مَعْنَيَيْهِ، نحوَ: عُيُونُ زَيدٍ، وتُرِيدُ به بَاصِرَةً، وذَهَب= وجاريَةً، فالأكْثَرُونَ: إنَّه مَبْنِيٌّ على الخلافِ في المُفْرَدِ، فإنْ جَوَّزْنَا اسْتِعْمَالَ المُفْرَدِ في مَعْنَيَيْهِ جَوَّزْنَا بالمجموعِ في جميعِ مَعَانِيهِ، وإنْ مَنَعْنَاهُ امْتَنَعَ، ومنهُم مَن قالَ: يَجُوزُ فيه، وإنْ قُلْنَا بالمَنْعِ في المُفْرَدِ، والصحيحُ طريقةُ الأكْثَرِ أنَّه يَلْزَمُ من امْتِنَاعِ المُفْرَدِ امْتَناعُ المجموعِ؛ لأنَّ المجموعَ إنَّما يُفِيدُ ما وُضِعَ له اللفظُ حالَ الإفرادِ، ولا يَزِيدُ عليه إلاَّ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وهو إفادَةُ الكَثْرَةِ خاصَّةً، فإنْ كانَ المُفْرَدُ مُتَنَاوِلًا لمَعْنَيَيْه، كانَ جَمْعُه كذلك، وإنْ كانَ لا يُفِيدُ إلاَّ أحدَهما، فجَمْعُه كذلك، وكانَ يَنْبَغِي للمُصَنِّفِ أنْ يَذْكُرَ مسألَةَ الخلافِ في المُثَنَّى كذلك، ونِسْبَتُه على الإثباتِ، فإنَّ النَّفْيَ لَمَّا اقْتَضَاهُ الإثْباتُ، فإنْ كانَ مُقْتَضَى الإثباتِ الجَمْعُ بينَ المَعْنَيَيْنِ، فكذلك النَّفْيُ، وإنْ كانَ مُقْتَضَاهُ أَحُدُ المَعْنَيَيْنِ، فالنَّفْيُ كذلك.
وقولُه: (إنْ سَاغَ) قَيْدٌ زَادَهُ المُصَنِّفُ على المُخْتَصِرَاتِ، أَشَارَ به إلى خلافِ النُّحَاةِ في تَثْنِيَةِ اللفظَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ في المعنَى، وفيه مذاهبُ:
أحدُها - ورَجَحَّهُ ابنُ مَالِكٍ ـ: الجوازُ مُطْلَقًا، ففي الحديثِ: «الأَيْدِي ثَلاثَةٌ». وصَحْحَ
[ ١ / ٤٣٢ ]
قَوْلُ الحَرِيرِيِّ: فانثنَى بلا عَيْنَيْنِ، يريدُ الباصرةَ والذَهَبَ.
والثاني، ورَجَّحَه ابنُ الحَاجِبِ في (شَرْحِ المُفَصَّلِ): المَنْعُ مُطْلَقًا، وحَكَاهُ عن الأكثرِينَ.
والثالثُ: وعليه ابنُ عُصْفُورٍ: إنْ اتَّفَقَا في المعنَى المُوجِبِ للتَّسْمِيَةِ، نحوَ: الأحْمَرَانِ، للذَّهَبِ والزَّعْفَرَانِ - جَازَ، وإلاَّ فلا، كالعَيْنِ الباصرَةِ، والذَّهَبِ.
فإنْ قيلَ: جَمْعُه باعتبارِ مَعْنَيَيْه مبنيٌّ عليه، سواءٌ سَاغَ ذلك في اللُّغَةِ أم لا، فما فائدَةُ هذا القَيْدِ؟ قلُنَا: حُمِلَ المُشْتَرِطُ على مَعْنَيَيْه إنَّما صَحَّتْ عنه في كلامِ الشَّارِعِ، أو مَن سَلَكَ بكلامِه مَسْلَكَ العَرَبِ في ألفاظِهم، فمَنْ خَرَجَ عن اللُّغَةِ لا مَحْمَلَ لكَلامِه، وهو موضوعٌ مُحْتَمَلٌ.
تنبيهٌ: ما ذَكَرَه المُصَنِّفُ من البناءِ تَابَعَ فيه ابنُ الحَاجِبِ، وقد سَبَقَ منهُما أنَّ ذلك الإطلاقَ مجازٌ لا حقيقةٌ، فلْيَكُنْ ما ابْتَنَى عليه مجازًا أيضًا، وحينَئذٍ فخَرَجَ منه أنَّ تَثْنِيَةَ المُخْتَلَفِ المعنَى وجَمْعَه إنْ وُرِدَ منه شيءٌ قُبِلَ، وأمَّا تَجْوِيزُه قياسًا، فعلى المجازِ لا لأنَّ الصناعَةَ النَّحْوِيَّةَ تَقْتَضِيهِ.
[ ١ / ٤٣٣ ]
ص: (وفي الحقيقةِ والمجازِ الخلافُ، خلافًا للقَاضِي، ومن ثَمَّ عَمَّ نحوَ: وافْعَلوا الخَيْرَ، الواجبَ والمَنْدُوبَ، خلافًا لِمَنْ خَصَّه بالواجبِ ومَن قالَ: للقَدْرِ المُشْتَرَكِ).
ش: هذا الخلافُ يَجْرِي على إطلاقِ اللفظِ الصالحِ للحقيقةِ والمجازِ وإرادَتِهما معًا، بشَرْطِ ألاَّ يَكُونَ بينَهما تَنَافٌ، ويَنْبَغِي جَرَيَانُ خلافَ عِلَّةِ المَنْعِ السابقَةِ هنا، واحْتَجَّ القَاضِي على المَنْعِ هنا، بأنَّ الحقيقةَ استعمالُ اللفظِ فيما وُضِعَ له، والمجازَ فيما لم يُوضَعْ له، وهما مُتَنَاقِضَانِ، فلا يَصِحُّ أنْ يُرَادَ بالكَلِمَةِ الواحدةِ مَعْنَيَانِ مُتَنَاقِضَانِ، وهو ضعيفٌ، لَمَا سَنَذْكُرُه، والشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ تعالَى عنه مَشَى على مَنْوالٍ واحدٍ، فحُمِلَ اللفظُ على مَعْنَيَيْه، سواءٌ كانَا حَقِيقَتَيْنِ، أو أحدُهما مجازٌ، كما جَوَّزَ الاستعمالَ فيهما، وأمَّا القَاضِي فسَوَّى بينَ الحَقِيقَتَيْنِ، وبينَ الحقيقةِ والمجازِ في صِحَّةِ الاستعمالِ بالنِّسْبَةِ إلى المُتَكَلِّمِ، وفَرَّقَ بينَهما في الحَمْلِ بالنِّسْبَةِ إلى السَّامِعِ، فقالَ في الحقيقتَيْنِ: لا يُحْمَلُ على أَحَدِهِما إلا بدليلٍ، وقالَ في الحقيقةِ والمجازِ: يَسْتَحِيلُ الجَمْعُ، لئلاَّ يَلْزَمَ الجَمْعُ بينَ النَّقِيضَيْنِ، هذا عزيزُ النَّقْلِ عن القاضِي في هاتَيْنِ المسألتَيْنِ.
وقد غَلَّطَ جَماعَةٌ في النَّقْلِ عنه، واخْتَلَطَ عليهم مسألَةُ الحَمْلِ بمسألَةِ الاستعمالِ، ومنهم المُصَنِّفُ، فنُقِلَ عن القَاضِي التَّجْويزُ في الحقيقتَيْنِ دونَ الحقيقةِ والمجازِ.
فقولُه: (خلافًا للقَاضِي) إنْ أَرَادَ في الاستعمالِ فهو مُوافِقٌ لا مُخَالِفٌ، وإنْ أَرَادَ في الحَمْلِ فهَهُنا يُحِيلُ وهناك يَجُوزُ مع القرينةِ.
وأمَّا قولُ الكِيَا في (التَّلْويحِ): قالَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ: لا يَجُوزُ أنْ يُرَادَ بالعِبَارَةِ الواحدَةِ الحقَيقَةُ والمَجَازُ والكِنَايَةُ والتَّصْرِيحُ؛ ولهذا لا يَجُوزُ أنْ يُرَادَ باللَّمْسِ الوِقَاعُ والجَسُّ باليدِ معًا، ولا يُرَادُ بالنِّكاحِ العَقْدُ والوطءُ معًا، وصَارَ إلى هذا الرَايِ أَبُو عَبْدِ اللهِ البَصْرِيُّ من المعتزلَةِ. انتهى.
فمُرادُه الحَمْلُ، وكذا شيخُه ابنُ البُرْهَانِ عن القَاضِي ولم يَحْكِ الهِنْدِيُّ غيرَه، وعلى
[ ١ / ٤٣٤ ]
المُصَنِّفِ نَقْدٌ آخَرَ، فإنَّه أَطْلَقَ الخلافَ، وموضوعُه كما فَرَضَه ابنُ السَّمْعَانِيِّ فيما إذا سَاوَى المَجَازُ الحقيقةَ لشُهْرَةٍ في الاسْتِعْمالِ ونحوِه، فإنَّ خَلاَ المَجازُ من ذلك امْتَنَعَ الحَمْلُ قَطْعًا؛ لأنَّ المَجَازَ لا يَعْلَمُ= تَنَاولُ اللفظِ له إلاَّ بقَيْدٍ، والحقيقةُ تُعْلَمُ بالإطلاقِ، فلما تَنَافَى الموضوعاتُ امْتَنَعَ، وبهذا تَرِدُ دَعْوَى القَاضِي التَّنَاقِضُ في الحَمْلِ على معنَى الحقيقَةِ والمجازِ، فإنَّ ذلك خَارِجَ عن مَحَلِّ النِّزَاعِ، وأَشَارَ المُصَنِّفُ إلى أنَّ مِن فوائدِ الخلافِ في هذه المسألَةِ، الخلافُ في عُمُومِ قولِه تعالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ فمَنْ قالَ بالجَوازِ حَمْلُه على الواجبِ والنَّدْبِ، واسْتَدَّلَ بالآيةِ علَيْهِما، ومَن مَنَعَ خَصَّهُ بالواجبِ، وكذا القائِلُ إنَّه للقَدْرِ المُشْتَرَكِ بينَهما وهو الطَّلَبُ، ومنهم مَن جَعَلَ البناءَ في الآيةِ من جِهَةِ الخِطَابِ، فإنَّ قولَه: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ هذا خطابٌ للرجالِ حقيقةٌ وللنساءِ مجازًا، فقد اسْتُعْمِلَ اللفظُ في حقيقتِه ومجازِه.
ص: وكذا المجازاتُ.
ش: اسْتِعْمَالُ اللفظُ في مَجَازَيْهِ مثلَ أنْ يَقولَ: واللهُ لا أَشْتَرِي، ويُرِيدُ السَّوْمَ وشراءَ الوكيلِ، يَجْرِي فيه الخلافُ السابِقُ، وهي مسألَةٌ غريبَةٌ قُلْ مَن تَعْرَّضَ لها من الأُصُولِيِّينَ، وقد ذَكَرَها إمامُ الحَرَمَيْنِ، وابنُ السَّمْعانِيِّ في (القواطعِ) وكذلكَ الآمِدِيِّ وابنُ الحَاجِبِ في بابِ المُجْمَلِ لكنِ اخْتَارَا فيه الإجْمَالُ، وهو مُخَالِفٌ لاختيارِهم في الحقيقتَيْنِ الإعمالِ، ومَشَى الإمامُ فَخْرُ الدِّينَ على منوالٍ واحدٍ، فاخْتَارَ الإجْمَالَ في الموضعَيْنِ، ولا يَخْفِي أنَّ صُورَةَ المسألَةِ حيثُ تَعَذَّرَتِ الحقيقةُ، ولا بُدَّ
[ ١ / ٤٣٥ ]
من تَقْييدِ المجازَيْنِ بالمتساويَيْنِ، فإنَّه متى رَجَّحَ أَحَدُهما تَعَيَّنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْرِيَ فيه خلافَ الحقيقةِ والمجازِ؛ لأنَّ المجازَ الراجِحُ هنا بمثابَةِ الحقيقةِ هناك.
قالَ الأَصْفَهَانِيُّ: وحيثُ قلنا: يُحْمَلُ اللفظُ على جميعِ مجازاتِه، يُشْتَرَطُ ألاَ تَكُونَ تلكَ المَجازَاتِ مُتَنَافِيَّةٌ كالتهديدِ والإباحَةِ، إذا قلنا: إنَّ صِيغَةَ الأمْرِ حقيقةٌ في الإيجابِ، مجازٌ في الإباحَةِ والتهديدِ.
ص: الحقيقةُ: لفظٌ مُسْتَعْمَلٌ فيما وُضِعَ له ابتداءٌ.
[ ١ / ٤٣٦ ]
ش: قولُه: (لَفْظٌ) جِنْسٌ يَشْمَلُ الحقيقةَ والمجازَ والمُسْتَعْمَلَ والمُهْمَلَ، خَرَجَ بـ (المُسْتَعْمَلِ): المُهْمَلِ، واللفظُ قبلُ الاستعمالِ.
وقولُه: (فيمَا وُضِعَ له) إمَّا أنْ يكونَ من تمامِ الفَصْلِ، لإخراجِ ما ذَكَرْنَا، وإمَّا أنْ يكونَ فَصْلًا برأَسِه؛ ليَخْرُجَ اللفظُ المُسْتَعْمَلَ فيما لم يُوضَعْ له، كالوَضْعِ الجديدِ، فإنَّ واضِعَ اللُّغَةِ لم يَضَعْه، والمُسْتَعْمَلُ في غيرِ ما وُضِعَ له غَلَطًا، والمَجَازُ الخَالِي عن الوَضِعِ.
وقولُه: (ابتداءً) خَرَجَ المجازُ بأنواعِه، فإنَّه وإنْ كانَ مَوْضوعًا فليسَ موضوعًا وَضْعًا أوليًّا، وإنَّما عَبَّرَ بالابتداءِ دُونَ الأوَّلِ، كما عَبَّرَ به ابنُ الحَاجِبِ، للخلافِ في أنَّ الأوَّلَ هل يَسْتَلْزِمُ ثانيًا؟ وإنْ قلنا: يَسْتَلْزِمُه، لَزِمَ أنَّ الحقيقةَ تَسْتَلْزِمُ المجازَ، ولا قائلٌ بذلك وإنَّما اخْتَلَفُوا في عَكْسِه، وهو اسْتِلْزَامُ المجازِ الحقيقةَ، فلهذا أَتَى المُصَنِّفُ بما يُزِيلُ هذا الإيهامُ، ولم يَحْتَجْ أنْ يَقُولَ: في اصطلاحِ التَّخَاطُبِ، كما قالَ غيرُه ليَدْخُلَ الحقيقتَيْنِ: الشَّرْعِيَّةُ
[ ١ / ٤٣٧ ]
والعُرْفِيَّةُ، وإلاَّ فهما مُسْتَعْمَلانِ في وَضْعٍ ثانٍ يَصُدُقُ عليه أنَّه وُضِعَ ابتداءً، ولم يَرِدْ بالوَضْعِ الوَضْعُ الأصْلِيُّ وهو اللُّغَوِيُّ، ولو أَرَادَهُ لاحْتاجَ إلى هذا القَيْدِ لا مَحَالَةَ، بل أَرَادَ بالوَضْعِ المُبْتَدَأِ بما يَكُونَ أولًا بالنِّسْبَةِ إلى الاصطلاحِ الذي يَقَعُ به التَّخَاطُبُ، لا مَا يَكُونُ أولًا باختيارِ اللُّغَةِ، فإنَّ الوَضْعَ الأوَّلَ أَعَمٌّ من الوَضِعِ باعتبارِ اللُّغَةِ، فلهذا اسْتُغْنِيَ عن قَيْدِ التَّخَاطُبِ، وقد ضَايَقَ الأَصْفَهَانِيُّ شَارِحَ (المحصولِ) في قيدِ الأَوَلِيَّةِ، وقالَ: إنَّه غيرُ محتاجٍ إليه، فإنَّه إنَّما احْتَرَزَ به عن المجازِ، ولا حاجَةَ إلى الاحترازِ فإنَّ لَفْظَةَ الوَضْعِ تُخْرِجُهُ؛ لأنَّ المجازَ إنْ قُلْنَا: إنَّه غيرُ موضوعٍ، فذاكَ، وإنْ قلنَا: موضوعٌ، فهو غيرُ الوَضْعِ المُعْتَبَرِ في الحقيقةِ، وهو استعمالُ العُرْفِ ذلك النَّوْعُ، لا استعمالَ آحادِ النَّوْعِ بخلافِ الوَضْعِ في الحقيقةِ، وزَادَ صاحبُ (المِنْهَاجِ) (مِن غيرِ تَاويلٍ في الوَضْعِ) ليَحْتَرِزَ به عن الاستعارَةِ، فإنَّها مُسْتَعْلَمَةٌ فيما وُضِعَتْ له ولَيْسَتْ بحقيقةٍ، لسَدِّهِ دَعْوَى المُسْتَعَارِ مَوْضُوعًا
للمُسْتَعَارِ له على ضَرْبٍ من التأويلِ.
ص: (وهي لُغَوِيَّةٌ، وعُرْفِيَّةٌ، وشَرْعِيَّةٌ).
ش: لأنَّ الحقيقةَ لا بُدَّ لها من وَضْعٍ، والوَضْعُ لا بُدَّ له من وَاضِعٍ، فوَاضِعُها إنْ كانَ وَاضِعُ اللُّغَةِ، فلُغَوِيَّةٌ كالأسدِ للحيوانِ المُفْتَرِسِ، أو الشَّرِعِ، فشَرْعِيَّةٌ، كالصَّلاةِ للعِبَادَةِ المَخْصُوصَةِ، أو العُرْفِ المُتَعَيَّنِ أو المُطْلَقِ، فعُرْفِيَّةٌ، فالعُرْفِيَّةُ المُطْلَقَةُ، كالدَّابَةِ لذواتِ الأَرْبَعِ، والخَاصِّ كاصطلاحِ النُّحَاةِ والأصوليِّينَ.
ووجْهُ الحَصْرِ أنَّ اللفظَ إنْ كانَ مَوْضُوعًا في أصْلِ اللُّغَةِ لمعنًى واسْتَمَرَّ من غيرِ طُرُوءِ نَاسِخٍ عليه، فهو الحقيقةُ اللُّغَوِيَّةُ، وإنْ طَرَأَ عليه نَاسِخٌ نَقَلَهُ إلى اصْطِلاحٍ آخَرَ، فإنْ كانَ النَّاقِلُ الشَّرْعَ، فهي الشَّرْعِيَّةُ، أو العُرْفَ، فهي العُرْفِيَّةُ، فثَبَتَ أنَّ اللُّغَوِيَّةَ أَصْلُ الكُلِّ.
وقد مَنَعَ الأَصْفَهَانِيُّ إِدْخَالَ الثلاثَةِ في حدٍّ واحدٍ من جِهَةِ اختلافِ معنَى الوَضْعِ فيها، فإنَّ الوَضْعَ في اللُّغَوِيَّةِ بمعنَى الاصطلاحِ، وهو تَعْلِيقُ لفظٍ بمعنًى.
وأمَّا في الشرعيَّةِ والعرْفيَّةِ، فليسَ
[ ١ / ٤٣٨ ]
بهذا المعنَى، إذ لم يُنْقَلْ عن الشَّرْعِ لَفْظُ الصلاةِ بإزاءِ معنَاها الشرْعِيِّ، بل غَلَبَ اسْتِعْمَالُه لها بإزاءِ المعنَى الشرعيِّ، بحيثُ صَارَتِ الحقيقةُ اللغويَّةُ مَهْجُورَةً، وكذلك العرفيَّةُ إنَّما اشْتَهَرَتْ بكَثْرَةِ الاستعمالِ دونَ الوَضْعِ، قالَ: وحينَئذٍ إنْ خَصَّصْنا لَفْظَ الوَضْعِ في الحدِّ بالاصطلاحِ، خَرَجَتِ الشرعيَّةُ والعرْفيَّةُ، وإنْ لم نَخُصُّه، لَزِمَ الاشتراكُ، وهو ما تُصَانُ الحدودُ عنه، قالَ: فيَجِبُ أنْ تُحَدَّ لهما حدًّا غيرَ حدِّ اللغويَّةِ، بأنْ يُقالَ: المُسْتَعْمَلُ فيما يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُه، ولكَ أنْ تقولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الشَارِعَ اسْتِعْمَلَ ولم يَضَعْ، فإنَّ الوَضْعَ: تَعْلِيقُ لفظٍ بمعنًى، وذلك مُتَناولٌ لها، إلاَّ أنَّ سببَ نَقْلِه إلى المعنَى في اللُّغَةِ إعلامِه بالوَضْعِ والاصْطِلاحِ، وفي الشَّرْعِ كَثْرَةُ اسْتِعْمَالِه، كَثْرَةٌ تَقُومُ مَقامَ الوَضْعِ ابتداءً.
ص: (ووَقَعَ الأَوْلَيانِ، ونَفَى قَوْمٌ إمكانُ الشَّرْعِيَّةِ، والقَاضِي وابنُ القُشَيِّرِ=: وقوعُها، وقالَ قومٌ: وَقَعَتْ مُطْلَقًا، وقومٌ: إلاَّ الإيمانَ، وتَوَقَّفَ الآمِدِيُّ، والمُخْتَارُ وِفَاقًا لأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، والإمامَيْنِ، وابنُ الحاجِبِ - وقوعُ الفَرْعِيَّةِ لا الدِّينِيَّةِ).
ش: لا خلافَ في وقوعِ اللغويَّةِ والعرفيَّةِ، وأمَّا الشرعيَّةِ ففي (المحصولِ): اتَّفَقُوا على إمكانِها؛ يعني: أنَّ الاسمَ اللُّغَوِيَّ يَجُوزُ أنْ يَنْقُلُه الشَّرْعُ إلى معنًى آخَرَ، فيَصِيرُ اللَّفْظُ في ذلك المعنَى حقيقةً شرعيَّةً، لكن في شَرْحِه للأصْفَهَانِيِّ عن شَرْحِ
[ ١ / ٤٣٩ ]
المُعْتَمَدِ لأَبِي الحُسَيْنِ عن قومٍ أنَّهم مَنَعُوا إمْكانِها، وعليه اعْتَمَدَ المُصَنِّفُ.
لكنِ الذي رَأَيْتُه في (المُعْتَمَدِ) لأَبِي الحُسَيْنِ لَمَّا حَكَى عن قومٍ من المُرْجِئَةِ أنَّهم نَفُوا الحقائقَ الشرعيَّةَ؛ أي: وقوعَها، قالَ: وبعضُ عِلَلِهم تَدُلُّ على أنَّهم أَحَالُوا ذلكَ، هذا لَفْظُه، وحينَئذٍ فلم يُصِرِّحُوا به، نَعَمْ.
قالَ بعضُهم: مَن يَقُولُ بأنَّ دلالَةَ الألفاظِ طَبِيعِيَّةٌ، لا يقولُ بالجوازِ هنا؛ لأنَّ الاسمَ عندَه واجبٌ للمُسَمَّى، وأمَّا وقوعُها ففيه مذاهبَ:
[ ١ / ٤٤٠ ]
أحدُها: إنْكَارُه مُطْلَقًا، وهو قولُ القاضِي أَبِي بَكْرٍ، وابنِ القُشَيِّرِيِّ وغيرِهما، ونَقَلَه المَاوَرْدِيُّ في (الحاوِي) عن الجُمْهُورِ، وزَعَمُوا أنَّ لَفْظَ الصلاةِ والصومِ وغيرِهما في الشَّرْعِ مُسْتَعْمَلٌ في المعنَى اللُّغَوِيِّ، وهو الدُّعاءُ والإمْساكُ، لم يُنْقَلْ أصْلًا، وأنَّها بَاقِيَةُ على أوضاعِها، لكنَّ الشارِعَ شَرَطَ في الاعتدادِ بها أُمُورًا أُخْرَى، نحوَ: الركوعِ، والسجودِ، والكفِّ عن الجِمَاعِ، والنِّيَّةِ، فهو مُتَصَرِّفٌ بوَضْعِ الشَّرْطِ لا بتَغْييرِ الوَضْعِ.
والثاني: إثباتًُها مُطْلَقًا، وهو قولُ المُعْتَزِلَةِ، وقالُوا: نَقَلَ الشارعُ هذه الألفاظَ من الصلاةِ والصومِ وغيرِهما من مُسَمِّيَاتِها اللُّغَوِيَّةِ، وابتداءُ= وَضْعِها لهذه المعانِي الشَّرْعِيَّة من غيرِ مُرَاعَاةِ النَّقْلِ إلى المجازِ اللغويِّ، فلَيْسَتْ حقائقٌ لُغَوِيَّةٌ ولا مَجازاتٌ عنها، وكذلك قالُوا: الإيمانُ لُغَةً: التصديقُ، ونَقَلَه الشَّرْعُ إلى العِبَاداتِ من غيرِ مُنَاسَبَةٍ، ولهذا قالَ ابنُ الحَاجِبِ، وأَثْبَتَ المُعْتَزِلَةُ الدِّينِيَّةِ أيضًا، فدَلَّ على أنَّهم
[ ١ / ٤٤١ ]
يَثْبُتُونَ شَرْعِيَّةً غيرَ دِينَيِّةٍ، وقَصْدِهم من هذا أنَّ مُرْتَكِبَ الكبيرَةِ ليسَ مُؤْمِنًا ولا كَافِرًا.
والثالثُ: التَّفْصِيلُ بينَ الإيمانِ وغيرِه، وهو الذي اخْتارَهُ الشيخُ أَبُو إسحاقَ في (شَرْحِ اللُمَعِ) أنَّ الإيمانَ مَبْقِيٌّ على مَوْضوعِه في اللُّغَةِ، وأنَّ الألفاظَ التي ذَكَرْنَاها من الصلاةِ والصيامِ والحجِّ وغيرِ ذلك، منقولَةٌ.
قالَ: وليسَ من ضرورةِ النَّقْلِ أنْ
[ ١ / ٤٤٢ ]
يَكُونَ في جميعِ الألفاظِ، وإنَّما يكونُ على حَسَبِ ما يَقُومُ عليه الدليلُ.
والرابعُ: الوَقْفُ، وإليه مِيلَ الآمِدِيُّ. والمختارُ عندَ المُصَنِّفِ - وِفَاقًا لِمَنْ ذَكَرَه - الوقوعُ في فُرُوعِ الشريعَةِ فقطْ كالصومِ والصلاةِ، دونَ أُصُولِه كالإيمانِ، والمُرادِ بـ (الدِّينِيَّةِ) كما قاله في (المُسْتَصْفَى): ما نَقَلَه الشَّرْعُ إلى أَصْلِ الدِّينِ كالإيمانِ والكُفْرِ والفِسْقِ.
ثمَّ في كلامِ المُصَنِّفِ أَمْرَانٍ:
أحدُهما: أنَّ هذا الذي اخْتَارَهُ يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إلى أنَّه عينُ قولِه: (وقَومٌ إلاَّ الإيمانَ) فما الفارقُ بينَهما؟ وإنَّما يَظْهَرُ التَّغَايُرُ بينَهما بالتقريرِ الذي سنَذْكُرُه في مَذَهْبِ الإمامَيْنِ، والقائلُ الأوَّلُ يقولُ: إنَّ الشرعَ أَبْقَى الإيمانَ على موضوعِه اللُّغَوِيُّ، ونَقَلَ ما عَدَاهُ من الفروعِ نَقْلًا كُلِّيًّا إلا على مُلاحَظَةِ أُسْلُوبِ اللُّغَةِ بوَجْهٍ، وحِكَايَتُه هكذا تُؤْخَذُ من نَقْلِ مُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ من كتابِ (تَعْظِيمِ قَدْرِ الصلاةِ)، عن أَبِي
[ ١ / ٤٤٣ ]
عُبَيْدٍ، وتصيرُ المذاهبُ خَمْسَةً.
الثاني: ما أَطْلَقَه في نَقْلِ مذهبِ الإمامَيْنِ، فيه نَظَرٌ، أمَّا إمامُ الحرمَيْنِ فإنَّه قالَ: ثَبَتَ منها نوعانٍ:
أحدُهما: قَصْرُ التَّسْمِيَةِ على بعضِ مُسَمِيَاتِها، فإنَّ الصلاةَ لُغَةً: الدُّعاءُ، وقَصَرَهُ الشَّرْعُ على دُعاءٍ مَخْصُوصٍ.
والثاني: التَّجَوُّزُ، كإطلاقِها على الأفعالِ من السجودِ ونحوِه مجازًا من الدُّعاءِ؛ لأنَّ الدَّاعِيَ خَاضِعٌ وكذا السَّاجِدُ، قالَ: فالمُثْبَتُ للنَّقْلِ إنْ أَرَادَ القَصْرَ النَّحْوِيُّ فلا معنَى لإنْكَارِه، وإنْ أَرَادَ غيرَه فبَاطِلٌ، هذا كلامُه، ولم يُفَصِّلْ بينَ شَرْعِيَّةٍ ولا أَصْلِه.
وأمَّا الإمَامُ الرَّازِيُّ فإنَّه اخْتَارَ أنَّ الشَّرْعَ لم يَنْقُلْهَا عن معناها اللُّغَوِيِّ، لكنَّه لم يَسْتَعْمِلْها في حَقِيقَتِها اللُّغَوِيَّةُ، وإلاَّ تَبَادَرَ الذِّهْنُ إليها بل في مَجَازِهَا اللُّغَوِيُّ، فإنَّ العَرَبَ تَكَلَّمُوا بالمَجَازِ كما تَكَلَّمُوا بالحقيقةِ، ومن مجازِهِمْ تَسْمِيَةُ الشيءِ باسمِ أَجْزَائِه، والصلاةُ كذلِكَ، فإنَّ الدُّعاءَ جُزْؤُها، فكَأَنَّ الإمامَ يَقولُ: إنَّها مُفَسِّرَةٌ على مَجَازِها اللُّغَوِيُّ، كما أنَّ القَاضِي يَقُولُ: إنَّها مُفَسِّرَةٌ على حَقَيقَتِها اللُّغَوِيَّةُ، واشْتَرَكَ المَذْهَبَانِ في إذا لم يَخْرُجْ بها عن أسْلُوبِ العَرَبِ، ولم يَفْصِلْ الإمامُ بينَ فَرْعِيَّةٍ ولا دِينِيَّةٍ أيضًا، بل صَرَّحَ بالتَّسْوِيَّةِ في عبارتِه، قُلْنَا: لم لا يَكْفِي فيها المجازُ؟ وهو تَخْصِيصُه الألفاظُ المُطْلَقَةُ ببَعْضِ مَوارِدُها، فإنَّ الإيمانَ والصلاةَ والصومَ، كانَتْ مَوضوعَةٌ لمُطْلَقُ التَّصْدِيقِ والدُّعاءِ والإمْساكِ، ثم خَصَّتْ في الشَّرْعِ بتَصْدِيقٍ مُعَيَّنٍ ودُعَاءٍ مُعَيَّنٍ وإمْسَاكٍ مُعَيَّنٍ إلى آخِرِه، والفَرْقُ بينَ
[ ١ / ٤٤٤ ]
مَذْهَبِه ومَذْهَبِ إمامُ الحرمَيْنِ، أنَّ إمامَ الحرمَيْنِ يقولُ: إنَّ الشَّرْعَ غيرُ وَضْعِ اللغةِ على الهَيْئَةِ السَّابِقَةِ، والإمامُ الرَّازِيُّ يقولُ بعَدَمِ التَّغْييرِ، وإنْ لم يَخْرُجْ عن طَرِيقِهم، وكلامُه في الأدلَّةِ غيرُ مُصَرَّحٍ بذلك، لكنَّه قريبٌ في المعنَى منه، هذا تحريرُ النَّقْلِ عن الإمامَيْنِ، فاجْتَنِبْ ما وَقَعَ للنَّاقِلِينَ عنهما.
وقالَ الأَصْفَهَانِيُّ بعدَ حِكَايَتِه المَذَهبَيْنِ الأولَيْنِ: والثالثُ: اخْتِيارُ المُصَنِّفُ وإمامُ الحرمَيْنِ، أنَّه مَنْقُولٌ شَرْعًا لكنْ إلى مَعَانٍ هي مجازاتٌ لُغَوِيَّةٌ، يعنِي مِن بابِ التَّعْبِيرِ بالجُزْءِ عن الكُلِّ في الصلاةِ؛ لأنَّ الصلاةَ جُزْؤُهَا الدُّعَاءُ، قالَ: وهو يُخَالِفُ القَولَيْنِ الأولَيْنِ.
أمَّا مذهبُ القَاضِي؛ فلأنَّه يَقُولُ: ما نَقَلَتْ أَصْلًا.
وأمَّا مذهبُ المُعْتَزِلَةِ؛ فلأنَّهم لم يَشْتَرِطُوا في النَّقْلِ كونُ المَنْقُولِ إليه مَجَازًا لُغَوِيًّا، والحاصلُ أنَّ الألفاظَ المُتَدَاولِةُ شَرْعًا، وقد اسْتُعْمِلَتْ في غيرِ مَعَانِيها اللُّغَوِيَّةِ، هل هي بَاقِيَةٌ على أَوْضَاعِها اللُّغَوِيَّةِ، ولم تَنْقُلْ - وهو قولُ القاضِي - أو نَقَلَها إلى غيرِ مَعانِيها؟ والقائِلُونَ به اخْتَلَفُوا: فمِنْهم مَن قالَ: إلى مَجَازَتِها اللُّغَوِيَّةِ كما اختارَ الإمَامَانِ، ومنْهُم مَن قالَ: إلى غيرِ معانِيها على الإطلاقِ، وهو قولُ المُعْتَزِلَةِ، فتَحَصَّلَ أنَّ المُثْبِتِينَ للحقيقةِ الشَّرْعِيَّةِ، هُم المُعْتَزِلَةُ؛ لأنَّهم لم يَشْتَرِطُوا في النَّقْلِ المُنَاسَبَةَ.
وأمَّا الإمامانِ ومَن وَافَقَهُمَا، فاشْتَرَطُوا المُنَاسَبَةَ لمَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةُ، فتَكُونُ عندَهُم في انتفاءِ النَّقْلِ مجازاتٌ لُغَوِيَّةٌ بسبَبِ عَدَمِ اشْتِهَارِها، ثمَّ غَلَبَتْ في المعانِي الشرعيَّةِ لكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِها في الشَّرْعِ، فصَارَتْ حقيقةٌ عُرْفِيَّةٌ لهم.
وفائدةُ هذا أنَّا إذا وَجْدَنَاهَا في كلامِ الشارعِ مُجَرَّدَةً عن القَرِينَةِ مُحْتَمِلَةٍ للمعنَى اللُّغَوِيِّ والشَرْعِيِّ، فعلامُ تُحْمَلُ.
وأمَّا في استعمالِ حَمْلَةِ الشَّرْعِ فتُحْمَلُ على الشرعِيِّ بلا خلافٍ؛ لأنَّ الحقيقةَ اللغويَّةَ مهجورةٌ عندَهم، فلا يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ عندَ اسْتِعْمَالِهم قَصْدَها الْبَتَّةَ، ويَنْبَغِي تَنْزِيلُ إطلاقِ المُصَنِّفِ على ما ذَكَرْنَا، وبهذا التَّحْرِيرِ يَظْهَرُ لكَ فَسَادُ ما وَقَعَ في الشَّرْحِ في هذه المسألَةِ.
[ ١ / ٤٤٥ ]
ص: (ومعنَى الشرعِيِّ: ما لم يُسْتَفَدْ اسمُه إلاَّ من الشرْعِ، وقد يُطْلَقُ على المَنْدُوبِ والمُبَاحِ).
ش: الحقيقةُ الشرعيَّةُ هي: اللفْظَةُ التي اسْتُفِيدَ وَضْعُها لمعنًى من جِهَةِ الشَّرْعِ، فخَرَجَ بالقَيْدِ الأخيرِ: الحقائقُ اللُّغويَّةُ والعُرْفِيَّةُ، ودَخَلَ فيه المَنْقُولُ الشرعيُّ، وهو اللفْظُ الموضوعِ لمعنًى، ثمَّ نُقِلَ في الشَّرْعِ إلى معنًى ثانٍ لمُنَاسَبَةٍ بينَهُما، وغَلَبَ اسْتِعْمَالُه في الثاني، والمَوْضُوعاتِ المُبْتَدِأَةِ الشرعيِّةِ، وهي الألفاظُ التي وَضَعَها الشارِعُ للمَعَانِي الشرعيَّةِ من غيرِ اعتبارِ نَقْلٍ من اللُّغَةِ أو من غيرِ اعتبارِ المُنَاسَبَةِ، قالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: وأَقْسَامُها المُمْكِنَةُ أَرْبَعَةٌ:
أَحَدُها: أنْ يَكُونَ اللفظُ والمعنَى مَعْلُومَيْنِ عندَ أهلِ اللُّغَةِ، لكنَّهم لم يَضَعُوا ذلك الاسمَ بذلك المعنَى.
وثانيها: أنْ يكونَا مَجْهُولَيْنِ.
والثالثُ: أنْ يكونَ اللفظُ مَعْلُومًا لهم دونَ المعنَى.
ورابِعُها: عَكْسُه.
قالَ: والمَنْقُولَةُ الشرعيَّةُ، من هذه الأقسامِ إنَّما هي الأوَّلُ والثالثُ. قالَ: والأَشْبَة= وقوعُ هذه الأقسامِ كلِّها.
[ ١ / ٤٤٦ ]
تَفْرِيعًا على القولِ بالحقَيقَةِ الشرعيَّةِ، وصَرَّحَ الأَصْفَهَانِيُّ بأنَّ النِّزَاعَ في الأقْسَامِ كُلِّها، وهو ظاهرٌ كلامُ (المحصولِ)، والتحقيقُ أنَّ هذا التفسيرَ الشرعيِّ وشمولَه لهذه الأقسامِ، إنَّما يَصِحُّ على مذهبِ المُعْتَزِلَةِ، وكذلك صَرَّحَ أَبُو الحُسَيْنِ في (المُعْتَمَدِ) بأنَّه ذَكَرَ هذا التفسيرُ، ثم قالَ: فيَدْخُلُ فيه كذا إلى آخَرِه.
أمَّا إذا قًُلْنَا بأنَّها مَجازاتٌ لُغَوِيَّةٌ، فلا بُدَّ أنْ يكونَ ذلك اللفظُ والمعنَى من حيثُ هو مجازٌ لُغَوِيٌّ، فعَلَمَها أهلُ اللًُّغَةِ، لاسْتِحَالَةِ نَقْلِ الشَّرْعِ لَفْظَةً لُغَوِيَّةً إلى معنًى هو مجازً لُغَةً، ولا يَعْلَمُها أهلُ اللُّغَةِ، ولا يَخْفَى بعدَ هذا ما على المُصَنِّفِ في هذا التفسيرِ من التقديمِ إنْ كانَ حَقُّه تَقْدِيمَ هذا على ما قبلَه؛ لأنَّ التصديقَ مسبوقٌ بالتَّصَوُّرِ، وحيثُ ذَكَرَ الشَّرْعِيَّ فليَذْكُرُ الدِّينِيَّ، وقد سَبَقَ تَفْسِيرُه.
وقولُه: (يُطْلَقُ) هذا بالنَّسْبَةِ
[ ١ / ٤٤٧ ]
إلى عُرْفِ الفُقَهاءِ لا الأصُوليِّينِ، لكنْ قد يَتَوَقَّفُ في إطْلاقِه على المباحِ، ولهذا قالَ إمامُ الحرمَيْنِ في (الأساليبِ): الذي يَعْنِيهِ الفَقِيهُ بالشرعيِّ هو: الواجبُ والمندوبُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ في صلاةِ الجَمَاعَةِ من (الرَّوْضَةِ) قولُهم: لا تُشْتَرَطُ الجَماعَةُ في النوافلِ المُطْلَقَةِ؛ أي: لا تُسْتَحَبُّ، فلو صَلاَّهَا جَماعَةٌ جَازَ، ولا يُقالُ: مَكْرُوهَةٌ.
ص: (المَجَازُ: اللَّفْظُ المُسْتَعْمَلُ بِوَضْعٍ ثَانٍ لِعَلاَقَةٍ).
ش: خَرَجَ بِالوَضعِ الثَّانِي، الحَقيقةُ، وَبِالقَيدِ الثَّالثِ، العَلَمُ المنقولَُ، كَبَكرٍ وكَلْبٍ، فإنَّهُ لَيسَ بِمَجَازٍ؛ لأنَّهُ لَم يُنقَلْ لِعَلاقةٍ، ومثلُ استِعمالِ لفظِ الأَرضِ فِي السَّمَاءِ، ويَشمَلُ هذا الحدُّ أنواعَ المجازِ الثَلاثَةِ منَ اللغَويِّ والشَّرعِيِّ والعُرفِيِّ، فاللفظُ
[ ١ / ٤٤٨ ]
الوَاحدُ بِالنِّسبَةِ إلى المَعنَى الوَاحِدِ، قَدْ يكونُ حقيقةً باصطِلاحٍ، مَجَازًا باصطِلاحٍ آخَرَ، كَلفظِ الصلاةِ مَثلًا، بِالنسبةِ إلى الدُّعاءِ، فِإنَّه حَقيقةً بِاصطِلاحِ أهلِ اللغةِ، مَجازًا باصطِلاحِ أهلِ الشَّرعِ، وبِالنسبةِ إلى الأفْعَالِ المَخصُوصةِ بِالعَكسِ، وَعِبَارَةُ ابنِ الحَاجِبِ: في غيرِ وضعٍ أوَّلٍ، وهُوَ يَقتضي أنَّ المَجَازَ غَيرُ مَوضوعٍ، ولذلكَ عَدَلَ المُصَنِّفُ إلى قَولِهِ: (بِوَضِعٍ ثَانٍ) وَعِبَارَتُه أيضًا على وَجهٍ يَصِحُّ، وعَدَلَ عَنه المُصَنِّفُ إلى قولِه: (لِعَلاقَةٍ) واسْتَحسَنَ العَضَدُ تَعبيرَ ابنِ الحَاجِبِ على هذه العِبارَةِ لانْطِبَاقَهِ على مَذهَبَي وجوبِ النَّقلِ فيه والاكتِفَاءِ بِالعَلاقَةِ، فكانَ أحْسَنَ مِمَّا يَختَصُّ بِمَذهَبٍ.
ص: (فَعُلِمَ وُجُوبُ سبقِ الوضعِ - وهُوَ اتِّفاقٌ - لا الاسْتِعمَالُ، وهُو المُختَارُ، قيلَ: مُطْلَقًا، والأصَحُّ: لِمَا عَدَا المَصدَرُ).
ش: عُلِمَ مِن قَولِه: بِوَضعٍ (ثانٍ) أنَّ المَجَازَ يَستلزِمُ وَضعًا سابِقًا عَل يه، ومِن ثَمَّ كانَ الْلَفظُ في أولِ الوضعِ قَبلَ استِعمَالِه فيما وُضِعَ لَه - ليسَ بِحقيقةٍ ولا مَجَازٍ، وهذا لا خِلافَ فيه، لَكنَّه لا يَستَلزِمُ سَبقَ الحَقيقةِ، وهوَ مُرَادُ المُصَنِّفِ بِالاستِعمَالِ، وَهِيَ مَسأَلةٌ: الخِلافُ في أنَّ المَجَازَ هَلْ يَستَلْزِمُ الحَقيقةَ؟ بِمَعنَى أنَّ استِعمالَ اللفظِ فِي غَيرِ وَضعٍ أَوَّلٍ، هَلْ يَكُونُ مَشرُوطًا بِاستعمالِه في وضْعٍ أوَّلٍ قبلَ هذا الاستعمالِ أمْ لا، بل يَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في الوضْعِ الثاني، ولا يُسْتَعْمَلَ فيما وُضِعَ له أصْلًا؟
والمُختارُ عندَ الآمِدِيِّ والمُصَنِّفِ عدَمِ الاسْتِلْزامِ، عَزَاهُ في (البديعِ) إلى
[ ١ / ٤٤٩ ]
المُحَقِّقينَ، وذَهَبَ أَبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيُّ وابنُ السَّمْعَانِيِّ والإمامُ الرَّازِيُّ إلى الاستلزامِ، مُحْتَجِّينَ بأنَّه لو لم يَسْتَلْزمْ لخَلاَ الوضْعُ عن الفائدةِ، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ الفائدةَ غيرُ مُنْحصرَةٌ في استعمالِ اللفظِ فيما وُضِعَ له، بل هي حاصِلَةٌ بالتجوُّزِ.
تنبيهٌ: تفريقُ المُصَنِّفِ هنا بينَ الوضْعِ والاستعمالِ هو الصوابُ، وفي كلامِ القِرافِيِّ ما يُخَالِفُه، فإنَّه لمَّا تَكَلَّمَ على أنَّ الوضْعَ جَعَلَ اللفظَ دليلًا على المعنَى، قالَ: ويُطْلَقُ على غَلَبَةِ الاستعمالِ، وعلى أصلِ الاستعمالِ من غيرِ غَلَبةٍ، قالَ: وهذا هو مُرادُ العلماءِ بقولِهم: هل من شَرْطِ المجازِ الوضعُ أم لا؟ قولانِ:
يُريدُونَ بالوضْعِ ههُنا مُطْلَقُ الاستعمالِ، ولو مَرَّةً يَسْمَعُ من العربِ استعمالَ ذلك النوعِ من المجازِ، فيَحْصُلُ الشرْطُ.
[ ١ / ٤٥٠ ]
ص: (وهو واقعٌ خلافًا للأستاذِ والفارسيِّ مُطْلَقًا، والظَّاهِرِيَّةِ في الكتابِ والسُّنَّةِ).
ش: النقلُ عن الأستاذِ أَبِي إِسْحَاقَ مَشهورٌ، لكنْ قالَ الإمامُ والغزاليُّ: الظَّنُّ بالأستاذِ أنَّه لا يَصِحُّ عنه، ولعَلَّهُ أَرَادَ أنَّه ليسَ بثابتٍ ثُبوتُ الحقيقةِ.
وأمَّا الفارسيُّ فالمرادُ أَبُو عَلِيٍّ النَّحْوِيُّ، وعُمْدَةُ المُصَنِّفِ فيه نَقَلَ ابنُ الصَّلاَحِ في فوائدِ الرحْلةِ، وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ تلميذَه أَبَا الفَتْحِ بنَ جِنِّي أَعْرَفُ بمَذْهَبِه، وقد نُقِلَ عنه في كتابِ (الخصائصِ) عَكْسُ هذا المقالَةِ، أنَّ المجازَ غالبٌ على اللغاتِ كما هو مذهبُ ابنُ جِنِّي، والنقلُ عن الظاهريةِ بمَنْعِه في القرآنِ والحديثُ، نَقَلَه الإمامُ عن ابنِ دَوادَ الظَّاهِرِيُّ، وزَعَمَ الأصْفَهَانِيُّ أنَّه تَفَرَّدَ بنَقْلِه في الحديثِ لكنْ في (الإحكامِ) لابنِ
[ ١ / ٤٥١ ]
حَزْمٍ، أنَّ قَوْمًا مَنَعُوهُ في القرآنِ والسُّنَّةِ.
وقالَ ابنُ الحاجبِ في بابِ الإضافةِ من (شَرْحِ المُفَصَّلِ): ذَهَبَ القاضِي إلى أنَّه لا مجازَ في القرآنِ، وأنَّ مثلَ قولُه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ محمولٌ على أنَّ القريةَ تُطْلَقُ للأهلِ والجدارِ جميعًا على وجْهِ الاشتراكِ، وليسَ بجَيِّدٍ؛ لأنَّه مَعْلومٌ أنَّ القريةَ موضوعةٌ للجُدْرانِ المخصوصَةِ، دونَ الأهلِ، فإذا أُطْلِقَتْ على الأهلِ، لم تُطْلَقْ إلاَّ بقيامِ قرينةٍ تَدُلُّنَا على المحذوفِ، ولو كانتْ مُشْترِكَةً لم تَكُنْ كذلك.
[ ١ / ٤٥٢ ]
ص: (وإنَّما يَعْدِلُ إليه لثِقَلِ الحقيقةِ، أو بشَاعَتِها، أو جَهْلِها، أو بلاغَتِه، أو شُهْرَتِه أو غيرِ ذلك).
ش: للعدولِ عن استعمالِ الحقيقةِ إلى استعمالِ المجازِ أسبابٌ:
أحدُها: ثِقَلُ لفظِ الحقيقةِ على اللسانِ، كالحنفقيق=؛ اسمٌ للداهيَةِ، فيَعْدِلُ إلى النائِبَةِ أو الحادثَةِ ونحوِه.
الثَانِي: بشاعَةُ لَفظِهَا، كَمَا يُعَبَّرُ بالغائِطِ عن الخَرَاةِ.
الثَالِثُ: أنْ لا يَعْرِفَ المُتكَلِمُ والمُخَاطَبُ لَفظَه الحَقيقي.
الرَّابِعُ: بَلاغَةُ لَفظِ المجازِ لصَلاحِه للسَّجْعِ والتجْنِيسِ وسائرِ أصْنافِ البديعِ دونَ الحقيقةِ.
الخامسُ: شُهْرَتُه لكونِ المجازِ أَعْرَفُ من الحقيقةِ وأَشَارَ بقولِه: (وغيرُ ذلكَ) إلى أنْ لا يكونَ للمعنَى الذي عَبَّرَ بالمجازِ لَفْظٌ حقيقيٌّ، أو يكونَ معلومًا عندَ المُخاطَبِينَ، ويَقْصِدانِ إخفاءَهُ على غيرِهما.
[ ١ / ٤٥٣ ]
ص: (وليسَ غالبًا على اللغاتِ خلافًا لابنِ جِنِّي).
ش: قالَ في (المحصولِ) ادَّعَى ابنُ جِنِّي أنَّ المجازَ غالبٌ على كلِّ لغةٍ، سواءٌ لغةَ العربِ وغيرُها، فإنَّ قولُنا: قَامَ زيدٌ، مفيدُ المَصْدَرِ، وهو جنسٌ يَتَناولُ جميعَ أفرادِ القيامِ، وهو غيرُ مرادٍ بالضرورةِ.
قالَ: وهذا ركيكٌ، فإنَّ المصدرَ لا يَدُلُّ على أفرادِ الماهيَّةِ بل على القدْرِ.
قالَ: وقولُك: ضَرَبْتُ زيدًا، مجازًا من جِهَةٍ أُخْرَى، فإنَّك إنَّما ضَرَبْتَ بعضَه لا كلَّه، واعْتَرَضَ عليه تَلْمِيذُه عبدُ اللهِ بنُ متويه= المُتَكَلِّمِ، بأنَّ المُتَأَلِّمَ بالضربِ كلُّه لا بعضَه، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّه إنَّما التَزَمَ المجازُ في لفظِ الضربِ لا في لفظِ التأَلُّمَ، والضربُ: إمساسُ جِسْمٍ بعنفٍ، والإمساسُ حكْمٌ يَرْجِعُ إلى الأعضاءِ لا إلى الجُمْلَةِ، والتَّأَلُّمُ أَثَرُ ذلك الإمساسِ.
ص: (ولا مُعْتَمَدٌ حيثُ تَسْتَحيلُ الحقيقةُ خلافًا لأَبِي حَنِيفَةَ).
ش: ومعنَى هذه المسأَلَةِ: أنَّه إذا اسْتَعْمَلَ لفظٌ وأُرِيدَ به المعنَى المَجازِيُّ، هل يُشْتَرَطُ إمكانُ المعنَى الحقيقيُّ بهذا اللفظِ أم لا؟ فعِنْدَنَا يُشْتَرَطُ، فحيثُ تُمْنَعُ الحقيقةُ لا يُصَحُّ المجازُ، وعندَه: لا، بل يَكْفِي صِحَّةُ اللفظِ إعْمالًا للكلامِ ما أَمْكَنَ، والحاصلُ أنَّ اللفظَ عندَنا إذا كانَ مُحالًا بالنسبةِ إلى الحقيقةِ لَغْوٌ، وعندَ أَبِي حَنِيفَةَ يُحْمَلُ على المجازِ، وعلى هذا الأصلِ مسائلٌ بينَنا وبينَهم، منها: إذا قالَ لغُلامِه الذي هو أسَنُّ منه: هذا ابْنِي، فلا يَصْلُحُ عندَنا مجازًا عن العتقِ؛ لأنَّ اللفظَ إنَّما يَصْلُحُ مجازًا إذا كانَ له حقيقةٌ، وهذا اللفظُ في هذا المَحَلِّ لا حقيقةَ له، فكانَ لَغْوًا وإنْ حَمَلْنَاهُ
[ ١ / ٤٥٤ ]
على الإضمارِ؛ أي: مثلَ ابْنِي؛ أي: في الخيرِ، فعَدَمُ عَتْقِه أَظْهَرُ، ولو قالَ له: أَوْصَيْتُ له بنَصِيبِ ابنِي فوجهانِ؛ أصَحُّهُما عندَ العراقيين= والبَغَوَيِّ: بطلانُ الوصيَّةِ لورُودِها على حقِّ الغَيْرِ، وعَزَاهُ الرَّافِعِيُّ إلى أَبِي حَنِيفَةَ، وقد يُسْتَشْكَلُ على أصْلِه هنا.
والثاني: وبه قالَ مالكٌ: إنَّها صحيحةٌ، والمعنَى: بمثلِ نَصِيبِ ابنِي، ومثلُه كثيرٌ في الاستعمالِ، وصَحَّحَهُ الإمامُ والرَّوَيَانِيُّ وغيرُهما، ويَجْرِيانِ فيما لو قالَ: بِعْتُكَ عَبْدِي بما بَاعَ فُلانٌ فَرَسَه، وهما يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ.
ص: (وهو والنَّقْلُ خلافُ الأصلِ).
ش: فيه مسألَتَانِ:
إحدَّاهُما: أنَّ المجازَ خلافُ أصْلِه، والأصْلُ يُطْلَقُ ويُرَادُ به الغالبُ، وتارةً يُرادُ به الدليلُ، فإنْ كانَ الأوَّلُ فالخلافُ فيه معَ ابنِ جِنِّي وقد سَبَقَ، وإنْ كانَ الثاني فالتَّعَرُّضُ به أنَّ الأصْلَ الحقيقةُ والمجازُ، وهي خلافُ الأصلِ، فإذا دَارَ اللفظُ بينَ احتمالِ المجازِ واحتمالِ الحقيقةِ، فاحتمالُ الحقيقةِ أَرْجَحٌ؛ لأنَّ الحقيقةَ لا تَخِلُّ بالفهمِ بخلافِ المجازِ، فيكونُ مَرْجُوحًا.
الثانيةُ: النقلُ خلافَ الأصلِ، بمعنَى إذا دَارَ اللفظُ بينَ أنْ يكونَ مَنْقولًا وبينَ أنْ يكونَ مُبْقَى على الحقيقةِ اللُّغويَّةِ - كانَ الثاني أوْلَى، لتَوَقُّفِ الأوَّلِ على الوضْعِ اللغويِّ، ثمَّ نَسَخَه، ثمَّ وَضَعَ جديدٌ، ولأنَّ الأصْلَ بقاءُ ما كانَ على ما كانَ،
[ ١ / ٤٥٥ ]
فإنْ قيلَ: لم يَتَقَدَّمِ المُصَنِّفُ ذِكْرُ النقْلِ حتى يَذْكُرَ تَعارُضُه بخلافِ صاحبِ (المنهاجِ) فإنَّه ذَكَرَه في التقسيمِ السابقِ، قُلْنَا: بل الخلافُ في الحقيقةِ الشرعيَّةِ هو خلافٌ في النَّقْلِ، فإنَّ القاضِيَ يَمْنَعُ نَقْلَ اللفظِ اللغويِّ إلى غيرِ معناهُ البَتَّةَ، والجمهورُ يُجَوِّزُونَه، وهذه المسألةُ لا تَجِيءُ على رَاي القاضِي لإنْكَارِه النَّقْلُ، وإنَّما تَجِيءُ على رَاي الأخيرَيْنِ.
ص: (وأوْلَى من الاشْتراكِ).
ش: فيه مسألتان:
إحدَّاهُما: إذا تَعَارَضَ المجازُ والاشتراكُ، فالمجازُ أولى، لكَثْرَتِه ولاستعمالِ اللفظُ دائمًا في الحقيقةِ، معَ عَدَمِ القرينةِ، وفي المجازِ معها بخلافِ الاشتراكِ، فإنَّه يَخِلُّ بالفَهْمِ حيثُ لا قَرينةَ.
وقالَ قومٌ: المُشْتَرِكُ أوْلَى، لتَوَقُّفِ المجازِ على وضعَيْنِ وعلاقَةٌ دونَ المُشْتَرِكِ الحَاصِلُ بوَضْعٍ واحدٍ.
الثانيةُ: تعارضُ النقلِ والاشتراكِ، فالجمهورُ على أنَّ النقْلَ أوْلَى؛ لأنَّ معنَى
[ ١ / ٤٥٦ ]
المنقولِ واحدٌ بخلافِ المشتركِ، فإنَّه مُتَعَدِّدُ المعانِي، فيَخِلُّ بالفَهْمِ حتى تَرَّدَ القرينةُ.
وقالَ قومٌ: المشتركُ أوْلَى لتوقُّفِ النقلِ على النسخِ؛ أي: قد يَصِيرُ إلى النسخِ، والمشتركُ أوْلَى منه، والتوقُّفُ على المرجوحِ أوْلَى بأنْ يكونَ مَرْجُوحًا، وأُجِيبَ بأنَّ الشارعَ إذا نَقَلَ اشْتَهَرَ المعنَى المنقولُ إليه.
ص (وقيلَ: من الإضْمارِ).
ش: اخْتَلَفُوا في تَعارُضِ المجازِ والإضمارِ على ثلاثةِ مذاهبَ:
فقالَ الإمامُ في (المَعالِمِ): المجازُ أوْلَى لِكَثْرَتِه، ولأنَّ إلْحَاقَ الفردِ بالأعَمِّ الأغْلَبِ أوْلَى، وقيلَ: الإضمارُ أوْلَى؛ لأنَّ قَرِينَتَه مُتَّصِلَةٌ، وقيلَ: بتَساوِيهِما، لاحتياجِ كلٍّ منهُما إلى ثلاثِ قرائِنَ، وجَزَمَ به في (المحصولِ) وتَابَعَه البَيْضَاوِيُّ، وعلى هذا فيكونُ اللفظُ مُجْمَلًا حتى لا يَتَرَجَّحَ أحدُهما على الآخَرِ إلا بدليلٍ، ومثَّلَ بعضُهم المسألَةَ بقولِه لعَبْدِه الذي أكْبَرُ منه سِنًّا: هذا ابنِي وقد سَبَقْتُ.
واعْلَمْ أنَّ
[ ١ / ٤٥٧ ]
كلامَ المصنِّفِ يَقْتَضِي جَريانَ الخلافِ في تَعارُضِ النقلِ والإضمارِ، والمعروفُ أوْلَوِيَّةٌ: الإضمارُ؛ لأنَّه من بابِ البلاغةِ، بخلافِ النقلِ، ولأنَّ النقلَ يَقْتَضِي النسخَ بخلافِ الإضمارِ، ولأنَّ النقلَ أنْكَرَه كثيرٌ من المُحَقِّقِينَ وأَجْمَعُوا على الإضْمارِ.
ص: (والتخصيصُ أوْلَى منْهُما).
ش: أي: من المجازِ ومن النقلِ، أمَّا كونُه أوْلَى من المجازِ، فلأنَّ دلالةَ العامِّ على أفْرادِهِ بعدَ التخصيصِ يَحْتَمِلُ أنْ تكونَ حقيقةٌ، ودلالةُ المجازِ على مَعْناهُ المجازيِّ لا تَحْتَمِلُ ذلك لكونِه خلافَ الإجماعِ، والحقيقةُ راجِحَةٌ على المجازِ، والمُحْتَمَلُ للراجِحِ راجِحٌ، فيكونُ التخصيصُ راجحًا، كقولِنَا: العمرةُ فَرْضٌ لقولِه تعالَى: ﴿وَأَتَمِّوُا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾، والأمرُ للوجوبِ فيقولُ المالكيُّ: تخصيصُ النصِّ بالحجِّ والعمرَةِ المشروعِ فيهما؛ لأنَّ استعمالَ الإتمامِ في الابتداءِ مجازٌ، والتخصيصُ أوْلَى من المجازِ، وأمَّا كونُه أوْلَى من النقلِ، فلأنَّ التخصيصَ خيرٌ من المجازِ والمجازُ خيرٌ من النقلِ كما بَيَّنَّا، والخيرُ من الخيرِ خيرٌ، لقولِ المالكيِّ: يَلْزَمُ الظِهارُ من الأمَةِ، لقولِه تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ فإنْ قالَ الشافعيُّ: هو منقولٌ في العُرْفِ للحرَّةِ، فلا يَتَناولُ مَحَلَّ النزاعِ، ولو لم يكنْ منقولًا لَلَزِمَ أنْ يكونَ مُخَصَّصًا بذواتِ المحارمِ، فإنَّهم من نِسائِهم ولا يَلْزَمُ فيهنَّ ظهارٌ، كانَ للمالكيِّ أنْ يقولَ: إذا تَعَارَضَ النقلُ والتخصيصُ، فالتخصيصُ أوْلَى، وعُلِمَ منه أنَّه أوْلَى من الإضْمارِ؛ لأنَّ التخصيصَ خيرٌ من المجازِ، والمجازُ مساوٍ= للإضمارِ، والأوْلَى، من المساوِي أوْلَى، كقولِ المالكيِّ: الكلبُ طَاهِرٌ، لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. والضميرُ عامٌّ
[ ١ / ٤٥٨ ]
في جميعِ الجوارحِ، فيَجُوزُ أكلُّ أيُّ مَوْضِعٍ فيه، عَمَلًا بالظاهرِ.
فيقولُ الشافعيُّ: يَلْزَمُكُمْ جوازُ ما أَمْسَكَ بعدَ القُدْرَةِ عليه من غيرِ زكاةٍ، وليسَ كذلك فيَلْزَمُ التخصيصُ بل هنا إضمارٌ تقديرُه: كُلُوا من حَلالِ ما أَمْسَكْنَ، وكونُ موضعٍ فيه من الحَلالِ مَحَلَّ النزاعِ.
فللمَالِكِيِّ أنْ يقولَ: ما ذَكَرْنَاهُ يَلْزَمُ منه التخصيصُ وعلى ما ذَكَرْتُمُوهُ يَلْزَمُ الإضمارُ، والتخصيصُ أوْلَى.
تنبيهٌ: إنَّما اقْتَصَرَ المصنِّفُ على هذه الخمسةِ، أعنِي المجازَ، والنقلَ، والاشتراكَ، والإضمارَ، والتخصيصَ؛ لأنَّها أصْلُ ما يُخَلُّ بالتَّفَاهُمِ، ثمَّ يَقَعُ التعارضُ بينَ الاشتراكِ وبينَ الأربعَةِ الباقِينَ، ثمَّ بينَ النقلِ وبينَ الثلاثةِ الباقيةِ، ثمَّ بينَ المجازِ وبينَ الوجْهَيْنِ الباقيَيْنِ، ثمَّ بينَ الإضمارِ والتخصيصِ.
ص: (وقد يكونُ بالشَّكْلِ أو صِفَةً ظاهرةً، أو باعتبارِ ما يكونُ قَطْعًا أو ظَنًّا لا احتمالًا، وبالضِّدِّ والمجاورةِ، والزيادةِ والنقصانِ، والسببِ للمُسَبِّبِ، والكلِّ للبعْضِ، والمُتَعَلِّقِ للمُتَعَلِّقِ بالعكوسِ، وما بالفِعْلِ على ما بالقُوَّةِ).
ش: المجازُ لا بُدَّ فيه من العَلاقَةِ، بينَه وبينَ الحقيقةِ ولا يَكْفِي مُجَرَّدُ الاشتراكِ في أَمْرٍ ما، وإلاَّ لجَازَ إطلاقُ كلِّ شيءٍّ على ما عَدَاهُ، ويُتَصَوَّرُ من وجوهٍ:
أحدُها: الاشْتراكُ في الشكْلِ، كإنسانٍ للصورةِ المَنْقُوشَةِ على الجدارِ.
[ ١ / ٤٥٩ ]
والثاني: الاشتراكُ في الصفَةِ، ويَجِبُ أنْ تكونَ ظاهرةٌ ليَنْتَقِلَ الذِّهْنُ إليها، كإطلاقِ الأسدِ على الشجاعِ بخلافِ إطْلاقِهِ على الأُبْخَرِ=.
الثالثُ: باعتبارِ ما يكونُ كذا أطْلَقُوا هنا، وهو إنَّما يكونُ فيما إذا تَحَقَّقَ المثالُ إمَّا قَطْعًا، كقولِه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. أو غالبًا كما في تَسْمِيَةِ العَصيرِ خَمْرًا في قَوْلِهِ تعالَى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾؛ لأنَّه في الغالبِ يَصِيرُ خَمْرًا، ولو قالَ المصنِّفُ: أو غالبًا بَدَلٌ= أو ظَنًّا لكانَ أَوْلَى.
واعْلَمْ أنَّ الأصْحابَ وإنْ لم يَذْكُرُوا هذا القَيْدَ هنا لكنَّهم ذَكَرُوه في بابِ التأويلِ في كلامِهم معَ الحَنَفِيَّةِ، في «أَيُّمَا امْرَأَةٌ نَكَحَتْ نَفْسَهَا فَنِكَاحُهَا بِاطِلٌ». حيثُ قالُوا: آيِلٌ للبُطْلانِ باعتراضِ الوليِّ،
[ ١ / ٤٦٠ ]
قالَ أصْحَابُنَا: المآلُ إلى البطلانِ هنا ليسَ قَطْعًا ولا غالبًا الذي هو شَرْطٌ في استعمالِ هذا النوعِ، بل إطْلاقُ البطلانِ باعتبارِ ما يَؤُولُ إليه في المَحَلِّ المذكورِ نادِرٌ.
وحُمِلَ كلامُ الشارعِ الخارجِ مَخْرَجَ التعْمِيمِ عليه لا يَجُوزُ، فلو قالَ المصنِّفُ بَدَلَ قولِه: أو ظَنًّا لا احْتمالًا، غالبًا لا نادرًا لكانَ أوْلَى، وشَرَطَ الكَيَا الهَرَّاسُ: أنْ يكونَ المآلُ مَقْطُوعًا به، ولا يَكْفِي الظَّنُّ، وإطلاقُ الجمهورِ يَقْتَضِي أنَّه لا فَرْقَ، فلهذا سَوَّى المصنِّفُ بينَهُما، نَعَمْ، لا يَكْفِي الاحتمالُ المرجوحُ بالاتفاقِ، وحَقُّهُ إذا زَادَ هذا الَقيْدُ على المُصَنِّفِينَ أنْ يقولَ بل بنَفْسِه كالحُرِّ ليَخْرُجَ العَبْدُ، فإنَّه لا يُطْلَقُ عليه حُرًّا باعتبارِ ما يُؤَوَّلُ إليه.
الرابعُ: تَسْمِيَةُ الشيءِ باسمِ ضِدِّه كقولِه تعالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. أطْلَقَ على الجزاءِ سَيِّئَةً معَ أنَّه ليسَ سَيِّئَةً.
الخامسُ: تَسْمِيَةُ الشيءِ باسمِ ما يُجَاوِرُه كإطْلاقِ لفظِ الراويةِ على القُرْبَةِ التي هي ظرْفُ الماءِ فإنَّ الراويةَ لغَةُ اسمٍ للجَمَلِ الذي يُسْقَى عليه، ثمَّ أَطْلَقَ على القُرْبَةِ لمُجَاوِرَتِها.
[ ١ / ٤٦١ ]
السادسُ: الزيادَةُ، ومَثَّلُوه بقولِه تعالَى: ﴿لَيْسَ كَمَثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فإنَّ الكافَ زائدةٌ، والتقديرُ ليسَ مثلَ مثْلِه شيءٌ، وإلاَّ لَزِمَ المثلُ وهو مُحالٌ، ويَجُوزُ أنْ تكونَ غيرَ زائدةٍ ولاَ يَلْزَمُ المحذورُ، لوجوهٍ:
أحدُها: أنَّه يَجُوزُ سَلْبُ الشيءِ عن المعْدومِ، كما يَجُوزُ سَلْبُ الكتابَةِ عن زيدٍ وهو معدومٍ.
وثانيها: أنَّ المثْلَ يَاتِي بمعنَى الشَّبَهِ كالشبهِ، والشبَهُ والمِثْلُ: الصفةُ، قالَ تعالَى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾؛ أي: صِفَتُها، والتقديرُ ليسَ كصِفَتِه شيءٌ.
ثالثُها: أنْ يكونَ لَفْظُ المِثْلِ كهُوَ، في قَوْلِهِم: مِثْلُك لا يَبْخَلُ؛ أي: أنتَ لا تَبْخَلُ فلا يُرادُ غيرُ ما أُضِيفَ إليه، وإليه، أَشَارَ الشاعرُ بقولِه:
ولم أَقُلْ مِثْلُكَ نَعْنِي بِه غَيْرَكَ يَا فَرْدًا بِلاَ مُشَبَّهٍ
وهنا ضَرْبٌ من الكنايةِ التي هي أَبْلَغُ من التصريحِ، لتَضَمُّنِها إثباتُ الشيءِ
[ ١ / ٤٦٢ ]
بدَلَيلِه، فيكونُ المعنَى ليسَ كهو شيءٌ.
السابعُ: النقصانُ في اللفظِ، كقولِه تعالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾؛ أي: أهْلَ القريةِ، فإنَّ القريةَ عبارةٌ عن الأبْنِيَةِ وهي لا تُسْأَلُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: يَخْلُقُ اللهُ تعالى فيها قُدْرَةً على الكلامِ، ويكونُ ذلك مُعْجِزَةً لذلك النبيِّ، ويَبْقَى اللفظُ على حقيقتِهِ، قالَ الشيخُ عِزُّ الدِّينِ في كتابِ (المجازِ): ليسَ حَذْفُ المضافِ من المجازِ؛ لأنَّ المجازَ استعمالُ اللفظِ في غيرِ مَوْضِعِه، والكلمةُ المَحْذُوفَةُ ليسَتْ كذلك، وإنَّما التجوُّزُ في أنْ نُسِبَتْ إلى المُضافِ إليه ما كانَ مَنْسُوبًا إلى المُضافِ فجَعَلَهُ من مَجازِ التَّرْكِيبِ العَقْلِي لا من اللُّغويِّ الإفراديِّ.
الثامنُ: إطلاقُ السببُ على المُسَبِّبِ، سواءٌ كانَ السببُ فاعِليًّا كتِسْمِيَةِ المَطَرِ باسمِ السماءِ، أو مَاديًّا
[ ١ / ٤٦٣ ]
كقولِك: سَالَ الوادِي، أو صُورِيًّا، كتِسْمِيَةِ القُدْرَةِ باليدِ، أو غَائِيًا كتِسْمِيَةِ العِنَبِ خَمْرًا.
التاسعُ: عَكْسُه، كتِسْمِيَةِ المَرْضِ الشديدِ بالمَوْتِ.
العاشرُ: إطلاقُ اسمُ الكلِّ على البعضِ، كقولِه تعالَى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾؛ أي: أَنَامِلَهُم.
الحادي عَشَرْ: عَكْسُه، كقولِه للزنْجِيِّ أسْوَدٌ، معَ أنَّ فيه بياضٌ
[ ١ / ٤٦٤ ]
أسنَانِه.
الثاني عَشَرَ: تَسْمِيَةُ المُتَعَلِّقِ باسمِ المُتَعَلِّقِ، كتِسْمِيَةِ المَخْلُوقِ خَلْقًا قالَ اللهُ تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ﴾.
الثالثَ عَشَرَ: عَكْسُه كقولِه ﷺ: «تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا». والمعنَى: تَحِيضِي ستًّا أو سَبْعًا وهو معلومُ اللهِ تعالى، وقد أَطْلَقَ عليه العِلْمَ، فقولُ المُصَنِّفُ، وبالعكوسِ راجِعٌ للثلاثَةِ الأخيرَةِ وقد بَيَّنَّاهُ.
الرابعَ عَشَرَ:
[ ١ / ٤٦٥ ]
إطْلاقُ ما بالفِعْلِ على ما بالقوَّةِ، كتَسْمِيَةِ الخَمْرِ حالَ كونِه في الدَّنِّ بالمُسْكِرِ، وقد يُقالُ: تَرْجِعُ هذه إلى قولِه أوَّلًا: باعتبارِ ما كانَ، لكنَّ الظاهرَ أنَّ ما صَنَعَه المصنِّفُ في حذْفِها أوْلَى، خلافًا للمُخْتَصِرِينَ؛ لأنَّهم جَزَمُوا بأنَّ إطلاقَ اللفظِ باعتبارِ ما كانَ مَجَازٌ، ثمَّ تَرْجَمُوا مَسْأَلَةَ إطلاقِ اسمِ الفاعل باعتبارِ الماضِي، وحَكُوا فيها الخلافَ، وهي عَيْنُ المسألَةِ المذكورةِ.
ص: (وقد يكونُ في الإسنادِ خلافًا لقومٍ).
ش: المجازُ إمَّا أنْ يكونَ في مُفْرداتِ الألفاظِ، كإطلاقِ الأسدِ على الشجاعِ، والحمارِ على البَلِيدِ ونحوِه، وهو ما سَبَقَ يُسَمَّى اللُّغَوِيُّ، وإمَّا أنْ يكونَ في تَرْكِيبِها، وهو أنْ يُسْنِدَ الفِعْلُ إلى غيرِ مَن يَصْدُرُ عنه بضَرْبٍ من التأويلِ، كقولِه تعالَى:
[ ١ / ٤٦٦ ]
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلَّنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾، فإنَّه اسْتَعْملَ كلُّ واحدَةٍ من ألفاظِه المفردَةِ في موضوعِه، لكنْ أُسْنِدَ الزيادَةُ والإضلالُ إلى الآياتِ والأصنامِ، فجَعَلَ المجازُ في الترْكيبِ، ويُسَمَّى: العَقْلِيُّ؛ لأنَّ التجوُّزَ فيه نسبةُ الفِعْلِ إلى غيرِ مَن صُدِرَ منه، وهو أَمْرٌ عَقْلِيٌّ لا وَضْعِيٌّ، وأَنْكَرَه السَّكَاكِيُّ، ورَدَّه إلى اللُّغَوِيِّ فيكونُ المَجازُ كلَّه لُغَوِيًّا، وتَبِعَهُ ابنُ الحَاجِبِ في أَمَالِيهِ ومُخْتَصَرِه الكبيرِ تَصْريحًا، واسْتَبْعَدَه في (الصغيرِ) لكنِ اخْتَلَفَا فيما هو، ويَتَلَخَّصُ في (أَنْبَتَ الرَّبِيع البقْلُ) أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحدُها: أنَّ المجازَ في (أَنْبَتَ) وهو المُسَبَّبُ العادِي، وإنْ كانَ وَضَعَه للسَّبَبِ الحقيقيِّ وهو رَايُ ابنُ الحَاجِبِ، فالمجازُ عندَه في الأفرادِ.
الثاني: أنَّه في الرَّبِيع فإنَّه تَصَورٌ بصُورَةِ فاعلٍ حقيقيٍّ فأَسْنَدَ إليه ما يُسْنَدُ إلى الفاعلِ الحقيقيِّ وهو رَايُ السَّكَاكِيِّ إنَّه من الاستعارةِ بالكِنايةِ.
الثالثُ: إنَّه في الإسنادِ وهو أنَّ كلَّ هيئةٍ تَرْكَيبَيْةٍ وُضِعَتْ بإزاءِ تأليفٍ مَعْنَوِيٍّ، وهذِه وُضِعَتْ لمُلابَسَةِ الفاعلِيَّةِ، فإذا اسْتُعْمِلَتْ لمُلابَسَةِ الظرفيَّةِ أو نحوِها، كانَتْ مَجَازًا وذلك نحوَ: صَامَ نَهارَه وقَامَ لَيْلَهُ، وهو رَأَيُ عبدُ القاهرِ.
[ ١ / ٤٦٧ ]
والرابعُ: إنَّه تَمْثِيلٌ، فلا مَجازَ فيه في الإسنادِ ولا في الإفرادِ بل هو كلامُ أُورِدَ ليُتَصَوَّرَ معناهُ، فيَنْتَقِلُ الذِّهْنُ منه إلى إثباتِ اللهِ ليُصَدَّقَ فيه، وهو اختيارُ الإمامِ فَخْرِ الدِّينِ في (نِهايةِ الإيجَازِ) قالَ القاضِي عَضَدُ الدِّينِ: والحَقُّ أنَّها تَصَرُّفَاتٌ عَقْلِيَّةٌ ولا حَجْرَ فيها فالكلُّ مُمْكِنٌ، والنَّظَرُ إلى قَصْدِ المُتَكَلِّمِ.
ص: (وفِي الأفعالِ والحروفِ وِفاقًا لابنِ عبدِ السلامِ والنقْشَوَانِيِّ، ومَنَعَ الإمامُ الحَرْفَ مُطْلقًا، والفعلُ والمُشْتَّقُ إلاَّ بالتبَعِ).
ش: قالَ الشيخُ عِزُّ الدِّينِ في كتابِ (المَجازِ) وقد تَجَوَّزَتِ العَرَبُ في الأسماءِ والأفعالِ والحروفِ، فمِن التجَوُّزِ في الأسماءِ: التعبيرُ بالأسدِ عن الشجاعِ، وبالبحْرِ عن الجوادِ وهو كثيرٌ، وأمَّا الحروفُ فقد تَجَوَّزُوا ببَعْضِها، كهَلْ، تَجَوَّزُوا بها عن الأمْرِ نحوَ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: فَأَسْلَمُوا، أو النفْيِ نحوَ: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾؛ أي: مَا تَرَى، أو التقْدِيرُ، نحوَ: ﴿هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانِكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وَعَدَّ حُرُوفًا كَثِيرَةَ، وأمَّا الأفعالُ فقد تَجَوَّزُوا بالمَاضِي عن المستقبلِ تَشْبِيهًا له في التحقيقيِّ، كقولِه تعالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، ﴿ونَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ﴾، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾، وعَكْسَه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتّْلُوا الشَّيَاطِينِ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانِ﴾؛ أي: تَلَتْه، وبِلَفْظِ الخَبَرِ عن الأمَرِ
[ ١ / ٤٦٨ ]
نحوَ: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَّ أَوْلاَدَهُنَّ﴾ وعكسُه، نحوَ: ﴿مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فلَيُمْدِدْ لَهُ الرَّحْمَنِ مَدَّا﴾. وأَكْثَرُ من ذلك. وكذلك قالَ النَّقْشَوَانِيُّ في رَدِّه على الإمامِ في مَنْعِه الدخولُ في الحروفِ؛ لأنَّ للحَرْفِ مُسَمًّى في الجُمْلَةِ، وقد اسْتُعْمِلَ في مَوْضوعِه، فيكونُ حقيقةٌ، فإذا اسْتُعْمِلَ في غيرِه لعلاقَةٍ كانَ مجازًا، ومثَّلَ بقولِه تعالَى: ﴿لأُصْلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ فإنَّ حقيقةَ (في) الظرفيَّةِ، وهنا اسْتُعْمِلَتْ لغيرِها، وقالَ الإمامُ في (المحصولِ) لا يَدْخُلُ في الحرْفِ، أي: بالأصالَةِ؛ لأنَّ مَفْهُومَه غيرُ مُسْتَقِلٌّ بنفسِه، فإنَّ ضُمَّ إلى ما يَنْبَغِي ضَمَّه، كانَ حقيقةً، وإلاَّ فهو مجازٌ في التركيبِ عَقْلِيٌّ لا لُغَوِيٌّ.
وأمَّا الأفعالُ والمُشْتَقَّاتُ فقالَ الإمامُ: لا يَدْخُلُها المجازُ بالذاتِ؛ لأنَّهما: يَتْبَعَانِ أُصُولَهُما، وأصْلُ كلٍّ منهما المصْدرُ، لكونِ الأفعالُ مُشْتَقَّةً من المصادرِ على الصحيحِ، والأفعالُ أصْلٌ للصِّفَاتِ المُشْتَقَّةِ منها، فتكونُ المصادرُ أصْلًا لها أيضًا، وإذا كانَ كذلك فيَمْتَنِعُ دُخولُ المَجازِ فيها إلا بعدَ دُخُولِه في المصادرِ التي في ضِمْنِها فإنْ كانَ المَصْدَرُ حقيقةً كانَا كذلك وإلاَّ فلا، والحاصلُ إنَّه لا يَدْخُلُ فيهما المَجازُ إلاَّ بواسطَةِ دُخُولِه في المصْدرِ، ومثلُه قُوْلُ البَيانِيِّينَ في الاستعارةِ التَّبِعِيَّةِ، تكونُ في الأفعالِ والصفاتِ المشتقَّةِ والحروفِ،
[ ١ / ٤٦٩ ]
وأنَّها لا تَحْتَمِلُ الاستعارةُ بأنْفُسِها، وإنَّما المُحْتَمَلُ للاستعارةِ في الأفعالِ والصفاتِ مصادِرُها.
وفي الحروفِ: مُتَعَلِّقاتُ مَعانِيهَا فتَقَعُ الاسْتِعَارَةُ في المصْدرِ، ثمَّ يَسْرِي إلى الحروفِ، فلا يُسْتَعارُ الفعلُ إلاَّ بعدَ استعارَةٍ مَقْصُودَةٍ فلا تقولُ نَطَقْتَ الحالَ بكذا بَدَلَ دَلَّتْ، إلاَّ بعدَ تقديرِ استعارَةِ نُطْقِ الناطِقِ لدَلالَةِ الحالِ، وإذا أُرِيدَ استعارَةُ (لَعَلَّ) لغيرِ معناها، قُدِّرَتْ الاستعارةُ في معنَى الترَجِيِّ، اسْتُعْمِلَتْ هناك (لَعَلَّ)، وإذا أُرِيدَ اسْتِعارَة (لامَ العَرَضِ) قًُدِّرَتْ الاستعارَةُ في معنَى العرْضِ، ثمَّ اسْتُعْمِلَتْ لامَ العَرْضِ هناك، وقد ضَعَّفَ شُرَّاحُ (المحصولِ) كلامَ الإمامِ في الفِعْلِ، فإنَّه كثيرًا ما يُسْتَعْمَلُ في المستقبلِ مجازًا، وكذا صيغَةُ المُسْتَقْبَلِ في الماضِي معَ عَدَمِ دُخُولِ المجازِ في المَصْدَرِ، الذي هو في ضِمْنِ الفعْلِ الماضِي أو المُسْتَقْبَلِ.
وأمَّا في المُشْتَقِّ، فلأنَّ اسمَ الفاعلِ قد يُسْتَعْمَلُ في المفعولِ مَجازًا، وعَكْسِه معَ عَدَمِ دُخُولِ المَجازِ في المصْدَرِ، وأيضًا فقد يُطْلَقُ الضارِبُ على مَن صَدَرَ منه الضرْبُ، وعلى مَن سَيَصْدُرُ منه في المستقبلِ بطريقِ المجازِ معَ عَدَمِ دُخُولِ المجازِ في الضرْبِ الذي هو مَصْدَرُه إذا عَلِمْتَ هذا فقولُ المُصَنِّفُ، (ومَنَعَ الإمِامُ الحَرْفَ مُطْلَقًا) مَرادُه بالنسبَةِ إلى مجازِ الأفرادِ، وإلاَّ فقد سَبَقَ أنَّه يَجُوزُ دُخولُ المجازِ فيه بالانْضمامِ، لكنَّه جَعَلَه من بابِ مجازِ التَّرْكِيبِ لا الإفرادِ الذي هو بَحْثُ الأُصُولِيِّ.
ص: (ولا يكونُ في الأعْلامِ خِلافًا للغزالِيِّ في مُتَلَّمَّحِ الصفَةِ).
ش: لا يَدْخُلُ المجازُ في الأعلامِ لا بالذاتِ ولا بالواسطةِ؛ لأنَّها وَضَعَتْ للفَرْقِ بينَ ذاتٍ وذاتٍ، فلو دَخَلَها المجازُ لبَطُلَ هذا الغَرَضُ، ولأنَّها لا تُنْقَلُ لعَلاقَةٍ، وشَرْطُ المَجَازِ العَلاقَةُ، فإنَّ استعمالَ العِلْمِ في مُسَمَّاهُ إنَّما هو وَضْعٌ مُسْتَقِلٌّ له لا بالنقلِ للعَلاقَةِ، وسواءٌ سَبَقَ بَوَضْعِه لمُسَمًّى آخَرَ، وهو الذي يُسَمِّيه النحْوِيونَ، عَلَمًا مَنْقولًا، أو لم يُسْبَقْ، وهو الذي يُسَمُّونَه: مُرْتَجِلًا، كغطفانَ.
[ ١ / ٤٧٠ ]
كذا قالَه الإمامُ والبَيْضَاوِيُّ، وفَصَّلَ الغزالِيُّ، فقالَ: يَدْخُلُ في الأعلامِ المَوْضُوعَةِ للصفَةِ كالأَسْوَدِ والحَارِثِ، دونَ الأعلامِ التي لم تُوضَعْ إلاَّ للفَرْقِ بينَ الذواتِ كزَيْدٍ وعَمْرٍو، وهو حَسَنٌ. وقالَ بعضُ شَارِحِي (المحصولِ) إنَّما قالَ الغزالِيُّ ذلك بناءٌ على رَايه في عَدَمِ اعتبارِ العَلاقَةِ في المَجازِ، فإنَّ المَجازَ عندَه: ما اسْتَعْمَلَتْه العَرَبُ في غيرِ موضوعِه وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّه لو قالَ ذلك بناءً على عَدَمِ اعتبارِ العَلاقَةِ لم يَفْصِلْ بينَ زيدٍ والحارثِ، بل جَعَلَ الكلَّ مَجازًا، إذا يُصَدِّقَ على كلِّ منهُما أنَّه اسْتَعْمَلَتْه العَرَبُ في غيرِ موضوعِه.
واعْلَمْ أنَّ المصنِّفَ لم يَحْكِ قولًا بالتَّجَوُّزِ في الأعلامِ مُطْلَقًا، وقد حَكَاهُ الأَبْيَارِيُّ، فتَجْتَمِعُ ثلاثةُ مذاهبَ، ووجْهَهُ بأنَّك تقولُ: قَرَاتُ سِيبَوَيْه، وأنت تُرِيدُ (الكتابُ)، فقد تَجُوزُ بإطلاقِ اسمِ صاحِبِ الكتابِ عليه ثمَّ ضَعَّفَه، فإنَّ سِيبَوَيْه باقٍ على الدلالةِ على الرجُلِ، وإنَّما جَاءَ التَّجَوُّزُ من جِهَةِ= حَذْفِ الكتابِ لا من جِهَةِ إطلاقِ لفظِ صاحبِ الكتابِ عليه.
وقالَ ابنُ يَعِيشَ في شرحِ (المفصَّلِ) قالَ النحْوِيُّونَ: العَلَمُ ما يَجُوزُ تَبْدِيلُه وتَغْييرُه ولا يَلْزَمُ من ذلك تَغْييرِ اللُّغَةِ، فإنَّ لك أنْ تَنْقُلَ اسمَ وَلَدِك من خَالدٍ إلى جَعْفَرٍ، ومن بَكْرٍ إلى
[ ١ / ٤٧١ ]
مُحَمَّدٍ، وليسَ كذلك اسمُ الجنسِ، فإنَّك لو سَمَّيْتَ الرجُلَ فَرَسًا أو الفَرَسُ رجُلًا كانَ ذلك، تَغَيُّرًا للُّغَةِ، إنَّما أَتَى بالأعْلامِ للاخْتصارِ، وتَرَكَ التَّطْويلُ بتَعْدَادِ الصفاتِ.
ص: (ويُعْرَفُ بتَبَادُرِ غيرُه، لولا القَرينَةُ وصِحَّةِ النَّفْيِ وعَدَمِ وُجُوبِ الاطْرادِ، وجَمْعُه على خلافِ جَمْعِ الحقيقةِ، وبالْتِزامِ تَقْييدِه وتَوَّقُفِهِ على المُسَمَّى الآخَرِ والإطْلاقُ على المستحيلِ.
ش: يُعْرَفُ المجازُ بوجوهٍ: أوَّلُها: وهو الأقْوَى، ولهذا صَدَرَ به أنْ يَتَبَادَرَ غيرُه إلى الفِهْمِ، لولا القرينةِ، والحقيقةُ بالعكسِ، وأَوْرَدَ عليه المجازُ الراجحُ، وأُجِيبَ بأنَّه نادرٌ، فلا يَقْدَحُ، إذ الغالبُ أنَّ المُتبادَرَ إنَّما هو الحقيقةُ.
ثانيها: صِحَّةُ النَّفْيِ، كقولِك للبَلِيدِ: ليسَ بحُمَارٍ، وللجَدِّ: ليسَ بأَبٍ، وصِحَّةُ النَّفْيُ دَلِيلٌ على أنَّه مَجازٌ فيه، وعَكْسُه الحقيقَةُ، وزَادَ بَعْضُهم: في نَفْسِ الأمْرِ، ليَحْتَرِزَ عن نفْسِ الظَّانِّ، فإنَّه لا يَدُلُّ عليه واخْتارَ صاحبُ (البديعِ) أنَّ صِحَّةَ النَّفْيِ حُكْمٌ من أحكامِ المجازِ،
[ ١ / ٤٧٢ ]
لا يُعْرَفُ له معنًى، إنَّه حُكْمٌ ثابتٌ في الواقعِ، إذا عُلِمَ أنَّه مَجازٌ بطريقَةٍ، عُلِمَ صِحَّةَ نَفْيهِ؛ لأنَّ كونَه مُعَرَّفًا مُسْتَلْزِمٌ للدورِ.
ثالثُها: أنَّه لا يَجِبُ فيه الاطْرَادُ، فإنَّه يُسْتَعْمَلُ لوجودِ معنًى في مَحَلٍّ، ولا يَجُوزُ اسْتَعْمَالُه في مَحَلٍّ آخَرَ معَ وجودِ ذلك المعنَى فيه كما تقولُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾؛ لأنَّه سؤالٌ لأهْلِها، فلا تقولُ: اسْأَلِ البِساطَ وإنْ وُجِدَ فيه ذلك.
قالَ ابنُ الحَاجِبِ: وهو لا يَنْعَكِسُ؛ أي: ليسَ الاطْرَادُ دليلُ الحقيقةِ، فإنَّ المَجازَ قد يَطَّرِدُ، كالأسدِ للشجاعِ، وجوابُه: إنَّه وإنْ اطَّرَدَ لكنَّه لا يَجِبُ، ومن هنا حَسُنَ زِيادَةُ المُصَنِّفِ الوجوبَ عليه.
رابِعُها: جَمْعُه على صِيغَةٍ مُخالِفَةٍ كمُسَمًّى آخَرَ هو فيه حقيقةٌ، كالأمْرِ، فإنَّه بمَعْنَى القولِ، يُجْمَعُ على أوامِرَ، وبمعنَى الفعْلِ، على أمورٍ، ونُوَزِّعُ في هذا المثالِ.
خامسُها: التزامُ تَقْييدِه، فلا يُسْتَعْمَلُ في ذلك المعنَى عندَ الإطلاقِ كجُناحِ الذُّلِّ ونارُ الحرْبِ، فإنَّ الجُناحَ والنارَ قد تُسْتَعْمَلُ في معانيهِما الحقيقةُ بدونِ قَيْدٍ، ومتى اسْتَعْمَلُوها في الذُّلِّ والحرْبِ،
[ ١ / ٤٧٣ ]
قَيَّدُوهُما: فَدَلَّ على كونِه مَجازًا فيه، وإنَّما قالَ: بالتزامِ تَقْييدِه، ولم يَقُلْ: بتَقْييدِه، احْتِرازًا عن الحقيقةِ في اللفْظِ المُشْتَرَكِ، فإنَّه قد يُقَيَّدُ أيضًا، كما يُقالُ في العَيْنِ: رَأَيْتُ عَيْنًا جَارِيَةً، لكنْ لا على طريقِ الالتزامِ.
سادسُها: توقَّفَ اسْتِعْمَالُها على المُسْمَّى الآخَرِ، سواءٌ كانَ ذلك ملفوظًا به، كقولِه تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ فلا يُقالُ: مَكْرُ اللهِ ابتداءً أو مُقَدَّرًا كقولِه تعالَى: ﴿قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾. ولم يَتَقَدَّمْ لمَكْرِهم ذِكْرٌ في اللفْظِ، لكنَّه مَذْكورٌ معنَى، الإطلاقُ على المُسْتَحيلِ، فإنَّ الاستحالةَ تَقْتَضِي أنَّه غَيرَ موضوعٍ له فيكونُ مجازًا، كقولِه تعالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةِ﴾ وأَورَدَ بأنَّ المجازَ العَقْلِيُّ كذلك معَ أنَّه حقيقةٌ لُغَوِيَّةٌ، وأُجِيبَ بأنَّ المُرادَ ما يَقَعُ تَعْلِيقُه به بالبَدِيهَةِ، والذي في المجازِ العَقْلِيِّ امْتِناعُه نظرًا.
ص: والمختارُ اشْتِراطُ السمْعِ في نوعِ المجازِ وتوقَّفَ الآمِدِيُّ.
ش: يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ بينَ المفهومِ الحقيقيُّ والمَجَازِيُّ عَلاقَةٌ مُعْتَبِرَةٌ، وإلاَّ جَازَ اسْتِعمالُ كلُّ لفْظٍ في كلِّ معنًى، وهو باطلٌ، ضرورةٌ. إذا عَلِمْتَ هذا، فجِنْسُ العَلاقَةُ يُشْتَرَطُ بالإجْماعِ لمَا ذَكَرْنَا، وشَخَّصَها غيرُ مُشْتَرَطٍ بالإجماعِ، فلا يُقالُ: لا
[ ١ / ٤٧٤ ]
يُطْلَقُ الأسدُ على الشجاعِ إلاَّ بنَقْلٍ عن العربِ، ومَحَلِّ الخلافُ إنَّما هو في النوعِ، هل يَكْفِي بالعَلاقَةِ إلى نَظَرِ العربِ إليها، كإطْلاقِهم السببُ على المُسَبَّبِ، ويزيدُ عليه كالمُسَبَّبِ على السببِ أو لا يَتَعَدَّى عَلاقَةُ السببِ إلى عَلاقةٍ أُخْرَى، وإنْ سَاوَتْها، ما لم تَفْعَلِ العربُ ذلك، فاختارَ المصنِّفُ الثاني تَبَعًا للرَّازيِّ والبَيْضَاوِيِّ، وإلاَّ لجَازَ التَّجَوُّزُ بالأسدِ عن الأَبْخَرِ لوجودِ شَبَهٌ، إمَّا= واختارَ ابنُ الحَاجِبِ الأوْلَى، وتَوَقَّفَ الآمِدَيُّ للتَّعارُضِ.
ص: مسألَةٌ: المُعْرَبُ لفظٌ غيرُ عَلَمٍ اسْتَعْمَلَتْه العَرَبُ في معنَى وَضْعٍ له في غيرِ لُغَتِهم.
ش: عَقَّبَ المَجازَ بهذه المسألَةِ؛ لأنَّها تُشْبِهُه في أنَّ كلًاّ منهما ليسَ من الموضوعاتِ الحقيقيةُ للُغَةِ العَرَبِ، وخَرَجَ بقولِه: غيرَ عَلَمٍ، الأعلامُ كإبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ، وخَرَجَ بالأخيرِ، الحقيقةُ، فإنَّها استعمالٌ فيما وُضِعَ له في لُغَتِهم، وكذلك المَجازُ، وقد يُقالُ: لا حَاجَةَ لقولِه: غيرَ عَلَمٍ، فإنَّ الأعلامَ ليسَتْ مُعْرَبَةٌ، بل هي مُعْرَبَةٌ قَطْعًا، وإنَّما خَرَجَتْ عن مَحَلِّ الخلافِ، لوقوعُها في القرآنِ، لأجلِّ إجماعِ النحْوِيِّينَ على أنَّ إِبْرَاهِيمَ ونحوَه ممنوعٌ من الصرْف للعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ولو كانَ من قبلِ توافُقِ اللُّغَتَيْنِ لكانَ مُنْصَرِفًا، نظرًا إلى الوَضْعِ العَرَبِيِّ.
قالَ أَبُو مَنْصُورٍ الجَوَالِيقِي:
[ ١ / ٤٧٥ ]
وكلُّ أسماءِ الأنْبياءَ أَعْجَمِيَّةٍ، إلاَّ أرْبَعَةً: آدَمٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ ومُحَمَّدٌ ﷺ.
ص: وليسَ في القرآنِ، وِفاقًا للشافعيِّ وابنِ جَريرٍ.
ش: ما نَقَلَه عن الشَّافِعِيِّ ذَكَرَه في (الرِّسَالَةِ) وبَالَغَ في الإنْكَارِ على منْ أَثْبَتَه، ونَصَرَه القاضِي في (التَّقْرِيبِ) وابنُ جَريرٍ الطَّبَرِيُّ، في تَفْسِيرِه لقولِه تعالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ سَمَّاه عَرَبِيًّا، لكونِه دالًاّ على المعانِي المخصوصَةِ بوَضْعِ العَرَبِ، فَدَلَّ على أنَّه ليسَ فيه شيءٌ من غيرِ لسانِ العَرَبِ، وعَزَاهُ ابنُ الحَاجِبِ للأكثرِينَ ثمَّ خَالَفَهم وتَمَسَّكَ بالمِشْكَاةِ، فإنَّها هِندِيَّةٌ، والاسْتَبْرَقِ وسِجِّيلٍ فارسيةٍ، والقِسْطَاسِ رُومِيَّةٍ، والجمهورُ يَرَدُّونَه إلى أنَّه ممَّا اتَّفَقَ عليه اللُّغَاتُ، وعَلِمَ من كلامِه
[ ١ / ٤٧٦ ]
المُصَنِّفُ أنَّه في اللُّغَةِ بلا خلافٍ، وإنَّما في اشتمالِ القرآنِ عليه.
وقالَ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ: الخلافُ في مُثْبِتِي الحقيقةِ الشرعيَّةِ، فمَن أَثْبَتَها وجَعَلَها مَجازَاتٍ لُغَوِيَّةً، لا يَلْزَمُ من قولِه أنْ يكونَ القرآنُ غيرَ عربيٍّ.
فائدةٌ: ذَكَرَ ابنُ جِنِّي وغَيْرُه من النُّحاةِ أنَّه متَى خَلا اسمٌ رُبَاعِيِّ الأصولِ أو خُمَاسِيَّها عن بعضِ حروفِ الزلاقَةِ السِّتَّةِ، وهي المجموعةُ في قولِك: فرَّ من لُبٍّ - فهو أَعْجَمِيٌّ.
ص: مسألَةُ اللفظِ إمَّا حقيقةٌ أو مجازٌ أو حقيقةٌ ومجازٌ باعتبارَيْنِ، والأمرانِ مُنْتَفَيَانِ قبلَ الاستعمالِ.
ش: الغرضُ بهذا التقسيمِ إثباتُ الواسطةِ بينَ الحقيقةِ والمجازِ، وحاصلُه: أنَّ
[ ١ / ٤٧٧ ]
اللفظَ الواحدُ يَنْقَسِمُ إلى أَرْبَعَةِ أقْسامٍ:
أَحَدُها: ما هو حقيقةٌ فقط، وهو المُسْتَعْملُ في موضوعِه، كالأسدِ في الحيوانِ المخصوصِ.
والثاني: ما هو مجازٌ فقط، وهو المُسْتَعْمَلُ لا في موضوعِه، كالأسَدِ على الرجُلِ الشجاعِ.
والثالثُ: ما هو حقيقةٌ ومجازٌ باعتبارَيْنِ، إمَّا بمعنيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فهو كثيرٌ، ومن ألفاظِ العامِّ المخصوصِ، على قولِ مَن يقولُ: هو حقيقةٌ باعتبارِ دَلالَتِه على ما بَقِيَ مجازٌ، باعتبارِ سَلْبُ دلالَتِه على ما أَخْرَجَ، وإنَّما بمعنًى واحدٍ، فإنْ كانَ بحسَبِ وَضْعٍ واحدٍ فمُحالٌ، لامتناعِ اجْتماعِ الإثباتِ والنفْيِ من جِهَةٍ واحدةٍ، وإنْ كانَ بحسَبِ وضعَيْنِ، كلُغَوِيٍّ وعُرْفِيٍّ مثلًا، فجائزٌ كالدابَةِ إلى الحمارِ، فإنَّها حقيقةٌ بالنسبةِ إلى الوضْعِ الأوَّلِ، مجازٌ بحسَبِ الوضْعِ العُرْفِيِّ، ومن هذا يُعْلَمُ أنَّ الحقيقةَ قد تَصِيرُ مَجازًا بالعكسِ.
وحَكَى صَاحِبُ (المُعْتَمَدِ) الاتفاقُ على جوازِه، قالَ: واخْتَلَفُوا في وقوعِه، قالَ: والذين أَجَازُوا انْتِقالَ الاسمِ عن موضوعِه في اللُّغَةِ بالعُرْفِ إنَّما أَجَازُوا ذلك ما لم يكنْ الاسمُ اللُّغَوِيُّ، ما لم يَتَعَلَّقْ به حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فإنْ تَعَلَّقَ به لم يُجْزْ نَقْلُه عن موضوعِه إلى معنًى آخَرَ قَطْعًا لأمْرٍ يَرْجِعُ إلى المُتَكَلِّمِينَ.
[ ١ / ٤٧٨ ]
رابِعُها: ما لا يكونُ حقيقةً ولا مجازًا، فمنه اللفظُ في أوَّلِ وضْعِه قبلَ اسْتِعْمالِه فيما وُضِعَ له، فإنَّه ليسَ بحقيقةٍ ولا مجازٍ؛ لأنَّ الاسْتِعْمالَ شَرْطٌ في كلٍّ من الحقيقةِ، والمجازُ على ما سَبَقَ في تعريفِها، فحيثُ انْتَفَى الاستعمالُ انْتَفَيَا، كذلك أَطْلَقَ أَبُو الحُسَيْنِ وتَابَعَهُ الرَّازِيُّ والآمِدِيُّ وابنُ الحَاجِبِ والبَيْضَاوِيُّ وغيرُهم، وتَابَعَهم المُصَنِّفُ ويَجِبُ أنْ يكونَ مُرادُهم ليسَ بمَجازٍ فيما وُضِعَ له، أمَّا في غيرِه فلا يَمْتَنِعُ أنْ يكونَ مجازًا فيه، إذ الاستعمالُ لمُنَاسَبَةٍ بينه وبينَ الموضوعِ الأوَّلِ قبلَ الاستعمالِ فيه مُمْكِنٌ، وقد جَرَى على ذلك الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ، وذَكَرَ في (المِنْهاجِ) في أمْثَلَةِ هذا القِسمُ الأعْلامُ، وإنَّما لم يَذْكُرُه المُصنِّفُ؛ لأنَّ كلامَه فيما سَبَقَ يَقْتَضِي أنَّها حَقيقَةٌ، وكذا اقْتَصَرَ ابنُ الحَاجِبِ على اللفظِ قبلَ الاستعمالِ وقد يُقالُ: التقسيمُ ناقِصٌ، وبَقِيَ عليه اجْتماعُهُما في الإرَادَةِ على قَوْلِنا: يَجُوزُ الجَمْعُ بينَ الحقيقةِ والمجازِ.
ص: ثمَّ هو محمولٌ على عُرْفِ المُخَاطَبِ أَبَدًا، ففي الشرْعِ الشرْعِيِّ؛ لأنَّه عَرَّفَه، ثمَّ العُرْفِ العامِّ ثمَّ اللُّغَوِيِّ، وقالَ الغَزَالِيُّ والآمِدِيُّ في الإثباتِ الشرْعِيِّ،
[ ١ / ٤٧٩ ]
وفي النَّفْيِ الغزالِيُّ مُجْمَلٌ، والآمِدِيُّ اللُّغَوِيُّ.
ش: هذه المسألَةُ في تعارضِ الحقيقةِ الشرعيَّةِ واللُّغويَّةِ والعُرْفِيَّةِ، والضابِطُ أنَّه يُحْمَلُ على عُرْفِ المخاطَبِ أبدًا فإنْ كانَ المُخَاطَبُ هو الشارعُ، حُمِلَ على المعنَى الشرعيِّ لا اللغويِّ؛ لأنَّه ﵊ بُعِثَ لبيانِ الشريعةِ لا اللُّغَةِ، إذ هو وغيرُه فيها سواءٌ، ولأنَّ الشرْعَ طارئٌ على اللُّغَةِ وناسخٌ لها فالحَمْلُ على الناسخِ أوْلَى، وبهذا ضَعَّفُوا قولَ من حَمَلَ الوضوءَ من أَكْلِ لَحْمِ الجزورِ، ونحوَه - على التنظيفِ بغَسْلِ اليدِ، فإنْ تَعَذَّرَ حُمِلَ على العُرْفِ؛ لأنَّه المُتَبَادَرُ إلى الفَهْمِ، وهذا إذا كَثُرَ اسْتِعْمالُ الشرْعِيِّ والعُرْفيِّ إلى حدٍّ يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ أحدُهما دونَ اللُّغَوِيِّ، فأمَّا إذا لم يُفْهَمْ أحدُهما إلاَّ بقَرِينَةٍ، صارَ مُشْتَرِكًا بينَ المفهومَيْنِ، ثمَّ بَعْدَهُما يُحْمَلُ على المفهومِ اللُّغَوِيِّ الحقيقيِّ، ومن أمثلَتِه قولُه ﷺ: «مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيُجِبْ، فإنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيْأَكُلْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَصِلْ»، قالَ ابنُ حِبَّانَ في صحيحِه؛
[ ١ / ٤٨٠ ]
أي: فلْيَدَعْ، ثمَّ المجازيُّ صيانةً للكلامٍ، هذا ما ذَكَرَهُ الأصولِيُّونَ، ويُخَالِفُه قولُ الفقهاءِ، ما ليسَ له ضابطٌ في الشرْعِ ولا اللُّغَةِ يَرْجِعُ فيه إلى العُرْفِ، فإنَّه يَقْتَضِي تَاخِيرَ العُرْفِ عن اللغةِ، وجَمَعَ بَعْضُهم بينَهما، فحُمِلَ كلامُ الأصُولِيِّينَ في اللفظِ الصادرِ من كلامِ الفقهاءِ في الصادرِ من غيرِه، وفيه نظرٌ، فإنَّ الفقهاءَ يَسْتَعْمِلُونَ هذه العبارةَ في لفظِ الشارعِ أيضًا، كالقبْضِ في البيعِ وغيرِه، وكانَ البَاجِيُّ يَجْمَعُ بينَهُما، بأنَّ مُرادَ الأصُولِيِّينَ ما إذا تَعارَضَ معناهُ في اللُّغَةِ والعُرْفِ، فيُقَدَّمُ العُرْفُ، ومُرادُ الفُقهاءِ: إذا لم يُعْرَفْ
حَدُّهُ في اللّغَةِ، فإنَّا نَرْجِعُ فيه إلى العُرْفِ، ولهذا قالُوا: كلَّ ما ليسَ له حَدٌّ في اللُّغَةِ، ولم يَقُولُوا: ليسَ له معنًى.
وحَكَى الآمِدِيُّ في تَعَارُضِ الحقيقةِ الشرعيَّةِ مذاهبُ:
أحدُها: ما ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ وصَحَّحَهُ ابنُ الحَاجِبِ تَقْدِيمَ الشَّرْعِيِّ؛ لأنَّ غَرَضَ الشارِعُ تعريفُ المعانِي الشرعيَّةِ لا اللُّغَوِيَّةِ.
والثاني: مُجْمَلٌ، لصَلاحِيَّتِه لكلٍّ منهما.
والثالثُ: قالَ الغزالِيُّ ما وَرَدَ في صِيَغِ الأمْرِ والإثباتِ يُحْمَلُ على المُسَمَّى الشرعيِّ كقولِه ﷺ: «إِنَّي إِذِنْ أَصُومُ». حتى يُسْتَدَلَّ به على صِحَّةِ النفْلِ بنِيَّةٍ من النهارِ، وما وَرَدَ في النَّفْيِ مُجْمَلٌ، كالنَّهْيِ عن صَوْمِ يومِ النَّحْرِ، فإنَّه
[ ١ / ٤٨١ ]
لو حُمِلَ على الشرْعِيِّ دَلَّتْ على صِحَّتِه، لاسْتِحالَةِ النهْيِ عمَّا لا يُتَصَوَّرُ وقوعُه، بخلافِ ما إذا حُمِلَ على اللُّغَوِيِّ.
قالَ الآمِدِيُّ: والمُختارُ أنَّه إنْ وُرِدَ في الإثباتِ حُمِلَ على الشرعيِّ؛ لأنَّه عَرَّفَه، وإنْ وُرِدَ في النَّهْيِ حُمِلَ على اللُّغَوِيِّ، للاسْتحالَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والصحيحُ الأوَّلُ، ويُعَضِّدُهُ حَمْلٌ، نحوَ قولِه ﷺ: «دَعِي الصَّلاةَ أيامَ أَقْرَائِكِ». على المعنَى الشرعيِّ بالاتِّفاقِ معَ أنَّه في معنَى النهْيِ.
ص: وفي تَعَارُضِ المجازِ الرَّاجِحِ والحقيقةِ المرجُوحَةِ، أقوالٌ: ثالثُها المُختارُ: مُجْمَلٌ.
ش: صُورَةُ هذه المسألَةِ: أنْ يَغْلِبَ الاستعمالُ المَجازيُّ على الاستعمالِ الحقيقيِّ كما في الدَّابَّةِ، فإنَّه في اللُّغَةِ لكلِّ ما يُدَبُّ، ثمَّ نُقِلَ في العُرْفِ إلى الحمارِ، وكَثُرَ حتى صارَ حقيقةً عُرْفِيَّةً، وصَارَ الوضْعُ الأوَّلُ مَجازًا بالنسبةِ إلى العُرْفِ، لقِلَّةِ اسْتِعْمالِه فيه، وفيها مذاهبُ:
إحدَاها، تَقْدِيمُ الحقَيقَةِ، تَمَسُّكًا بالأصْلِ، وهو قُوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
[ ١ / ٤٨٢ ]
والثاني: المجازُ، لغَلَبَتِه، وهو قولُ أَبِي يُوسُفَ، واخْتَارَهُ القِرَافِيُّ؛ لأنَّ الظهورَ هو المُكَلَّفُ به.
والثالثُ: يَحْصُلُ التعَارُضُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ راجِحٌ على الآخَرِ من وجْهٍ، فإنَّ قوَّةَ الحقيقةِ قد عَارَضَها كَثْرَةُ الاسْتِعْمَالِ المَجازِيِّ، فيَتَعَادَلانِ ولا يُحْمَلُ على أَحَدِهما إلاَّ بالنِّيَّةِ، وهذا ما اخْتَارَهُ البَيْضَاوِيُّ، وتَابَعَهُ المُصَنِّفُ.
قالَ الهِنْدِيُّ: وعُزِيَ ذلك إلى الشَّافِعِيِّ، والخلافُ مَحَلُّه إذا كانَتْ الحقيقةُ غيرَ مهجورةٍ، كما لو قالَ: لأَشْرَبَنَّ من ماءِ هذا النَّهَرِ، فهو حقيقيةٌ في الكَرْعِ بفِيهِ، وإذا اغْتَرَفَ بإنَاءٍ وشَرِبَ فمجازٌ، والحقيقةُ قد تُرَادُ؛ لأنَّ كثيرًا من الرُّعاءِ، وغيرُهم يَكْرُعُ بفِيهِ، أمَّا إذا كانَتْ الحقيقةُ مهجورةٌ لا تُرَادُ في العُرْفِ، فلا خِلافَ بينَ أَبِي حَنِيفَةَ وأَبِي يُوسُفَ في تقديمِ المَجازِ؛ لأنَّه إمَّا حَقِيقَةٌ شرعيَّةٌ كالصلاةِ، أو عُرْفِيَّةٌ كالدابَةِ، وهما مُتَقَدِّمانِ على الحقيقةِ اللغويَّةِ.
وقالَ الرَّافِعِيُّ في (كتابِ الإيمانِ): المجازُ المُتعارَفُ يُقَدَّمُ على الحقيقةِ البعيدَةِ، كما لو حَلِفَ لا يَاكُلُ من هذه الشَّجَرَةِ، فإنَّ اليمينَ تُحْمَلُ على الأكْلِ من ثَمَرِها دونَ الورَقِ والغُصونِ، بخلافِ ما لو حَلِفَ لا يَاكُلُ من هذه الشاةِ، فإنَّ اليمينَ تُحْمَلُ على لَحْمِها ولَبَنِها ولَحْمِ وَلَدِها؛ لأنَّ الحقيقةَ مُتَعارَفَةٌ.
ص: وثبوتُ حُكْمٌ يُمْكِنُ كونُه مُرادًا من خِطابٍ، لكنَّ مجازًا لا يَدُلُّ على أنَّه المرادُ منه، بل يَبْقَى الخِطابُ على حَقِيقَتِه، خلافًا للكَرْخِيِّ والبَصْرِيِّ.
[ ١ / ٤٨٣ ]
ش: هذه من مسائلِ (المحصولِ)، وصُورَتُها أنَّ الخطابَ الذي له حقيقةٌ ومجازٌ، ومُوجِبُ المجازُ ثابتٌ في بعضِ الصوَرِ بدليلٍ هل يَقْتَضِي إرادَةُ المجازِ من ذلك الخطابِ، ويَلْزَمُ منه أنْ لا يُحْمَلُ على الحقيقةِ، وإلاَّ يُلْزَمُ باسْتِعْمالِ اللفْظِ في حقيقَتِه ومَجازِه، أو لا يَقْتَضِي ذلك مثالُه: لفظُ المُلامَسَةُ حقيقةٌ في اللَّمْسِ مجازٌ في الوقاعِ، وقد ثَبَتَ مُوجِبُ المجازِ من الآيةِ لانْعقادِ الإجْماعِ على جَوازِ التَّيَمُّمِ للمُجامِعِ، فهل يَدُلُّ على أنَّ المُرادَ بالمُلامَسَةِ فيها الجماعُ؟ حتى لا يَصِحُّ الاستدلالُ بها على أنَّ اللَّمْسَ باليَدِ المُخْتَلِفُ فيه كذلك.
فذَهَبَ الكَرْخِيُّ من الحَنَفِيَّةِ، والبصريِّ من المُعْتزلَةِ إلى أنَّه يَدُلُّ، وذَهَبَ القَاضِي عَبُدُ الجَبَّارِ وتَابَعَه في (المحصولِ) إلى أنَّه لا يَدُلُّ.
وحاصلُ الخلافُ أنَّ ثُبُوتَ مُوجِبُ المَجازَ في صورَةٍ بدلَيلٍ يَمَنْعُ إجراءَ الخِطابِ على حقيقَتِه على رَايٍ، ولا يَمْنَعُ منه على آخَرَ، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ المُقْتَضِيَ لإرادَةِ الحقيقَةِ من هذا اللفْظِ فأعَمٌّ ولا مُعارِضٌ له، فلا يَجُوزُ صَرْفُه عنه بمُجَرَّدِ ما ذُكِرَ، وتَوَّسَطَ الشيخُ علاءُ الدِّينِ بنُ النَّفِيسِ، في كتابِه المُسَّمَى بالإيضاحِ فقالَ: مثلُ هذا وإنْ لم يَدُلُّ على ذلك، فهو يُفِيدُ رُجْحَانًا باعتبارِ ذلك المجازُ، فكذلك يكونُ في مَسْأَلَتِنَا، وهو حِينَما يَقْتَضِي حَمْلُ اللفظِ على أَحَدِ مجازاتِه مُوجَبًا لاعتبارِ ذلك المجازُ، إذا عَلِمَتْ هذا فأَعْلَمْ أنَّ المسألَةَ مُفَرَّعَةًَ على امْتناعِ اسْتِعْمالِ اللفْظِ في حقيقَتِه ومجازِه، كما صَرَّحَ به الأَصْفَهَانِيُّ، وهو ظاهرٌ، فإنَّ المُجَوِّزَ لذلك يَحْمِلُه عليهما، ويَجْعَلُ
[ ١ / ٤٨٤ ]
ذلك الدليلُ قرينَةً إرادَةَ المجازِ، وحينَئذٍ فكانَ حَقُّ المُصَنِّفُ التَّنْبِيهُ على ذلك، وإلاَّ لنَاقَضَ اخْتيارَهُ فيما سَبَقَ، ثمَّ إنَّه ليسَ من عادَتِه التفْرِيعُ على الضعيفِ عندَه.
ص: مسألةٌ: الكنايةُ لفظٌ اسْتُعْمِلَ في معناهُ مُرادًا منه لازمُ المعنَى، فهي حقيقةٌ (فإنْ لم يُرِدِ المعنَى وإنَّما عَبَّرَ بالمَلْزُومِ فهو مجازٌ).
ش: قسَّمَه البيانِيُّونَ إلى صريحٍ وكنايةٍ وتعريضٍ، وزَعَمَ كثيرٌ منهم أنَّ الكنايةَ حقيقةٌ، وتَابَعَهُم الشيخُ عِزُّ الدِّينِ في (كتابِ المجازِ) فقالَ: الظاهرُ أنَّ الكنايةَ ليسَتْ من المجازِ؛ لأنَّها اسْتُعْمِلَتْ فيما وُضِعَتْ له، وأُرِيدَ بها الدلالَةُ على غيرِهِ كدليلِ الخطابِ في مثلِ:
[ ١ / ٤٨٥ ]
﴿وَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾. ومثلُه نَهْيُهُ عن التضْحِيَةِ بالعَوْراءِ والعرجاءِ.
وصاحبُ (التلخيصِ) قالَ: ليسَتْ بحقيقةٍ ولا مجازٍ، وأمَّا المصنِّفُ فتَابَعَ والِدُه في انْقِسامِها إلى حقيقةٍ ومجازٍ، فإنَّك إذا قُلْتَ: زيدٌ كثيرُ الرمادِ، فإنَّ أَرَدْتَ معناهُ ليُسْتَفَادَ منه الكرمُ، فإنَّ كثرةَ الرمادِ والطبْخ لازمٌ له غالبًا، فهذا حقيقةٌ؛ لأنَّك
[ ١ / ٤٨٦ ]
اسْتَعْمَلْتَ لَفْظَها فيما وُضِعَ له، والحقيقةُ كذلك سواءٌ كانَ الوضْعُ مَقْصودًا لذاتِه أم لغيرِه، وإنْ لم تَرِدْ المعنَى وإنَّما عَبَّرَتْ بالملزومِ وأَرَدْتَ اللازمَ كما إذا اسْتَعْمَلْتَ كثرةَ الرمادِ وأَرَدْتَ الكرمَ، فهو مجازٌ لاستعمالِه في غيرِ ما وُضِعَ له، وحَاصِلُه أنَّ الحقيقةَ فيها أنْ يُسْتَعْمَلَ اللفظُ فيما وُضِعَ له ليُفِيدَ غيرَ ما وُضِعَ له، والمجازُ فيها أنْ يُرِيدَ به غيرَ موضوعِه اسْتِعْمَالًا وإِفادَةً، أو نقولُ: تارةً يُرَادُ به المعنَى الحقيقيِّ ليَدُلَّ على المعنَى المجازيِّ، فيكونُ حقيقةٌ، وتارةً يُرَادُ به المعنَى المجازيِّ لدلالَةِ المعنَى الحقيقيِّ الذي هو موضوعُ اللفظِ عليه فيكونُ من أقسامِ المجازِ.
ص: والتعريضُ: لفظٌ اسْتُعْمِلَ في معناهُ ليَلُوحَ به غيرُه، فهو حقيقةٌ أيضًا.
ش: التعريضُ: إنَّما يُرَادُ به اسْتِعْمَالُه في المعنَى الحقيقيِّ، لِكَي يَلُوحَ به إلى غَرَضٍ آخَرَ هو المقصودُ، سُمِّيَ تَعْرِيضًا؛ لأنَّ المعنَى باعتبارِه يُفْهَمُ من عَرْضِ اللفظِ؛ أي: من جَانِبِه، فهو يُشْبِه الكنايةَ، إذا قُصِدَ بها الحقيقةُ، وهو أَخَصُّ من الحقيقةِ؛
[ ١ / ٤٨٧ ]
لأنَّها مُرادَةٌ من حيثُ هي هي، ولا يَدْخُلُه مجازٌ بخلافِ الكنايةِ إذا قُصِدَ بها الحقيقةُ كقولِ الخليلِ ﷺ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾؛ أي: أنَّ كبيرَ الأصنامِ غَضِبَ أنْ تُعْبَدَ هذه الأصنامُ الصغارُ فكَسَرَها فكذلك يَغَضَبُ اللهُ لعبادِه من دونِه، فهذا اللفظُ ظاهرُ الاستعمالِ في معناهُ، ولكنْ لَوَّحَ السامِعُ منه غيرَه.
فائدةٌ: ذَكَرْتُ في كتابِ (البُرْهَانَ في علومِ القرآنِ) أقْسَامَ الكنايةِ الواقعةِ في القرآنِ إلى عَشَرَةِ أقسامٍ، أخريها=: أنْ يَعْمَدَ إلى جُمْلَةٍ وَرَدَ معناها على خلافِ الظاهرِ، فيَاخُذُ الخُلاصَةَ منها من غيرِ اعتبارِ مُفْرَدَاتِها بالحقيقةِ أو المجازِ، فتُعْبِّرُ بها عن مقصودِك، وهذه الكنايةُ اسْتَنْبَطَها الزَّمَخْشَرِيُّ وخَرَّجَ عليها قولَه تعالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. فإنَّه كنايةٌ عن المُلْكِ؛ لأنَّ الاستقرارَ على السريرِ لا يَحْصُلُ إلاَّ معَ المُلْكِ، فجَعَلُوهُ كنايةً عنه، وكقولِه تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾. إنَّه كنايةٌ عن عَظَمَتِه وجَلالِه من غيرِ ذِهابٍ بالقَبْضِ واليمينِ إلى جِهَتَيْنِ؛ حقيقةٍ ومجازٍ.
وقد اعْتَرَضَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ على المُلْكِ بأنَّها تَفْتَحُ بابَ تَاوِيلاتِ البَاطِنِيَّةِ: فلَهُم أنْ يَقُولُوا: المُرادُ من قولِه: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ الاستغراقُ في الخِدْمَةِ من غيرِ الذهابِ إلى نَعْلٍ وخَلْعِه، وكذا نظائرُه، وهذا مَرْدُودٌ؛ لأنَّ هذه
[ ١ / ٤٨٨ ]
الكنايةَ إنَّما يُصارُ إليها عندَ قيامِ دليلٍ على عَدَمِ إجراءِ اللفظِ على ظاهرِه معَ قرائنَ تَحُفُّ، إنَّها المُرادُ كما سَبَقَ من الأمثلَةِ، بخلافِ خَلْعِ النعْلَيْنِ ونحوِه.
ص: الحروفُ.
ش: المرادُ بالحروفِ التي يُحْتَاجُ إلى معرفتِها الفَقَيهُ، وليسَ المرادُ هنا ما هو قَسَيمُ الاسمِ والفِعْلِ، بل أسماءُ وظروفٌ وحروفٌ يَكْثُرُ تداولُها، فأُطْلِقَ الحَرْفُ على ذلك؛ لأنَّها أجزاءُ الكلامِ، من بابِ إطلاقِ الجزءِ وإرادةِ الكلِّ، هذا مُصْطَلَحُ الأصولِيِّينَ والفقهاءِ، فجَرَى المُصَنِّفُ عليه وليسَتْ الكلماتُ التي سَرَدَها كلَّها حروفًا، ولهذا عَدَا إمامُ الحرمَيْنِ في (البُرْهانِ) (مَا) في الحروفِ معَ تصريحِه بأنَّها اسمٌ، وكذلك فَعَلَ القاضِي الحُسَيْنِ في مسألةٍ: أي: عَبْدِي ضَرَبَكَ، قلتُ: بل عَبَّرَ بذلك سِيبَوَيْه إمامُ الصناعةِ.
قالَ الصَّفَّارُ في (شَرْحِ سِيبَوَيْه) يُطْلِقُه سيبويه على الاسمِ والفعلِ بدليلِ قولِه: ولم يَسَكِّنُوا آخَرَ الحرفِ، يعني: فِعْلٌ؛ لأنَّ فيه بعضُ ما في المُضارَعَةِ، أَرَادَ بالحرفِ الفِعْلَ المَاضِي، وقالَ في قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقِهِمْ﴾. فمَا لم يَمْنَعِ الباءَ من العمَلِ في الحرفِ نَقْصًا وهو اسمٌ. انتهى.
ص: أحدُها: إذن، قالَ سِيبَوَيْه: للجوابِ والجزاءِ، قالَ الشَّلَوْبِينَ:
[ ١ / ٤٨٩ ]
دائمًا، وقالَ الفارسيُّ: غالبًا.
ش: إذن: مَعنَاها: الجوابُ والجزاءُ، فإذا قالَ: أنا صَدِيقُكَ، فقلتَ: إذن أُكْرِمَكَ، فقد أَجَبْتَه وصَيَّرْتَ إِكْرَامَك إيَّاهُ جزاءً على قَصْدِه.
قالَ الزجاجُ: تأويلُها: إنْ كانَ الأمْرُ كما ذَكَرْتَ فأنَا أُكْرِمُكَ، فأَغْنَتْ إذنْ عن ذِكْرِ الشَّرْطِ في الجوابِ كما أَغْنَتْ نَعَمْ عن ذِكْرِ المسؤولِ عنه في الجوابِ، فهي كذلك تُفِيدُ معنيَيْنِ:
أحدُهما: جوابُ كلامِه.
والثاني: جزاءُ فِعْلِه.
واعْلَمْ أنَّ مُجِيبَها لهما هو نصُّ سِيبَوَيْه، واخْتُلِفَ فيه، فحَمَلَه قومٌ منهم الشَّلَوْبِينَ على ظاهرِه، وقالَ: إنَّها لهُما في
[ ١ / ٤٩٠ ]
كلِّ مَوْضِعٍ. وتَكَلَّفَ تَخْرِيجَ ما خَفِيَ فيه ذلك، وذَهَبَ الفارسيُّ إلى أنَّها قد تَرِدُ لهُما وهو الأكثرُ، وقد تَتَمَحَّضُ للجوابِ وَحَدَه، نحوَ قولِك: أُحِبُّكَ. فتقولُ: إذنْ أَظُنَّكَ صَادِقًا. فلا يُتَصَوَّرُ هنا الجزاءُ، وحُمِلَ كلامُ سَيبَوَيْه على ذلك كما قالَ في (نَعَمْ): إنَّها عُدَّةٌ= وتصديقٌ باعتبارِ حالَيْنِ.
وقالَ بعضُ المُتَأَخِّرِينَ: (إذن) وإنْ دَلَّتْ على أنَّ ما بعدَها مُتَسَبِّبٌ عمَّا قَبْلَها - على وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُما: أنْ تَدُلَّ على إنشاءِ الارتباطِ والشَّرْطِ بحيثُ لا يُفْهَمُ الارتباطُ من غيرِها في ثاني الحالِ، فإذا قلتَ: أَزُورُك. فقلتَ: إذنْ أَزُورَكَ. فإنْ أَرَدْتَ أنْ تَجْعَلَ فِعْلَه شَرْطًا لفِعْلٍ، وإنشاءُ السبَبِيَّةِ في ثاني حالٍ من ضرورتِه إنَّها تكونُ في الجوابِ وبالفِعْلِيَّةِ في زمانٍ مُسْتَقْبَلٍ.
والثاني: أنْ تكونَ مُؤَكِّدَةُ جوابٍ ارْتَبَطَ بمُتَقَدِّمٍ، أو مُنَبِّهَةٍ على سببٍ حَصَلَ في الحالِ، نحوَ: إنْ آتَيْتَنِي إذنْ آتِكَ، وواللهِ إذنْ أفَعْلَ، وإذنْ أُظُنَّكَ صادقًا، تقولُه لمَنْ حَدَّثَكَ، فلو حَذَفْتَ (إذنْ) فُهِمَ الرَّبْطُ، وإذا كانَ بهذا المعنَى ففي دُخُولِها على الجُمْلَةِ الصريحةِ، نحوَ: إنْ يَقُمْ زيدٌ إذنْ عمرٌو قائمٌ، نظرٌ، والظاهرُ الجوازُ.
ص: الثاني: إنَّ للشروطِ والنَّفْيِ والزيادَةِ.
ش: مَجِيئَها للشرْطِ هو الغالبُ: وهي أمُّ أدواتُ الشرْطِ، ومجيئَها للنَّفْيِ بمعنَى (مَا) نحوَ: إنْ زيدٌ قائمًا، وهي تارةٌ تكونُ معه عاملَةٌ، تَرْفَعُ الاسمُ وتَنْصِبُ الخَبَرَ عندَ الكُوفِيِّينَ، كقراءَةِ سعيدِ بنَ جُبَيْرٍ: (إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ
[ ١ / ٤٩١ ]
عِبَادًا أَمْثَالُكُمْ). وتارةً تكونُ غيرُ عاملَةٍ، وهو كثيرٌ كقولِه تعالى: ﴿إِنِ الكَافِرُونَ إلاَّ فِي غُرُورٍ﴾، ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حَافِظٌ﴾ وادَّعَى بَعْضُهم أنَّها لا تَجِيءُ نافِيَةٌ إلاَّ بعدَها (إلاَّ) أو (لمَّا) المُشَدَّدَةُ التي بمعنَى (إلاَّ) ويَرُدُّه قولُه تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ﴾.
ومَجِيئِها للزيادَةِ أَكْثَرُه بعدَ (مَا) النافيةِ لتَوْكيدِ النَّفْيِ نحوَ: ما إنْ زيدٌ قائمٌ، وزَعَمَ ابنُ الحَاجِبِ: أنَّها تُزادُ بعدَ (لمَّا) الإيجابِيَّةِ، وغَلَطَ فيه، وإنَّما تلك المَفْتُوحَةِ.
تنبيهٌ: لم يَذْكُرْ (إنَّ) المُشَدَّدَةَ ومَجِيئِهَا للتعليلِ، وذَكَرَه في بابِ القياسِ في
[ ١ / ٤٩٢ ]
مَسَالِكِ العِلَّةِ، وكأنَّه اسْتَغْنَى عنه كذلك، وقد أنْكَرَهُ ابنُ الأنْبَارِيِّ في مَسائِلِ سُئِلَ عنها في قَوْلِهِ ﷺ: «إِنَّهَا مِنَ الطَّوَافِينَ عَلَيْكُمْ» فقالَ: لم تَاتِ للتَّعْلِيلِ بالإجماعِ، وإنَّما هي للتاكِيدِ، وبمعنَى نَعَم لا غيرُ، والتعليلُ إنَّما اسْتُفِيدَ من الطوافِ لا من إنَّ.
ص: الثالثُ: أو للشَّكِّ والإبْهامِ والتخْييرِ ومُطْلَقُ الجَمْعُ والتَّقْسِيمُ وبمعنَى إلِى والإضْرابُ كـ (بَلْ) قالَ الحَرِيرِيُّ: والتقريبُ نحوَ: ما أَدْرِي أَسَلَّمَ أو وَدَّعَ.
ش: مثالُ الشَّكِّ: قامَ زيدٌ أو عَمْرٌو، وإذا لم تَعْلَمْ أيُّهما قَامَ، ومنه: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ والفرقُ بينها وبينَ إمَّا، إذا اسْتُعْمِلَتْ للشَّكِّ، أنَّ الكلامَ معَ إمَّا لا يكونُ إلاَّ مبنيًّا على الشَّكِّ، و(أو) بخلافِه، وقد يُبْنَى الكلامُ أولًا على الشَّكِّ فتكونُ كإمَّا، وقد يُبْنَي المُتَكَلِّمُ كلامُه أولًا على اليقينِ ثمَّ يُدْرِكُه الشَّكُّ.
ومثالُ الإبْهامِ: قَامَ
[ ١ / ٤٩٣ ]
زَيدٌ أو عَمْرٌو، إذا كُنْتَ تَعْلَمُ القائمَ منهما، إلاَّ أنَّك قَصَدْتَ الإيهامَ على المُخاطَبِ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ والفرْقُ بينَهُما: أنَّ الشَّكَّ من جِهَةِ المُتَكَلِّمِ والإبْهامِ من جِهَةِ السامِعِ، وجَوَّزَ القِرَافِي في الإبِهامِ قراءَتَه بالمُوَحَدَّةِ والمُثَنَّاةِ؛ لأنَّ المقصودَ التلْبِيسُ على السامِعِ، ومثالُ التخْييرِ وهي الواقعةُ بعدَ الطَّلَبِ، وقيلَ: ما يُمْنَعُ فيه الجَمْعُ نحوَ: تَزَوَّجْ هندًا أو أُخْتَها، وخُذْ من مالِي دِرْهَمًا أو دِينارًا.
واسْتُشْكِلَ على التفسيرِ الثاني تَمْثِيلُ الأَئِمَّةِ بآيَتِي الكفَّارَةِ والفِدْيَةِ، للتَّخْييرِ معَ إمْكانِ الجَمْعِ، وأَجَابَ صاحبُ (البسيطِ) من النحْويينَ بأنَّه إنَّما يَمْتَنِعُ الجَمْعُ بينَهما في المحظورِ؛ لأنَّ أحدَهما يَنْصَرِفُ إليه الأمَرُ، والآخَرُ يَبْقَى محظورًا لا يَجُوزُ له فِعْلُه، ولا يَمْتَنِعُ في خِصالِ الكفَّارَةِ؛ لأنَّه يأتِي بمَا عدا الواجبُ مُتَبَرِّعًا ولا مَنَعَ من التبَرُّعِ، ولم يَذْكُرْ المُصَنِّفُ الإبَاحَةَ، ومنهم مَن غَايَرَ بينَهما وبينَ التخييرِ، ومثلُ الإبَاحَةِ بما يَجُوزُ الجَمْعُ بينَهما نحوَ: أَصْحَبَ العلماءُ أو الزهادُ، والتخييرُ بما يُمْنَعُ الجمعُ نحو: خُذْ الثوْبَ أو الدينارَ، والظاهرُ أنَّهما قِسْمٌ واحدٌ؛ لأنَّ حقيقةَ الإباحةِ هي التخييرُ، وإنَّما امتنع الجمع في الثوب أو الدينار للقرينة العرفية لا من مدلول اللفظ، كما أن الجمع بينَ صحبة العلماء والزهاد وصف (٦٩ أ) كمال لا نقص فيه،
[ ١ / ٤٩٤ ]
والفرق بينَ الإباحةِ والتخييرِ، وبقيةُ معانِي (أَوْ) أنَّ الإباحةَ والتخييرِ في الطَلَبِ والشَّكِّ والإيهامِ والتنْويعِ في الخَبَرِ، فإنْ جَاءَتْ (أو) بعدَ النهْيِ وَجَبَ اجْتِنابُهُما معًا كقولِه تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ فيهِم آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾؛ أي: لا تُطِعْ أحدُهما، فلو جَمَعَ بينَهما لفِعْلِ المَنْهِيِ عنه مَرْتَيْنِ، وفي (الارْتِشافِ) إذا نَهَيْتَ عن المُبَاحِ اسْتَوْعَبْتَ ما كانَ مُباحًا، باتفاقِ النُّحَاةِ، منه، ولا تُطِعْ منهم آثمًا أو كَفُورًا، وإذا نَهَيْتَ عن المُخَيَّرِ فيه، فذَهَبَ السِّيرَافِيُّ إلى أنَّه يَسْتَوْعِبُ الجميعَ، وذَهَبَ ابن كَيْسَانَ إلى جوازِ أنْ يكونَ النَّهْيُ عن واحدٍ وأنْ يكونَ عن الجميعِ. انتهى.
ومثال: مُطْلَقُ الجمْعِ كالواوِ، قولُه تعالَى: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ وهذا قولٌ كُوفِيٌّ.
ومثالُ التقسيمِ: الكَلِمَةُ اسمٌ أو فِعْلٌ أو حرفٌ، وأَبْدَلَ ابنُ مالِكٍ التقسيمُ بالتفريقِ المُجَرَّدِ، يعني من المعانِي السابِقَةِ، ومثلُه بقولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. قالَ: والتعبيرُ عنه بالتفريقِ أوْلَى من التقسيمِ؛ لأنَّ استعمالَ الواوِ فيما هو تَقْسيمٌ أَجْوَدٌ من اسْتِعِمَالِ (أو)، ونُوَزِّعُ في ذلك بأنَّ مَجِيءَ الواوِ في التقْسيمِ أكْثَرُ، لا يَقْتَضِي أنَّ (أو) لا يَاتِي له، بل يَقْتَضِي ثُبُوتُ ذلك غيرَ أكثرَ.
ومثالُ (إلى): لأَلْزَمَنَّكَ أو تَقْضِي حَقِّي، وجَعَلَ منه بعضُهم قولِه تعالى: ﴿أَوْ
[ ١ / ٤٩٥ ]
تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةٌ﴾ إذا قُدِّرَ تَفْرِضُوا مَنْصُوبًا بأنْ مُضْمَرَةً، ويَكونُ غايةٌ لنَفْي الجناح=.
ومثالُ الإضرابِ قولُه تعالى: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قالَ الفَرَّاءُ هنا: (أو) بمعنَى بل، وقد تَجِيءُ للإضرابِ مُطْلَقًا، وعن سِيبَوَيْه بشرْطَيْنِ، تَقَدَّمَ نَفْيٌ أو نَهْيٌ، وإعادةُ العامِلُ، نحوَ: ما قَامَ زيدٌ أو ما قَامَ عَمْرٌو، ولا يَقُمْ زَيدٌ أو لا يَقُمْ عمرٌو.
ومثالُ التقْريبِ ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ: ما أَدْرِي أَسْلَمَ أو وَدَّعَ؛ أي: لسُرْعَتِه، وإنْ كانَ يَعْلَمُ أنَّه سَلَّمَ أولًا، وجَعَلَ مثلَه: ما أَدْرِي أَذَّنَ أو أَقَامَ، وحكايتُه عن الحَرِيرِيِّ تَابَعَ فيه الشيخُ في (المُغْنِي)، وقد ذَكَرَهُ أَبُو البَقاءِ أيضًا، وجَعَلَ منه قولَه تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾. ثمَّ قالَ الشيخُ: وهو بَيَّنَ الفسادَ، و(أو) فيه إنَّما هي للشَّكِّ، وإنَّما اسْتُفِيدَ التقريبُ من: إثباتِ اشتباهِ السلامِ بالتوْدِيعِ، إذ حصولُ ذلك معَ تَبَاعُدِ ما بينَ الوقتَيْنِ مُمْتَنِعٌ أو مُسْتَبْعِدٌ، قلتَ: وهذا لا يَتَأَتَّى في
[ ١ / ٤٩٦ ]
الآيةِ إلاَّ برجوعِه إلى الإبْهامِ على المُخاطَبِ، وأمَّا دَعْوَى إسنادِه ذلك فيما بعدَ (أو)، فلا خُصوصِيَّةٍ له بهذا المعنَى، ولهذا ذَهَبَ قومٌ إلى أنَّها موضوعةٌ للقَدْرِ المُشْتَرَكِ بينَ المعانِي السابِقَةِ، وهي لأحَدِ الشيئَيْنِ أو الأشياءِ، وإنَّما فُهِمَتْ هذه المعانِي من القرائنِ.
ص: الرابعُ: أي: بالفتحِ والسكونُ للتَّفْسيرِ والنداءِ القريبِ أو البعيدِ أو المتوسطِ، أقوالٌ:
ش: معنى التفسيرُ: أنْ تكونَ تفسيرًا لِمَا قَبْلَها وعبارَةٌ عنه، وهي أَعَمٌّ من (أنْ) المُفَسِّرَةِ؛ لأنَّ (أي) تَدْخُلُ على الجُمْلَةِ والمُفْرَدِ، ويَقَعُ بعدَها القولُ وغيرُه.
مثالُ المُفْرَدِ: عندَي عَسْجَدُ، أي: ذَهَبَ.
ومثالُ الجُمْلَةِ: قولُ الشاعرِ:
وتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أي أَنْتِ مُذْنِبٌ وتقلينني لَكِنْ إيَّاكِ لاَ أَقلي
فجَعَلَ (أنت مُذْنِبٌ) تفسيرًا لـ (تَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ) إنْ كانَ (تَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ) معناهُ: تَنْظُرُ إلى نَظَرٍ مُغْضِبٍ، ولا يكونُ ذلك إلاَّ عن ذَنْبٍ.
وأَغْرَبَ ابنُ أَبِي الفَتْحِ في (شَرْحِ الجُمَلِ) فقالَ: شَرْطُها أنْ يكونَ ما قَبْلَها جُمْلَةٌ تَامَّةٌ مُسْتَغْنِيَةٌ بنَفْسِها يَقَعُ بعدَها جُمْلَةٌ أُخْرَى تَامَّةٌ أيضًا، تكونُ الثانيةُ هي الأولَى في المعنَى مُفَسِّرَةً لهَا، فتَقَعُ بينَهما (أي) وادَّعَى بعضُهم أنَّها اسمُ فِعْلٍ بمعنَى: عُوا= أو فهموا=، وُضِعَتْ لِعَدَمِ دلالَتِها على معنًى في نَفْسِه بغيرِ إضَافَةٍ.
وحَكَى ابنُ مالِكٍ عن صاحبِ (المُسْتَوْفِي) أنَّها حَرْفُ عَطْفٍ، ثمَّ قالَ: والصحيحُ أنَّها حَرْفُ تفسيرٍ تَابِعٍ يَتْبَعُ ما بعدَها الأجْلَى الأخْفَى، وهو عَطْفُ بيانٍ يُوافِقُ ما قَبْلَها في التعريفِ والتنكيرِ.
ومثالُ النداءِ: أي زيدٌ، وفي الحديثِ: «أي رَبُّ»، وعلى هذا فهل يُنَادَى بها القريبُ
[ ١ / ٤٩٧ ]
أو البعيدُ مسافةً أو حُكْمًا، أو المُتَوَسِّطُ، أقوالٌ:
وبالأوَّلِ قالَ المُبَرِّدُ والزَّمَخْشَرِيُّ، وبالثالثِ قالَ ابنُ بُرْهانٍ، وفيه إثباتُ رُتْبَةٍ ثالثةٍ وهو التَّوَسُّطُ ولا يَعْرِفُه الجمهورُ، والراجحُ الثاني، ونَقَلَه ابنُ مالِكٍ عن سِيبَوَيْه؛ لأنَّه صَرَّحَ بأنَّها مثلُ (هنا) و(أيا) في البعيدِ، وعَلْلَّ القَوَّاسُ الأوَّلَ بقلَّةِ لفظِها وعَدَمِ الحاجةِ لمَدِّ الصوتِ، وتَظْهَرُ فائدَةُ العِلَّتَيْنِ في الأُولَى، فعَلَى الأوَّلِ هي مُساوِيَةٌ لها وعلى الثاني فلا، وفي كتابِ (الأدَواتِ)؛ أي: للقريبِ حاضرًا إذا كانَ مُعْرِضًا عنك، والألِفُ للقريبِ المُقْبِلِ عليك، و(يا) للجَمْعِ.
ص: وبالتشديدِ: الشرْطُ والاستفهامُ ومَوصولَةٌ ودَالَّةٌ على معنَى الكمالِ ووصْلَةٌ لنداءٍ ما فيه (أل).
ش: أي: بالفتحِ والتشديدِ، مثالُ الشرْطِ: أيُّهم يُكْرِمُنِي أَكْرِمْه.
والاستفهامُ ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾. قالَ الآمِدِيُّ: ولا تكونُ اسْتِفْهَامِيَّةً أو شَرْطِيَّةً إلاَّ مَعْرِفَةً وهو مردودٌ، بل يَجُوزُ أنْ تكونَ مَعْرِفَةً أو نَكَرِةً حسَبِ ما تُضَافُ إليه.
ومثالُ الموصولةِ: أي: بمعنَى (الذي)، قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾. التقديرُ: لِنَنْزِعَنَّ الذي هو أَشَدُّ، قالَه سِيبَوَيْه وخَالَفَه الكُوفِيُّونَ،
[ ١ / ٤٩٨ ]
والدالَّةُ على معنَى الكمالِ هي الصفَةُ.
وتَقَعُ تَارَةً صِفَةً للنَّكِرَةِ: نحوَ: زيدٌ رجلٌ أيَّ رَجُلٍ؛ أي: كاملٌ في صفاتِ الرجالِ.
وحالًا للمَعْرِفَةِ: كمَرَرْتُ بعَبْدِ اللهِ أيَّ رَجُلٍ.
واعْلَمْ إنَّها إذا وَقَعَتْ صِفَةٍ، فإنَّ أُضِيفَتْ إلى مُشْتَقٍّ كانَتْ للمَدْحِ بالمُشْتَقِّ منه خاصَّةً، وإنْ أُضِيفَتْ إلى غيرِ المُشْتَقِّ، كانَتْ للمَدْحِ بكلِّ صِفَةٍ يُمْكِنُ أنْ يُثَنَّي بها، فالأوَّلُ: كمَرَرْتُ بعالِمٍ أيَّ عَالِمٍ، فالثناءُ عليه بالعِلْمِ خَاصَّةً، والثاني: كمَرَرْتُ برجُلٍ أيَّ رجُلٍ، فالثناءُ عليه بكلِّ ما يُمْدَحُ به الرَّجُلُ، وكلامُ المصنِّفِ شاملٌ للضرْبَيْنِ.
ومثالُ الوَصْلَةِ: يا أَيُّها الرجلُ، وزَادَ بَعْضُهم مَجيئِها للتَّخْصِيصِ، نحوَ: اللَّهُمَ اغْفِرْ لنا أيَّتُها العِصَابَةُ.
والتَّعَجُّبِ كقولِه: أيَّ فَتَى الهَيْجَاءِ أنت، وجَارَةٌ وهذا رَاجِعٌ إلى الاسْتِفْهامِ.
تنبيهٌ: كانَ يَنْبَغِي أنْ يَذْكُرَ (إيْ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الياءِ، ليَسْتَوْفِي جميعِ أقْسامِها، وهي حَرْفُ جَوابٍ بمعنَى نَعَمْ، ولا يُجَابُ بها إلاَّ معَ القِسْمِ في جوابِ الاسْتِفْهامِ نحوَ: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي﴾.
ص: الخامسُ: إذ: اسمٌ للماضِي ظَرْفًا، ومفعولًا به، وبَدَلًا من المفعولِ، ومُضَافًا إليها اسمُ زمانٍ والمستقبلُ في الأصَحِّ، وتُرَدُّ للتَّعْلِيلِ حرفًا، وقيلَ: ظرفًا وللمُفَاجَأَةِ وفاقًا لسِيبَوَيْه.
ش: أَجْمَعُوا على سبَبِيَّةِ (إذ) بدليلِ تَنْوينِها في نحوَ: يومَئذٍ، والإضافةُ إليها نحوَ: ﴿إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. وهي اسمٌ للمَاضِي نحوَ: قُمْتُ إِذ قَامَ زَيدٌ، سواءٌ دَخَلَتْ على الماضِي أو غيرِه.
ومثالُ اسْتِعْمَالِها ظَرْفًا: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وَقَدَّمَه المُصَنِّفُ؛ لأنَّه الغَالِبُ فيها.
ومثالُ المَفْعُولِيَّةِ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ
[ ١ / ٤٩٩ ]
كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾.
ومثالُ البدلَيَّةِ: ﴿اذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انْتَبَذَتْ﴾، فإذ: بَدَلُ اشْتِمالٍ من مريمَ على حدِّ البَدَلِ في قَوْلِهِ تعالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾.
ومثالُ المُضَافِ إليها الزمانُ: أي: سواءٌ صَلُحَ الاسْتِغْنَاءُ عنه نحو: يومَئذٍ، أو لا، نحوَ: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾.
ومثالُ المستقبلِ: بمعنَى إذا: ﴿يَوْمَئذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارِهَا﴾ وهذا ما اخْتَارَهُ ابنُ مالِكٍ وجَمْعٍ من المُتَأَخِّرِينَ مُحْتَجِّينَ بقولِه تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾. ولكنَّ الأكثرِينَ على المَنْعِ، وأَجَابُوا عمَّا تَمَسَّكَ به الأوَّلُونَ بأنَّ الأمورَ المُسْتَقْبَلَةَ لمَّا كانَتْ في أَخْبَارِ اللهِ مُتَيَقِّنَةٍ مَقْطُوعًا بها، عَبَّرَ عنها بلفْظِ المَاضِي، وبِهذا أَجَابَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابنُ عَطِيَّةَ، وغيرُهما.
ومثالُ التعْلِيلِ: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا﴾. ثمَّ اخْتَلَفَ النحْويُّونَ في أنَّها حينَئذٍ هل تَكونُ حَرْفًا بمَنْزِلَةِ لامِ العِلَّةِ - ونُسِبَ لسِيبَوَيْه، وصَرَّحَ به ابنُ مالِكٍ في بَعْضِ نُسَخِ (التسْهيلِ) - أو ظَرْفًا؟ والتعليلُ مُسْتَفَادٌ من قوَّةِ الكلامِ لا من اللفظِ.
والمرادُ بالمُفاجأةِ: الواقعةُ بعدَ (بينا) و(بينما)، قالَ سِيبَوَيْه: بيْنَا أنَا كذا إذ جَاءَ زَيدٌ،
[ ١ / ٥٠٠ ]
فهو لمَّا تَوَقَّعَه ويهجم= عليه، والخلافُ السابقُ آتٍ هنا: هل هي حرفٌ بمعنَى المفاجأةِ، أو باقيةٌ على ظرْفِيَّتِها الزمانيَّةِ، ويَزِيدُ هنا قولُ: إنَّها ظرفُ مكانٍ كما قيلَ به في إذا الفُجَائِيَّةِ.
ص: السادسُ: إذا للمُفَاجَأَةِ.
ش: وهي التي يَقَعُ بعدَها المبتدأُ، فرقًا بينها وبينَ الشرْطِيَّةِ، نحو: خَرَجْتُ فإذا الأسدُ بالبابِ، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾. قالَ صاحبُ (الكَشَّافِ) إنَّها إذا الكائنَةُ بمعنَى الوقْتِ، الطالِبَةُ ناصِبًا لها وجُمْلَةٌ تُضَافُ إليها، خَصَّتْ في بَعْضِ المَواضِعِ بأنْ يكونَ ناصِبُها فِعْلًا مَخْصُوصًا، وهو فعْلُ المفاجأةِ، والجملةُ ابتدائيَّةٌ لا غيرَ، نحو قولِه تعالى: ﴿حِبَالُهُمْ وعِصِيُّهُمْ﴾ وفَاجَأَ مُوسَى وقْتَ تَخَيُّلِ سَعْيِّ= حِبَالِهم.
وقالَ ابنُ الحَاجِبِ: معنَى المفاجأةِ: حضورُ الشيءِ معَكَ في وصْفٍ من أوصافِك الفِعْليَّةِ، وتصويرُه في المثالِ حضورُ السبْعِ معَك في زَمَنِ وصفِك بالخروجِ، أو في مكانِ خروجِك؛ لأنَّ حَصْرَ ذاتِكَ في مكانِ فِعْلِك حينَ تَلَبُّسِكَ به أَمَسُّ من حَصْرِكَ في زَمَنِ فِعْلِكَ حينَ تَلَبَّسَكَ به؛ لأنَّ ذلك المكانَ يَخُصُّكَ ذلك الحينُ دونَ مَن أشْبَهَك، وذلك الزمانُ لا يَخُصُّكَ دونَ مَن أَشْبَهَكَ، وكلمَّا كانَ الفاجِئُ ألَصَفُ بالمُفَاجَأِ، كانَتْ المُفَاجَأَةِ أَقْوَى.
[ ١ / ٥٠١ ]
ص: حرفًا، وِفَاقًا للأخْفَشِ وابنِ مالِكٍ، وقالَ المُبَرِّدُ وابنُ عُصْفُورٍ ظَرْفُ زمانٍ، والزجَّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ: ظرْفُ مكانٍ.
ش: اخْتَلَفُوا فيها على ثلاثةِ مذاهبَ: أَصَحَّهَا: أنَّها حَرْفٌ؛ لأنَّ المُفاجأةَ معنًى من معانِي الكلامِ كالاسْتفهامِ والنفْيِ، والأصْلُ في المعانِي أنْ تُؤَدِّي بالحروفِ نحوَ: (لم) و(قد) و(ما) ورَجَّحَ قولُهم: فإذا إنَّ زيدًا بالبابِ بكَسْرِ إنَّ، إذ لا يُعْمَلُ ما بعدَ إنَّ فيما قبْلَها.
والثاني: أنَّها ظَرْفُ زمانٍ.
والثالثُ: أنَّها ظرفُ مكانٍ بدليلِ وُقوعِها خَبَرًا عن الجُثَّةِ بدليلِ: خَرَجْتُ فإذا زَيدٌ، وظرفُ الزمانِ لا يَقَعُ خَبَرًا عن الجُثَّةِ، وأَجَابَ الثاني بأنَّه على حَذْفِ مُضافٍ؛ أي: حضورُ زيدٍ، ونَسَبَ هذا وما قَبْلَه لسِيبَوَيْه.
وفائدةُ الخلافِ تَظْهَرُ إذا قُلْتَ: خَرَجْتُ فإذا الأسدُ، فعَلَى الأوَّلُ لا يَصِحُّ كونُها خبرًا؛ لأنَّ الحرْفَ لا يُخْبَرُ به ولا عنه، وكذا على الثاني؛ لأنَّ الزمانَ لا يُخْبَرُ به عن الجُثَّةِ، ويَصِحُّ على الثالثِ؛ أي: فبالحَظِيرَةِ الأسدُ.
ص: وتَرِدُ ظَرْفًا للمُسْتَقْبَلِ مُضَمَّنَةً معنَى الشرطِ غالبًا.
ش: ولذلِكَ تُجَابُ بمَا يُجابُ به أَدَواتُ الشرْطِ، نحوَ: إذا جَاءَ زيدٌ فَقُمْ
[ ١ / ٥٠٢ ]
إليه، قالُوا: واخْتُصَّتْ من بينَ أدواتِ الشرْطِ بأنَّها لا تكونُ إلاَّ في المُحَقَّقِ، نحوَ: إذا طَلَعَتِ الشمْسُ فاتِنِي.
أمَّا (إنَّ) ونحوها فتكونُ للمَشْكُوكِ فيه، ولهذا قالَ تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ لمَّا كانَ المَسُّ في البحرِ مُحَقَّقًا، بخلافِ قولِه: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ فإنَّه لم يُقَيِّدْ مَسُّ الشَّرِّ بل أَطْلَقَه، ولمَّا قَيَّدَه بالبحرِ الذي يَتَحَقَّقُ ذلك أَتَى بهذا، وهذا يُضْعِفُ التاويلَ الذي حَكَاهُ البُخَارِيُّ عن إِسْحَاقَ بنِ رَاهُويَهْ في الحديثِ الذي حَسَّنَه التِّرْمِذِيِّ: «أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ، كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ» أنَّ معناهُ: إنِ اشْتَهَى الولَدَ كانَ
[ ١ / ٥٠٣ ]
ولكنْ لا يَشْتَهِيهِ، فقيلَ: ليسَ هذا طبيعَةُ (إذا)، بل طبيعةُ غيرِها من أدواتِ الشرْطِ، واسْتَظْهَرَ بقولِه: غالبًا إلى مَجِيئِهَا مُجَرَّدَةً من معنَى الشرْطِ كما سَيَاتِي.
ص: ونَدَرَ مَجيئُها للماضِي والحالِ.
ش: أمَّا المَاضِي فعَلامَتُها أنْ تَقَعَ مَوْقِعَ إذ، كقولِه تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُم﴾ وقولِه: ﴿وَإِذَا رَأَوُا تِجَارَةُ أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ خَبرٌ أَثْبَتَه بعضُهم، وتَابَعَه ابنُ مالِكٍ، والجمهورُ مَنَعُوهُ، وتَأَوَّلُوا ما أَوْهَمَ ذلك.
وأمَّا الحالُ وعَلامَتُها بعدَ القَسَمِ نحوَ: ﴿وَالْلَيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾؛ لأنَّها لو كانَتْ للاسْتِقْبَالِ لم تَكُنْ ظَرْفًا لفِعْلِ القَسَمِ؛ لأنَّه إنشاءٌ لا إخْبارٌ عن قِسْمٍ ثانٍ؛ لأنَّ قَسَمَه ﷾ قديمٌ، ولا يكونُ محذوفٌ هو حالٌ من الليلِ والنجمِ؛ لأنَّ الاستقبالَ والحالَ مُتنافِيانِ، وإذا بَطُلَ هذانِ تَعَيَّنَ أنَّه ظَرْفٌ لأحدِهما على أنَّ المُرَادَ به الحالُ.
وقالَ ابنُ الحَاجِبِ في (شَرْحِ المُفَصَّلِ): قد تَاتِي لمُجَرَّدِ الظرفيَّةِ دونَ الشرطيَّةِ، نحوَ: ﴿وَالْلَيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؛ لأنَّها لو كانَتْ شَرطيَّةٌ لاحْتَاجَتْ إلى جوابٍ، وليسَ في اللفظِ، فيكونُ مُقَدَّرًا يَدُلُّ عليه فِعْلُ القَسَمِ، وهو فَاسِدٌ؛ لأنَّه يَصِيرُ المعنَى: إذا يَغْشَى أَقْسَمَ، فيكونُ القسمُ مُتَعَلِّقًا بالشرطِ وهو ظاهرُ الفسادِ، وإذا ثَبَتَ أنَّها لمُجَرَّدِ الظرفيَّةِ فليسَتْ مُتَعَلِّقَةٌ بفِعْلِ القَسَمِ؛ لأنَّه يَصِيرُ المَعْنَى: أَقْسَمَ في هذا الوَقْتِ بالليلِ، فيَصِيرُ القسمُ مبتدأً، والمعنَى على خلافِه، بل يَتَعَلَّقُ بفِعْلٍ محذوفٍ؛ أي: أَقْسَمَ بالليلِ حاصلًا في هذا الوقْتِ، فهي إذًا في مَوْضِعِ الحالِ من الليلِ. انتهى. وقد وقع في محذورٍ آخَرَ، وهو أنَّ الليلَ عبارَةٌ عن الزمانِ المعروفِ، فإذا جَعَلْتَ إذا مَعْمُولَةٌ لفِعْلٍ هو حالٌ من الليلِ لَزِمَ وقوعُ الزمانِ في الزمانِ وهو مُحالٌ، والحقُّ أنَّ (إِذَا) كما تَجَرَّدَ عن الشرْطِ تَجَرَّدَ كذلك عن الظرْفِ، فهي هنا
[ ١ / ٥٠٤ ]
لمُجَرَّدِ الوقْتِ من دونِ تَعَلُّقِها بشيءٍ تَعَلُّقَ الظرفيَّةِ، وهي مجرورَةُ المَحَلِّ هَهنا لكونِها بَدَلًا عن الليلِ، كما جَرَتْ بحتى في قَوْلِهِ تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا﴾ والتقديرُ: أَقْسَمَ بالليلِ وقتَ غَشَيَانِه؛ أي: أَقْسَمَ بوقَتِ غَشيانِ الليلِ.
ص: السابعُ: الباءُ للإلصاقِ حقيقةً أو مجازًا.
ش: معنَى الإلصاقِ: أنْ تُضِيفَ إلى ما كانَ لا يُضافُ إليه وتُلْصِقُه به لولاَ دُخُولُها نحوَ: خُضْتُ الماءَ برِجْلِي، ومَسَحْتُ برَاسِي، وهو أَصْلُ مَعانِيها، ولم يَذْكُرْ لها سِيبَوَيْه غيرَه، ولهذا قالَ المَغَارِبَةُ: لا تَنْفَكَّ عنه إلاَّ أنَّها قد يَتَجَرَّدَ له، وقد يُدْخِلُها معَ ذلك معنًى آخَرَ.
وقالَ عبدُ القاهرِ: قولُهم الباءُ للإلصاقِ إنْ حَمْلْنَاهُ على ظاهرِه اقْتَضَى إفادتُها في كلِّ ما تَدْخُلُ عليه وهذا محالٌ؛ لأنَّها تَجِيءُ معَ الإلصاقِ نَفْسُه كقولِنَا: أَلْصَقَتْهُ به ولُصِقَتْ به، وحينَئذٍ فلا بُدَّ من تَاويلِ كلامِهم، والوجْهُ فيه أنْ يكونَ غَرَضَهُمْ من ذلك أنْ يقولُوا للمُتَعَلِّمِ: انْظُرْ إلى قولِك: أَلْصَقَتْهُ به، وتَأَمَّلِ المُلابَسَةَ التي بينَ المُلْصِقِ والمُلْصَقِ به، واعْلَمْ أنَّ الباءَ أينَما كانَت، كانَت المُلابَسَةُ التي تَحْصُلُ بها شَبِيهَةً بهذِه المُلابَسَةِ التي تَرَاهَا في قولِك: أَلْصَقَتْه به.
[ ١ / ٥٠٥ ]
انتهى.
ثمَّ الإلصاقُ قد يكونُ حقيقةً وهو الأكثرُ، نحوَ: أَمْسَكْتُ الحَبْلَ بِيَدِي، قالَ ابنُ جِنِّي: أي أَلْصَقْتُها به، وقد يكونُ مجازًا، نحوَ: مَرَرْتُ بزيدٍ، فإنَّ المرورَ لم يُلْصَقْ بزَيدٍ، وإنَّما التصورُ بمكانٍ يَقْرُبُ منه.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المعنَى: أَلْصَقْتُ مُرُورِي بمَوْضِعٌ يَقْرُبُ منه، كأنَّه يَلْتَصِقُ به، فهو على الاتساعِ.
ص: والتَّعْدِيَةُ.
ش: وهي التي يُقالُ لها: باءُ النقْلِ؛ لأنَّها تَنْقُلُ الفاعلَ ليَصِيرَ مَفْعُولًا، نحوَ: قُمْتُ بزيدٍ؛ أي: أَقَمْتُهُ، وذَهَبْتُ بزَيدٍ؛ أي: أَذْهَبْتُه، وإنْ كَانَتْ التَّعْدِيَةُ لا يُفَارِقُها، ولكنَّ المرادَ بالتعدِيَةِ هذا النوعُ الذي في مُقَابَلَةِ الهمْزَةِ.
قالَ ابنُ مالكٍ: وهي القائِمَةُ مُقامَ النَّقْلِ في إيصالِ معنَى الفِعْلِ اللازمِ إلى المَفْعُولِ به، نحوَ: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ و﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ واعْتَرَضَهُ الشيخُ أَبُو حَيَّانٍ بأنَّها قد وَرَدَتْ معَ المُتَعَدِّي نحوَ: صَكَكْتُ الحَجَرَ بالحَجَرِ، ودَفَعْتُ بعضَ الناسِ ببَعْضٍ، فلهذا كانَ الصوابُ قولَ غيرِه، هي الداخلةُ على الفاعلِ فيَصِيرُ مفعولًا، ليَشْمَلَ المتعدِيَ واللازمَ.
وغَلِطَ الشيخُ في ذلك؛ لأنَّ الباءَ في المثالَيْنِ إنَّما دَخَلَتْ على ما كانَ مفعولًا، والمُغَلَّطُ غالطٌ، بل إنَّما دَخَلَتْ على ما كانَ فاعلًا، والأصلُ: دَفْعُ بعضِ الناسِ بعضًا، وَصَكُّ الحجرِ الحجرَ بتَقْدِيم المفعولِ؛ لأنَّ المعنَى أنَّ المُتَكَلِّمَ صَيَّرَ البعضُ الذي دَخَلَتْ عليه الباءُ واقعًا للبعضِ المُجَرَّدِ عنها.
ولكنْ قولُه: وأَصْلُه دَفْعُ بعضِ الناسِ بعضًا، وصَكُّ الحجرِ الحجرَ - ليسَ بجَيِّدٍ؛ لأنَّه قَدَّمَ الفاعلَ، فأَوْهَمَ كونُ الباءِ دَخَلَتْ على ما كانَ مفعولًا، كما فَهِمَ المُعْتَرِضُ.
وهنا فوائدُ: أحدُها: مَذْهَبُ الجمهورِ أنَّ باءَ التعديةِ بمعنَى همزةِ النقلِ لا تَقْتَضِي مُصَاحَبَةَ الفاعلِ للمفعولِ في الفعلِ، فإذا قلتَ: قُمْتُ بزَيدٍ، فالمعنَى: جَعَلْتُه يَقُومُ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَقُومَ معه، وذَهَبَ المُبَرِّدُ والسُّهَيْلِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ إلى اقْتِضائِها المُصاحبةُ بخلافِ الهمزةِ.
قالَ السُّهَيْلِيُّ: إذا قلتَ: قَعَدْتُ به، فلا بُدَّ من
[ ١ / ٥٠٦ ]
مشاركةٍ، ولو باليدِ، وَرَدَّ عليهما بقولِه: ذَهَبَ الله بِنُورِهِم؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى لا يُوصَفُ بالذهابِ معَ النورِ، وأُجِيبَ بأنَّه يَجُوزُ على معنًى يَلِيقُ به، كما وَصَفَ نفسَه بالمجيءِ في قَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ وهو ظاهرُ البُعْدِ، ويُؤَيَّدُ بأنَّ باءَ التعديةِ بمعنَى الهمزةِ.
قَرَأَ اليَمَانِيُّ: (أَذْهَبَ اللهُ نُورَهُمْ) الثانيةُ: إنْ قيلَ: كيفَ جَاءَ قولُه تعالَى ﴿تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ﴾ في قراءةٍ: ضَمُّ الباءِ، وتُنْبِتُ: مضارعُ أنْبَتَ، والهمزةُ في أَنْبَتَ للنقلِ، فكيفَ جَازَ الجَمْعُ بينَهما وبينَ الباءِ وهي للنقلِ، بل حَقُّهُ أنْ يَقُولَ: تُنْبِتُ بالدُّهْنِ أو تُنْبِتُ الدُّهْنَ؟ فالجوابُ أنَّها تَخْرُجُ على ثلاثةِ أوجِهٍ:
أحدُها: أنَّ الباءَ للحالِ؛ أي: تُنْبِتُ ثَمَرِها، وفيه الدُّهْنُ أو في هذه الحالِ.
ثانيها: أنَّ أَنْبَتَ ونَبَتَ بمعنًى واحدٍ، فكما يُقالُ نَبَتَ بالدُّهْنِ فكذا أَنْبَتَ بالدُّهْنِ.
ثَالِثُها: أنَّها زَائِدَةٌ.
الثالثةُ: نَازَعَ ابنُ الخَبَّازِ وغيرُه في جَعْلِ التعديةِ قَسِيمًا للإلصاقِ؛ لأنَّ الإلصاقَ تعديةٌ، وجوابُه: أنَّ المرادَ بها نوعٌ خاصٌّ على ما تَقَدَّمَ، والإلصاقُ أَعَمٌّ منها؛ ولهذا قالَ الشيخُ أَبُو الفَتْحِ إذا قُلْتَ: أَمْسَكْتُ زَيْدًا، احْتَمَلَ أنْ يكونَ باشَرْتُه
[ ١ / ٥٠٧ ]
بِيَدِكَ، وأنْ تكونَ مَنَعَتْهُ من التصرُّفِ من غيرِ مُبَاشَرَةٍ، فإذا قلتَ: أَمْسَكْتُ بزيدٍ، دَلَّتْ على أنَّ مُبَاشَرَتِكَ له بِيدِكَ، فالباءُ مُلْصَقَةٌ غيرُ مُتَعَدِّيَةٍ.
ص: والاستعانةُ والسبَبِيَّةُ.
ش: باءُ الاستعانةِ هي الداخلةُ على آلَةِ الفعلِ، نحوَ: كَتَبْتُ بالقلمِ وبَرَيْتُ بالسكينِ، ومنه: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾. والسَّبَبِيَّةُ، نحوَ: ﴿فُكُلًاّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ ومنهُ: لَقِيتُ بزيدٍ الأسدَ؛ أي: بسببِ لِقائِي إِياهُ، ولم يَذْكُرْ في (التسهيلِ) باءُ الاستعانةِ وأَدْرَجَها في السبَبِيَّةِ.
وقالَ في شرحِه: باءُ السببِيَّةِ هي الداخلةُ على صريحٍ؛ للاستعانَةِ عن فاعلٍ يَتَعَدَّاها مجازًا، نحوَ: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ فلو قَصَدَ إسنادَ الإخراجِ إلى الباءِ لحُسُنَ، ولكنَّه مَجازٌ.
قالَ: ومنه: كَتَبْتُ بالقَلَمِ، وقَطَعْتُ بالسكينِ، والنحْويُّونَ يُعَبِّرونَ عن هذه الباءِ باءَ الاستعانةِ، =وأوثرتْ على ذلك التعبيرِ بالسببِيَّةِ من أجلِ الأفعالِ المنسوبةِ إلى اللهِ تعالى، فإنَّ استعمالَ السببِيَّةِ فيها يَجُوزُ، واستعمالُ الاستعانةِ فيها لا يَجُوزُ، ولم يَذْكُرِ المُصَنِّفُ باءَ التعليلِ استغناءً عنه بالسببِيَّةِ؛ لأنَّ العِلَّةَ والسببَ واحدٌ، وابنُ مالكٍ غايَرَ بينهما، ومثلُ التعْلِيلِيَّةِ بقولِه تعالى: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ ﴿فَبُظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ وقالَ بعضُهم: إذا قلتَ: ضَرَبْتُه بسوءِ أَدَبِه، احْتُمِلَ العِلِيَّةَ والسببِيَّةَ، والفرقُ بينَهما: أنَّ العِلَّةَ مُوجِبَةٌ لمَعْلُولِها، بخلافِ السببِ لمُسَبِّبِه فهو للأمَارَةِ عليها، ومن هنا اخْتَلَفَ أهلُ السُّنَّةِ والمُعْتَزلَةِ في أنَّ الأعمالَ طاعةٌ ومعصيةٌ هل هي عِلَّةٌ للجزاءِ ثوابًا وعقابًا أو سببٌ؟ فقالَت المعتزلةُ بالأوَّلِ وأهلُ السُّنَّةِ بالثاني، واخْتُلِفَ في
[ ١ / ٥٠٨ ]
الحجِّ عن الغيرِ، فمَنْ رَأَى العملُ عِلَّةً، قالَ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ عَمَلَ زيدٌ لا يكونُ عِلَّةٌ لبِرَاءَةِ ذِمَّةِ عَمْرٍو=، ومَن رَآهُ سَبَبًا، قالَ: يَصِحُّ، لجوازِ أنْ يكونَ سببًا للبراءةِ وعَلَمًا عليها.
ص: وللمُصاحَبَةِ.
ش: وهي التي يَصْلُحُ في مَوْضِعِها (معَ) أو تُغْنِي عنها وعن مصحوبِها الحالُ، كقولِه تعالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: معَ الحقِّ أو مُحِقًّا، ولهذا يُسَمِّيهَا كثيرٌ من النحويِّينَ باءُ الحالِ؛ لأنَّ ما تَدْخُلُ عليه يَصْلُحُ أنْ يكونَ حالًا، فمَنْ لاحَظَ المَوْضِعَ عَبَّرَ عنها بما تَقِعُ فيه، فسَمَّاهَا باءُ الحالِ، ومَن لاحَظَ معنَى المعيَّةِ الموجودِ معها، عَبَّرَ عنها بالمُصَاحَبَةِ، إذ مَعنَى (مع) المصاحَبَةُ.
ص: والظَّرْفِيَّةُ.
ش: وهي التي يَصْلُحُ مَوْضِعُها (في) وتكونُ معَ اسمِ الزمانِ، كقولِه تعالَى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِالْلَيْلِ﴾، ومعَ المكانِ نحوَ: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ ونحوَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾ ويَنْبَغِي أنْ يُقَيَّدَ هذا بالظرفيَّةِ الحقيقَةِ، وإلاَّ فحينَئذٍ يَدُخُلُ مجازانِ في الكلامِ، وهي كونُها للظرفيَّةِ والتوَسُّعُ في الظرفيَّةِ.
ص: والبَدَلُ.
ش: بأنْ يَجِيءَ مَوْضِعُهَا بَدَلٌ، وفي الحديثِ: «مَا يَسُرُّنِي بِهَا حُمْرُ النَّعَمْ)،
[ ١ / ٥٠٩ ]
أي: بَدَلَها.
ص: والمُقَابَلَةُ.
ش: قالَ ابنُ مالِكٍ: هي الباءُ الداخلةُ على الأثمانِ والأعراضِ، نحوَ: اشْتَرَيْتُ الفَرَسَ بأَلْفٍ، وقالَ بعضُهم: تَرْجِعُ وما قَبْلَها إلى السببِ، فإنَّ التقديرَ: هذا مُسْتَحَقٌّ بذلك أي: بسبَبِه، واسْتَشْكَلَ الفارِسِيُّ دخولَ الباءِ على الآياتِ في قَوْلِهِ تعالَى: ﴿وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. وقالَ: مُشْكَلٌ؛ لأنَّ الباءَ دَخَلَتْ على المُثْمَنِ دُونَ الثَّمَنِ، فلا بُدَّ أنْ يُضْمَرَ الثمَنُ حتى يكونَ الثمنُ هو المُشْتَرَى، وعلى رَاي الفَرَّاءِ لا يَحْتَاجُ إلى المُضْمَرِ؛ لأنَّه قالَ: إذا كانَ المُتَقابِلاتُ في العُقودِ نَقْدَيْنِ جَازَ دخولَ الباءِ على كلِّ واحدٍ منهما، وكذا كانَا معنَيَيْنِ، نحوَ: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ والباءُ تَدْخُلُ على المَتْروكِ المرغوبِ عنه في بابِ الشراءِ بخلافِ البَيْعِ.
ص: والمُجَاوَزَةُ.
ش: وعَبَّرَ عنه بَعْضُهم بمُوافَقَةِ عن، وتَكْثُرُ بعدَ السؤالِ نحوَ: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ
[ ١ / ٥١٠ ]
خَبِيرًا﴾، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ وقليلٌ بعدَ غيرِه، نحوَ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ وهذا منقولٌ عن الكُوفِيِّينَ وتَأَوَّلَ الشَّلَوْبِينُ على أنَّها للسببِيَّةِ؛ أي: فاسْأَلْ بسبَبَلشافِعِيِّ، ويُؤَيِّدُه قولَه تعالى: ﴿هَلْ آمَنَكُمْ عَلَيْهِ﴾.
ص: والقَسَمُ، والغَايَةُ، والتَّوْكِيدُ.
ش: فالأوَّلُ نحوَ: باللهِ لأفَعْلَنَّ، وهي أصْلُ حروفِ القَسَمِ.
والثاني نحوَ: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾؛ أي: إليَّ.
والثالثُ وهي الزائِدَةُ إمَّا معَ الفاعلِ، نحوَ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجْذِعِ النَّخْلَةِ﴾ أو المُبْتَدَأِ نحوَ: بحَسْبِكُ زيدٌ، أو الخَبَرِ نحوَ:
[ ١ / ٥١١ ]
﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدُهُ﴾.
ص: وكذا التَّبْعِيضُ، وِفَاقًا للأصْمَعِيِّ، وابنِ مالِكٍ.
ش: مُسْتَدِلِينَ بقولِه تعالَى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾؛ أي: منْها، وخَرَجَ عليه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ولم تَرِدْ باءُ التَّبْعِيضِ عندَ مُثْبِتِها إلاَّ معَ الفعلِ المُتَعَدِّي، وأَنْكَرَهُ قومٌ، منهم ابنُ جِنِّي وتَأَوَّلُوا أَدِلَّةَ المُثْبَتِينَ على التَّضْمِينِ، أو أنَّ التَّبْعِيضِ اسُتِفيدَ من القرائنِ، واعْتَرَضَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ على كلامِ ابنِ جِنِّي، فقالَ: شهادةٌ على النَّفْي وهي غيرُ مَقْبُولَةٍ، هذا معَ أنَّه قبلَ هذا قالَ: إنَّها للسببِيَّةِ وهو ضعيفٌ؛ لأنَّه لم يَقُلْ به أَحَدٌ من أهْلِ اللُّغَةِ، فقد وَقَعَ فيما أَنْكَرَهُ، وأَجَابَ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ فيما كَتَبَهُ على (فُروعِ ابنِ الحَاجِبِ): بأنَّا لا نُسَلِّمُ أنَّها شهادةٌ، بل هي إخْبَارٌ مَبْنِيٌّ على ظَنٍّ غالبٍ مُسْتَنَدًا إلى الاستقراءِ مَن أُهِّلَ لذلك، مُطَلِّعٌ على لسانِ العَرَبِ فيَسْمَعُ كسائِرِ أَحْكَامِهِم في نَفْي ما دَلَّ الاستقراءُ على نَفْيهِ كقولِهم: ليسَ في كلامِ العَرَبِ: اسمٌ آخِرَهُ واوٌ قَبْلَها ضَمَّةٌ، وإنَّ تركيبَ (ق ب ش)، و(ق ب ع)،
[ ١ / ٥١٢ ]
مُهْمَلٌ. نَعَمْ إنْ وَقَعَ نَقْلٌ إثْبَاتِيٌّ من مُعْتَبَرٍ في الصنْعَةِ، أنَّها للتَّبْعِيضِ قُدِّمَ على هذا النفْيِ، فمَن ادَّعَى هَهُنا، فَعَلَيْه إظْهَارُه. انتهى.
وذَكَرَ ابنُ مالِكٍ في (شَرْحِ الكافيَةِ) أنَّ الفارسيَّ في (التَّذْكِرَةِ) أَثْبَتَ مَجِيئِها للتَّبْعِيضِ، وكذا الأصمعيِّ في قولِ الشاعرُ:
شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعْتْ مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئيجٌ
قالَ في (شَرْحِ الإِلْمَامِ) المُثْبِتُونَ للتَّبْعِيضِ فَرَّقُوا بينَ الفِعْلِ المُتَعَدِّي بنفسِه وبحَرْفِ الجَرِّ، فقالَ: إنَّ المُتَعَدِّيَ بنفسِه تكونُ الباءُ فيه للتبعيضِ؛ لأنَّها لو لم تَكُنْ كذلك لكانَتْ زائدَةٌ، والأصْلُ عَدَمُ الزيادةِ، واعْتُرِضَ بوجْهَيْنِ: أحدُهما: مَنَعَ المُلازَمَةَ بينَ عدَمِ كونِها للتبعيضِ وكونِها زائدةً، وهذا ما قالهُ ابنُ العَرَبِي، وهي كونِها تُفِيدُ فائدَةُ الدلالَةِ على مسموحٍ به، وجَعَلَ الأصْلُ فيه امْسَحُوا رُؤُوسَكُمْ بالماءِ، فيكونُ من بابِ المقلوبِ؛ أي: امْسَحُوا بالماءِ رُؤُوسَكُم.
الثاني: أنْ يُقالَ: سَلَّمْنَا أنَّ الأصْلَ عَدَمُ الزيادةِ، فنَقُولُ: الأصلُ مَتْروكٌ إذا دَلَّ الدليلُ على تَرْكِه، وقد دَلَّ، وهو عَدَمُ ثُبُوتِ الباءِ للتبعيضِ في اللغةِ ثُبُوتًا يَرْجِعُ إليه في قولِ مَن يَجِبُ الرجوعَ إليه، قولُه: وأيضًا فالزيادةُ في الحروفِ كثيرةٌ، وطريقُ إثباتِ اللغةِ النَّقْلُ.
فائدةٌ: ذَكَرَ العِبَادِيُّ في زِيادَاتِه مَجِيءُ الباءِ للتعْلِيقِ كانَ، فإنْ قالَ: أنْتَ طَالِقٌ
[ ١ / ٥١٣ ]
بمشيئَةِ اللهِ أو بِإرَادَتِه أو بِرِضَاهُ - لم تُطَلَّقْ، قالَ: لأنَّ الباءَ في كلِّ هذا في ظاهرِ اللغةِ تُحْمَلُ على التعليقِ، ألاَ تَرَاهُ يقولُ: أَخْرَجُ بمَشِيئَةِ اللهِ، معناهُ: إنْ شاءَ اللهُ، وأَنْتِ طَالِقٌ بدُخولِ الدَّارِ؛ أي: إنْ دَخْلَتْ، ثمَّ قالَ: ولو قالَ: أنتِ طالقٌ بأَمْرِ اللهِ، أو بقَدَرِ اللهِ، أو بِحُكْمِ اللهِ، أو بِعِلْمِ اللهِ - طُلِّقَتْ في الحالِ؛ لأنَّه لا يَتَعَارَفُ كونُه شَرْطًا يُرِيدُونَ به التحْقِيقَ، انتهى.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ التفْرِقَةَ أَخَذَهَا من العُرْفِ لا مِن اللغةِ، ومَسائِلُ الفِقْهِ لا تُبْنَى على دقائقِ النَّحْوِ.
ص: الثامنُ: بل للعَطْفِ والإضرابِ، إمَّا للإبْطالِ أو الانْتقالِ من غَرَضٍ إلى آخَرَ.
ش: (بل) إمَّا أنْ يَقَعَ بَعْدَها المُفْرَدُ أو الجُمْلَةُ، فإنْ وَقَعَ بَعْدَها مُفْرَدٌ كانَتْ للعَطْفِ ثمَّ إمَّا أنْ يُعْطَفَ بها في الإثباتِ أو النفْيِ، فالأوَّلُ نحوُ: جَاءَ زَيدٌ بل عَمْرٌو، فهي لنَقَلِ الحُكْمِ عمَّا قَبْلَهَا وجَعْلِهُ لَمَّا بَعْدَهَا قَطْعًا، ولا نَعْنِي بذلك أنَّها تَنْفِيَه عمَّا قَبْلَها، وتُجْعَلُ ضِدَّهُ لِمَا بَعْدَها فتُقَرِّرُ نَفْيَ القيامِ عن زيدٍ وتُثْبِتُه لعَمْرٍو، وأَجَازَ المُبَرِّدُ وابنُ عَبْدِ الوارثِ، وتلميذُه الجُرْجَانِيُّ معَ ذلك أنْ تكونَ نَاقِلَةً حُكْمَ النَّفْيِ لِمَا بعدَها، كما في الإثباتِ فتَحْتَمِلُ عندَهم في نحوِ: ما قَامَ زيدٌ بل عمرٌو، أنْ يكونَ التقديرُ: بل ما قَامَ عمرٌو، وإذا لا يَضْرِبْ زيدٌ عمرًا، يكونُ ناهيًا عن ضربِ كلِّ واحدٍ منهما، وإذا قالَ: ما له عليَّ دِرْهَمٌ بل دِرْهَمَانِ، لا يَلْزَمَه شيءٌ؛ لأنَّ الدرهمَ مَنْفِيٌّ صريحًا، وعُطِفَ عليه الدرْهَمَانِ مَنْقُولًا النفْيُ إليهما، فصَارَ كأنَّه قالَ: ما له عَلَيَّ دِرْهَمٌ وما له
[ ١ / ٥١٤ ]
عَلَيَّ دِرْهَمَانِ.
قالَ القَوَّاسُ في (شرحِ الدرَّةِ) وأَوْجَبُوا تقديرَ حَرْفِ النَّفْيِ بعدَها لتحقيقِ المُطَابَقَةِ في الإضرابِ عن مَنْفِيٍّ، كما يَتَحَقَّقُ عن مُوجَبِ إلى مُوجَبٍ، قالَ: ويَجِبُ أنْ يُقالَ: إنْ كانَ المعطوفُ غَلَطًا، قَدَّرَ حَرْفَ النفْيِ، ليَشْتَرِكَا في نَفْيِ الفِعْلِ عنْهُما، وإنْ لم يَكُنْ غَلَطًا لم يُقَدَّرْ حَرْفَ النَّفْي؛ لأنَّ الفِعْلَ ثَابِتٌ له، فلا يُنْفَى عنه انْتَهَى.
وضَعَّفَ مَذَهْبَ المُبَرِّدِ ما قالَه الفَارِسِيُّ في (الإيِضاحِ) في مسألةِ: ما زيدٌ خارجًا بل ذاهبٌ، لا يَجُوزُ إلاَّ الرَّفْعُ؛ لأنَّ الخَبَرَ مُوجَبٌ، وما الحِجَازِيَّةُ لا تَعْمَلُ في الخبرِ إلاَّ مَنْفِيًّا، فلو كانَتْ لنَقْلِ حُكْمِ الأوَّلِ لجَازَ النَّصْبِ بتقديرٍ: بل هو ذاهبًا، والإجْماعُ مُنْعَقِدٌ على مَنْعِه، وإنَّما لم تُجِزِ العربُ ذلك لئلاَّ يُلْتَبِسُ أَحَدُ المعنيَيْنِ بالآخَرِ، فإذا أَرَادُوا أنَّ ما بَعَدَ بل مَنْفِيٍ، أَتَوُا بحَرْفِ النَّفْيِ، فقالُوا: ما قَامَ زَيدٌ بل ما قَامَ عَمْرٌو.
وإنْ وَقَعَ بعدَها الجُمْلَةُ، لم تَكُنْ حرْفَ عطْفٍ بل حرفَ ابتداءٍ، نحوَ: ما قَامَ زيدٌ بل عمرٌو قِائمٌ، ومعناها الإضرابُ أيضًا، لكنِ الإضرابُ تَارَةً يكونُ لإبطالِ السابقِ نحوَ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنَ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ وتَارَةً تكونُ للانتقالِ من غَرَضٍ إلى آخَرَ من غيرِ إبطالٍ، كقولِه تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾، قولِه: ﴿بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾.
لم يُبْطِلْ شيءٌ ممَّا أَخْبَرَ عنه ﷾، بل المعنَى: بل يَكْفِي الحديثُ في هذه القصةِ ولنَّدْخُلَ في أُخْرَى، فهو لقَطْعِ الخَبَرِ لا المُخْبَرِ عنه، ووَهَمَ ابنُ مالِكٍ في (شَرْحِ الكافِيَةِ) فزَعَمَ أنَّها لا تَقَعُ في القرآنِ إلاَّ على هذا الوجْهِ.
وسَبَقَه إلى ذلك صَاحِبُ (البسيطِ)، وبَالَغَ فقالَ: ولا في كلامِ فصيحٍ. إذا عَلِمْتَ هذا فكلامُ المُصَنِّفِ يَقْتَضِي أمورًا: أَحدُها: إذا كانت للعَطْفِ لا يكونُ معناها الإضرابُ وليسَ كذلك.
ثانيها: أنَّها إذا كانَتْ للإضْرابِ لا تكونُ عاطفةٌ،
[ ١ / ٥١٥ ]
وهو ما عليه الجمهورُ، وظاهرُ كلامِ ابنِ مالكٍ أنَّها عاطفَةٌ، وصَرَّحَ به وَلَدُه، في (شَرْحِ الخُلاصَةِ) وكانَ بعضُ الأكَابِرِ يقولُ: لِمَ لمْ تكنْ عاطفَةٌ إذا وَقَعَتْ بعد الجُمَلِ، وما الفرقُ بينَها وبينَ الواوِ، فإنَّها تكونُ عاطفةٌ للجُمَلِ، وإنْ كانَ الحُكْمُ مَنْفِيًّا أو مُثْبَتًا تقولُ: ما قَامَ زَيدٌ ولم يَخْرُجُ عَمْرٌو، وما قَامَ بَكْرٌ وخَرَجَ خَالِدٌ، والذي يَظْهَرُ في الفرقِ أنَّ أصْلَهَا للإضْرَابِ، صَارَ ما قَبْلَها كأنَّه لم يَذْكُرْ، فكأنَّه لا شيءٌ يَعْطُفَ، وكانَ مُقْتَضَى هذا أنَّ لاَ يَعْطِفَ المُفْرَدَاتَ، لكنْ لمَّا حَصُلَ التشْرِيكُ في الإعرابِ وكانَ ما بعدَها معْمُولًا لِمَا قبْلَها - لم يكنْ إلغاؤهُ من هذا الوجْهِ، فلمَّا بَقِيَ تَعَلَّقَ ما قَبْلَها لِمَا بَعْدَها لم يَحْصُلُ الإضرابُ إلاَّ في نِسْبَةِ الحُكْمِ لِمَا قَبْلَها فقط، لكنْ كانَ مُقْتَضَى هذا أنْ تكونَ (حتى) عاطفةٌ إذا وَقَعَ بعدَها الجُمْلَةُ، إلاَّ أنَّها لم يكنْ أصْلَها العطفُ، بل أصْلَها الغايَةُ والانْتِهاءُ= كـ (إلى) فلمَّا وَقَعَ بعدَها الجُمَلُ لم يَتَعَّدَ بقاؤُهُا على أصَالَتِها، ولما وَقَعَ بعدَها المُفْرَدُ معَ عَدَمِ صلاحِيَّتِها للغَايَةِ، جُعِلَتْ حَرْفَ عطفٍ؛ ولهذا يُدَّعَى فيها معَ كونِها عاطفةً معنَى الغايةِ.
ص: التاسعُ: بَيْدَ بمعنى غيرَ، وبمعنَى: من أجْلٍ، وعليه، بَيْدَ أنِّي من قريشٍ.
ش: بَيْدَ ويُقالُ: مَيْدَ بالمِيمِ: اسمٌ مُلازمٌ للإضافةِ إلاَّ إنْ وصْلَتَها، ولها مَعْنِيانِ:
أَحَدُهما: بمعنَى غيرَ، ومنه الحديثُ: (نَحْنُ الآخَرُونَ السَّابِقُونَ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا).
وثانيهما: بمعنَى مِن أَجْلِ، قالَه الشافِعِيُّ فيما رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ في صحيحِه عنهُ
[ ١ / ٥١٦ ]
عَقَبَ الحديثُ= المُتَقَدِّمِ، وعلى هذا الحديثُ الآخَرِ: «أنَّا أفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ) وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (الفائقِ) هو من تأكيدِ المدْحِ بمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ.
ص: العاشرُ: ثمَّ: حَرْفُ عطْفٍ للتشْرِيكِ والمُهْلَةُ على الصحيحِ.
ش: ينْبَغِي أنْ يكونَ الخلافُ رَاجِعًا إلَيْهِما، - فأمَّا التشْرِيكُ فالمُخَالِفُ فيه الكُوفِيِّونَ، قالُوا: قد تَتَخَلَّفُ بِوقُوعِها زائدةً، فلا تكونُ عاطفةً البَتَّةَ، كقولِه تعالَى: ﴿وَظَنَّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾.
وأمَّا المُهْلَةُ والمُرادُ به الترَاخِي، ولذلك قالَ سِيبَوَيْه: إذا قُلْتَ: مَرَرْتُ بِرجُلٍ ثمَّ امرأةٍ، فالمرورُ هنا مرورَانِ، يُريدُ أنَّ المرورَ الثانِيَ لم يَقَعْ إلاَّ بعدَ انْقضاءِ المُرورِ الأوَّلِ، والمخالفُ فيه الفَرَّاءُ.
قالَ: قد
[ ١ / ٥١٧ ]
يَتَخَلَّفُ، بدليلِ: أَعْجَبَنِي ما صَنَعْتَ اليومَ ثمَّ ما صَنَعْتَ أَمْسِ أَعْجَبُ؛ لأنَّ (ثمَّ) في ذلك لترتيبِ الأخبارِ، ولا تَراخِي بينَ الإخبارَيْنِ، ووَافَقَهُ ابنُ مالِكٍ وقالَ: تَقَعُ (ثمَّ) في عَطْفِ المُتَقَدِّمِ بالزمانِ اكتفاءً بترتيبِ اللفْظِ وجَعَلَ منه قولَه تعالَى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ والصحيحُ الأوَّلُ، قالَ الشيخُ في (شَرْحِ الإلمامِ) ولأجْلِ إفادَةَ (ثمَّ) التَّراخِي امْتَنَعَ أنْ يَقَعَ في جوابٍ، فلا تَقولُ: إنْ تُعْطِنِي ثمَّ أنَّا أَشْكُرَكَ، كما تَقولُ: فأنَّا أَشْكُرُكَ لأنَّ الجزاءَ لا يَتراخَى عن الشرطِ، فالمعنيانِ مُتَنافِيَانِ، وكذلك أيضًا لا يَقَعُ في بابِ الافْتِعالِ والتفاعُلِ لمُنَافَاةٍ معناها.
وقالَ ابنُ عُصْفُورٍ فيما قَيَّدَه على (الجَزُولِيَّةِ): من الدليلِ على أنَّ (ثمَّ) ليسَتْ كالواوِ، إجماعُ الفقهاءِ على أنَّه لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يمينُ اللهِ ويَمِينُكَ، وأَجَازُوا: هذا بيَمِينِ الله ثمَّ بيمينِكَ، ولو كانَتْ بمعنَى الواوِ ما فَرُّوا إليها، وفي الحديثِ: أنَّ بعضَ اليهودِ قالَ لبعضِ أصْحَابِه: أَنْتُمْ تَزْعُمونَ أنَّكُم لا تُشْرِكُونَ باللهِ شيئًا، وأَنْتُم تَقُولُونَ: شَاءَ اللهُ وشِئْتُ، ذُكِرَ ذلك للنَّبِيِّ ﷺ، فقالَ: «لا تَقُولُوهَا، ولكنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ ثمَّ شِئتُ»، رَوَاهُ قَاسِمُ بنُ أَصْبَغَ،
[ ١ / ٥١٨ ]
في مُسْنَدِه واعْلَمْ أنَّ الراغِبَ ذَكَرَ في (ثمَّ) عبارَةً جَامِعَةً، فقالَ: حَرْفُ عَطْفٍ يَقْتَضِي تَأَخُّرَ ما بَعْدَه عمَّا قبلَه، إمَّا تَأَخُّرًا بالذاتِ أو بالمَرْتَبَةِ أو الوَضْعِ.
ص: والترتيبُ، خلافًا للعَبَّادِيِّ.
ش: في إطلاقِ حكايةِ هذا عن العَبَّادِيِّ نَظَرٌ، فإنَّه إنَّما قالَه في مَوْضِعٍ خَاصٍّ، لا في مَدْلُولِ ثمَّ، نَقَلَ القَاضِي الحُسَيْنُ عنه في بابِ الوقفِ، أنَّه لو قالَ: وَقَفْتُ على أولادِي ثمَّ على أولادِ أولادِي بَطْنًا بعدَ بطْنٍ - فهي للترْتيبِ.
وقالَ العَبَّادِيُّ: هو للجَمْعِ. انتهى. ولعلَّ مَاخَذَهُ أنْ (وَقَفْتُ) إنشاءٌ، فلا مَدْخَلَ للترتيبِ فيه، كقولِكِ: بِعْتُكَ هذا ثمَّ هذا، بل عَدَاهُ القاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ إلى بعضِ الأخبارِ، فقالَ في بابِ الإقْرارِ من تَعْليقِه: لو قالَ: له عَلَيَّ درْهَمٌ ثمَّ دِرْهَمٌ لزِمَه دِرْهَمَانِ؛ لأنَّ ثمَّ مِن حروفِ العَطْفِ الخالصِةِ كالواوِ غيرَ أنَّه للفَصْلِ والمُهْلَةِ ولا فائِدَةَ للفَصْلِ والمُهْلَةِ هنا، فيكونُ كقولِه: دِرْهَمٌ دِرْهَمٌ. انتهى.
وهو المذهبُ، نَعَمْ، القولُ بأنَّها كالواوِ لا تَرْتِيبَ فيها - منقولٌ عن الفَرَّاءِ، حكاهُ السِّيَرَافِيُّ وعَزَاهُ غيرُه للأَخْفَشِ مُحْتَجًّا بقولِه: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ومعلومٌ أنَّ هذا الجَعْلَ كانَ قبلُ خَلْقِنَا، والجمهورُ تَأَوَّلُوُهُ على الترتيبِ الإخْباريِّ، وفيها مذهبٌ ثالثٌ: أنَّها للترتيبِ في المفرداتِ نحوَ: قَامَ زيدٌ ثمَّ عَمْرٌو.
ودونَ الجُمَلِ، كقولِه تعالَى: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾؛ إذ شهادةُ اللهِ تعالى مُقَدَّمَةٌ على المرْجِعِ، قالَه ابنُ بُرْهَانَ ومِثْلُه قولُ ابنِ السَّمْعَانِيِّ في (القواطعِ) تُسْتَعْمَلُ في موضعِ الواوِ مجازًا، كقولِه: ﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ﴾، والصحيحُ أنَّها للترتيبِ مُطْلَقًا لكنَّها في المفردِ ترتيبُ الواقعِ نحوَ: قَامَ زَيدٌ ثمَّ قَامَ عَمْرٌو، ومعَ الجُمَلِ تَدُلُّ على ترتيبِ خَبَرٍ، على خَبَرٍ لا على ترتيبِ خَبَرٍ على المُخْبَرِ عنه، كقولِه:
إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدَّهُ
[ ١ / ٥١٩ ]
ص: الحادِي عَشْرٌ: حتى لانْتَهاءِ الغايَةِ غالبًا، وللتعليلِ، ونَدَرَ للاستثناءِ.
ش: حتى: على أرْبَعَةِ أقْسَامٍ:
جَارَةٌ نحوَ: سِرْتُ حتى الليلِ، ومنه قولُه تعالَى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، وخَالَفَ فيه الكِسَائِيُّ، وقالَ: الجَرُّ بـ (إِلَى) مُضْمَرَةٌ بعد حتَّى؛ أي: حتى انْتَهَى التَّسْلِيمُ إلى مَطْلَعِ الفجْرِ.
وعَاطِفَةٌ كالواوِ، نحوَ: قَدِمَ الحُجَّاجُ حتَّى المُشَاةُ، وخَالَفَ فيه الكُوفِيُّونَ، ويُعْرِبُونَ ما بَعْدَها على إضْمَارِ عَامِلٍ.
وابتدائِيَّةٌ؛ أي: مُسْتَانِفٌ بعدَها الجُمَلُ، إمَّا الاسْمِيَّةِ نحوَ: حتى مَاءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ، أو الفعليَّةُ نحوَ: ﴿حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ﴾ على قَراءَةِ الرَّفْعِ، وناصبِةً
[ ١ / ٥٢٠ ]
للفعلِ عندَ الكُوفِيِّينَ نحوَ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، أنَّها الجَارَةُ والناصبُ (أنَّ) مُضْمَرَةً بعدَها.
إذا عَلِمْتَ هذا فإطْلاقُ المُصنِّفِ يَقْتَضِي، الغَايَةِ تَشْمَلُ جميعَ أقْسَامِها، فنَقُولُ: أمَّا الجارةُ فلا شَكَّ أنَّ معناها الغايَةُ.
واخْتُلِفَ في المجرورِ بها: هل يَدْخُلُ فيما قَبْلَها أو لا؟ على مذاهبَ:
أحدُها: وهو قولُ الجمهورِ منهم المُبَرِّدُ، وابنُ السَّرَّاجِ، والفَارِسِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابنُ الحاجِبِ وغيرَهم، أنُّه دَاخِلٌ، فإنَّ غايةَ الشيءِ بعضُه، واسْتَثْنَى بعضُهم ما إذا دَلَّتْ قرينَةٌ على خُروجِهِ، نحوَ: صُمْتُ حتى الفِطْرَةِ، وذَكَرَ صاحِبُ (الإيضاحِ): أنَّ سِيبَوَيْه صَرَّحَ بِأَنَّ ما بَعْدَها دَاخِلٌ فيما قَبْلَها ولا بُدَّ، لكنَّه مَثَّلَ بما هو بَعْضٌ.
والثاني: لا يَدْخُلُ ورَجَّحَهُ ابنُ عُصْفُورٍ.
والثالثُ: قد يَدْخُلُ وقد لا، وحُكِيَ عن ثَعْلَبٍ، وقالَ ابنُ مالِكٍ: حتى لانتهاءِ الغايَةِ بمَجْرُورِها أو عندَه يعني: أنَّه يُحْتَمَلُ أنْ يَكونَ دَاخلًا فيما قَبْلَها أو غيرُ داخِلٍ، فإذا قلتَ: ضَرَبْتُ القومَ حتى زيدٍ، فيُحْتَمَلُ أنْ يكونَ زيدٌ مَضْرُوبًا انْتَهَى الضرْبُ به، ويَجُوزُ أنْ يكونَ غيرُ مضروبٍ انْتَهى الضرْبُ عندَه.
وذَكَرَ أنَّ سِيبَوَيْه والفَرَّاءَ أَشَارَا إلى ذلك، وتَحَصَّلَ أنَّ الجمهورَ على الدخولِ بخلافِ (إلى)، وزَعَمَ
[ ١ / ٥٢١ ]
القِرَافِيِّ أنَّه لا خِلافَ في وجوبِ دُخُولِ ما بَعْدَ حتى، وأنَّه لا يَجْرِي فيها الخِلافُ الذي في (إلى) لاتِّفاقِ النُّحاةِ على أنَّ شرطَ (حتى) أنْ يكونَ ما بَعْدَها من جِنْسِ ما قَبْلَها ودَاخِلًا في حُكْمِه، وليسَ كما قالَ، بل الخلافُ فيها مشهورٌ وإنَّما الاتِّفاقُ في (حتى) العاطفةِ لا الخافضةِ، والفرقُ أنَّ العَاطِفَةَ بمنزلَةِ الواوِ فتَفَطِّنْ له، وأمَّا العاطفةُ فيَلْزَمُ أنْ يكونَ ما بعدَها غايةٌ لما قَبْلَها في زيادةٍ أو نَقْصٍ.
قالَ النَّحَّاسُ في كتابِ (الكَافِيِ) اعْلَمْ أنَّ حتى فيها معنى الغايةِ وإنْ عُطِفَ بها، ولهذا وُجِبَ أنْ تكونَ لإخراجِ شيءٍ من شيءٍ انْتَهَى، يَعْنِي: أنْ يُؤْتَى بها لِدَفْعِ ما يُتُوَّهَمُ إِخْرَاجُه معَ صِحَّةِ شُمُولِ الأدِلَّةِ له وهذا عَكْسُ إلاَّ، فإنَّه يُؤْتَى بها لإخْراجِ ما يُظَنُّ دُخُولُه، وأمَّا الاستثناءُ به فأَثَرُها واضِحٌ، وأمَّا الناصِبَةُ: فالمشهورُ أنَّ لها معنيَيْنِ:
أحدُهما: الغايةُ.
والثاني: التعليلُ، نحوَ: كَلَّمْتُه حتى يَامُرَنِي بشيءٍ، وعلامُة كونِها للغايةِ أنْ يَجِيءَ مَوْضِعُها (إلى أنْ)، وكونُها للتعليل أنْ يَجِيءَ مَوْضِعُها (كي) وزَادَ ابنُ مالِكٍ في (التسهيلِ) معنى ثالثًا وهو معنَى (إلاَّ)؛ أي: تكونُ للاستثناءِ المُنْقَطِعُ، لقولِ الشاعرِ:
ليسَ العطاءَ من الفضولِ سَمَاحَةٌ حتَّى تَجُودَ وما لَدَيْكَ قليلٌ
ويمكنُ جَعْلَهُ بمعنَى (إلى).
فائدةٌ: من المُهِمِّ البحثِ عن حُكْمِهِا في الترتيبِ، وكانَ يَنْبَغِي للمُصَنِّفِ
[ ١ / ٥٢٢ ]
التَّعَرَّضَ له، واخُتُلِفَ فيه، فقالَ ابنُ الحَاجِبِ، حتى مِثْلُ الفاءِ، يعني: في الترتيبِ، وقالَ الخفافُ= والصَّيْمَرِيُّ=: هي في العطفِ كالواوِ، وجَرَى عليه ابنُ مالِكٍ في (شَرْحِ العُمْدَةِ) قالَ: وزَعَمَ بعضُ المُتَأَخِّرِينَ أنَّها تَقْتَضِي الترْتِيبَ. وليسَ بصحيحٍ، بل يَجُوزُ أنْ تقولَ: حَفِظْتُ القرآنَ حتى سورةَ البَقَرَةِ، وإنْ كانَتْ أوَّلَ ما حَفِظْتَه أو مُتَوَسِّطَ، وفي الحديثِ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ حَتَّى الْعَجَزُ والكَيْسُ». ولا ترتيبَ في تَعَلُّقِ القضاءِ بالمُقْضَياتِ، إنَّما الترتيبُ في كونِها، وتوسَّطَ ابنُ أَبَانٍ فقالَ: الترتيبُ الذي تَقْتَضِيهِ (حتى) ليسَ على تَرْتِيبِ الفاءِ، وثمَّ، وذلِك أنَّهما يُرَتِّبانِ أَحَدَ الفِعْلَيْنِ على الآخَرِ في الوجودِ، وهي تُرَتَّبُ ترتيبَ الغايةِ والنهايَةِ، ويُشْتَرَطُ أنْ يكونَ ما بَعْدَها من جِنْسِ ما قَبْلَها، ولا يَحْصُلُ ذلك إلاَّ بذِكْرِ الكُلِّ قبلَ الجُزْءِ.
قالَ الجُرْجَانِيُّ: الذي أَوْجَبَ ذلك أنَّها للغَايَةِ والدلالَةِ على أَحَدِ طَرَفِي الشيءِ، وطَرَفُ الشيءِ لا يكونُ من غيرِه؛ ولهذا كانَ فيها معنَى التعظيمِ والتحقيرِ؛ وذلك لأنَّ الشيءَ إنْ أَخَذْتَه من أعلاهُ فأَدْنَاهُ غايَتُه وهي التحقيرُ، وإنْ أَخْذَتَه من أَدْنَاهُ فأَعْلاهُ غايَتُه وهي التعظيمُ، قلتَ: وقد يَرِدُ على القائلِينَ أنَّها لَيسَتْ للترتيبِ قولُهم: إنَّها للغايةِ إمَّا في نَقْصٍ أو زيادةٍ، نحوَ: غَلَبَكَ الناسُ حتى النائِيَ، وسُبْحَانَ مَنْ يُحْصِي الأشْياءَ حتى مَثاقِيلَ الذَّرِّ، والجمْعُ بينَ الكلامَيْنِ مُشْكَلٌ، فإنَّها لو لم تكنْ للترتيبِ، لم يكنْ لاشتراطِ القوَّةِ والضعْفِ فائدَةٌ، ولو لم يَقْتَضِ التأخِيرَ عقلًا أو عَادَةً لم يُحْسِنْ ذلك،
[ ١ / ٥٢٣ ]
فإنَّ قلت: فائدتُه فائدةُ العمومِ، قلتُ ذلك مُسْتَفادٌ من اللفظِ قَبْلَها.
وقالَ القَّوَّاسُ: تُفِيدُ معَ الترتيبِ المُهْلَةُ، إلاَّ أنَّ المُهْلَةَ فيها أقلُّ من ثمَّ، وقيلَ: لا مُهْلَةَ فيها كالفاءِ، وقيلَ: هي بمنزلَةِ الواوِ، قالَ: والأوَّلُ أظْهَرُ لأنَّ شَرْطَها في العَطْفِ أنْ يكونَ ما بَعْدَها جُزْءًا ممَّا قَبْلَها، فلو لم تُفِدْ الترتيبَ للَزِمَ جَوَازُ تَقَدُّمِ خَبَرُ الشيءِ المُتَأَخِّرِ عليه وهو مُحَالٌ.
ص: الثانِي عَشَرَ: رُبَّ للتَّكْثِيرِ والتَّقْلِيلِ، ولا يُخْتَصُّ بأَحدِهما، خلافًا لِمَنِ ادَّعَى ذلك.
ش: اخْتُلِفَ في رُبَّ على مذاهبَ:
أحدُها: أنَّها للتقليلِ دائمًا، وعليه الجمهورُ، ونَسَبَه صاحبُ (البَسِيطِ) لسِيبَوَيْه.
والثاني: للتَّكْثيرِ دائمًا، وبه قالَ صَاحبُ (المُعينِ) واخْتارَهُ ابنُ دِرْسَتَوَيْه والجُرْجَانِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، وعَزَاهُ ابنُ خَروفٍ وابنُ مالِكٍ إلى سِيبَوَيْه، مُسْتَدَلِّينَ بقولِه: في بابِ لم، ومعنَاها معنَى رُبَّ.
والثالثُ: أنَّها تَرِدُ لهُما، فمِنَ التَّكْثِيرِ قولِه تعالى: ﴿رُبَمَا يُوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ وقولُه ﷺ: «يَا رَبُّ كَاسِيَةٍ فِي الْدُّنْيَا عَارِيَةَ يَوْمَ القِيَامَةِ»، ومنَ التقْلِيلِ قولُ الشاعِرِ:
[ ١ / ٥٢٤ ]
ألاَ رُبَّ مَوْلُودٍ ولَيسَ لَهُ أَبٌ وذِي وَلَدٍ لَمْ يَلَدْهُ أَبَوانٍ
ومُقْتَضَى تعبيرِ المُصنِّفِ: أنَّها تَرِدُ لهما على السواءِ فيَكُونُ مِن الأضدادِ، وهو قولُ الفارِسِيِّ في كتابِ (الحُروفِ)، لكنَّ المُختارَ عندَ ابنِ مَالكٍ أنَّها أَكثَرُ ما تَكُونُ للتكثيرِ، والتقليلُ بها نادرٌ، وهو المختارُ، ويَتَحَصَّلُ مِن ذلك أَربعةُ مَذَاهبَ، ويَخرجُ مِن كلامِ جمعٍ مِن المَغَاربةِ.
خَامسٌ: وهو أنَّها للتكثيرِ في مواضعِ المُبَاهاةِ والافتخارِ.
وسادسٌ: وهو أنَّها حرفُ إثباتٍ لم تُوضَعْ لتقليلٍ ولا تكثيرٍ، وإنَّما يُستَفَادُ ذلك مِن القَرائنِ، واختَارَهُ أَبُو حَيَّانَ، وفيه بُعْدٌ؛ للُزومِه وجودَ حرفٍ لا يُفيدُ معنًى أصلًا إلاَّ بالقَرائنِ المُصَحِّحَةِ.
ص: الثَّالثَ عَشَرَ: على الأصحِّ أنَّها قد تكونُ اسمًا بمعنَى فوقَ، وتكونُ حَرْفًا.
ش: ذَهَبَ ابنُ طَاهِرٍ وابنُ خَرُوفٍ
[ ١ / ٥٢٥ ]
وابنُ الطَّرَاوَةَ والآمِدِيِّ والشَّلَوْبِينَ إلى أنَّها اسمٌ أبدًا، وزَعِمُوا أنَّه مَذْهُبُ سيِبَوَيْه، ومشهورُ مذهبُ البصريِّينَ أنَّها حَرْفُ جرٍّ، إلاَّ إذا دَخَلَ عليها حَرْفُ جرٍّ كقولِ الشاعرِ:
غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بعدَما تَمَّ ظَمَؤُهَا
وزَادَ الأَخْفَشَ مَوْضِعًا آخَرَ، وهو أنْ يكونَ مجرورُها، وفاعلُ مُتَعَلِّقِها ضَمَيرَيْنِ لمُسَمٍّى واحدٍ، كقولِه تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجُكَ﴾.
وقالَ الفَرَّاءُ: حَرْفٌ ولو دَخَلَ عليها حَرْفُ الجَرِّ، فهذه أربعةُ مذاهبَ: حَرْفُ مُطْلَقًا، اسم مُطْلَقًا إلاَّ في مَوْضِعِ حَرْفٍ إلاَّ في موضعَيْنِ كالأخَفْشِ.
ص: للاسْتِعْلاءِ، والمصاحَبَةِ، والمجاوزَةِ، والتعليلِ والظرفيَّةِ، والاسْتِدْراكِ، والزيادَةِ.
ش: الاستعلاءُ إمَّا حِسِيٌّ، كقولِه تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾. أو
[ ١ / ٥٢٦ ]
معنويٌّ، كقولِه: ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ونحوَ: عليه دَيْنٌ، كأنَّ بلُزُومِه له عَلاَ علَيْهِ؛ ولهذا يُقالُ: رَكِبَهُ الدَّيْنُ، وهذا المعنَى يُطْرَقُ أَوْجُهُهَا الثلاثَةُ، فإنَّك إذا قلتَ: زَيدٌ على الحائطِ فقد دَلَلْتَ على استعلائِه عليه، وكذا عَلاَ زيدٌ على الحائطِ، وكذا سِرْتُ مِن عليهِ، فإنَّ السائِرَ من فوقٍ مُسْتَعْلٍ على السائِرِ من أسْفَلِ، ولم يُثْبِتْ لها أكثرُ البصريِّينَ غيرَ هذا المعنَى، وأَوَّلُوا ما أَوْهَمَ خلافَه؛ ولهذا قَدَّمَهُ المُصَنِّفُ.
وأمَّا نحوُ: تَوَكَّلْتُ على اللهِ واعْتَمَدْتُ عليه، وقولُه: ﴿وَتَوْكَّلْ عَلَى الْحَيِّ﴾ فهي بمعنَى الإضافَةِ والإسنادِ؛ أي: أَضَفْتَ تَوَكُّلِي وأَسْنَدْتُه إلى اللهِ تَعَالَى، لا للاسْتِعْلاءِ، فإنَّها لا تُفِيدُه هَهنا حقيقةً ولا مجازًا.
ومثالُ المُصاحَبَةِ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ والمُجَاوَزَةِ بمعنَى (عن) كقولِه:
إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ لعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا
وخَرَّجَ عليه المُزَنِيُّ
[ ١ / ٥٢٧ ]
وابن خُزَيْمَةَ قولُه ﷺ: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ»؛ أي: عنه فلا يَدْخُلُها، والتعليلُ: ﴿وَلُتَكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. والظرفيَّةُ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينَ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانِ﴾ والاسْتِدَراكِ، فلانٌ لا يَدْخُلُ الجنَّةَ لسُوءِ صُنْعِه، على أنَّه لا يَيْأَسُ من رحْمَةِ اللهِ، والزيادةُ كقولِه ﷺ: «مَنْ حَلِفَ عَلَى يَمِينٍ»؛ أي: يَمِينًا، وقد تُزَادُ للتَّعْويضِ من أُخْرَى محذوفَةٌ كقولِ الشاعرِ:
[ ١ / ٥٢٨ ]
إنْ لَمْ يَجِدْ يَوْمًا عَلَى مَنْ يَتَّكِلْ
أي: عَلَيْه، وفي هذا خلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْه أنَّ (على) و(عن) لا يُزَادَانِ.
ص: أمَّا عَلاَ يَعْلُو، فَفَعَلَ.
ش: ومنه قولُه تعالَى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ فإنَّها لو كانَتْ حَرْفًا لمَّا دَخَلَتْ على (فِي) وقد اجْتَمَعَتْ الفِعْلِيَّةِ والظَّرْفِيَّةِ في قَوْلِهِ تعالَى: ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وأَشَارَ المصنِّفُ بذلك إلى أنَّها تَاتِي اسمًا وفِعْلًا وحَرْفًا.
ونَبَّهَ بقولِه: (يَعْلُو) على أنَّ الفعليَّةَ تُفَارِقُ الاسميَّةَ بتَصَرُّفِها، قالَ لبيدُ:
يَعْلُو بِهَا حَربَ الإكَامِ مُسَحَّجٌ قدْ رَابَهُ عِصْيَانُها ووحَامُها
[ ١ / ٥٢٩ ]
ص: الرابعَ عَشَرَ: الفَاءُ عاطفَةٌ للترتيبِ المعنويِّ والذِكْرِيِّ.
ش: مثالُ المعنويُّ: قَامَ زَيْدٌ فعَمْرٌو، والذِكْرِيُّ: هو عَطْفٌ مُفَصَّلٌ على مُجْمَلٍ هو هو في المعنَى، نحو: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانَ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾، ونحوُ: تَوَضَّأَ فغَسَّلَ وجْهَهُ ويَدَيْهِ ومَسَحَ برَاسِه، ورِجْلَيْه.
وقالَ الفَرَّاءُ: لا تُفِيدُ الترتيبَ، واسْتُنْكِرَ هذا منهُ معَ قولِه بأنَّها تُفِيدُ الترتيبَ، واحْتَجَّ بقولِه: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَاسُنَا﴾ وأُجِيبَ بأنَّها للترتيبِ الذِكْرِيُّ أو على حَذْفٍ؛ أي: أَرَدْنَا إِهْلاكُهَا، واقْتِصارُ المُصنِّفُ على هَذَيْنِ النوعَيْنِ يَخْرُجُ الترْتِيبُ في الأخْبارِ، وذَكَرَ جماعةٌ أنَّ الفاءَ تُشَارِكُ (ثمَّ) في الترتيبِ الإخْبارِيِّ كما تُشَارِكُهَا في الترتيبِ الوجُودِيِّ نحو: مُطِرْنًا بمَكانِ كذا فمَكانِ كذا، ورُبَّمَا لم نَذْكُرْ كيفَ نَزَلَ بها، ورُبَّمَا ذَكَرْتُ الذي كانَ أولًا وآخِرًا، ونَقَلَ الشيخُ في (شَرْحِ الإلمامِ) فَصْلًا عمَّن يَرَى في الترتيبِ بثُمَّ ضَعْفًا، والقولُ بالترتيبِ الإخْبارِيِّ، قالَ بعدَ أنْ قَرُبَ أنَّ ثمَّ للترتيبِ الثاني على الأوَّلِ في الوجودِ بمُهْلَةٍ: ثمَّ تَاتِي لتِفَاوُتِ الترتيبِ، ثمَّ قالَ: ومَجِيءُ هذا المعنَى أيضًا مقصودٌ بالفاءِ العاطفةِ، نحوَ: خُذِ الأفْضَلَ فالأكْمَلَ، واعْمَلِ الأحْسَنَ
[ ١ / ٥٣٠ ]
فالأجْمَلَ، ونحوَ: يَرْحَمُ اللهُ المُحْلِقِينَ فالمَقْصِّرِينَ، فالفاءُ في الأوَّلِ لتفاوُتِ مَرْتَبَةِ الأفْضَلِ من الكمَالِ والحَسَنُ من الجَمَالِ، وفي الثاني لتِفَاوُتِ رُتَبِ المُحْلِقينَ من المُقَصِّرِينَ بالنِّسْبَةِ إلى تَحْلِيقِهِم وتَقْصِيرِهِم.
وقولِه تعالَى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفَّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ تُحْتَمَلُ فيه الفاءُ المَعْنَيَيْنِ معًا، فيَجُوزُ أنْ يُرَادَ بها تَفَاوُتِ رُتْبَةِ الصَّفِّ من الزَّجْرِ، ورُتْبَةُ الزَّجْرِ من التلاوةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بها تفاوُتُ رُتْبَةِ الجِنْسِ للزاجرِ بالنسبةِ إلى صَفِّهِم وزَجْرِهم.
ص: وللتَّعْقِيبِ في كلِّ شيءٍ بحَسْبِه.
ش: معنَى التَّعْقِيبِ في المشهورِ كونِ الثانِي بعدَ الأوَّلِ من غيرِ مُهْلَةٍ، بخلافِ ثمَّ؛ ولهذا قالَ بعضُهم: (ثمَّ) لمُلاحَظَةِ أوَّلِ زَمَنِ المعطوفِ عليه، والفاءُ لملاحظةِ آخِرِهِ، قالَ ابنُ جِنِّي في خَاطِرِيَّاتِهِ، وقد أَجَادَ العِبَارَةَ أَبُو إِسْحَاقَ في قَوْلِهِ: الفاءُ للتَّفْرِيقِ على مُواصَلَةٍ، فقولُه: للتفْرِيقِ؛ أي: ليسَتْ كالواوِ في أنَّ ما عُطِفَ بها معَ ما قَبْلَهُ بمَنْزِلَةِ المُتَّبَعِ في لفظٍ واحدٍ.
وقولُه: على مواصَلَةٍ؛ أي: لِمَا فيها من قُوَّةِ الاتْباعِ وأنَّه لا مُهْلَةَ بينَهُما، انْتَهى، وصَارَ المُحَقِّقُونَ إلى أنَّ التعْقِيبَ في كلِّ شيءٍ بحَسَبِه؛ ولهذا يُقالُ: تَزَوَّجَ فُلانٌ فَولِدَ لهُ، إذا لم يكنْ بينَهما إلا مُدَّةَ الحَمْلِ، وإنْ كانَتْ مُتَطَاوِلَةً، ودَخَلَتِ البَصْرَةَ فالكُوفَةَ، إذا لم يُقِمْ في البصرةِ ولا بينَ البلدَيْنِ، وفي هذا انْفِصالٌ عمَّا أَوْرَدَهُ السِّيرَافِيُّ على قولِ البصرِيِّينَ: أنَّ الفاءَ للتعقيبِ في هذه الأمثلَةِ، فإنَّا نقولُ: هي للتعقيبِ على الوجْهِ الذي يُمْكِنُ.
قالَ ابنُ الحاجِبِ: المرادُ
[ ١ / ٥٣١ ]
بالتعقيبِ: ما يُعَدُّ في العادَةِ تَعْقِيبًا لا على سَبيلِ المُضَايَقَةِ، قَرُبَ الفِعْلَيْنِ بعدَ الثانِي عَقِبَ الأوَّلِ عادَةً، وإنْ كانَ بينَهما أزمانٌ كثيرةٌ كقولِه تعالى: ﴿خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ الآيةَ، ونَصَّ الفارسيُّ في (الإيضاحِ) على أنَّ ثمَّ أَشَدَّ تَراخِيًا من الفاءِ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الفاءَ فيها تَرَاخٍ، ووجْهُهُ ابنُ أَبِي الرَّبِيعِ بأنَّ الاتصالَ يكونُ حقيقةً ومجازًا، فإذا كانَ حقيقةً فلا تَرَاخِي فيه وإذا كانَ مجازًا ففيه تراخٍ بلا شَكَّ، نحوَ: دَخَلْتُ البَصْرَةَ فالكوفةَ، وقد يكونُ التراخِي قليلًا، فيكونُ كالمُسْتَهْلَكِ، وتَوَسَّعَ ابنُ مَالِكٍ فذَهَبَ إلى أنَّها تَكونُ مَعهَا مُهْلَةٌ، كـ (ثمَّ) كقولِه تعالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فُتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةٌ﴾ والأَحْسَنُ أنَّها للتعقيبِ على ما سَبَق.
تنبيهٌ: قضيةُ كلامِ المصنِّفِ اختصاصُ التعقيبِ بالعاطفةِ فتَخَرَّجَ الرابِطَةِ للجوابِ، وبه صَرَّحَ القاضِي أَبُو بَكْرٍ في (التقريبِ) وقالَ: إنَّها لا تَقْتَضِي التعقيبَ في الأجوبَةِ فِرَارًا من مذَهْبِ المُعْتَزَلَةِ في أنَّ الكلامَ حروفٌ وأصواتٌ، فقالُوا في قَوْلِهِ تعالَى: ﴿كُنْ فَيَكُونَ﴾: إنَّ الكلامَ عندَهم القديمُ هو الكافُ والنونُ، فإذا تَعَقَّبَهُ الكائنُ فإمَّا أنْ يُؤَدِّي إلى قِدَمِ الحادثِ أو حَدَثُ القَدِيمِ.
[ ١ / ٥٣٢ ]
ص: وللسَّبَبِيَّةِ.
ش: نحوَ: ﴿فَتَلَّقَى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ ﴿لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ وجَعَلَ منه العَبْدَرِيُّ في شَرْحِ الجُمَلِ: طَلَعَتِ الشمْسُ فوُجِدَ النهَارُ، وحديثُ: «فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا». فالتَّقَدُّمُ هنا بالسبَبِيَّةِ، فإنَّ لم يَتَقَدَّمْ طلوعُ الشمْسِ لوجودِ النهارِ بالزمانِ، فقد تَقَدَّمَ بأنَّه سَبَبُ وجودِ النهارِ، وكذلك الإمامُ فإنْ لم يَتَقَدَّمْ رُكُوعَه ولا سُجُودَه بالزمانِ سُجودَ المأمومِ ورُكُوعِه، فقد تَقَدَّمَاهُما بالسَّبَبِيَّةِ، وجَعَلَهُ السُّهَيْلِيُّ حقيقةً في التَّعْقِيبِ، وَرَدَ الترتيبُ والسببِيَّةُ إليه؛ لأنَّ الثانيَ بعدَها إنَّما يَجِيءٌ في عَقِبِ الأوَّلِ.
ص: الخامِسَ عَشَرَ: في للظَّرْفَيْنِ.
[ ١ / ٥٣٣ ]
ش: أي: المَكَانِيُّ والزَّمَانِيُّ، واجْتَمْعَا في قَوْلِهِ تعالَى: ﴿الم غُلِبَتْ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. والمرادُ بالظرفِيَّةِ أنْ يَكُونَ مَحَلًاّ لوقوعِ الشَّيءِ إمَّا حقيقةٌ كما سَبَقَ؛ لأنَّ الأجْسامِ هي القابِلَةُ للحُلولِ، أو مَجازًا نحوَ: نَظَرَ في الكتابِ وسَعَى في الحاجَةِ؛ لأنَّ العَلَمَ قد صَارَ وِعَاءً لنَظَرِه، ومنه قولُه تعالَى: ﴿لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ لأنَّ الرَّحْمَةَ كَأَنَّهَا صَارَتْ مُحِيطَةٌ بالمُؤْمِنِينَ إِحَاطَةَ الجِسْمِ بالجِسْمِ، وفي هذا تأكيدٌ للتفصيلِ، حيثُ أَخَرَجَ العَرَضَ إلى حُكْمِ الجَوْهَرِ، والضابطُ أنَّ الظَّرْفَ والمَظْرُوفَ إنْ كانَا جِسْمَيْنِ كزيدٍ في الدارِ، أو الظرفُ جسمًا والمظروفُ عَرَضًا كالصَّبْغِ في الثوابِ، فالظَّرْفِيَّةِ حقيقةٌ، وإنْ كانا عَرَضَيْنِ كالنجاةِ في الصِّدْقِ أو الظَّرْفُ عَرَضًا والمظروفُ جِسْمًا نحوَ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغْلٍ فَاكِهُونَ﴾ كانَتِ الظَّرْفِيَّةِ مَجَازًا
فائدة: لو قال: أَنْتِ طالِقٌ اليومَ وفي الغَدِ وفيما بعد الغَدِ، وَقَعَ في كُلِّ يومٍ طَلْقَةً؛ لأنَّ حَرْفَ (في) للظرفِيَّةِ، والظَّرْفُ لا بُدَّ له من مظروفٍ، كذا قالَهُ المُتَوَلِيُّ، قالَ الرَّافِعِيُّ: وليسَ هذا التوْجِيهُ بواضِحٍ، إذ يَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ الظَّرْفُ ويَتَّحِدَ المظروفُ.
[ ١ / ٥٣٤ ]
ص: وللمُصَاحَبَةِ والتَّعْلِيلِ والاسْتِعْلاءِ.
ش: مثالُ المصاحَبَةِ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ والتعْلِيلِ: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ والاستعلاءِ: ﴿لأَصْلِبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ وهذا قولٌ كُوفِيٌّ، ومَنَعَهُ بعضُهم؛ لأنَّه يَلَزَمُ منه المجازُ، فيَكُونُ مَجَازَانِ: اسْتِعْمالُ (فِي) بمَعْنَى (عَلَى) وكَوْنِ (على) ليسَ فيها العُلُوُّ على حقيقَتِه، وإنَّما هي على بابِها، وهو اختيارُ صَاحِبُ (المُفَصَّلِ) فقالَ: وقولُهم: لأنَّها في الآيةِ بمعنَى (على) يُحْمَلُ على الظاهرِ.
ص: والتوكيدُ والتَّعْويضُ وبمعنَى الباءِ، وإلى، ومِنْ.
ش: مثالُ التوكيدِ: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾.
والتَّعْويضِ؛ هي الزائدةُ عِوَضًا مِن أُخْرَى مَحْذُوفَةٍ، كقولِك: ضَرَبْتُ فيمَنْ رَغِبْتُ؛ أي: فيه، قالَهُ ابنُ مالِكٍ.
والباءِ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾؛ أي: يَلْزَمُكُمْ به.
وإلى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي
[ ١ / ٥٣٥ ]
أَفْوَاهِهِمْ﴾. ومِنْ: كقولِ امْرُئ القَيْسِ.
وهلْ يعمن مَن كانَ أَحْدَثَ عَهْدَهُ ثلاثِينَ شَهْرًا في ثلاثةِ أَحْوالٍ.
أي: مِن ثلاثةِ أَحْوالٍ، وفيه رَدَّ على ابنِ مالِكٍ حيثُ زَعَمَ أنَّه لا يُسْتَعْمَلُ (عِمْ) إلاَّ فِعْلُ أَمْرٍ.
ص: السادسَ عَشَرَ: كِي للتَّعْلِيلِ.
ش: أي: بمَنْزِلَةِ اللامِ، قالَ أَبُو بَكْرٍ بنُ طَلْحَةَ: كَي: حَرْفُ سَبَبٍ وعِلَّةٍ،
[ ١ / ٥٣٦ ]
كذا يقولُ النَّحْوِيُّونَ، وإذا تَأَمَلَّتْ وَجَدَّتَها حرفًا يَقَعُ بينَ فِعْلَيْنِ، الأوَّلُ سببٌ للثانِي، والثانِي عِلَّةٌ للأوَّلِ، وكذا قولُك: جِئْتُكَ كي تُكْرُمُنِي فالمَجِيءُ سببٌ لوجودُ الكرامَةِ، والكرامَةُ عِلَّةٌ في وجودِ المَجِيءِ.
ص: وبمَعْنَى أنْ المَصْدَرِيَّةِ.
ش: لقولِه تعالَى: ﴿لِكَيْلاَ تَاسُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ فإنَّها لو كَانَتْ حَرْفَ تعليلٍ لم يَدْخُلْ عليها حَرْفُ تعليلٍ، ويَلْزَمُ اقْتِرَانُها باللاَّمِ لَفْظًا، أو تَقْديرًا فإذا قلتَ: جِئْتُ لكِي تُكْرِمُنِي، فكَي هنا نَاصِبَةٌ للفِعْلِ بنَفْسِها؛ لأنَّ دخولَ اللاَّمِ عليها يُعَيَّنُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وإذا قلتَ: جِئْتُ كي تُكْرِمُنِي، احْتَمَلَ أنْ تكونَ مَصْدِرِيَّةً بنَفْسِها، واللاَّمُ قَبْلَها مُقَدَّرَةٌ، وأنْ تَكُونَ حَرْفُ جَرٍّ، و(أنْ) بَعْدَها مُقَدَّرَةٌ هي الناصِبَةُ.
ص: السَّابِعَ عَشَرَ: (كلُّ) اسمٍ لاستغراقِ أفرادِ المُنْكَرِ والمُعَرَّفِ المجموعُ، وأجْزاءِ المُفْرَدِ المُعْرَّفِ.
ش: لـ (كلٍّ) ثلاثةُ أحوالٍ؛ لأنَّها إمَّا أنْ تُضَافَ إلى نَكِرَةٍ فهي للاستغراقِ في جُزْئياتِ ما دَخَلَتْ عليه، نحوَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وإمَّا أنْ تُضَافَ إلى مَعْرِفَةٍ، وتَحْتَهُ قِسْمَانٍ:
أحدُهما: أنْ يَكونَ مَجْمُوعًا نحوَ: كلُّ الرجالِ.
والثاني: أنْ يكونَ مُفْرَدًا، نحوَ: كلُّ زيدٍ حَسَنٍ، فيُفِيدُ العمومَ في أجزائِه ولا خِلافَ
[ ١ / ٥٣٧ ]
في هذا القِسْمِ.
وأمَّا الذي قَبْلَه، فهل يَقُولُ الألِفَ واللاَّمَ تُفِيدُ العمومَ، و(كلُّ) تأكيدٌ لها، أو لِبِيانِ الحَقِيقَةِ، و(كلُّ) تأسيسٌ؟ فيه احتمالانِ لوالِدِ المُصَنِّفِ، ثمَّ قالَ: ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: أنَّ الألِفَ واللاَّمَ تُفِيدُ العُمُومَ في مَراتِبٍ ما دَخَلَتْ عليه، و(كلُّ) تُفِيدُ العُمُومَ في أجزاءِ كُلِّ من تلكِ المراتِبِ، فإذا قلتَ: كلُّ الرجالِ، أَفَادَتِ الألِفُ واللاَّمُ استغراقَ كلِّ مَرْتَبَةٍ من مَرَاتِبِ جميعِ الرجالِ، وأَفَادَتِ (كُلُّ) استغراقَ الآحادِ، وكما قيلَ في أجْزاءِ العَشَرَةِ، فيَصِيرُ لِكُلٍّ منهُما معنًى وهو أَوْلَى من التَّاكِيدِ.
قالَ: ومِن هُنَا يُعْلَمُ أنَّها لا تَدْخُلُ على المُفْرَدِ المُعَرَّفِ بالألِفِ واللاَّمِ إذا أُرِيدَ بكُلٍّ منْهُما العمومَ، وقد نَصَّ عليه ابنُ السَّرْاجِ في (الأصولِ) قلتُ: لم لا يَجُوزُ على أنَّ (كُلَّ) مُؤَكِّدَةٌ كما هو أَحَدُ الاحْتمالَيْنِ السابقَيْنِ عندَه في المُعَرَّفِ المجموعِ، ويُمْكِنُ الفَرْقُ، وذَكَرَ أَخُو المُصَنِّفِ، أنَّ مِن دُخُولِها على المُفْرَدِ المُعْرَّفِ قولَه تعالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وقولَه ﷺ: «كُلُّ الطَّلاَقِ وَاقِعٌ إِلاَّ طَلاقَ المَعْتُوهِ وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، قلتُ: وكأنَّه نَظَرَ إلى صورةِ اللفْظِ، وإلاَّ فهو في
[ ١ / ٥٣٨ ]
الحقيقةِ من قِسْمِ المجموعِ؛ لأنَّ المقصودَ به الجِنْسِ، ونظيرُه: كلُّ الناسِ يَغْدُو.
ص: الثامنَ عَشَرَ: اللاَّمُ للتَّعْلِيلِ، والاسْتِحْقَاقِ، والاخْتِصَاصِ والمُلْكِ.
ش: مثالُ التَّعْلِيلِ: زُرْتُكَ لشَرَفِكَ، ومنهُ قولُه تعالَى: ﴿لَتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾، ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلْنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وخَرَّجَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا: أَنْتِ طالِقٌ لرِضَا زيدٍ، إذا طُلِّقَ فإنَّه يَقَعُ في الحالِ رَضِيَ فُلانٌ أو سَخِطَ؛ لأنَّ اللاَّمَ للتَّعْلِيلِ.
ومثالُ الاسْتِحْقَاقِ، النَّارُ للكافرِينَ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. قالَ بعضُهم: وهو معنَاها العامُّ لا يُفَارِقُها، ومنه الثوبُ.
ومثالُ الاختصاصِ، نحوَ: الجَنَّةُ
[ ١ / ٥٣٩ ]
للمؤمنِينَ، وفَرَّقَ القِرَافِيُّ بينَ الاستحقاقِ والاختصاصِ، بأنَّ الاستحقاقَ أَخَصُّ، فإنَّ ضابطَه ما شَهِدَتْ به العادةُ، كما شَهِدَتْ للفَرَسِ بالسَّرْجِ وللدارِ بالبابِ، وقد يَخْتَصُّ الشيءُ بالشيءِ من غيرِ شهادةٍ عادةً، نحوَ: هذا ابنُ زيدٍ، فإنَّه ليسَ من لوازمِ البشرِ أنْ يكونَ له وَلَدٌ، كما تَقُولُ في الفَرَسِ معَ السَّرْجِ.
ومثالُ المُلْكِ: المالُ لِزَيدٍ، قالَ الرَّاغِبُ: ولا نَعْنِي بالمُلْكِ مُلْكُ العَيْنِ، بل قد يَكونُ مُلْكًا لبَعْضِ المَنَافِعِ، أو لضَرْبٍ من التَّصَرُّفِ، فمُلْكُ العَيْنِ نحوَ: قولُه تعالَى: ﴿وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ومُلْكُ التَّصَرُّفِ، كقولِكِ لِمَنْ يَاخُذُ مَعَكَ خَشَبًا، خُذْ طَرْفُكَ لاخذ= طَرْفِي، قُلتُ: كذا جَعَلُوا المُلْكَ والاستحقاقَ قَسِيمًا للاختصاصِ، والظاهرُ أنَّ أَصْلَ مَعانِيهَا الاختصاصُ، ولهذا لم يَذْكُرْ الزَّمَخْشَرِيُّ في مُفَصَّلِهِ غيرَه، وأمَّا المُلْكُ فهو نَوْعٌ من أنواعِ الاختصاصِ وهو أَقْوَى أنْواعُه وكذلكَ الاستحقاقُ؛ لأنَّ مَن اسْتَحَقَّ منهما، فقد حَصَلَ له نَوْعُ اختصاصٍ، وحَكَى ابنُ السَّمْعَانِيِّ عن بعضِ النَّحْوِيِّينَ إنْكارَ مجيءِ اللاَّمِ للمُلِكِ، وقالُوا: إذا قيلَ: هذا أَخٌ لِعَبْدِ اللهِ، فاللاَّمُ لمُجَرَّدِ المُقَارَبَةِ، وليسَ أحدُهما في مُلْكِ الآخَرِ، وفي قَوْلِهِم: وهذا الغلامُ لعَبْدِ اللهِ، فإنَّما عَرَفْتَ المُلْكَ بدلَيلٍ آخَرَ، قالَ: وزَعَمَ هذا القائلُ أنَّ لاَمَ الإضَافَةِ تَحْتَمِلُ الأوَّلَ لاصِقًا بالثانِي فحَسْبٌ، قالَ: والذي ذَكَرْنَاهُ هذا الذي يَعْرِفُه الفقهاءُ.
ص: والصَّيْرُورَةِ؛ أي: العَاقِبَةِ.
ش: أي: تُسَمَّى لامُ العَاقِبَةِ، ولامُ المآلِ، نحوَ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُّوًّا وَحَزَنًا﴾. وقالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ في (القواطعِ) عندَي أنَّ هذا
[ ١ / ٥٤٠ ]
على طريقِ التَّوَسُّعِ والمجازِ، فإنَّ هذه مثالٌ لِمَا يَزْعَمُه المعتزلِةُ من تَاوِيلِ قولِه تعالَى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كِثِيرًا مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ﴾. قلتُ: وكذا قالَه الزَّمَخْشَرِيُّ: التحقيقُ أنَّها لامُ العِلَّةِ وأنَّ التعليلَ فيها وَارِدٌ على طريقِ المَجَازِ دُونَ الحقيقةِ، فإنَّه لم تَكُنْ داعيةُ الالتقاطِ، أنْ يَكُونَ لهم عَدُوًّا، بل المَحَبَّةُ والتَّبَنِّي، غيرَ أنَّ ذلِكَ لمَّا كانَ نَتِيجَةَ الْتِقَاطِهِم له وثَمَرَتَه، شَبَّهَ بالدَّاعِي الذي مُعَدُّ الفِعْلِ لأجْلِه، فاللاَّمُ مُسْتَعَارَةٌ لِمَا يُشْبِه التعليلُ، كما اسْتُعِيرَ الأَسَدُ لِمَنْ يُشْبِه الأَسَدُ.
وقالَ ابنُ عَطِيَّةَ: قيلَ اللاَّمُ في قَوْلِهِ تعالَى: ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ لامُ العَاقِبَةِ؛ أي: مآلِهِمْ، وليسَ بصحيحٍ؛ لأنَّ لامَ العَاقِبَةِ إنَّما تَتَصَوَّرُ إذا كانَ فِعْلُ الفاعلِ لم يُقْصَدْ ما يَصِيرُ الأمْرُ إليه، وأمَّا هنا فالفِعْلُ قًُصِدَ به ما يَصِيرُ الأمْرُ إليه من سُكْنَاهِم، واعْلَمْ أنَّ بعضَهم حَكَى عن البصريَّينَ إنْكارَ لامِ العاقبةِ، لكنْ رَأَيْنَا في كتابِ (المُبْتَدَى) لابنِ خَالَوَيْه: فأمَّا قولُه: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عُدَوًّا وَحَزَنًا﴾ فهي لامُ (كِي) عندَ الكُوفِيِّينَ، ولامُ الصَّيْرُورَةِ عندَ البصريِّينَ، انتهى.
ص: والتَّمْلِيكُ وشِبْهُهُ.
ش: مثالُه: وَهَبْتُ لزيدٍ دينارًا، وقولُه تعالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾. وشِبْهُهُ نحوَ: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ وكانَ يَنْبَغِي للمُصَنِّفِ أنْ يَذْكُرَ ممَّا سَبَقَ شِبْهُ المُلْكِ، نحوَ: أَدْوَمَ لكَ ما دُمْتَ لي.
ص: وتوكيدُ النَّفْي.
ش: نحوَ: ﴿مَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ ﴿مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وتُسَمَّى لامُ الجُحُودِ، لِمَجِيئِهَا بعدَ النَّفْيِ؛ لأنَّ الجَحْدَ عبارةٌ عن نَفْيِ ما سَبَقَ ذِكْرُه.
[ ١ / ٥٤١ ]
قالَ ابنُ الحَاجِبِ: وهي كلَفْظِ لامِ كي، وفَرَّقَ غيرُه بأنَّ تلكَ للتَّعْلِيلِ بخلافِ هذه، ولأنَّ هذه لو أُسْقِطَتْ لا يَخْتَلُّ المعنَى، بخلافِ المرادِ، وتلكَ لو أُسْقِطَتْ اخْتَلَّ، وبأنَّ هذه بعدَ نَفْيٍ دَاخِلٍ على (كانَ) بخلافِ تلكَ، وكانَ يَنْبَغِي للمصنِّفِ تَقْييدِ النَّفْيِ بالدَّاخِلِ على (كانَ)، لِمَا سَبَقَ.
ص: والتَّعْدِيَةُ.
ش: نحوَ: مَا أَضْرَبْ زيدًا لِعَمْرٍو، وجَعَلَ منه ابنُ مالِكٍ قولُه تعالَى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾. والظاهرُ أنَّها لشِبْه التَّمْلِيكِ، وقَسَّمَ الرَّاغِبُ المُتَعَدِيَّةَ للفِعْلِ على ضربَيْنِ: ما يَمْتَنِعُ خلافُه، نحوَ: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبَينِ﴾. وما يَجُوزُ، نحوَ: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، وقالَ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾. فأَثْبَتَ في مَوْضِعٍ وحَذَفَ في مَوضِعٍ آخَرَ.
ص: والتَّاكِيدُ.
ش: وهي إمَّا لِتَقْوِيَةُ عَامِلٍ ضُعِّفَ بالتَّاخِيرِ، نحوَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلْرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. فإنَّ الأصْلَ: إنْ كُنْتُم تُعَبِّرُونَ الرُّؤيا، فلمَّا قَدَّمَ المفعولَ، زَادَ اللاَّمَ، أو لكونِه فَرْعًا في العَمَلِ، نحوَ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. وهذان يَجُوزُ القياسُ علَيْهِما.
وغيرُ المَقِيسَةِ: أنْ يُزَادَ معَ المفعولِ في غيرِ ذلكَ، نحوَ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾،
[ ١ / ٥٤٢ ]
ولم يَذْكُرْ سِيبَوَيْه زيادَةَ اللاَّمِ، وتَابَعَه الفَارِسِيُّ، وقد أَوَّلَ بعضُهم (رَدِفَ لَكُمْ) على التَّضْمِينِ، أي: اقْتَرَبَ، ويُشْهَدُ لهُ مَا في الْبُخَارِيِّ: رَدِفَ بمعنَى قَرُبَ.
ص: وبمعنَى: إِلَى، وعَلَى، وفِي، وعِنْدَ، ومِن، وعَن.
ش: مِثالُ إلَى: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾، ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. وَأَنْكَرَ الرَّاغِبُ ذلكَ؛ لأنَّ الوَحْيَّ للنَّحْلِ، جَعَلَ ذلكَ لهُ بالتَّسْخِيرِ والإلْهَامِ، وليسَ ذلك كالوَّحْيِ المُوحَى إلى الأنْبياءِ، فنَبَّهَ باللاَّمِ على جَعْلِ ذلكَ الشيءِ لهُ بالتَّسْخِيرِ. انتهى.
وكانَ نَظِيرُه انْتَقَلَ مِن آيةِ الزَّلْزَلَةِ إلى آيةِ النَّحْلِ، وآيةُ النَّحْلِ إنَّما هي بـ (إلَى) لا باللاَّمِ، وعلى قولِه: ﴿يُخَّرُونَ لِلأَذْقَانِ﴾.
وحَكَى البَيْهَقِيُّ، عَن
[ ١ / ٥٤٣ ]
حَرْمَلَةَ، عن الشَّافِيِّ في قَوْلِهِ ﷺ: «وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاءَ»؛ أي: عليهِم، وفي: ﴿نَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
وعندَ: والمرادُ بها التَّاقِيتُ إذا قُرِنَ بالوَقْتِ أو بما يَجْرِي مَجْرَاهُ، مثلَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ». ومنهُ: كَتَبْتُهُ لخَمْسِ ليالٍ، وجَعَلَ منهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ
[ ١ / ٥٤٤ ]
لِحَيَاتِي﴾. وجَعَلَ منه ابنُ جِنِّي قِراءَةَ الجَحْدَرِيِّ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: عندَما جَاءَهُم.
ومثالُ (مِن): سَمِعْتُ له صُرَاخًا؛ أي: منهُ.
و(عَن): وهي الجارَةُ، اسمٌ مَن غَابَ حقيقةً أو حُكْمًا عَن قولِ قائِلٍ يَتَعَلَّقُ به، نحوَ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾؛ أي: عَن الذينَ آمَنُوا، وإلاَّ لَقِيلَ: ما سَبَقْتُمُونَا، ولم يَخُصَّهُم بعضَهم بما بعدَ القولِ، ومثلَهُ تَقُولُ العَرَبُ: لَقِيتُهُ كفهُ؛ لأنَّهم قالُوا: لَقِيتُهُ كفه لكفِّه؛ أي: عن كَفِّه؛ لأنَّهم قالُوا: لَقِيتُهُ عن كَفِّه، والمعنَى واحدٌ، واعْلَمْ أنَّ مَجَيئِهَا لهذه المعانِي مذهبٌ كُوفِيٌّ، وأمَّا حُذَّاقُ البَصْرِيِّينَ فهي عندَهم عَلَى بابِها ثمَّ يُضَمِّنُونَ الفِعْلَ ما يَصْلَحُ معها، ويَرَوْنَ التَّجَوُّزَ في الفِعْلِ أَسْهَلُ من الحَرْفِ.
ص: التاسعَ عَشَرَ: لولاَ: حَرْفٌ معناهُ في الجُمْلَةِ الاسمِيَّةِ: امْتِنَاعُ جَوابِه لوُجودِ شَرْطِه.
ش: نحوَ: لولاَ زيدٌ لأَكْرَمْتُكَ؛ أي: لولاَ زيدٌ موجودٌ، ولا يَرِدُ قولُه ﵊: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهْمْ». التقديرُ: لولاَ مَخَافَةَ أنْ أَشُقَّ لأَمَرْتُهُم، أَمْرُ إيجابٍ وإلاَّ انْعَكَسَ المعنَى، إذ المُمْتَنِعُ المَشَقَّةُ، والموجودُ الأمْرُ.
[ ١ / ٥٤٥ ]
ص: وفي المُضَارِعَةِ التحضيضِ.
ش: نحوَ: ﴿لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ﴾.
والتحضيضُ: طَلَبُ بَحْثٍ، وكذا للعَرْضِ، وهو الطَلَبُ بلِينٍ، نحوَ: ﴿لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾. وكأنَّ المُصَنِّفَ اسْتَغْنَى عنه بالتحضيضِ؛ لأنَّه يُفْهَمُ من بابٍ أوْلَى، (وَأَخَّرْتَنِي) معناهُ الاستقبالُ.
ص: وفي الماضِيَةِ التَّوْبِيخُ.
ش: نحوَ: ﴿لَوْلاَ جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، ﴿وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾.
ص: وقيلَ تَرِدُ للنَّفْيِ.
ش: بمَنْزِلَةِ (لم) قالَ الهَرَويُّ في (الأَزْهِيَةِ): وجَعَلَ منهُ: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ﴾، والجمهورُ: أنَّها للتَّوْبِيخِ؛ أي: فهلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ واحدَةٌ من القُرَى المُهْلَكَةِ تَابَتْ عندَ الكُفْرِ قبلَ مَجِيءِ العذابِ، فنَفَعَها ذلك.
[ ١ / ٥٤٦ ]
ص: العشرونَ: لو شُرِطَ للمَاضِي.
ش: أي: وإنْ دَخَلَتْ على المضارعِ فإنَّها تُصْرِفُه للمِضِيِّ، والقَصَدُ أنَّها تُفِيدُ الشَّرْطُ في الماضِي، وبهذا فَارَقَتْ إنِ الشَّرْطِيَّةَ، فإنَّها تَصْرِفُ الماضِيَ إلى الاستقبالِ، وما صَرَّحَ به المُصَنِّفُ هو قولُ ابنُ مالِكٍ والزَّمَخْشَرِيِّ وغيرِهما، وأَبَى قَومٌ تَسْمِيتُها حَرْفًا؛ لأنَّ حقيقةَ الشرْطِ إنَّما تَكُونُ في الاستقبالِ، و(لو) إنَّما هي للتَّعْلِيقِ في الماضِي، فليسَتْ من أدواتِ الشرْطِ، وقيلَ: إنَّ النزاعَ لَفْظِيٌّ، فإنَّ أُرِيدَ بالشرْطِ الرَّبْطُ المَعْنَوِيُّ الحُكْمِيُّ، فلا شَكَّ أنَّها تَقَعُ شَرْطًا، وإنْ أُرِيدَ به ما يَعْمَلُ في الجُزْءَيْنِ، فلا.
ص: ويَقِلُّ للمُسْتَقْبَلِ.
ش: أي: قد يَرِدُ بمعنَى إنِ الشَّرْطِيَةَ يَلِيهَا المُسْتَقْبَلُ ويَصْرِفُ الماضِي إلَى الاسْتِقْبَالِ، كقولِه تعالَى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلُوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ وقولِه:
[ ١ / ٥٤٧ ]
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًاَ خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ كذا قالَهُ جماعةٌ.
وخَطَّأَهُم ابنُ الحَاجِّ في نَقْدِه على (المُقَرَّبِ) قالَ: والقاطِعُ بذلكَ أنَّكَ لا تَقُولُ: لو يَقُومُ زيدٌ فعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ.
وقالَ بَدْرُ الدِّينِ بنُ مَالِكٍ: عندِي أنَّها لا تَكُونُ لغيرِ الشَّرْطِ في الماضِي، ولا حُجَّةَ فيمَا تَمَسَّكُوا به، لصِحَّةِ حَمْلِه على المِضِيِّ.
ص: قالَ سِيبَوَيْهِ: حَرْفٌ لِمَا كانَ سَيَقَعُ لوقوعِ غيرِه، وقالَ غيرُه: حَرْفُ امْتِناعٍ لامتناعٍ، وقالَ الشَّلَوْبِينُ: لمُجَرَّدِ الرَّبْطِ، والصحيحُ وِفَاقًا للشيخِ الإمامِ: امتناعُ ما يَلِيهِ واسْتِلْزِامُه لتَالِيه، ثمَّ يَنْتَفِي التَّالِي إنْ نَاسَبَ، ولم يَخْلُفْ المُتَقَدِّمُ غيرَه، كـ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهَ لَفَسَدَتَا﴾ لا إنْ خَلَفَه غيرُه، كقولِكَ: لو كانَ إنسانًا لكانَ حيوانًا، ويُثْبِتُ التالِيَ إنْ لم يُنَافِ، ونَاسَبَ بالأوْلَى كـ (لو) لم يَخَفِ اللهَ لم يَعْصِه، أو بالمُسَاوَاةِ كـ (لو) لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتُه لِمَا حَلَّتْ للرضاعِ، أو الأَدُونَ كقولِكَ: لو انْتَفَتْ أُخُوَّةُ النَّسْبِ لما حَلَّتِ للرضَاعِ.
ش: حَاصِلُه أنَّ في (لو) أربعُ مقالاتٍ:
[ ١ / ٥٤٨ ]
أحدُها: قولُ سِيبَوَيْهِ: حَرْفٌ لِمَا كانَ سَيَقَعُ لوقوعِ غيرِه، ومعناه كما قالَ البَدْرُ بنُ مَالِكٍ: أنَّها تَقْتَضِي فِعْلًا ماضيًا كانَ يَتَوَقَّعُ ثُبُوتَه لثُبُوتِ غيرِه، والتَّوَقُّعُ غيرُ واقِعٍ، فكأنَّه قالَ: (لو): حَرْفٌ يَقْتَضِي فِعْلًا، امْتَنَعَ لامتناعِ ما كانَ يَثْبُتُ لثُبُوتِه.
والثاني: حَرْفُ امتناعٍ لامتناعٍ؛ أي: يَدُلُّ على امْتِناعِ الثاني لامتناعِ الأوَّلِ، فإذا قُلْتَ: لو جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ، أَفَادَ أنَّه مَا حَصَلَ المَجِيءُ ولا الإكرامُ، وهي عبارةُ الأكثرِينَ المُعَرَّبِينَ، وظاهِرُها غيرُ صحيحٍ لأنَّها تَقْتَضِي كونُ جوابُ (لو) مُمْتَنِعًا غيرُ ثَابِتٍ دائمًا، وذلك غيرُ لازمٍ؛ لأنَّ جوابَها قد يَكُونُ ثَابِتًا في بعضِ المواضعِ، كقولِكِ لطَائِرٍ، لو كانَ إنْسانًا لكانَ حيوانًا فإنْسانِيَّتُه مَحْكُومٌ بامْتِنَاعِها وحَيَوانِيَّتُه ثَابِتَةٌ، وكذا قولُه في صُهَيْبٍ: «لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ لَمْ يَعْصِهِ» فَعَدَمِ المعصيَةِ مَحْكومٌ بثبوتِه؛ لأنَّه إذا كانَ ثَابِتًا على تقديرِ عَدَمِ الخَوْفِ، فالحُكْمُ بثبوتِه معَ تقديرِ ثبوتِ الخَوْفِ أَوْلَى، وكذا قولُه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةِ أَقْلامٌ﴾ الآيةَ، مُقَدَّمُ النَّفَاذِ ثابتٌ على تقديرِ كونِ ما في الأَرْضِ من شَجَرَةٍ =أقلام، والبَحْرِ =مداد، أو سَبْعَةِ أمثالِه، فثُبُوتُ عَدَمَ النفاذِ على تقديرِ عَدَمِ ذلكَ أوْلَى، وكذا قولُه تعالَى:
[ ١ / ٥٤٩ ]
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْؤ﴾ يَقْتَضِيِ أَنَّه مَا عَلِمَ فيهِم خيرًا وما أَسْمَعَهُم، ثمَّ قولُه: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ﴾ فيَكُونُ معناهُ أنَّه ما أَسْمَعَهُم، وأنَّهم ما تَوَلَّوْا، لكنْ عَدَمُ التَّوَلِّي خَيْرٌ من الخَيْرَاتِ، فأوَّلُ الكلامِ يَقْتَضِي نَفْيَ الخَيْرِ، وآخِرُه يَقْتَضِي حصولَه، وهما مُتَنَافِيَانِ ولهذا الإشكالُ صَارَ قومٌ إلى المَذْهَبَيْنِ الآتِيَيْنِ:
والثالثُ: قولُ الشَّلَوْبِينُ: إنَّها لِمُجَرَّدُ الرَّبْطِ؛ أي: إنَّما تَدُلُّ على التَّعْلِيقِ في الماضِي كما دَلَّتْ على التَّعْلِيقِ في المُسْتَقْبَلِ، ولا تَدُلُّ على امتناعِ الشَّرْطِ ولا امتناعِ الجوابِ، وتَابَعَه ابنُ هِشامٍ الخَضْرَاوِيُّ، وهو ضعيفٌ بل جَحَدٌ للضَّرُورِيَّاتِ، فإنَّ كلَّ مَن سَمِعَ (لو فَعِلَ) فَهِمَ عَدَمُ وقوعِ الفِعْلِ من غيرِ تَرَدُّدٍ، ولهذا جَازَ اسْتِدْراكُه فتَقُولُ: لو جَاءَنِي أَكْرَمْتُه لكنَّه لم يَجِئْ.
الرابعُ: أنَّها تَقْتَضِي امتناعَ ما يَلِيهِ واسْتِلْزَامِه لتالِيهِ، وحَكَاهُ المُصَنِّفُ عن والِدِه، وهذه العبارَةُ وَقَعَتْ في بعضِ نُسَخِ (التَّسْهِيلِ) وانْتُقِدَتْ بأنَّها لا تُفِيدُ أنَّ اقْتِضَاءَها للامْتِناعِ في الماضِي، فلو قالَ: تَقْتَضِي في المَاضِي امْتِناعَ ما يَلِيهِ، كانَ أَوْضَحَ. وحَاصِلُهُ أنَّها تَدُلُّ على أَمْرَيْنِ:
أحدُهما: امْتِناعُ شَرْطِهَا، والأُخْرَى: كونُه مُسْتَلْزِمًا لجَوابِها، ولا يَدُلُّ على امتناعِ الجوابِ في نَفْسِ الأمْرِ، ولا بثُبُوتِه، فإذا قلتَ: لو قَامَ زيدٌ لقَامَ عَمْرٌو. فقِيامُ زيدٍ مَحْكومٌ بانْتِفَائِه فيمَا مَضَى، وبِكَوْنِه مُسْتَلْزِمًا ثُبُوتَ قِيامِ عَمْرٍو، وهل لِعَمْرٍو
[ ١ / ٥٥٠ ]
قيامٌ آخَرَ غيرُ اللاَّزمِ عن قيامِ زيدٍ، أو ليسَ له؟ لا تَعَرُّضَ في الكلامِ لذلك، ولكنَّ الأكْثَرَ كونُ الأوَّلِ والثاني غيرَ واقِعَيْنِ، وقولُه: ثمَّ يَنْتَفِي التالِي؛ أي: وأَمَّا التالِي فإمَّا أنْ يَكُونَ التَّرْتِيبُ بَيْنَه وبَيْنَ الأوَّلِ تَنَاسُبًا، أو لا، فإنْ كانَ مُنَاسِبًا نُظِرَ إنْ لم يَخْلُفِ المُقَدَّمُ غيرَه فالتالِي مُنْتَفٍ في هذه الصورةِ، نحوَ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهَ لَفَسَدَتَا﴾. وقولُك: لو جِئتَنِي لأَكْرَمْتُكَ، لكنَّ المقصودَ الأعظمَ في المثالِ الأوَّلِ: نَفْيُ الشَّرْطِ رَدًّا على مَن ادَّعَاهُ، وفي الثاني: أنَّ المُوجِبَ لانْتِفاءِ الثاني هو الأوَّلُ لا غيرَ، وإنْ كانَ للأوَّلِ عندَ انتفاءِ شيءٍ آخَرَ يَخْلُفُه ممَّا يَقْتَضِي وجودَ الثانِي نحوَ: لو كانَ إنسانًا لكانَ حيوانًا، فإنَّه عندَ انتفاءِ الإنْسانِيَّةِ قد يَخْلُفُها غيرُها ممَّا يَقْتَضِي وجودَ الحيوانِيَّةِ، وإنْ لم يكنِ الترتيبُ بينَ الأوَّلِ والثانِي مُنَاسِبًا لم يَدُلُّ على انتفاءِ الثاني بل على وجودِه من بابِ أَوْلَى، نحوَ: «نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٍ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ لَمْ يَعْصِهِ». فإنَّ المَعْصِيَةَ مُنْتَفِيَةٌ عندَ عَدَمِ الخوفِ فعِنْدَ الخوفِ أوْلَى، ثمَّ جَعَلَ المُصَنِّفُ للمُناسِبِ مَراتِبَ:
أَحدُها: أنْ يكونَ بالأوْلَى كـ (لو) لم يَخَفِ اللهَ لم يَعْصِه.
وثانِيها: بالمساواةِ؛ أي: تكونُ مُنَاسِبَةَ التالي مُساويَةً لمناسبةِ المُقَدَّمِ. كقولِه ﷺ
[ ١ / ٥٥١ ]
في بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ: «إِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتَي فِي حِجْرِي، مَا حُلَّتْ لِي، إِنَّهَا لابْنَةَ أَخِي مِنَ الرَّضَاعِ». فإنَّ حِلَّها له ﵊ مُنْتَفٍ من وَجْهَيْنِ، كونُها رَبِيبَتُه، وكونُها ابنةُ أَخِيهِ من الرضاعِ.
ثالثُها: أنْ تكونَ المُناسبَةُ في ذلك دونَ مُناسبَةِ المُقَدَّمِ، فيَلْحَقُ به أيضًا، للاشتراكِ في المَعْنَى، كقولِكِ في أُخْتِكَ من النَّسَبِ والرَّضاعِ: لو انْتَفَتْ أُخُوَّةُ النَّسَبِ لَمَا كانَتْ حَلالًا؛ لأنَّها أُخْتٌ من الرَّضاعةِ، فتُحْرَمُ أُخْتٌ من الرَّضاعَةِ دونَ تَحْريمِ أُخْتُ النَّسَبِ، ولكنَّها عِلَّةٌ مُقْتَضِيَةٌ للتَّحْرِيمِ كاقْتِضاءِ السَّبَبِ ولو انْتَفَتْ أَقْوَى العِلَّتَيْنِ، لاسْتَقَلَّتْ الضعِيفَةُ بالتعليلِ، إذا كانَتْ في نَفْسِها صالِحَةً له، وإنَّما قالَ المُصَنِّفُ: كقولِك؛ لأنَّه لا وُجودَ له في كلامِ الشارعِ ولا العُرْفِ، وكذا قولُه: لو كانَ إنسانًا لكانَ حيوانًا، بخلافِ الأمْثِلَةِ الباقِيَةِ، وحاصلُ الخلافِ في إفَادَتِها الامتناعُ، أقوالٌ:
أحدُها: لا تُفِيدُه أبدًا، وهو قولُ الشَّلَوْبِينِ.
والثاني: تُفِيدُ امْتِناعَ الشرْطِ وامتناعَ الجوابِ جميعًا، وهو قولُ البَصْرِيِّينَ.
والثالثُ: تُفِيدُ امتناعَ الشرطِ خاصَّةً، ولا دلالَةَ لها على امتناعِ الجوابِ ولا على ثُبُوتِه، ولكنَّه إنْ كانَ مُساويًا للشرْطِ في العمومِ، نحوَ: لو كَانَتِ الشَّمْسُ طالِعَةً كانَ النهارُ موجودًا - لَزِمَ انْتِفَاؤُه؛ لأنَّه يَلْزَمُ من انْتفاءِ السَّبَبِ المُسَاوِي انْتِفاءَ مُسَبِّبِه،
[ ١ / ٥٥٢ ]
وإنْ كانَ أَعَمٌّ، نحوَ: لو كَانَتْ الشَّمْسُ طَالِعَةً كانَ الضوءُ موجودًا، فلا يَلْزَمُ انتفاءَ القَدَرِ المُساوِي فيه للشرْطِ، وعَزَاهُ بعضُ الأَئِمَّةِ المُحَقِّقِينَ، وهو ظاهرُ عبارةِ سِيبَوَيْهِ، فإنَّ قولَه: لَمَّا كانَ سَيَقَعُ، دليلٌ على أنَّه لم يَقَعْ، وهذا تصريحٌ بأنَّها دالَّةٌ على امتناعِ شَرَاطِها، وقد اعْتَنَى بَدْرُ الدِّينِ بنُ مَالِكٍ بكلامِ المُعَرَّبِينَ، وَرَدَّهُ لكلامِ سِيبَوَيْهِ، وقالَ: إنَّه يَسْتَقِيمُ على وَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يكونَ المُرادُ أنَّ جوابَ (لو) مُمْتَنِعٌ لامتناعِ الشرطِ غيرُ ثَابِتٍ لثبوتِ غيرِه، بِنَاءٌ منهُم على مفهومِ الشرطِ في حُكْمِ اللُّغَةِ لا في حُكْمِ العَقْلِ.
الثاني: أنْ يكونَ المرادُ أنَّ جوابَ (لو) امْتَنَعَ لامتناعِ شرْطِه، وقد يكونُ ثابتًا لثبوتِ غيرِه؛ لأنَّها إذا كانَتْ تَقْتَضِي نَفْيَ تالِيهَا واسْتِلْزَامِه لتالِيه، فقد دَلَّتْ على امتناعِ الثاني لامتناعِ الأوَّلِ؛ لأنَّه متى انْتَفَى شيءٌ انْتَفَى مُساوِيهُ في اللُّزومِ، معَ احتمالِ أنْ يَكُونَ ثَابِتًا لثبوتِ أَمْرٍ آخَرَ، فإذا قلتَ: لو كانَتِ الشمسُ طالعِةً، كانَ الضوءُ موجودًا، فلا بُدَّ من انتفاءِ القَدْرِ المُساوِي منه للشَّرْطِ، فصَحَّ أنْ يُقالَ: (لو) حَرْفٌ يَدُلُّ على امتناعِ الثاني لامتناعِ الأوَّلِ.
ص: وتَرِدُ للتَّمَنِّي.
ش: نحوَ: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾؛ أي: فلَيْتَ لنَا، ولهذا نَصَبَ (نكونَ) في جوابِها، كما انْتَصَبَ (فأَفُوزَ) في جوابِ ليْتَ في: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ
[ ١ / ٥٥٣ ]
فَأَفُوزَ﴾ وهل هي الامْتِنَاعِيَّةُ، أُشْرِبَتْ معنَى التَّمَنِّي لكونِها لا تَقَعُ غالبًا إلاَّ بعدَ مُفْهَمِ تَمَنٍّ؟ ثلاثةُ أقوالٍ، وإلى الأخيرِ صَارَ ابنُ مالِكٍ، وغَلَّطَ الزَّمَخْشَرِيُّ في عَدِّهَا حَرْفُ تَمَنٍّ لمَجِيئِها معَ فِعْلِ التَّمَنِّي في قَوْلِهِ: ﴿وَدُّوا لَوُ تُدْهِنُ﴾ ولو كانَتْ لِلتَّمَنِّي لَمَا جَمَعَ بينَهما كما لم يَجْمَعْ بينَ لَيْتَ وفِعْلَ تَمَنَّ، وهذا مَرْدُودٌ؛ لأنَّ حَالَةَ دخولِ فِعْلَ التَّمَنِّي عليها لا تكونُ حَرْفُ تَمَنٍّ، بل مُجَرَّدَةٌ عنه، فمرادُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغيرَه ممَّنْ أَثْبَتَها للتَّمَنِّي حيثُ لم تَلِ فِعْلَ تَمَنٍّ.
ص: ولِلْعَرْضِ والتَّحْضِيضِ.
ش: فالأوَّلُ: نحوَ: لو تَنْزِلُ عندَنا فتُصِيبُ خيرًا، والثاني: لو فَعَلْتَ كذا يا هذا، بمعنَى افْعَلْ، والفرقُ بينَهما أنَّ العَرْضَ طَلَبٌ بلِينٍ، والتحضيضُ طَلَبٌ بِحَثٍّ، وقَلَّ مَن ذَكَرَ التحضيضَ، وقد ذَكَرَهُ العَكْبَرَاوِيُّ في (الشامِلِ) ومثلُه بما ذَكَرَنَا، قالَ: وأكثرُ ما تَجِيءُ معَ ما.
ص: والتقليلُ نحوَ: ولو بِظُلْفٍ مُحْرَقٍ.
[ ١ / ٥٥٤ ]
ش: أَثْبَتَهُ ابنُ هِشَامٍ الخَضْرَاوِيُّ، وابنُ السَّمْعَانِيِّ في (القواطعِ)، والحقُّ أنَّه مُسْتَفَادٌ ممَّا بعدَها لا مِن الصِّيغَةِ، والظَّلَفُ بالكَسْرِ: للبَقَرِ والغَنَمِ، كالحافِرِ للفَرَسِ، وإنَّما لم يُمَثِّلِ المُصَنِّفُ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوُ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»، «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ». معَ أنَّهما أَصَحُّ ممَّا ذَكَرَه، لإفَادَتِه النهايةُ في التقليلِ بخلافِ التَّمَرَةِ والخَاتَمِ.
ص: الحَادِي والعشرونَ: (لَنْ) حَرْفُ نَفْيٍ ونَصْبٍ واسْتِقْبَالٍ، ولا تُفِيدُ تَاكِيدَ النَّفْيِ ولا تَابيدِه، خلافًا لِمَا زَعَمَه.
ش: (لَنْ) تَنْصِبُ المضارعَ وتُخْلِصُه للاستقبالِ، نحوَ: لَنْ يَقُومَ زَيدٌ، وهي تُفِيدُ مُطْلَقُ النَّفْيِ، وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (الكَشَّافِ) أنَّها تُفِيدُ تَاكِيدَ النَّفْيِ، وفي (الأَنْمُوذَجِ) تُفِيدُ تَابيدِه، قالَ ابنُ مَالِكٍ: وحَمَلَه على ذلك اعتقادُه أنَّ اللهَ تعالَى لا يُرَى، وهو اعتقادٌ باطلٌ.
وقالَ ابنُ عُصْفُورٍ، ما ذَهَبَ إليه دَعْوَى بلا دليلٍ عليها، بل قد يكونُ النَّفْيُ بـ (لا) آكِدٌ من النَّفْيِ بـ (لن)؛ لأنَّ المَنْفِيَّ بـ (لا) قد يكونُ
[ ١ / ٥٥٥ ]
جوابًا للقَسَمِ، والمَنْفِيَّ بـ (لن) لا يكونُ جوابًا له، ونَفْيُ الفِعْلِ إذا أَقْسَمَ عليه آكِدٌ، ورَدَّهُ غيرَه بأنَّها لو كانَتْ للتَّابيدِ لم يُقَيَّدْ مَنْفِيهَا باليومِ في قَوْلِهِ تعالَى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾، ولكانَ ذَكَرَ الأبَدُ في قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ تِكْرَارًا، إذِ الأصْلُ عَدَمُه، بقولِه تعالَى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ولو كَانَتْ للتَّابيدِ لَمَا صَحَّ أنْ يُوَقِّتَ.
قلتُ: ووافَقَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الثاني ابنُ عَطِيَّةَ، واقْتَضَى كلامُه أنَّها مَوْضُوعَةٌ في اللُّغَةِ لذلكَ، حتى قالَ: ولو بَقِينَا على هذا النَّفْيِ بمُجَرَّدِه لتَضَمَّنَ أنَّ مُوسَى لا يَرَاهُ أَبَدًا ولا في الآخِرَةِ، لكنْ وَرَدَ من جِهَةٍ أُخْرَى في الحديثِ المُتَواتِرُ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَرَوْنَهُ.
قلتُ: ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرادُه أنَّ نَفْيَ المُسْتَقْبَلِ بعدَها يَعُمُّ جميعَ الأزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلَةِ من جِهَةِ أنَّ الفِعْلَ نَكِرَةٌ، والنكرةُ في سِياقِ النَّفْيِ تَعُمُّ.
وَوَافَقَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الأوَّلِ جماعَةٌ منهم ابنُ الخَبَّازِ في (شَرْحِ الإيضاحِ) فقالَ: (لن) لِنَفْيِ المُضَارِعُ على جِهَةِ التَّاكِيدِ، ونَفْيهُ أَبْلَغُ من نَفْيِ (لا) ألاَ تَرَى أنَّه يُسْتَعْمَلُ في المواضِعِ التي يَسْتَمِرُ عَدَمِ الاتصالِ فيها كقولِه: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ليسَ لا يَرَاهُ في الدُّنْيَا، وقولُه: ﴿وَلَنْ يَخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ﴾؛ لأنَّ خُلْفُ= الوَعْدِ على اللهِ مُحَالٌ، ومنهم صَاحِبُ (التِّبْيَانِ) فقالَ: إنْ (لن) لنَفْيِ المَظْنُونِ حُصوله= ولا لنَفِي المَشْكُوكِ فيه، فـ (لن) آكِدٌ، وأنَّ (لن) تَنْفِي ما قَرُبَ، ولا
[ ١ / ٥٥٦ ]
يَمْتَدُّ معنَى النَّفْيِ فيها كما يَمْتَدُّ في (ما)؛ لأنَّ ما آخِرُه ألِفٌ يَمْتَدُّ معه الصُّوْتُ بخلافِ ما في آخِرِه نُونٌ، وقد رَدَّ عليه ابنُ عَمِيرَةَ في (التَّنْبِيهَاتِ) هذا الكلامُ وقيلَ: إنَّ السُّهَيْلِيَّ ذَكَرَهُ في (نَتَائِجِ الفِكْرِ).
ص: وتَرِدُ للدُّعاءِ وِفَاقًا لابنِ عُصْفُورٍ.
ش: أي: كَمَا أنَّ (لا) لذلكَ حَكَاهُ ابنُ السَّرَّاجِ عن قَوْمٍ، وخَرَّجَ عليه.
قولَه تعالى: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ والصحيحُ عندَ ابنِ مالِكٍ وغيرِه، أنَّه يُسْتَعْمَلُ في الدُّعاءِ من حروفِ النَّفْيِ إلاَّ (لا) خاصَّةً، ولا حُجَّةَ فيما
[ ١ / ٥٥٧ ]
اسْتَدَلُّوا به لاحْتِمَالِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، ولأنَّ الدُّعاءَ لا يَكُونُ للمُتَكَلِّمِ، اعْلَمْ أنَّ عِبَارَةَ (التَّسْهِيلِ) ولا يَكُونُ الفِعْلُ مَعَها دعاءً خلافًا لبعضِهم، وبه ظَهَرَ أنَّ تَعْيينِ المُصَنِّفِ مُنْتَقِدٌ.
ص: الثاني والعِشْرونَ: (ما) تَرِدُ اسْمِيَّةٌ وحَرْفِيَّةٌ مَوْصُولَةٌ، ونَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وللتَّعَجُّبِ واسْتِفْهَامِيَّةٌ وشَرْطِيَّةٌ زَمَانِيَّةٌ وغيرُ زَمَانِيَّةٍ.
ش: تَرِدُ (ما) اسمًا وحَرْفًا، فالاسْمِيَّةُ: هي التي يَكُونُ لها مَوْضِعٌ من الإعْرابِ، والحَرْفِيَّةُ خلافَ ذلك، وللاسِمِيَّةُ مَوارِدٌ:
أحدُها: أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةٌ، وهي ما صَلَحُ في مَوْضِعِها (الذي) نحوَ: يُعْجِبُنِي ما عندَك، ونحوَ: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾.
ثانيها: نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وتُقَدَّرُ بشيءٍ نحوَ: مَرَرْتُ بِمَا مُعْجَبٌ لكَ؛ أي: بشيءٍ، وأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
رُبَّمَا تَكْرُه النُّفُوسَ من الأمْرِ لَهُ فُرْجَةً كَحَلِّ العِقَالِ
أي: رُبَّ شَيءٍ وتَكْرَهُ النُّفوسَ، صِفَةً لَهُ، والعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أي: تَكْرَهُهُ.
ثالثُها: تَعَجُّبِيَّةٌ، نحوَ: مَا أَحْسَنَ زَيدًا؛ أي: شيءً، والفِعْلُ بعدَها في مَوْضِعِ خَبَرِها، كأنَّه قيلَ: شيءٌ أَحَسَنَ زيدًا؛ أي: صَيَّرَهُ حَسَنًا عندِي، وجَازَ الابْتِدَاءُ بالنَّكِرَةِ لمَكانِ التَّعَجُّبِ، كما جَازَ في قَوْلِهِم: عَجَبٌ لزيدٍ، وهذا على مذهبِ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ
[ ١ / ٥٥٨ ]
الأخْفَشُ: مَوْصُولَةٌ، والفِعْلُ بعدَها صِلَةٌ، والخَبَرُ محذوفٌ لازِمُ الحَذْفِ، وحَمَلَهُ على ذلكَ اعْتِقَادَه أنَّه لم تُوجَدْ (ما) نَكِرَةٌ غيرَ مَوْصُوفَةٍ إلاَّ في شَرْطٍ أو اسْتِفْهَامٍ، وهو باطلٌ، بدليلِ قولِهم: غَسْلَته غسلًا نعما=، وممَّا يُفْسِدُ قولُه: إنَّ التَّعَجُّبَ إنَّما يكونُ من شيءٍ خَفِيِّ السَّبَبِ، واعْلَمْ أنَّ هذه لَيْسَتْ قَسِيمًا للنَّكَرَةِ كما يُوهِمُ= كلامُ المُصَنِّفِ، بل النَّكِرَةُ قِسمَانِ: نَاقِصَةٌ وهي المَوْصُوفَةٌ، وتَامَّةٌ وهي التَّعَجُّبِيَّةٌ، نحوَ: ما أَحَسَنَ زيدًا؛ أي: شيءٌ حَسَنُ زيدًا.
رابعُها: اسْتِفْهَامِيَّةٌ: نحوَ: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيمَينِكِ يَا مُوسَى﴾ ثمَّ إمَّا أنْ يُسْتَفْهَمَ بها مُسْتَثْبِتًا أو غيرَ مُسْتَثْبِتٍ، فإنْ كُنْتَ غيرَ مُسْتَثْبِتٍ لم يَجُزْ حَذْفُ إلاَّ معَ الخوافضِ، نحوَ: بِمَ جِئْتَ وعَمَّ سَأَلْتَ؟ وإلامَ سِرْتَ؟ قالَ تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿وَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ ولا تُحْذَفُ معَ غيرِ الخَافِضِ إلاَّ في ضرورةٍ، وإنْ كُنْتَ مُسْتَثْبِتًا حَذَفْتَ أَلَفَها معَ الخافضِ، فإذا قلتَ: رَأَيْتُ شيئًا حَسَنًا، قلتَ له: مَا رَأَيْتُ أو رَأَيْتُ بهِ.
خامِسُها: الشَّرْطِيَّةُ، نحو: ما تَصْنَعُ وأَصْنَعُ؛ أي: إنْ تَصْنَعَ شيئًا أَصْنَعَه، وهي تَنْقَسِمُ إلى زَمَانِيَّةٍ، نحوَ: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾؛ أي: اسْتَقِيمُوا لهم مُدَّةَ اسْتِقامَتِهم لَكُم. وقد أَثْبَتَ ذلك الفَارِسِيُّ وابنُ مالِكٍ.
وإلى غيرِ زَمانِيَّةٍ: ﴿مَا نَنْسَخُ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾. وذَكَرَ إمامُ الحَرَمَيْنِ في بابِ الطلاقِ من (النهايةِ) قَوْلُ الأصحابِ في: كُلَّمَا لم أُكَلِّمُكِ فأَنْتِ طالِقٌ، إنَّه لِلْفَوْرِ، وليسَ فيه
[ ١ / ٥٥٩ ]
تَعَرُّضٌ للوَقْتِ، وأَجَابَ بأنَّ أهلَ العَرَبِيَّةِ أَجْمَعُوا على أنَّ (ما) في (كُلَّمَا) ظَرْفُ زَمانٍ؛ يعنِي بمَثَابَةِ إذا قلتَ: وإنَّما الذي أَجْمَعُوا عليه انْتِصابَ (كلَّ) في (كلَّما)، على الظرفِيَّةِ، وجَاءَتِ الظَّرْفِيَّةُ من جِهَةِ ما، فإنَّها مُحْتَمِلَةٌ؛ لأنَّ تَكُونَ اسْمًا نَكِرَةً بمعنَى وَقْتٌ، أو حَرْفًا مَصْدَرًا، والأصْلُ: كُلُّ وقْتٍ لم يَحْصُلْ كَلامٌ، ثمَّ عَبَّرَ عن معنَى المَصْدَرِ بمَا والفِعْلِ، ثمَّ أَنْبَأَ عن الزمانِ.
ص: ومَصْدَرِيَّةٌ كذلك، ونَافِيَةٌ كذلك وزَائِدَةٌ كَافَّةٌ، وغيرُ كَافَّةٍ.
ش: للحَرْفِيَّةِ اسْتعْمَالاتٍ:
أحدُها: أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أي: يَكُونُ ما بَعْدَها في تَاويلِ المَصْدَرِ، نحوَ: أَعْجَبَنِي ما قُلْتَ؛ أي: قَوْلُكَ، وأَشَارَ بقولِه: ﴿كَذَلِكَ﴾ إلى أنَّها تَجِيءُ ظَرْفِيَّةً وغيرُ ظَرْفِيَّةٍ، فغيرُ الظَّرْفِيَّةِ: يُعْجِبُنِي ما تَقُومُ؛ أي: قِيامُكَ، وقولُه تعالى: ﴿لَمَا تَصِفُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾؛ أي: لوَصْفٍ.
والظَّرْفِيَّةُ؛ أي: تَقَعُ مَوْقِعَ الظَّرْفِ، نحوَ: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾؛ أي: مُدَّةَ دَوَامِي حيًاّ ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وتَقْسِيمُ المَصْدَرِيَّةِ كذلك ذَكَرَهُ الجَزُولِي،
[ ١ / ٥٦٠ ]
ونَازَعَ فيه ابنُ عُصْفُورٍ؛ لأنَّ الظرفِيَّةَ، ليْسَتْ من معانِي (ما) بل معَ الفِعْلِ بمَنْزِلَةِ المَصْدَرِ، والمَصَادِرُ قد تُسْتَعْمَلُ ظُروفًا؛ لقولِهم: أَتَيْتُكَ خُفُوقَ= النَّجْمِ أو خِلافَةَ= فُلانٍ؛ أي: مُدَّةَ خُفُوقِ النَّجْمِ ومُدَّةَ خَلافَتِه، فلا يَنْبَغِي أنْ تُعَدَّ قَسِيمًا للمَصْدَرِ.
ثانيها: نَافِيَةٌ، إمَّا عَامِلَةٌ، كقولِه تعالَى: ﴿مَا هُنَّ أُمْهَاتِهِمْ﴾ أو غيرَ عَامِلَةٍ، نحوَ: مَا قَامَ زَيدٌ ومَا يَقُومُ عَمْرٌو.
ثالثُها: الزَّائِدَةُ، وهي إمَّا كَافَّةٌ أو غيرَ كَافَّةٍ، فالكَافَّةُ إمَّا عَن عَمَلِ الرَّفْعِ، نحوَ: (قَلَّمَا) و(طَالَمَا).
أو النَّصْبِ والرَّفْعِ، وهي المُتَّصِلَةُ بإنَّ وأَخَواتِها، نحوَ: ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
أو الجَرِّ، وهي المُتَّصِلَةُ بُرُبَّ، وغيرُ الكافَّةِ، إمَّا عِوَضًا، أمَّا أنتَ مُنْطَلِقًا انْطَلَقْتُ، أو غيرُه نحوَ: شَتَّانَ ما بينَ زَيدٍ وعَمْرٍو.
ص: الثالثُ والعشرونَ: (مِن) لابْتِداءِ الغَايَةِ غَالِبًا.
ش: أي: ويُعْرَفُ بأنْ يُذْكَرَ معَها (إلى) التي للغَايَةِ لَفْظًا، نحوَ: سِرْتُ مِن
[ ١ / ٥٦١ ]
البَصْرَةِ إلى بَغْدَادَ.
أو تَقْدِيرًا، بأنْ يَتَعَرَّضَ للابْتِداءِ من غيرِ قَصْدٍ إلى انْتِهاءٍ مَخْصُوصٍ، إذا كانَ المعنَى لا يَقْتَضِي إلاَّ المُبْتَدَأَ منه، نحوَ: أَعُوذُ باللهِ من الشيطانِ الرَّجِيمِ، وزَيدٌ أَفْضَلُ من عمرٍو ونحوِه.
وقالَ الخَفَافُ: معنى الابتداءُ به التي يَقَعُ بعدَها المَحَلُّ الذي ابْتَدَأَ منه الفِعْلُ، نحوَ: جِئْتُ من المَسْجِدِ؛ أي: ابْتِداءُ المَجِيءِ منه، ولا بُدَّ بعدَها من ذِكْرِ مَوْضِعِ الانْتِهاءِ، وقد يُحْذَفُ للعِلْمِ به، وقد يَقَعُ بعدَها المَحَلُّ الذي وُجِدَ فيه ابتداءُ الفِعْلِ وانْتِهاؤُهُ كأَخَذْتُ المَالَ من الكيسِ.
وأَشَارَ المُصَنِّفُ بقولِه (غالبًا) إلى أنَّه الغالبُ عليها، حتى قالَ بعضُهم: إنَّها حيثُ وُجِدَتْ كانَتْ لابتداءِ الغَايَةِ، وسائِرِ مَعانِيهَا تَرْجِعُ إليه، تَقُولُ: أَخَذْتُ من الدَّراهِمِ، فقد جَعَلَ مالَه ابتداءَ غايةِ ما أَخَذَ، إنَّما دَلَّ على البَعْضِ من حيثُ صَارَ ما بَقِيَ انْتِهاءٌ له، قالَ ابنُ السَّمْعَانِيُّ: هذا قولُ النَّحْوِيِّينَ، وأمَّا الذي يَعْرِفُه الفقهاءُ، فهو لابتداءِ الغايَةِ والتَّبْعِيضِ جميعًا، وكلُّ واحدٍ في مَوضِعِه حقيقةٌ، ثمَّ هي لابتداءِ الغايَةِ في المكانِ اتِّفاقًا، نحوَ: ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾.
وفي الزمانِ عندَ الكُوفِيِّينَ، نحوَ: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾، ﴿وَمِنَ الْلَيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾، و﴿للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾. وصَحَّحَهُ ابنُ مالِكٍ وغيرُه لكَثْرَةِ شَواهِدِه، وتَأَوْيلُ البَصْرِيِّينَ مُتَعَسِّفٌ، لكنْ ذَكَرَ ابنُ أَبِي الرَّبِيعِ أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ بينَ الفريقَيْنِ في أنَّ (مِن) هل يَجُوزُ أنْ تَقَعَ مَوْقِعَ مُدَّةَ، فإنَّها لابتداءِ غايةِ الزمانِ بلا خلافٍ، فالبَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَ ذلك، والكُوفِيِّونَ يُجِيزُونَهُ، وما وَرَدَ في القرآنِ لا يُحْتَجُّ به على البَصْريِّينَ؛ لأنَّه لم يَرِدْ مُدَّةً، قبلُ وبعدُ.
(ص) وللتَّبْعِيضِ.
(ش) نحوَ: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾، وعلامَتُها جَوازُ الاسْتِغْنَاءِ عنها بـ (بعضِ)، وهنا بَحْثَانِ:
[ ١ / ٥٦٢ ]
أحدُهُما: أنَّه يَظُنُّ تَساوِي الصِّيغَتَيْنِ، أَعْنِي، (بعضَ) و(مِن) قالَ ابنُ أَبِي الرَّبِيعِ: كانَ بعضُهم يقولُ ذلك، وليسَ كما قالَ. قالَ: فإذا قُلْتَ: أَكَلْتُ من الرَّغِيفِ دَلَّتْ (مِن) على أنَّ الأكْلَ وَقَعَ بالرَّغِيفِ على جِهَةِ التَّبْعِيضِ، أو مُتَعَلِّقُ الأكْلِ بالرَّغِيفِ على وَجْهَيْنِ؛ إمَّا على أنَّها عَمَّهُ أو خَصَّ بعضَه، فدَخَلَتْ (مِن) لِبَيانِ ذلك.
وإذا قلتَ: أَكَلْتُ بعضَ الرَّغِيفِ، فليسَ الرَّغِيفُ مُتَعِلِّقُ الأكْلِ، وإنَّما مُتَعَلِّقُ البَعْضِ، وسِيقَ الرَّغِيفُ لتَخْصِيصِ ذلك البعضِ وزَوالِ= شِياعِه.
وإذا قلتَ: أَكَلْتُ من الرَّغِيفِ، فالرَّغِيفُ مُتَعَلِّقُ الأكْلِ، ودَخَلَتْ للتَّبْيينِ؛ إنَّه لم يَتَعَلَّقْ به على أنَّه عَمَّه، بل تَعَلَّقَ به على أَنَّه وَقَعَتْ به على جِهَةِ التَّبْعِيضِ.
الثاني: في صِدْقِ البَعْضِ على النِّصْفِ أو ما دُونَه قولانٍ لأهلِ اللُّغَةِ، وقياسًا جَرَيانُه هنا، ويَدُلُّ للثاني قولُه تعالَى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرَهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وقالَ الإمِامُ في كتابِ (الوَكَالَةِ من النِّهايَةِ) لو قالَ: بِعْ من عَبِيدِي مَن شِئْتَ، ليسَ للوَكِيلِ أنْ يَبِيعَ جَمِيعَهم، فإنَّ (مِن) تَقْتَضِي التَّبْعِيضِ، فلو بَاعَ جَمِيعَهم إلاَّ واحدًا نَفُذَ باتفاقِ الأصحابِ، وإن كانَ التَّبْعِيضُ في النَّظَمِ= المَعْرُوفِ، رُبَّمَا يُورَدُ على النِّصْفِ ممَّا دُونَه قالَ: وهذا يُنَاظِرُ الاسْتِثْنَاءَ، فإنَّ الغَالِبَ اسْتِثْنَاءُ الأقَلِّ واسْتِبْقَاءُ الأكْثَرِ، ولكنْ لو قالَ: على عَشْرَةٍ إلاَّ تِسْعَةٍ، صَحَّ وجُعِلَ مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ.
ص: ولِلتَّبْيينِ:
ش: نحوَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾. فإنَّ الأوثانَ كلُّها رِجْسٌ، فجَاءَ التَّبْيينُ بمَا بَعْدَها لجِنْسِ الذي قَبْلَها، وقولُه: ﴿خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ﴾، وقولُه ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾؛ أي: الذي هُمْ أَنْتُمْ؛ لأنَّ الخِطَابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فلا
[ ١ / ٥٦٣ ]
يُتَصَوَّرُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةٌ.
وعلامَتُها أنْ يَصِحَّ جَعْلَ= الذي مكانَها، فإنَّه لو قيلَ: اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الذي مِن الأوثانِ لصَحَّ، أو أنْ يَكُونَ ما بعدَها وَصْفًا لِمَا قَبْلَها، لصِحَّةِ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الوَثَنِيَّ، وجَعَلَ منه صَاحِبُ (الأَزْهِيَةِ) قولُ سِيبَوَيْهِ: هذا بابُ علم ما الكلم من العربِيَّةِ=؛ لأنَّ الكَلِمَ قد يَكُونَ عَرَبِيًّا وعَجْمِيًّا، فبَيَّنَ المُرادُ وهو العربِيَّةُ، كأنَّه قالَ: ما الكَلِمُ، الذي هو العربِيَّةُ.
وحَكَى الصيمريُّ من أَصْحَابِنَا عن الشَّافِعِيِّ فيما لو قالَ له: من هذا المَالُ ألْفٌ، فكانَ المالُ كلُّه أَلْفًا، إنَّه إقرارٌ بجَميعِه حَمْلًا، لـ (مِن) على التَّبْيينِ.
ص: والتَّعْلِيلُ والبَدَلُ.
ش: مثالُ الأوَّلِ: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾. والثاني: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾.
ص: والغَايَةُ:
ش: يُحْتَمَلُ تَعْبِيرُهُ بالغايَةِ دونَ انتهاءِ الغايةِ؛ أمَرَيْنِ:
أحدُهما: أنَّ الغايةَ كلُّها، وحَكَاهُ ابنُ أَبِي الرَّبِيعِ عن قوم، ٍ نحوَ: أَخَذْتُ من الياقوتِ، فالياقوتُ مُبْتَدَأُ الأَخْذِ ومُنْتَهاهُ، فدَخَلَتْ (مِن) الغايَةُ كلَّها، قالَ: وهذا إذا حُقِّقَ رَجَعَ لابتداءِ الغايَةِ؛ لأنَّها دَخَلَتْ، ولَمَّا لم يكنْ لِلْفِعْلِ امتدادٌ، وَجَبَ أنْ يكونَ المبتدأُ والمُنْتَهَى واحدٌ، ألاَ تَرَى مِن لا يَجِدُها للانتهاءِ خاصَّةً، وإنَّما تكونُ للابتداءِ وما زَادَ على ذلك فبالانْجرارِ
[ ١ / ٥٦٤ ]
والثاني: وهو الظاهرُ أنَّه على حَذْفِ مُضَافٍ؛ أي: انتهاءِ الغَايَةِ، منزلَة= (إلى) فتَكُونُ لابتداءِ الغايَةِ من الفاعَلِ، ولانتهاءِ غايةَ الفِعْلِ من المفعولِ، مثلَ: رَأَيْتُ الهِلالَ مِن دَارِي من خَلَلِ السحابِ؛ أي: مِن مَكانِي إلى خَلَلِ السحابِ، فابتداءُ الرُّؤْيَةِ وَقَعَ من الدارِ وانْتِهاؤُها في خللِ السحابِ.
وذَكَرَ ابنُ مالِكٍ أنَّ سِيبَوَيْهِ أَشَارَ إلى هذا المعنَى، وأَنْكَرَهُ جماعةٌ، وقالُوا: لم يَخْرُجْ عن ابتداءِ الغايَةِ، لكنَّ الأوْلَى ابتداؤُها في حقِّ الفاعلِ، والثانيةَ في حقِّ المفعولِ؛ لأنَّ الرؤيةَ إنَّما وَقَعَتْ بالهِلالِ، وهو في خَلَلِ السحابِ، ومنهم مَن جَعَلَها في الثانيةِ لابتداءِ الغايَةِ أيضًا، إلاَّ أنَّه جَعَلَ العامِلَ فيها فِعْلًا، كأنَّه قالَ: رَأَيْتُ الهلالَ من دَارِي ظاهِرًا من خَلَلِ السحابِ، وَرَدَ بأنَّ الخَبَرَ المحذوفَ الذي يَقُومُ المجرورُ مَقَامَه، إنَّما يَكُونُ بما يُنَاسِبُ معنَاهُ الحَرْفُ، و(مِن) الابتدائِيَّةُ لا يُفْهَمُ منها معنَى الكَوْنِ ولا الظهورِ، فلا يَنْبَغِي أنْ يُحْذَفَ، ومنهم مَن جَعَلَها بَدَلًا من الأُولَى.
ص: وتَنْصِيصُ العُمُومِ.
ش: وهي الدَّاخِلَةُ على نَكِرَه=، لا تَخْتَصُّ بالنَّفْيِ، نحوَ: مَا جَاءَنِي مِن رَجُلٍ، فإنَّه قَبْلَ دُخُولِها تَحْتَمِلُ نَفْيَ الجِنْسِ ونَفْيَ الواحِدِ؛ ولهذا يَصِحُّ أنْ تَقُولَ: بل رَجُلانِ، ويَمْتَنِعُ ذلك بعدَ دُخولِ (مِن)، أمَّا الواقِعَةُ بعدَ الأسماءِ العامَّةِ التي لا تُسْتَعْمَلُ إلاَّ في النَّفْيِ فتُفِيدُ معنَى التَّاكِيدِ لا غيرَ، نحو: ما جَاءَنِي مِن أَحَدٍ، فهو كقولِك: ما جَاءَنِي أَحَدٌ سِواهُ، قالَهُ الخَفَافُ والصَّيْمَرِيُّ وابنُ بَابَشَاذٍ وغيرُهم، أمَّا الواقعةُ في الإثباتِ،
[ ١ / ٥٦٥ ]
فلا يَجُوزُ زِيادَتُها خلافًا للكوفيِّينَ: ولا حجه= لهم فيه ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ لجَوازِ إرادَةِ البعْضِ، فإنَّ من الذنوبِ حُقوقًا لعِبادِه، واللهُ لا يَغْفِرُها بل يَسْتَوْهِنُها، وما نُقِلَ أنَّ قولَه: ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ إنَّما وَرَدَ في قومِ نُوحٍ، ولو سَلَّمَ أنَّها في هذه الآيةِ الأمَّةُ، فلا بُدَّ أنْ يَغْفِرَ بعضُ الذنوبِ لقومٍ، وجميعُها لآخَرِينَ.
ص: والفَصْلُ.
ش: نحوَ: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَ﴾ وتَعَرَّفْ بدُخولِها على ثانِي المُتَضَادَيْنِ.
ص: ومُرادَفَةُ (الباءُ) و(في) و(عندَ) و(على).
ش: فالأوَّلُ: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. قالَ يُونُسُ: أي بطَرْفٍ خَفِيٍّ، وتُحْتَمَلُ ابتداءُ الغايَةِ.
[ ١ / ٥٦٦ ]
والثاني: نحوَ: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ كذا قالُوا، والظاهرُ أنَّها على بابِها، والمعنَى صحيحٌ، والأَحْسَنُ التَّمْثِيلُ بما حَكَاهُ ابنُ الصَّبَّاغِ في (الشاملِ) عن الشَّافِعِيِّ في قَوْلِهِ تعالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ أنَّها بمعنَى (في) بدليلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
والثالثُ: نحوَ: ﴿لَنْ تُغْنِي عَنْهُمْ أَمْوَالِهِمْ وَلاَ أَوْلاَدِهِمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾، قالَه أَبُو عُبَيْدَةَ.
والرابعُ: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾. وقيلَ: على التَّضْمِينِ؛ أي: مَنَعْنَاهُ.
ص: الرابعُ والعشرونَ من شَرْطِيَّةٍ واسْتِفْهَامِيَّةٍ ومَوْصُولَةٍ ونَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ، قالَ أَبُو عَلِيٍّ: ونَكِرَةٌ تَامَّةٌ.
ش: (مَن) بالفَتْحِ تَاتِي شَرْطِيَّةً، نحوَ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.
واسْتِفْهَامِيَّةً، نحوَ: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾.
ومَوْصُولَةً، نحوَ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾.
[ ١ / ٥٦٧ ]
ونَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، نحوَ: مَرَرْتُ بمَن مُعْجَبٌ لك، تُرِيدُ بإنسانٍ مُعْجَب=، فوصْفُكَ لـ (مَن) بمُعْجَبٍ، وهو نَكِرَةٌ، دليلٌ على أنَّ (مَن) نَكِرَةٌ، ولا تُسْتَعْمَلُ مَوْصُوفَةٌ إلاَّ في حالِ التَّنْكِيرِ، سواءٌ كانَ المَوضِعُ صالحًا؛ لأنْ تَقَعُ فيه المَعْرِفَةُ أو لم تَكُنْ، خِلافًا للكِسائِيِّ، فإنَّه زَعَمَ أنَّ العَرَبَ لا تَسْتَعْمِلُها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً إلاَّ بِشَرْطِ وُقُوعِها في مَوْضِعٍ لا تَقَعُ فيه إلاَّ النَّكِرَةُ، نحوَ: رُبَّ مَن عَالِمٍ أَكْرَمْتُ، ورُبَّ مَن أَتَانِي أَحْسَنْتُ إليه، وهذا ضعيفٌ، وقد أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
فكَفَى بِنَا فَضْلًا على مَن غيرنا حُبُّ النبيِّ مُحَمَّدٍ إِيَانَا
بخَفْضِ غيرَ؛ أي: على أُنَاسٍ غَيْرَنَا، وأَثْبَتَ أَبُو عَلِيٍّ الفَارِسِيٍّ مَجِيئِهَا نَكِرَةً تَامَّةً، قالَه في قَوْلِهِ: ونِعْمَ مَنْ في سِرٍّ وإعْلانٍ، فزَعَمَ أنَّ الفَاعِلَ مُسْتَتِرٌ، و(مَنْ) تَمْييزُه، وقولُه: هو، مَخْصُوصٌ بالمَدْحِ، وقالَ غيرُه، مَنْ مَوصُولُ فاعلٍ، وعُلِمَ من ذِكْرِ المُصَنِّفِ الزيادَةُ فيما دونَ (مَنْ) أنَّها لا تَجِيءُ زائدَةً، وهو مذهبُ البَصْرِيِّينَ؛ لأنَّ الأسْمَاءَ لا تُرادُ بالقياسِ خلافًا للكِسَائِيِّ.
ص: الخامسُ والعشرونَ: (هَلْ) لطَلَبِ العِلْمِ= التصديقُ الإيجابيُّ لا التصوريُّ ولا للتصديقِ السلبيِّ.
ش: (هَلْ) حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ، ولا يُسْتَفْهَمُ بها عن التَّصَوُّرِ، وهو العِلْمُ بالمُفْرَدَاتِ؛ أي: لا يُسْأَلُ بها عن مَاهِيَّةِ الشيءِ، وإنَّما يُسْتَفْهَمُ بها عن التَّصْدِيقِ الإيجَابِيِّ كقولِك: هل قَامَ زَيْدٌ.
[ ١ / ٥٦٨ ]
ص: السادسُ والعشرونَ: (الواو) لمُطْلَقِ الجَمْعِ، وقيلَ: للتَّرْتِيبِ، وقيلَ: لِلْمَعِيَّةِ.
ش: في الواوِ العَاطِفَةِ مذاهِبَ، أَصَحُّهَا: أنَّها لمُطْلَقِ الجَمْعِ؛ أي: لا تَدُلُّ
على
[ ١ / ٥٦٩ ]
تَرْتِيبٍ ولا مَعِيَّةٍ، فإذا قلتَ: قَائمٌ زيدٌ وعَمْرٌو، احْتَمَلَ ثلاثةَ معانٍ، قيامُها في وقتٍ واحدٍ، وكونُ المُتَقَدَّمِ قَامَ أوْلًا، وكونُ المُتَأَخِّرِ قَامَ أوْلًا.
قالَ ابنُ مالِكٍ: لكنْ تَاخِيرَ العَاطِفَ كثيرٌ وتَقَدَّمَه قليلٌ والمَعِيَّةُ احْتِمَالٌ رَاجِحٌ، وهذا مُخَالِفٌ لكلامِ سِيبَوَيْه فإنَّه قالَ: وكذلك قولُك: مَرَرْتُ برَجُلٍ وحمارٍ، وكأنَّك مَرَرْتَ بأحدِهما، وليسَ في هذا دليلٌ أنَّه بَدَأَ بشيءٍ قبلَ شيءٍ ولا شيءٍ بعدَ شيءٍ. انتهى.
واسْتَدَّلَ ابنُ مالِكٍ بقولِه تعالَى: عَن مُنْكِرِي البَعْثِ ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾. فالموتُ بعدَ الحياةِ معَ أنَّهم قَدَّمُوه لِمَا كانَ الغَرَضُ نَفْيُ الجَمْعِ لا التَّرْتِيبِ. وإنَّما عَبَّرَ المُصَنِّفُ بمُطْلَقِ الجَمْعِ دونَ الجَمْعِ المُطْلَقِ كما عَبَّرَ ابنُ الحَاجِبِ؛ تَنْبِيهًا على صوابِ العِبَارَةِ، فإنَّ الجَمْعَ المُطْلَقُ هو الجَمْعُ المَوْصُوفُ بالإطْلاقِ؛ لأنَّا نَقُولُ بالضَّرُورَةِ بينَ الماهيَّةِ بلا قَيْدٍ، والمَاهِيَّةُ المُقَيَّدَةُ ولو بقَيْدِ= لا، والجَمْعُ المَوْصُوفُ بالإطْلاقِ لا يَتَنَاولُ غيرُ صُورَةٍ وهي قولُنا مَثَلًا: قَامَ زَيدٌ وعَمْرٌ، ولا يَدْخُلُ فيه المُقَيَّدُ بالمَاهِيَّةِ ولا بالتَّقْدِيمِ ولا بالتَّاخِيرِ لخُروجُهِمِا بالتَّقْييدِ عن الإطْلاقِ، وأمَّا مُطْلَقُ الجَمْعُ فعَامٌّ في؛ أي: جَمْع=
[ ١ / ٥٧٠ ]
كانَ، سواءٌ كانَ مُرَتَّبًا أو غيرَ مُرَتَّبٍ، فتَدْخُلُ فيه الصُّوَرُ الثلاثةُ، ونَظِيرُه قولُهم: مُطْلَقُ الماءِ، والماءُ المُطْلَقُ.
والقولُ الثاني: أنَّها تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، ونُقِلَ عن الفَرَّاءِ وثَعْلَبٍ وأَنْكَرَهُ السِّيرَافِيُّ وقالَ: لم أَرَهُ في كتابِ الفَرَّاءِ، وعَزَاهُ المَاوَرْدِيُّ في بابِ الوضوءِ للجُمْهُورِ من أصْحَابِنَا.
والثالثُ: أنَّها للمَعَيِّةِ: ونسبهُ الإمامُ في (البُرْهَانِ) للحَنَفِيَّةِ، وعَلِمَ بذلك أنَّ ما ذَكَرَهُ السِّيرَافِيُّ والفَارِسِيُّ والسُّهَيْلِيُّ من إجماعِ النُّحاةِ بَصْرِيِّهُمْ وكُوفِيِّهِم على أنَّ (الواو) لا تُرَتَّبَ، غيرُ صحيحٍ، وعَزَى ابنُ الخَبَّازِ وغيرُه من النَّحْوِيِّينِ التَّرْتِيبُ للشَّافِعِيِّ، وهو غَلَطٌ وقد اشْتَّدَ نَكِيرَ ابنُ السَّمْعَانِيُّ والأستاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وغيرُهما على مَن نَسَبَ ذلك إلى الشَّافِعِيِّ.
وقالَ ابنُ عُصْفُورٍ في (شَرْحِ الإيضاحِ): الخِلافُ في أنَّ (الواو) للتَّرْتِيبِ، مَحَلَّه إذا كانَ الفِعْلُ يُمْكِنُ صُدُورُه من واحدٍ، فأمَّا نحوَ: اخْتَصَمَ زيدٌ وعمرٌو، فلا خِلافَ أنَّها لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وذَكَرَ في (شرحِ الجُمَلِ) مُحْتَجًّا على القائلِ بالتَّرْتِيبِ، بأنَّ هذه الأفعالَ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، فكذا غيرُها.
[ ١ / ٥٧١ ]
الجزء الثاني