الحمد لله الذي فضلنا على الأمم بغزارة العلوم، ورزقنا ما لم يرزقهم من قوة الفهوم، وصلى الله على نبينا محمدٍ البالغ من الشرف أقصى المبروم، وعلى أصحابه وأتباعه صلاة تدوم، أما بعد:
فان الله ﷿ من علينا بالقرآن وحفظه من تبديل وتحريف، وبالسنة التي أنشأ لها علماء يحرسونها عن تجزيف، وباستخراج الفقه منهما وهو العلم الشريف، غير أنه لا يحصل إلا لمن حفظ القرآن والسنة ورزق الفهم اللطيف، وقد كان علماء السلف لا ينصبون أنفسهم للفتوى إلا بعد استكمال شروطها، فكانوا يحفظون القرآن، ويعرفون ناسخه من منسوخه، ومحكمه من متشابهه، وخاصه من عامه، ويوغلون في علومه ويحفظون اللغة العربية والأحاديث المروية، وينظرون في عدالة نقلتها؛ فيميزون صحيحها من سقيمها، وناسخها من منسوخها، ويوغلون في علومٍ لا تلزم لخوف أن تتعلق بما يلزم.
[ ٥١ ]
١- أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق، أنا محمد بن مرزوق الزعفراني، ⦗٥٢⦘ أنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابتٍ الخطيب، أنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي وعلي بن أبي علي البصري قالا: أنا علي بن عبد العزيز البرذعي، نا عبد الرحمن بن أبي حاتمٍ، نا أبي، قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى قال: قال محمد بن إدريس الشافعي (﵀): «الأصل: القرآن والسنة، فان لم يكن، فقياسٌ عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله ﷺ، وصح الإسناد منه: فهو سنة، والإجماع
⦗٦٠⦘
أكبر من الخبر المنفرد، [والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني: فما أشبه منها ظاهر الأحاديث أولاها به]، وإذا تكافأت الأحاديث، فأصحها ⦗٦١⦘ -إسنادًا- أولاها، وليس المنقطع بشيءٍ ما عدا منقطع ابن المسيب.
[ ٥١ ]
٢- أخبرنا عبد الحق، نا ابن مرزوق، أنا أحمد بن علي، أنا إبراهيم بن عمر البرمكي، (ح) وأنبأنا محمد بن عبد الباقي، عن البرمكي، أنا محمد بن عبد الله بن خلف، نا عمر بن محمد الجوهري، نا أبو بكرٍ ⦗٦٨⦘ الأثرم، قال: رأيت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ إذا كان في المسألة عن النبي ﷺ حديث لم يأخذ فيها بقول أحدٍٍ من الصحابة [ولا من بعده خلافه]، وإذا كان في المسألة عن أصحاب رسول الله ﷺ قول مختلف تخير من أقاويلهم ولم يخرج عن أقاويلهم إلى [قول] من بعدهم، وإذا لم يكن [فيها عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه قول] تخير من أقاويل التابعين، وربما كان الحديث عن النبي ﷺ وفي إسناده شيء فيأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، مثل حديث عمرو بن شعيب و[مثل حديث] إبراهيم الهجري، وربما أخذ بـ[الحديث] المرسل ما لم يجئ خلافه.
[ ٦٧ ]
٣- أخبرنا عبد الحق، أنا ابن مرزوق، نا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب ﵀، قال: أصول الأحكام في الشرع أربعة: الأول: العلم بكتاب الله ﷿ وما تضمنه من الأحكام محكمًا ومتشابهًا، وعمومًا وخصوصًا، ومجملًا ومفسرًا، وناسخًا ومنسوخًا.
والثاني: العلم بسنة رسول الله ﷺ الثابتة من أقواله وأفعاله، وطرقها في التواتر والآحاد، والصحة والفساد، وما كان منها على سببٍ وإطلاقٍ.
والثالث: العلم بأقاويل السلف فيما أجمعوا عليه واختلفوا فيه، ليتبع الإجماع ويجتهد في الرأي مع الاختلاف.
والرابع: العلم بالقياس الموجب لرد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها والمجمع عليها، حتى يجد المفتي طريقًا إلى العلم بأحكام النوازل وتمييز الحق من الباطل، فهذا ما لا مندوحة للمفتي عنه ولا يجوز له الإخلال بشيء منه.
[ ٦٨ ]
٤- قال: وقد أخبرنا محمد بن عبد الوهاب الكاتب، أنا علي بن عمر بن محمد الحضرمي، نا حاتم بن الحسن الشاشي، نا علي بن خشرمٍ، أنا عيسى بن يونس، عن ابن عونٍ، عن ابن سيرين، قال حذيفة: لا يفتي الناس إلا ثلاثة: رجل قد عرف ناسخ القرآن ومنسوخه، أو أمير لا يجد بدًا، أو أحمق متكلفٌ.
[ ٦٩ ]
٥- قال: وأخبرنا أبو الموفق محمد بن محمد النيسابوري، نا أحمد بن محمد بن الأزهر، أنا أحمد بن مروان المالكي، نا عبد الله بن مسلمة القعنبي، نا سهيل قال: قال الشافعي (﵀): لا يحل لأحدٍ يفتي في دين الله ﷿ إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله ﷺ، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن، ويكون بصيرًا باللغة [بصيرًا بالشعر] وما يحتاج إليه [للعلم والقرآن، ويستعمل مع هذه الإنصاف، وقلة الكلام] ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار، ويكون له قريحة بعد هذا وإذا كان [هذا] هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فـ[له أن يتكلم في العلم و] لا يفتي.
[ ٧٠ ]
٦- أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، عن إبراهيم بن عمر البرمكي ⦗٧١⦘ عن عبد العزيز بن جعفر، حدثنا أبو بكر الخلال، قال: أخبرني محمد بن علي، نا صالح بن أحمد بن حنبل، [عن أبيه أنه] قال: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالمًا بالسنن عالمًا بوجوه القرآن عالمًا بالأسانيد الصحيحة، وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفته بما جاء عن النبي ﷺ في السنن، وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها.
[ ٧٠ ]
٧- أخبرنا محمد بن ناصر، نا المبارك بن عبد الجبار، نا عبد العزيز بن علي الأزجي، قال: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد المفيد يقول: نا الحسن بن إسماعيل الربعي، قال: قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ وأنا أسمع: يا أبا عبد الله كم يكفي الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتي؟ يكفيه مئة ألف؟ قال لا. قيل: مئتا ألف؟ قال: لا. قيل: ثلاث مئة ألف؟ قال: لا، قيل: أربع مئة ألف؟ قال: لا. قيل: خمس مئة ألف؟ قال: أرجو.
[ ٧١ ]
فصل