فصل
فلما انقضى ذلك الشرب، وذهب الذين كانوا كاملين في العلوم، قد حصلوا شروط الاجتهاد، جاء بعدهم قوم من الفقهاء، فقلدوا القدماء في تصحيح حديث يحتجون به، وعولوا على الكتب التي وضعها أولئك: كـ «المسانيد» و«السنن»، إن كان في تلك الكتب ما لا يجوز تقليده، ثم جاء بعدهم أقوام قصرت هممهم عن مطالعة الكتب التي جمعها أولئك، فصاروا يقلدون التعاليق في باب الأحاديث، وذلك لا يكفي، فرب حديثٍ في التعاليق لم يقله رسول الله ﷺ، لا بل رب حديثٍ منقول في «السنن» بإسنادٍ لا يجوز التعويل عليه، مثل:
٣٥- ما روي أن رسول الله ﷺ قال لعائشة -وقد أسخنت ماءً في الشمس- «لا تفعلي، وأنه يورث البرص» .
[ ٩٣ ]
وهذا يرويه وهب القاص وخالد بن إسماعيل، وكانا كذابين.
قال أبو جعفر العقيلي الحافظ: لا يصح في الماء المشمس مسندٌ.
٣٦- ومثل ما روي: «أن رسول الله ﷺ جعل المضمضة والاستنشاق
[ ٩٦ ]
للجنب ثلاثًا فريضة»، يرويه: بركة بن محمد، وكان كذابًا، وما يقول به أحد من الفقهاء.
٣٧- ومثل: ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم» . وهذا قد رواه نوح بن أبي مريم.
[ ٩٧ ]
قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال الدارقطني: متروك. وقد رواه روح بن غطيفٍ وليس بثقة، قال البخاري: هذا الحديث باطل. وقال أبو حاتم بن حبان: هذا حديث موضوع لا شك فيه، ما قاله رسول الله ﷺ.
٣٨- ومثل: ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا مهر دون عشرة دراهم» . يرويه مبشر بن عبيدٍ وكان كذابًا.
٣٩- قال أحمد بن حنبل: لقن غياث بن إبراهيم داود الأودي، عن
[ ٩٨ ]
الشعبي، عن علي: لا يكون مهر أقل من عشرة دراهم. فصار حديثًا.
٤٠- ومثل ما روى الدارقطني في «السنن» من حديث ابن عباس: عن رسول الله ﷺ أنه فرض صدقة الفطر على كل صغير وكبير، يهودي أو نصراني. وهذا تفرد به سلام الطويل، قال يحيى بن معينٍ: لا يكتب حديثه. وقال النسائي: متروك.
٤١- ومثل ما روى يحيى بن عنبسة عن أبي حنيفة عن حمادٍ عن
[ ٩٩ ]
إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يجتمع على مؤمنٍ خراجٌ وعشر» . وهذا مما وضعه يحيى، لا يرويه غيره.
قال أبو حاتم بن حبان الحافظ: ليس هذا من كلام رسول الله ﷺ ويحيى بن عنبسة دجال بضع الحديث، لا تحل الرواية عنه.
وكذلك قال الدارقطني: هو دجالٌ يضع الحديث، قال: وهو كذب على أبي حنيفة ومن بعده إلى رسول الله ﷺ، ومثل هذا يطول.
وقد ذكروا كثيرا منه في التعاليق، وقد ذكرت أحاديث التعاليق ذكر
[ ١٠٠ ]
منصفٍ، وبينت صحيحها من سقيهما.
[ ١٠١ ]
فصل