أ - من حالات تعارض النص مع الظاهر في نصوص الكتاب: ما جاء في شأن حلِّ الزواج بالنساء غير المحرمات دون تحديد بعدد، مع ما جاء في تحديد ما يحل منهن بأربع زوجات.
ففي سورة النساء، بعد أن ذكر الله تعالى المحرمات من النساء قال سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (^١). وقال سبحانه في آية أخرى: (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].
_________________
(١) قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ [النساء: ٢٣، ٢٤].
[ ١ / ١٥٠ ]
فالآية الأولى: تدل على حل نكاح غير المحرمات المذكورات قبلًا، دون تحديد عدد، وهذه الدلالة من قبيل (الظاهر)، فيجوز للرجل بمقتضى عموم هذا الظاهر، أن يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجات.
والآية الثانية: (نص) في اقتصار الحل على الأربع، فتحرم الزيادة على هذا العدد.
وهكذا يقع التعارض فيما وراء الأربع، فهو حلال في الآية الأولى، حرام في الآية الثانية.
وفي هذه الحالة يقدم الأقوى: فيرجح النص - وهو تحديد الحل بأربع، وتحريم ما وراءها - على الظاهر الذي لم يحُدَّ الحلال من الزوجات بعدد، ويحمل الثاني على الأول، لأن النص سيق أصالة لإفادة هذا الحكم: وهو تحديد ما يحل للمسلم بأربع.
ومن هنا كان من المقرر شرعًا، أنه لا يجوز للمسلم أن يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجات.
وقيل: الآية الأولى (نص) في اشتراط المهر، والآية الثانية من قبيل (الظاهر) في عدم اشتراطه؛ لأن الكلام ساكت عن ذكره ومطلَق عنه، فيترجح النص ويجب المال.
ب - ومن أمثلة ذلك من الكتاب أيضًا (^١) قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] مع قوله سبحانه في آية أخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
فالآية الأولى تعطي - بما سقيت له - أن مدة الرضاع مقدّرة بحولين، وهذا (نص). والآية الثانية تعطي أن هذه المدة ثلاثون شهرًا؛ لأنها سيقت لبيان منّة الوالدة على الولد، بدليل أول الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ وهذا (ظاهر).
_________________
(١) راجع: "كشف الأسرار" شرح المصنف النسفي على المنار (١/ ١٤٦).
[ ١ / ١٥١ ]
وبتقديم النص على الظاهر، ترجح الآية الأولى على الثانية، وتكون مدة الرضاع حولين. واعتبار مدة الرضاع حولين كاملين هو قول الصاحبين. والمثال الذي بين أيدينا للتعارض بين الظاهر والنص: مستقيم على قولهما.
أما أبو حنيفة: فمدة الرضاع عنده ثلاثون شهرًا. والتقييد بحولين في الآية الأولى محمول في نظره على استحقاق الأجر؛ لأن المطلَّقة إذا طلبت أجرة الرضاع بعد حولين: لا يجبر الزوج على الإعطاء. ولو وقع ذلك في الحولين، يجبر على الإعطاء.
فقوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ أي لمن أراد من الآباء أن يُتم الرضاعة بالأجرة، وهذا لا يقتضي أن انتهاء مدة الرضاعة مطلقًا يكون بالحولين. . بل هو مدة استحقاق الأجر بالإرضاع (^١).
والراجح عندنا: ما ذهب إليه الصاحبان؛ لأن الحمل غير الفصال، والمجموع للحمل والفصال ثلاثون شهرًا، وليس هنالك ما يقوِّي حمل التقييد بالحولين في الآية الأولى على استحقاق الأجر (^٢). والجنوح إلى غير المعنى الظاهر للآية: يحتاج إلى دليل صالح لذلك.
ج - ويرى عبد العزيز البخاري صاحب "كشف الأسرار" أن مما يصلح مثالًا للتعارض بين الظاهر والنص من السنّة قوله ﵊: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (^٣) مع قوله: "مَن كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" (^٤).
فالنص الأول (ظاهر) في نفي الجواز عمومًا في كل صلاة، فيتناول
_________________
(١) راجع: "فتح القدير" (٣/ ٥ - ٦).
(٢) انظر: "الهداية" مع "فتح القدير"، و"العناية"، و"حاشية سعدي جلبي" (٣/ ٦).
(٣) رواه أحمد (٢٣٠٥٣) وأصحاب الكتب السنة بلفظ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" البخاري (٧٥٦)، مسلم (٣٩٤)، أبو داود (٨٢٢)، الترمذي (٢٤٧)، النسائي (٩١٠)، ابن ماجه (٨٣٧) بألفاظ مختلفة.
(٤) روي مسندًا من طرق كلها ضعاف، والصحيح أنه مرسل، "منتقى الأخبار" مع "نيل الأوطار" (٢/ ٢٢٨). وانظر ما يأتي في الحاشية: رقم (٢) من ص ١٥٤.
[ ١ / ١٥٢ ]
صلاة المقتدي والمنفرد، وذلك أخذًا من نفي الجنس المفهوم من (لا). والثاني (نص) في الجواز؛ لأنه أشد وضوحًا في إفادة معناه، لأن استعمال (لا) لنفي الفضيلة، واستعمال العام في بعض مفهوماته شائع ذائع.
وإذا كان الأمر كذلك: وقع التعارض في حق المقتدي، فيعمل بالنص ويحمل الأول وهو "صلاة إلا بفاتحة الكتاب" على المنفرد، أو على نفي الفضيلة (^١).
هذا: والمسألة التي يتضمنها مثال صاحب "الكشف" - وهي حكم قراءة المأموم خلف الإمام - أمر تشعبت فيه المسالك وتعددت فيه الآراء. وجماع أقاويل الفقهاء فيه ثلاثة:
١ - وجوب قراءة المأموم خلف إمامه، فيما يجهر به وفيما لا يجهر: سواء أسمع المؤتم قراءة الإمام أم لم يسمعها. ذهب إلى ذلك مكحول، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور.
٢ - وجوب قراءة المأموم خلف إمامه، في الصلاة السرية، دون الجهرية وبذلك قال الزهري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق.
٣ - عدم القراءة خلف الإمام مطلقًا، جهر الإمام، أو أسرّ، وإليه ذهب سفيان الثوري والحنفية (^٢).
وهذا القول الأخير، هو الذي دافع عنه صاحب "كشف الأسرار" في المثال المتقدم الذي جاء به ردًا على المخالفين، حيث اعتبر حكم القراءة خلف الإمام دائرًا بين حديثين: أحدهما نص، والآخر ظاهر، وطبيعي أن يقدَّم النص على الظاهر ويحمل الظاهر عليه.
غير أن الفريق الآخر، يجيب على حجة الحنفية بأن حديث "فقراءة الإمام له قراءة" عام؛ لأن القراءة مصدر مضاف - وهو من صيغ العموم -
_________________
(١) راجع: "كشف الأسرار شرح أصول البزدوي" (١/ ٤٩).
(٢) راجع: "معالم السنن" للخطابي (١/ ٢٠٥ - ٢٠٨) "فتح القدير" مع "الهداية" (١/ ٢٣٨ - ٢٤٠).
[ ١ / ١٥٣ ]
وحديث قراءة الفاتحة خاص. فلا معارضة، ويبنى العام على الخاص، وصلاة المأموم صلاة حقيقية، فتنتفي عند انتفاء القراءة.
والذي نرتضيه، هو ما ذهب إليه القائلون بالقراءة، حيث يحمل العام على الخاص في هذه الحالة، خصوصًا وأن أحاديث صحيحة عدة، قضت بوجوب فاتحة الكتاب في كل ركعة، دون تفريق بين إمام ومأموم (^١).
وهذه المجموعة من النصوص، صحيحة تجعل البراءة من عهدة قراءة الفاتحة، فيما نرى، صعبة المنال، ما دام دليل الترك لم يتوافر له ما توافر لتلك الأدلة.
ذلك أن الحديث المحتج به على عدم القراءة: حوله كلام من ناحية السند، وأقوى ما فيه أن يعتبر مرسلًا (^٢)، وقد أخذ الحنفية به لأنهم يعملون بالمرسل من الأحاديث.
_________________
(١) من هذه النصوص ما أخرجه الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة وغيرهم - كما سبق - من قوله ﷿: "لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن"، وقوله: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج"، وقوله: "لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد".
(٢) المعروف عند المحدثين: أن (الحديث المرسل) هو: ما رواه التابعي عن رسول الله ﷺ قولًا أو فعلًا أو تقريرًا، صغيرًا كان التابعي كالزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، أو كبيرًا كعبيد الله بن عدي بن الخيار، وقيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب. والذي اشتهر عند الأصوليين والفقهاء: أن المرسل يشمل المنقطع، وهو ما سقط منه راو واحد قبل التابعي، كما يشمل المعضل وهو ما سقط منه اثنان على التوالي. انظر: "اختصار علوم الحديث" للحافظ ابن كثير (ص ٣١)، "نزهة النظر شرح نخبة الفكر" لابن حجر العسقلاني (ص ٢٧)، "تدريب الراوي، شرح تقريب النووي" للسيوطي (ص ١١٧ - ١١٨). ولقد ذكر الحديث الذي نحن بصدده المجد بن تيمية في "منتقى الأخبار" من رواية عبد الله بن شداد ثم قال: وقد روي مسندًا من طرق كلها ضعاف، والصحيح: أنه مرسل. وذكر ابن حجر في "فتح الباري" أنه ضعيف عند الحفاظ، وأنه قد أُعِلَّ من قِبَل الدارقطني وغيره (٢/ ١٦٤)، ورواه أحمد في "المسند" (١٤٦٤٣) بسند فيه انقطاع. أما الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ٦) فقد أطال الكلام في تخريجه للحديث، وذكر طرقه، وأوضح ما فيها من ضعف أو علة أو إرسال، وما يمكن أن يقوّي بعضه بعضًا من تلك الطرق. وحكى في مقدمة ذلك حكم الدارقطني الذي أشار إليه صاحب "الفتح". =
[ ١ / ١٥٤ ]
وهكذا يبدو أن عبد العزيز البخاري ﵀، لو سلِم له المثال من ناحية الفقه والدراية؛ فإن قوة الدليل لم تسعفه من ناحية الرواية، حين أتى بالحديثين المذكورين ليضرب بهما مثلًا للتعارض في السنّة بين الظاهر والنص، وتقديم الأقوى منهما.
فالحديث الأول - وهو حديث وجوب الفاتحة - يرويه أحمد وأصحاب الكتب الستة، وتدعمه نصوص صحيحة أخرى.
والحديث الثاني "فقراءة الإمام له قراءة" حوله قيل وقال، وأقوى ما فيه أنه (مرسل). وعلى ذلك: لا يكون للمثال ما يجعله في موطن القوة وسلامة التطبيق، على قبول أن يكون بين النصين حمل للعام على الخاص - كما سبق -.