وبعد الذي مرّ: يجدر بنا توكيد أن ما تعنيه من الاجتهاد في التفسير، هو نوع من الاجتهاد، الذي يقوم به الباحث لتبين معنى النص، وفقه المراد منه.
ولقد يظهر ذلك بالعودة إلى ماهية الاجتهاد، ووظيفته التي يؤديها عند العلماء. فالاجتهاد في اصطلاح الأصوليين: (هو بذل الفقيه (^٢) جهده
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١/ ٧٣ - ٧٦) "البرهان في علوم القرآن" للزركشي (٢/ ١٦٤) فما بعدها.
(٢) ذكر (الفقيه) في التعريف هو ما جرى عليه الأكثرون. ولم يجد السعد التفتازاني حاجة للاحتراز بقيد (الفقيه) فإنه لا يصير فقيهًا إلا بعد الاجتهاد، اللهم إلا أن يراد بالفقه التهيؤ لمعرفة الأحكام. . . ثم ظاهر كلام القوم: أنه لا يتصور فقيه غير مجتهد، ولا مجتهد غير فقيه على الإطلاق، "حاشية السعد على شرح العضد المختصر ابن الحاجب" (٢/ ٢٨٩) وقد اعتبر الكمال بن الهمام ادِّعاء التفتازاني عدم الحاجة لقيد (الفقيه) في التعريف سهوًا: لأن المذكور بذل الطاقة، لا الاجتهاد، ولا يتصور بذل الطاقة من غير الفقيه في طلب حكم شرعي. ومال شارح التحرير ابن أمير الحاج، إلى ما ذهب إليه التفتازاني فقال في أثناء شرحه لكلام ابن الهمام مكرّرًا كلام السعد: (والظاهر من كلام الأصوليين أنه لا يتصور فقيه غير مجتهد، ولا مجتهد غير فقيه، وهو بالغ عاقل مسلم ذو ملكة يقتدر بها على استنتاج =
[ ١ / ٦٨ ]
للوصول إلى حكم شرعي من دليل تفصيلي من الأدلة التي يضعها الشارع للدلالة على الأحكام) (^١).
ولم يترك علماؤنا الأمر بدون تحديد؛ فليس بذل الجهد أيًا كانت صورته: يكون اجتهادًا في عرف الأصول، بل لا بد لتمام ذلك، من أن يبلغ المجتهد - باستفراغ وسعه في طلب الحكم من الدليل -: حدًا يحس معه العجز من نفسه عن مزيد طلب لذلك الحكم، لأنه استنفد كل المسالك التي لا بد من سلوكها للوصول إلى معرفة ما أراد (^٢).
_________________
(١) = الأحكام من مآخذها) "التقرير والتحبير" لابن أمير الحاج، شرح "التحرير" للكمال ابن الهمام (٣/ ٢٩١)، وانظر: "المستصفى" للغزالي (٢/ ٣٥٠) "الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي (٤/ ٢١٨)، "مختصر المنتهى" لابن الحاجب مع شرحه للعضد وحاشية التفتازاني (٢/ ٢٨٩)، "كشف الأسرار" لعبد العزيز البخاري، شرح "أصول البزدوي" (٤/ ١١٣٤) "إرشاد الفحول" للشوكاني (ص ٣٥٠).
(٢) الدليل التفصيلي هو الذي يتعلق بقضية مخصوصة، ويدل على حكم معين؛ وذلك كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] فهذا النص دليل تفصيلي، لأنه يتعلق بقضية مخصوصة، وهي أكل الميتة، ويدل على حكم معين، هو حرمة هذا الأكل. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فهو دليل تفصيلي يتعلق بزواج الأمهات، ويدل على حرمة هذا الزواج. انظر: "أصول الفقه" للشيخ زكريا البرديسي (ص ٤٥٩)، "التشريع الجنائي الإسلامي" للعلامة عبد القادر عودة ﵀ (١/ ٢٠٦). هذا قد جرى بعض الأصوليين، على أن الاجتهاد (بذل الفقيه جهده لتحصيل ظن بحكم شرعي) يريدون بذلك أن ما يصل إليه الفقيه ما هو إلا ظن، أي إدراك الطرف الراجح. وانظر: "المدخل إلى فقه الإمام ابن حنبل" لعبد القادر بدران (ص ١٧٨).
(٣) راجع: "المستصفى" (٢/ ٣٥٠) حيث يقول الغزالي: (والاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه بالعجز عن مزيد طلب) قلت: ولعل لذلك ارتباطًا بالمعنى اللغوي، فالاجتهاد في اللغة بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال، ولا يستعمل - كما قالوا - إلا فيما فيه كلفة ومشقة. ولهذا لا يقال: اجتهد فلان في حمل خردلة، ومن هنا رأينا أبا الحسن الآمدي يذكر في صلب التعريف، بذل الوسع إلى غاية الإحساس بالعجز عن مزيد طلب، فيقول: (وأما في الاصطلاح فمخصوص - يعني الاجتهاد - باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحسُّ من النفس العجز عن المزيد فيه) "الإحكام" للآمدي (٤/ ٢١٨).
[ ١ / ٦٩ ]
وعند الوقوف على ماهية الاجتهاد، كما حدَّدها علماء الأصول في الصورة التي عرضناها في تعريفه، يلاحظ أنه يشمل حالة عدم وجود نص على الحكم، كما يشمل حالة وجود نص عليه، فيكون الاجتهاد لاستنباط الحكم.
فمجال الاجتهاد هو ما يعرض من الوقائع وذلك في حالتين:
١ - أن تكون الوقائع غير منصوص على أحكامها.
ب - أن تكون مما نصّ على أحكامها، ولكن بنص غير قاطع ثبوتًا فهو ظني الثبوت، أو غير قاطع دلالة، فهو ظني الدلالة كما سيأتي.
وعلى هذا: فمجال الاجتهاد متسع لاستنباط الأحكام للوقائع الجديدة في حالة عدم وجود النص؛ وذلك بما نصب الشارع من أمارات للدلالة على الأحكام (^١)، كما أنه متسع في حالة وجود النص.
ومن أبرز ألوان الاجتهاد في حالة عدم وجود النص: "القياس" الذي أخذ به جمهور المسلمين (^٢). ويمكن تعريفه بأنه (إعطاء واقعة مسكوتٍ عنها حكمَ واقعة منصوصٍ عليها، لتساويهما في علة جامعة لذلك الحكم، لا تدرك بمجرد معرفة اللغة).
واجتهاد المستنبط، يقوم في هذه الحالة، على بذل الجهد للتحقق من إمكان القياس، وإعطاء الحكم للواقعة الجديدة: وذلك عن طريق البحث في
_________________
(١) كالقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، والاستصحاب، وسد الذرائع.
(٢) وقد خالف فيه إبراهيم بن سيار النظّام المتوفى سنة ٢٣١ هـ وداود بن علي الأصبهاني المتوفي سنة ٢٧٠ هـ والذي نشأ بظهوره مذهبُ الظاهرية، ذلك المذهب الذي أيقظه من رقاده أبو محمد علي بن حزم الأندلسي المتوفى سنة ٤٥٦ هـ غير أن داود يأخذ بما يسمونه القياس الجلي، وهو الذي يكون المقيس فيه أوْلى بالحكم من المقيس، أو مساويًا له؛ وهو ما يدعى عند الكثيرين: دلالة النص، أو مفهوم الموافقة. أما ابن حزم: فلم يفرق في الإنكار بين قياس جلي أو خفي. وخالف في القياس غير الجلي والقياس غير المنصوص على علته: الشيعةُ الإمامية. ومظان تفصيل ذلك مباحث القياس والتعليل في كتب الأصول. وانظر: "مصادر التشريع ومناهج الاستنباط" للمؤلف (ص ١٧٢).
[ ١ / ٧٠ ]
علة الحكم، ليصار إلى تعدية هذا الحكم، إلى كل واقعة وجدت فيها تلك العلة.
أما في حالة وجود النص: فيقوم الاجتهاد - وهو الاجتهاد البياني - على تفهُّم معنى النص، والكشف عن مرامي ألفاظه، ومدلولاتها؛ فهو اجتهاد ضمن دائرة النص الموجود في حدود الأصول اللغوية والشرعية (^١).
ولقد مرّ بنا أن بيان التفسير هو بيان ما فيه خفاء؛ وأن التفسير الذي نعنيه: هو اجتهاد يؤدي وظيفة هذا البيان.
أ - فاللفظ من حيث هو: قد يكون واضحًا، وقد يكون مبهمًا، وفي حالة وضوحه لا يخلو بعض أنواعه من الاحتمال الذي يجعله محتاجًا إلى تحديد المراد؛ فعلى المفسِّر أن يعلم أن اللفظ باق على احتماله؛ فهو من الظاهر، أو أنه قام الدليل الذي رجح غير المعنى الظاهر من ذلك اللفظ، فأصبح مؤولًا.
_________________
(١) وهكذا ترى أن دائرة الاجتهاد أوسع من دائرة القياس، وإن كان يطلق أحيانًا ويراد به القياس، وعلى كل فإن الاجتهاد يفترق عن القياس بما يلي:
(٢) يلاحظ الباحث بسهولة أن الاجتهاد أعم من القياس، فالاجتهاد حسب الذي أسلفنا: كما يشمل بذل الجهد فيما لا نص فيه للوصول إلى الحكم عن طريق القياس، أو الاستحسان، أو المصلحة المرسلة، أو الاستصحاب، أو أي طريق من طرق الاستنباط التي نصبت أمارة للدلالة على الحكم، فإنه يشمل بذل الجهد في حالة وجود النص للوصول إلى الحكم الشرعي، الذي دلّ عليه ذلك النص. أما القياس: فهو استفراغ الوسع فيما لا نص فيه، لإلحاقه بما فيه نص، والتسويةِ بينهما في الحكم؛ إذا ثبت اشتراك الواقعتين في العلة، فالاجتهاد أعم من القياس، وهكذا كان كل قياس اجتهادًا، ولا عكس.
(٣) مجال الاجتهاد ما يعرض للمكلف من وقائع؛ سواء أكانت في حدود المنصوص أم في حدود غير المنصوص، ولا كذلك القياس فإن مجاله الوقائع التي لم ترد فيها النصوص.
(٤) كان طبيعيًا والاجتهاد أعم من القياس أن تتعدد طرقه، بحيث تشمل - في حالة وجود النص -: بذل الجد لفهمه وبيانه والتوفيق بين ما ظاهره التعارض من النصوص والترجيح بينها، وبذل الجهد فيما لا نص فيه بالقياس وغيره، بينما لا يرى للقياس إلا طريقة واحدة هي البحث عن العلة للتسوية في الحكم بين الواقعتين.
[ ١ / ٧١ ]
وهذا العمل من المستنبط، هو اجتهاد عن طريقه يدرك المعنى المراد (^١).
وفي حالة إبهام اللفظ: تتعدد الألوان والمراتب؛ فمن المبهم ما يزول غموضه بعمل المجتهد وهو مجال التفسير، ومنه ما لا يزول غموضه، إلا ببيان من الشارع نفسه وهو المجمل.
والذي يعنينا الآن ما يمكن زواله بالاجتهاد (^٢). وإن كان لا بد للمفسر من معرفة ما إذا كان قد ورد بيان من الشارع لهذا المجمل أو لم يرد؛ لأن على هذه المعرفة تتوقف أحيانًا كثير من الأمور، إذ إن بيان الشارع يقطع الاحتمال.
وهكذا فالخفي، وهو أقل أنواع المبهم غموضًا، لا يكلف المجتهد كبير عناء في إزالة خفائه؛ فإن مما يوضح السبل أمامه عند إرادة تطبيق الحكم على واقعة جديدة، الرجوعَ إلى مجموع النصوص في الموضوع، مع مراعاة مقاصد الشريعة، وحكمة التشريع.
والحاجة إلى الاجتهاد قائمة في إزالة غموض المشكل، الذي هو أكثر خفاء من سابقه، بسبب أن الغموض لم يكن لعارض، وإنما كان من ذات اللفظ نفسه، فمثلًا: المشترك، وهو أحد أنواعه كما أسلفنا، لا بد لإزالة الغموض فيه وتحديد أحد المعنيين أو المعاني التي وضع لها اللفظ: من
_________________
(١) راجع: "مصادر الشريعة فيما لا نص فيه" لعبد الوهاب خلاف (ص ٨٩) فما بعدها، "مصادر التشريع الإسلامي ومناهج الاستنباط" (ص ١٦٤) للمؤلف، "أصول الفقه" للشيخ زكريا البرديسي (٤٦٥) فما بعدها، "المدخل للفقه الإسلامي" للدكتور محمد سلام مدكور (ص ٢٨٠).
(٢) الحنفية - كما مر - هم القائلون بأن بيان المجمل لا يكون إلا ببيان من المجمل نفسه، ولكن الشافعية ومَن معهم من العلماء يرون أن من أفراد المجمل ما يمكن زوال الغموض فيه عن طريق الاجتهاد. ومرد ذلك إلى الاختلاف في تحديد معنى (المجمل) إذ إن المجمل عند الشافعية ومَن معهم يشمل المجمل والمشكل والخفي عند الحنفية. وسيأتي تفصيل ذلك في مباحث "الواضح والمبهم من الألفاظ"، عند الحنفية والمتكلمين.
[ ١ / ٧٢ ]
بحث القاضي، واجتهاد المجتهد، وذلك عن طريق العودة إلى مجموعة النصوص، وتحديد مدلولات اللفظ عند العرب مع الاستعانة الجادة بعرف الشارع ومقاصد الشريعة.
وهكذا مع أن الخفاء في هذا النوع من المبهم، كان من ذات اللفظ، لم يمنع ذلك من إزالة الغموض باجتهاد المجتهد؛ فكانت الحاجة داعية لهذا الاجتهاد: وذلك لتحديد المعنى المراد، الذي به يخرج المكلف من العهدة فيسلك طريق الحِل، ويجتنب طريق الحرمة.
ب - وفي حالة وضع اللفظ للمعنى: قد يكون اللفظ عامًا؛ بحيث يدل بوضعه اللغوي على شموله واستغراقه جميع الأفراد التي يصدق عليها معناه، من غير حصر في كم معين.
وقد يكون خاصًّا بحيث يدل على فرد واحد أو أفراد متعددة محصورة.
ومن وظيفة المفسر: الاجتهاد في معرفة مدى دلالة اللفظ العام، وهل هو باق على عمومه فتتسع دائرة الحكم، بحيث تشمل جميع الأفراد التي تنطوي تحته، أم أنه قد ورد عليه ما يخصصه، فتضيق دائرة الحكم؛ بحيث تُقصَرُ على بعض أفراد العام (^١).
وإذا لم يكن عامًّا بل كان خاصًّا: فلا بد من الاجتهاد لتحديد نوعيته؛ فقد يكون مطلقًا بحيث يدل على فرد شائع في جنسه، وقد يكون مقيدًا، وهو على عكس المطلق، فلا بد من الاجتهاد، لمعرفة ما إذا كان المطلق باقيًا على إطلاقه، أم ورد عليه ما يقيده.
والاحتمالات قائمة؛ فليس في كل حالة يوجد فيها مطلق ومقيد، يمكن فيها حمل المطلق على المقيد.
ولدراسة مجموعة النصوص ذات العلاقة، وإدراك مدلولات ألفاظها
_________________
(١) راجع فيما يأتي: "مباحث العام في ماهيته ودلالته وتخصيصه".
[ ١ / ٧٣ ]
ضمن قواعد الشريعة، أثر كبير في تيسير سبل الدلالة على المعنى المراد، في مثل هذه الأحوال.
ولقد يكون الخاص صيغةً من صيغ التكليف، بحيث يدل على الأمر أو النهي. والمجتهد في إدراكه لماهية صيغ التكليف والبحث عن القرائن المرجحة، يهديه اجتهاده إلى معرفة ما إذا كان الأمر باقيًا على وجوبه، أم عرض له ما جعله للندب، أو الإباحة، أو غيرهما، وما إذا كان النهي باقيًا للتحريم، أم عرض له كذلك ما صرفه إلى غيره.
كما أن الاجتهاد طريق المستنبط لإدراك أثر النهي في المنهي عنه. كل ذلك في ضوء القواعد التي وضعها العلماء للتفسير، وفي ظل مقاصد الشريعة ومبادئها العامة (^١).
وهكذا تبدو الحاجة للاجتهاد، في حالة وضع اللفظ للمعنى في شتى أحواله، كما بدت في حالة غموض اللفظ، أو في حالة ظهوره عندما يكون في حيز الاحتمال.
ج - حتى إذا انتقلنا إلى دلالة الألفاظ على المعاني؛ رأينا أن الدلالة لا تكون دائمًا في حيِّز العبارة - كما أسلفنا - بحيث لا تحتاج إلى اجتهاد في إدراكها، وإنما قد تكون هذه الدلالة بإشارة النص، وفي الدلالة بالإشارة نوع خفاء لا يدرك إلا بالبحث والتأمُّل، وقد كان لعلمائنا - كما سيأتي - فسحة في ميدان الاستنباط من طريق هذه الدلالة، حتى رأينا من آثارهم كثيرًا من الأحكام التي كان مأخذها إشارة النص.
وليس ذلك فحسب؛ فإن النص بدل بمقتضاه أيضًا، بحيث تتوقف في بعض الحالات صحة الكلام العقلية أو الشرعية، أو صدقه على مقتضَى لا بد من تقديره في ضوء الاجتهاد والبحث.
وتلك دلالة، دعاها علماؤنا: دلالة الاقتضاء، وما أحسب الحاجة إلى الاجتهاد في مثل هذه الحال، موضع تردد أو شك.
_________________
(١) راجع فيما يأتي: "مباحث المطلق والمقيد، والأمر والنهي".
[ ١ / ٧٤ ]
على أن المقتضَى أثار عند علمائنا بحثَ صلاحيته للعموم، فهل يعمُّ أو لا يعم؟ وانبنى على ذلك اختلاف في كثير من الفروع، كانت أثرًا من آثار اختلافهم في مسالك الاستنباط التي قام عليها الاجتهاد في تفسير النص، وبيان دلالته على المعنى المراد.
ولقد يدل اللفظ على حكم للمسكوت، لاشتراكه مع المنطوق بعلة تدرك بمجرد معرفة اللغة، وقد اجتهد العلماء في الحكم على نوع هذه الدلالة، أهي دلالة لفظية أم قياسية؟ وترتب على ذلك آثار يأتي بحثها في الدلالات، نرى من خلالها ارتباط الفروع بقواعد الأصول (^١).
وهكذا نرى في تشعُّب دلالة اللفظ على المعنى، وتنوُّع وجود هذه الدلالة: أن الحاجة ماسة للاجتهاد في التفسير؛ فالحكم - كما أسلفنا - لا يؤخذ من العبارة فحسب، بل قد يكون مدلول الإشارة أو الاقتضاء، أو الدلالة. وبصورة عامة - كما يرى الأكثرون -: إن اللفظ يدل بمنطوقه ومفهومه (^٢). كما سيأتي تفصيل ذلك في حينه.
ولعل ما ذكرناه في تطوافنا حول الاجتهاد في بيان النصوص، يلقي ضوءًا جديدًا على ما دعا إليه ابن المبارك من الاعتماد على الأثر، وأن يستخدم الرأي في تفسير النصوص، وذلك قوله - كما سبق -: "ليكن الذي تعتمد عليه هذا الأثر وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث".
والآن: إذا كان ما قدمناه شأن الاجتهاد في حالة وجود النص، وذلك بفهمه والكشف عن معانيه، إن أمرًا على جانب عظيم من الأهمية يجب أن يضاف إلى ما ذكر؛ وهو: أن القياس في حقيقته لا بد له من تفهُّم النص
_________________
(١) انظر ما يأتي: في مبحث "دلالات الألفاظ على الأحكام" عند الحنفية والمتكلمين.
(٢) والمفهوم قد يكون مفهوم موافقة، وهو ما يدعوه الحنفية "دلالة النص" وقد يكون مفهوم مخالفة، بحيث يدل اللفظ على حكم للمسكوت نقيض حكم المنطوق. وهذا المفهوم لم يقل به الحنفية في نصوص الكتاب والسنّة وقال به الشافعية وآخرون - كما سيأتي - ضمن حدود معينة. واستدعى ذلك منهم اجتهادًا في معرفة صلاحية النص لأن يؤخذ بمفهومه المخالف، وتحديد مجال هذا المفهوم.
[ ١ / ٧٥ ]
المقيس عليه، لأنه لا يتسنى إدراك العلة المشتركة بين الواقعة المنصوص عليها، وبين الواقعة الجديدة المراد إعطاؤها الحكم من جديد، ومعرفة توفر الشروط لكل ركن من أركان القياس: إلا بفهم النص فهمًا صحيحًا، وإدراكِ مرامي ألفاظه ومعرفة حدود العلة التي على أساسها قام الحكم، ومن أجلها كان التوجيه إليه.
ولن يكون الباحث قائسًا سليم القياس إلا بذلك. وتلك حقيقة كشف عنها الإمام محمد بن إدريس الشافعي وأوضحها أيما إيضاح (^١). وهكذا نقف لنرى الحاجة للاجتهاد، بالمعنى الذي أردناه، قائمة ومطلوبة في كلتا الحالين.