لا شك في أن المدرسة العلمية، قد سلكت طريقًا وسطًا بين تطرف مدرسة الشرح على المتون، وبين تطرف المدرسة التاريخية؛ فلم تهمل إرادة المشرع الحقيقية، وفي الوقت نفسه أقامت لغير التشريع، وزنًا في أن يكون مصدرًا من مصادر القانون.
وبعد ذلك كله: لم تقف دون مرونة القانون وقدرته على مواجهة الحياة، دون أن يؤدي ذلك إلى الفوضى كما فعلت المدرسة التاريخية.
والآن
نترك هذه المدارس الثلاث التي نشأت للتفسير في أوربا، والتي كان من أقومها المدرسة العلمية؛ لنرى في أبحاثنا القادمة، أيَّ خصائص تميزت بها مناهج تفسير النصوص في الفقه الإسلامي.
_________________
(١) المصادر الرسمية للقانون هي: التي يستقي منها القاضي القاعدة القانونية التي يطبقها.
(٢) الحقائق الطبيعية هي: الظروف المادية التي يوجد فيها الإنسان، سواء تعلقت بتكوينه العضوي والنفسي والخلقي، أو تعلقت بالطبيعة نفسها كالمناخ وطبيعة التربة ونحو ذلك، أو كانت ظروفًا اقتصادية أو سياسية. والحقائق التاريخية هي: ذلك التراث من القواعد والمبادئ الذي ترثه الأمة عن الأجيال السابقة. والحقائق العقلية هي: الحقائق التي يكتشفها العقل من طبيعة الفرد، وعلاقته بغيره في المجتمع. أما الحقائق المثالية فهي: تلك النزعات المثالية، والميول والاتجاهات المعينة التي تساعد في تنظيم الروابط القانونية.
[ ١ / ١٠٨ ]
وبين يدَيْ ذلك، لا بد من إشارة عابرة إلى أن بين التفسير في الشريعة وبين التفسير في القانون أشواطًا بعيدة من التفاوت، قد تجعل سبيل المقارنة - لو سلكت - نوعًا من التجوز:
أ - فمن الناحية الزمنية: كان لمناهج التفسير في الشريعة السبق بما يزيد على ثلاثة عشر قرنًا من الزمان حيث تأصَّلت هذه المناهج وقامت راسخة البنيان، علمًا قائمًا بذاته، فيه كل مقومات الثبات والاستقرار، والقدرة على ضبط خطوات المفسِّر، التي تعصمه عن أي زلل أو انحراف.
ب - ومن الناحية الموضوعية: نرى أن مدارس التفسير التي وجدت في أوربا على اختلاف اتجاهاتها، وعلى اعترافنا، بأن أفضلها المدرسة العلمية التي سلكت سبيل الجادة بين المدرستين التقليدية والتاريخية؛ كل أولئك لا تصحبه ضوابط تحدد ما يراد عند التفسير، أو معايير تزن ما يتجه إليه القاضي، أو يقصده المشرع عندما يريد أن يفسر النص.
وهذه الموسوعة الفرنسية، عند حديثها عن الحاجة إلى التفسير والبيان عند الإبهام في النصوص، تعرض لنا كيف أن القانون المدني الفرنسي، قد ظهر، وهو خلوٌ من أية ضوابط أو قواعد في هذا المضمار، الأمر الذي جعل القاضي يفسر القانون عند الاقتضاء تبعًا لمواهبه المسلكية، وحسب ذمته (^١) وإن كان ذلك تحت مراقبة محكمة التمييز.
ولم تطمئن الموسوعة الفرنسية إلى هذا الأمر، بل أعلنت مخاوفها من التفسير الذي يقوم به القضاة، دون الاستناد إلى قواعد في التفسير، وضوابط يعتمد عليها في البيان (^٢).
_________________
(١) وهو يستوحي ذلك من: روح القانون، ومن الوثائق التي سبقت وضعه، ومن مصادره التي استقى منها مستعينًا بعد ذلك كله بالمنطق والذوق السليم.
(٢) وذلك قولها: (ومن هنا يفهم كم هي خطرة هذه السلطة من التفسير، ولذلك فإن الفقهاء الرومان كانوا يقولون: إن أحسن القوانين هو القانون الذي يترك أقل ما يمكن من الحرية لأهواء القضاة) انظر: La grande Encyclopédie des sciences des Lettres et des arts aut interpretation. ١.XX، P ٩٠٣ - ٩٠٤ وراجع: "المدخل إلى علم أصول الفقه" (ص ٤ - ٦، ٣٧٧ - ٣٧٩) لأستاذنا الدكتور معروف الدواليبي.
[ ١ / ١٠٩ ]
أما في الشريعة الإسلامية: فقد ألمحنا إلى خطوط عامة في قواعد التفسير، يأتي تفصيل ما بني عليها فيما يأتي من مباحث:
ففي دائرة من الضبط العلمي الدقيق، ترى مثلًا أنهم تتبعوا اللفظ - كما أشرنا من قبل - في حالات وضوحه وإيهامه، ووضعوا له الضوابط التي تتلاءم مع تدرجه في مراحل الوضوح ومراحل الإبهام، حيث يستضيء المفسّر بها ليكون على بيِّنة من أمره عند استنباط الحكم؛ فلا يحيد عن الجادة، ولا يخطئ الهدف.
كما تتبعوا حالات دلالة اللفظ على الحكم، بشتى صورها، وألوانها مبينين بجلاء ووضوح، ما تعنيه كل حالة من الحالات، وأي دلالة تكون أوْلى بالتقديم إذا كان هنالك تنوُّع وتعدُّد في تلك الدلالات.
وليس ذلك فحسب: بل وضعوا للَّفظ عند نسبته إلى معناه، موازين ومعايير، اتسعت لحالات شموله، وعدم شموله، وحقيقته، ومجازه وما يتفرع عن ذلك من قضايا ومسائل؛ كل ذلك في إطار من التأويل السليم.
وهكذا تبدو تلك المناهج متكاملة، يجد الباحث في ظلها، أنس الطمأنينة، وروعة الدقة والضبط، وإمكان، استخدامها والإفادة منها على مرّ الأزمنة والعصور، ما دامت العربية دمها الدافق، وروحها الأصيل.
وإذا كنا نكتفي الآن بالإشارة العابرة، واللمحة الموجزة، فلأن موضوع بحثنا القادم في القواعد وتحريرها في مختلف الاتجاهات، وضبط العلاقة بينها وبين ما نشأ عنها من فروع وأحكام، كله شاهد لما نقول.
وإن تعجب، فعجب أن يضع بعض الناس أنفسهم، في موطن الحكم على قواعد التفسير في الفقه الإسلامي، وهم على حال لا يستطيعون معها إدراك أسرار العربية، والنسب الصحيح بينها وبين شريعة الإسلام.
ولنتوجه شطر نفر من المستشرقين الذين يريدون الكلام حول الكتاب
[ ١ / ١١٠ ]
والسنّة وعقيدة الإسلام وشريعته (^١) ولنأخذ منهم (جولد تسهير) في مسألة واحدة لنراه يقول قالة الأعجمي في لسانه وفؤاده.
ففي معرض الحديث عن المبدأ الإسلامي، في السهولة ودفع الحرج، يعطي رأيه في (الأمر والنهي)، اللذين عليهما مدار أكثر الأحكام التكليفية في الشريعة. ولا يكتفي بإدلاء دلوه في قضية غريبة عن لغته ومدركاته، بل يترك ساحة المعرفة والأصول التي يقوم عليها استنباط الأحكام في الفقه الإسلامي، ليخرج علينا بحكم، مفاده: أن تنوع مدلولات الأمر والنهي في الأحكام، إنما كان أثرًا لمحاولات التحلل من القسوة التي تبدو في بعض النصوص.
وذلك حين يقرر، أن العلماء حركوا ذكاءهم، ليجدوا مخرجًا من المواضع الصعبة التي تمليها على المسلمين نصوص الأحكام القرآنية؛ فبعض الأمور المتصلبة: كانت تخفف، أو تطرح، بواسطة التوسع في شرح النصوص. وبواسطة التفسير يرجّح الوجوب، أو المنع في الفقه.
ويقرر أن عبارة الأمر أو المنع، تستخدم للتعبير عن الرغبة والاستحباب، أو الكراهة، ليكون ارتكاب ما أمر به في النصوص، أو نهي عنه لا يعاقب عليه ولا يعدُّ تخطيًا للقانون.
وقد مثَّل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] جاعلًا اختلاف الفقهاء في بعض الأمور، منوطًا بمقدار الحرص على التحلل من التزام (النهي) في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ وإيجاد المخرج منه (^٢).
وإذا عدنا إلى قواعد الأمر والنهي، كما سيأتي تفصيلها، نجد أثر اللغة والعرف الشرعي، في مسالك الاستنباط.
_________________
(١) انظر: كلام بروكلمان عن الوحي والقرآن في "تاريخ الأدب العربي" (١/ ١٣٥) فما بعدها، ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار.
(٢) "العقيدة والشريعة في الإسلام" لجولد تسهير (ص ٦٦ - ٧٦)، والأمثلة كثيرة.
[ ١ / ١١١ ]
ولقد قرر العلماء أن الأصل في الأمر الوجوب، وأن الأصل في النهي التحريم، والعدول عن ذلك لا يكون إلا بقرينة.
وقد استندوا في ذلك إلى أصل المعنى اللغوي، وإلى استقراء ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه، ومن أخذ عنهم من التابعين.
ومن الواضح أن علماءنا خصوا هذه القواعد، بمزيد من العناية؛ لأن أكثر الأحكام التكليفية - كما سبق - قائمة على (إفعل، لا تفعل) فقد حدّدوا معنى الأمر، ومعنى النهي، ومدى العلاقة بين المعنى اللغوي، وبين المعنى الشرعي، وفضّلوا القول في مقتضى الأمر من حيث الوجوب أو غيره، ومقتضاه من ناحية الوحدة والتكرار، ومقتضاه من الناحية الزمنية؛ من حيث الفور، أو التراخي، إلى غير ذلك من المباحث العامرة بالمعرفة والخير.
وقد فعلوا مثل ذلك في النهي، وإلى جانب هذا، كشفوا عن أثر النهي في المنهي عنه، سواء أكان ذلك في العبادات أم كان في العقود والمعاملات؛ لإعطاء الحكم فيما نهي عنه، من حيث الصحة، أو الفساد أو البطلان.
وما أحسب أن في دنيا التشريع ما يداني هذا الاستقصاء، ولا تلك الدقة التي نرى آثارها في كتب الأصول والفروع، على تشعب في المذاهب وتنوع في الاجتهادات، البعيدة عن الهوى والانحراف، المنبعثة من الحرص على الحقيقة، كاملة غير منقوصة. والعضِّ عليها بالنواجذ طلبًا لمرضاة الله تعالى، وتحقيقًا لمصلحة الفرد والمجتمع والأمة.
غير أن جولد تسهير، يحاول تنصيب نفسه للحُكم، حتى في قضية لها أكبر المساس بلغة غير لغته، وبيان جاء بغير لسانه.
بل يريد أن ينقل القضية من ميدان الضوابط التي قامت على مدلولات اللغة وقواعد الشريعة، إلى ميدان الأخلاق والسلوك، ليتَّهم العلماء بالانحراف، حين يتحولون - على حد زعمه - في الأمر، عن الوجوب إلى غيره، كما يتحولون في النهي، عن التحريم إلى غيره، وراء الهوى.
[ ١ / ١١٢ ]
على أن الباحث المنصف، يرى أن من أهم ما تميّز به الاستنباط في شريعة الإسلام، هذه الضوابط، التي ضمنت سلامة الاتجاه في التفسير. وأن الأئمة الذين يخشون الله في كل ما يأخذون وما يدعون، لا يُحكم عليهم بمفهومات تقوم على الانحراف والتزوير.
ولكن الذين في قلوبهم مرض، يأبون إلا أن يعلنوا عن أنفسهم حتى بالانحراف عن الطريق التي تقوم على احترام قواعد المنطق، والبحث العلمي المجرد، الذي لا يتأثر بما في النفس من حاجات ورغبات … ترتبط أول ما ترتبط بالأغراض التي من أجلها وُجه المستشرقون لدراسة الثقافة الإسلامية وأوضاع الشعوب الإسلامية، تلك الأغراض التي تنتمي أول ما تنتمي إلى مناهج التبشير ومخططات الاستعمار. وهذا لا يعني بحال من الأحوال الغضَّ من منهجية عدد من المستشرقين في البحث، أو نفي أن يكون فيهم أحيانًا من يرى في دراسته - ولو اليسير - من الإخلاص للحقيقة والمعرفة.
وعلى أية حال: فإن قواعد التفسير، التي تحمل في فقهنا عناصر خلودها، قد أثبتت وستثبت وجودها، كلما أُضيئت أمام رجال الفقه والقانون، سبل المعرفة، للصلة بمناهجها، وتبيّن خصائصها الأصيلة.
ولقد يرى الباحث كثيرًا من النماذج، التي تدل على إفادة كبريات مؤسساتنا القضائية من تلك القواعد؛ وذلك بردّ كثير من الأحكام إلى مبادئها (^١).
_________________
(١) انظر: لأمثلة ذلك في أحكام محكمة النقض المصرية الطعن ١٩٥٤ (الدائرة الجنائية ١/ ١٤)، الطعن ٤٤ (الدائرة المدنية ٢/ ٨٧٩) الطعن ٥ (الدائرة المدنية ٢/ ٩١٥)، الطعن ٩١، ٩٦ (الدائرة المدنية ١/ ٢٦٦) الطعن ٣٣ (الدائرة المدنية ١/ ٤٥)، الطعن ٥٢٣، (الدائرة الجنائية ١/ ١٧٣) الطعن ١٢١١ (الدائرة الجنائية ١/ ١٥٦)، الطعن ١٠٥٣ (الدائرة الجنائية ٢/ ٥٧٧) .. وفي فتاوى مجلس الدولة بسورية: انظر مثلًا: الرأي (٣٥٠ ف ٤/ ٢٠)، والرأي (٥٨ رقم خاص ١٩٦٠)، والرأي (٥١٤ ذ ف ٣ تاريخ ٢٤/ ٦/ ٩٦١)، والرأي (٤٩٢ ف تاريخ ١٨/ ٩/ ٩١١) والرأي (١٧٢ تاريخ ٢٦/ ٤/ ٩٦١)، والرأي (١٦٥ تاريخ ٢٨/ ٢/ ٩٦٢) وغير ذلك كثير لمَن أراد المزيد من الاستقصاء.
[ ١ / ١١٣ ]
كما أن كبار رجال القانون في العالم العربي خطوا أشواطًا واسعة في إبراز مجموعة من قواعد التفسير عندنا، وإعطائها ما تستحق من العناية (^١) الأمر الذي يسهِّل إمكان استخدامها في تفسير النصوص القانونية، في دنيا هذه الأمة التي جعلها الله خير أمة أُخرجت للناس.
انظر على سبيل المثال: الكتاب المتألق بموضوعه وبحوثه أعني "التشريع الجنائي الإسلامي" لعبد القادر عودة ﵀ الذي أثبت بين يدَيْ الحديث عن مصادر التشريع الجنائي في الشريعة، قواعد هذه الشريعة في تفسير النصوص الأمر الذي يشعر بالمنهجية الواضحة في طريقة أخذه الأحكام من النصوص والضبط في رد الفروع إلى الأصول. بكل أمانة، وتجرد، حرصًا على تبين الحقيقة، ووقوفًا عند الحق الذي نزل به الكتاب.
* * *
_________________
(١) انظر: فتاوى مجلس الدولة (١/ ١٦٤) فما بعدها، وانظر أيضًا: مباحث التفسير في "المدخل للعلوم القانونية" عند الأستاذ الدكتور عبد المنعم البدراوي، وعند الدكتور مرقص وغيرهما.
[ ١ / ١١٤ ]