وبدأ الشافعي طريقه فتفقه - أول ما تفقه - على أهل الحديث من علماء مكة، ثم ذهب إلى إمام أهل الحديث مالك بن أنس في المدينة، فلزمه وأفاد من علمه وفضله الكثير.
_________________
(١) راجع: مقدمة "البحر المحيط" للزركشي، مخطوطة دار الكتب المصرية. مقدمة "الحاصل" للأرموي، مختصر "المحصول" للرازي، مخطوطة دار الكتب المصرية. وانظر: "مقدمة ابن خلدون" تحقيق الدكتور علي عبد الواحد وافي (٣/ ١٣٠)، "التمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية" لمصطفى عبد الرازق (ص ٢٣٢) فما بعدها.
(٢) هذا: وقد أوضح ابن خلدون في "مقدمته" كيف دعت الحاجة إلى وضع قوانين الاستنباط، فقال عند حديثه عن تدوين أصول الفقه الذي تعتبر قواعد التفسير جوهره الذي يقوم عليه: (واعلم أن هذا الفن من الفنون المستحدَثة في الملة، وكان السلف في غنية عنه بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يحتاج فيها إلى أزيَد مما عندهم من الملكات اللسانية، وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام خصوصًا: فمنهم أخذ معظمها. . فلما انقرض السلف، وذهب الصدر الأول وانقلبت العلوم كلها صناعة - كما قررناه من قبل - واحتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة، فكتبوها فنًا قائمًا برأيه سمُّوه "أصول الفقه"). راجع: "مقدمة ابن خلدون" بتحقيق الدكتور علي عبد الواحد وافي (٣/ ١٠٣٠)، وانظر: "التمهيد في الفلسفة الإسلامية" لمصطفى عبد الرازق (ص ٢٣٣) فما بعدها.
[ ١ / ٨٢ ]
ولقد تسنّى للشافعي، فيما بعد، أن يتصل بمحمد بن الحسن ﵀ فيأخذ فقه أهل العراق، فانضم هذا إلى ذاك، ومعهما ما استوعبه من فقه مكة بنشأته وإقامته فيها.
كل هذا إلى إمامة في اللغة، ومعرفة بأساليب العرب في شعرها ونثرها، والبيئة التي نزل فيها الوحي. وإذ قد توافر ذلك كله لهذا الإمام الذكي الألمعي، بدأ بتوجيه الدراسات الفقهية وجهة علمية محددة، وهي وجهة العقل العلمي ووضع كتاب "الرسالة" استجابة لطلب عبد الرحمن بن مهدي - كما أسلفنا - التي تحدّث فيها عن الكتاب والسنّة ومراتب البيان، وعن الإجماع والقياس، ورتّب الأصول من كتاب وسنّة وإجماع وقياس وأنزلها منازلها.
كما تحدّث عن الناسخ والمنسوخ، والعموم والخصوص، والأمر والنهي، وعن المجمل وتفصيله، كما بحث الاستحسان، وذكر الاختلاف الجائز منه والمحرم، وأوضح أهمية العلم بلسان العرب لمن يريد فهم الكتاب والسنّة. وما يجب لمن يريد أن يكون قيَّاسًا من معرفة بالواقع مع الاطلاع العلمي كل ذلك بأسلوب علمي منظّم، وبحث منطقي دقيق. وإن كانت الرسالة التي بين أيدينا هي الرسالة الصغرى التي اختصر فيها الرسالة الكبرى التي ما تزال في حيز الفقدان. وفي كتاب "الأم" وغيره الكثير من القواعد الأصولية وتخريج الفروع الفقهية على الأصول.
ويبدو أنه ليس هناك ما يدل على أن أحدًا قبل الإمام الشافعي قد ألّف في أصول الفقه وتفسير النصوص على أن ذلك علم قائم بذاته. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: لم نكن نعرف العموم والخصوص حتى ورد الشافعي. وقال الجويني في "شرح الرسالة": (لم يسبق الشافعي في تصانيف الأصول ومعرفتها، وقد حكي عن ابن عباس تخصيص عموم، وعن بعضهم القول بالمفهوم من بعدهم لم يُقل في الأصول شيء، ولم يكن لهم فيه قدم، فإنا رأينا كتب السلف من التابعين وتابعي التابعين
[ ١ / ٨٣ ]
وغيرهم ما رأيناهم صنّفوا فيه) (^١).
وقد بيّن الرازي أن نسبة الشافعي إلى علم أصول الفقه كنسبة أرسططاليس إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض، وبعد أن قرر ذلك قال: (فكذلك هنا الناس كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل "أصول الفقه" ويستدلون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي يرجع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضتها، وترجيحاتها فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه ووضع للخلق قانونًا كليًا يرجع إليه في مراتب أدلة الشرع) (^٢).
أما ما يروى من أن قواعد وضعت قبل الشافعي؛ فالمقصود بذلك في رأينا تلك النثارات المضيئة التي ألمحنا إليها (^٣) من قبل؛ بدليل أن الحنفية مثلًا يظهر في مصنفاتهم ما يدل بوضوح - كما سيأتي - على أن القواعد الأصولية عندهم تهدي إليها فروع الأصحاب السابقين وأن قواعدهم ضوابط لتلك الفروع. فترى مثلًا أبا بكر الجصاص (^٤) عندما يريد أن يستدل على عدم صلاحية الأخذ بمفهوم المخالفة، يأتي بفرع فقهي مروي عن محمد بن
_________________
(١) "التمهيد لتأريخ الفلسفة الإسلامية" لمصطفى عبد الرازق (ص ٢٣٤) نقلًا عن نسخة خطية في المكتبة الأهلية بباريس.
(٢) "مناقب الإمام الشافعي" للرازي (ص ٩٨ - ١٠٢). وانظر: "التمهيد لتأريخ الفلسفة الإسلامية" لمصطفى عبد الرزاق (ص ٢٣٤) فما بعدها. وانظر له أيضًا: المقال السابع في العدد ٢٩ من مجلة الرسالة سنة ١ مجلد ٢. وانظر في مناقشة القائلين بسبق بعض أئمة الجعفرية في هذا: "أصول الفقه الجعفري" (ص ٦ - ٩)، "الإمام الصادق" (ص ٢٦٨ - ٢٧٠) لأستاذنا أبي زهرة.
(٣) انظر ما سبق (ص ٨١).
(٤) هو أبو بكر أحمد بن علي المكنى بالرازي نسبة إلى الري، والملقب بالجصاص نسبة إلى العمل بالجص، من كبار متقدمي الحنفية في التفسير لآيات الأحكام، والفقه والأصول. وممن تفقه عليه: الجرجاني شيخ القدوري، وأبو الحسن الزعفراني، من مصنفاته: "أحكام القرآن"، "أصول الفقه"، "شرح مختصر الكرخي"، "شرح مختصر الطحاوي"، "شرح الجامع الصغير وشرح الجامع الكبير" لمحمد بن الحسن في الفقه. توفي ﵀ سنة ٣٧٠ هـ.
[ ١ / ٨٤ ]
الحسن ﵀ يستنتج منه ما أراد (^١)، ولو أن في القضية قاعدة أصولية من وضع أبي يوسف أو محمد بن الحسن لذكرها، ونجد مثل ذلك في كثير من القواعد التي لا تراه يستدل لها إلا بفروع منقولة عن الأئمة الأولين؛ فما دامت الفروع بهذا الشكل فمعنى ذلك في نظره أن القاعدة الأصولية هي: كيت وكيت.
وجرى على هذه الطريقة من جاء بعد الجصاص من المؤلفين؛ يرى ذلك بوضوح عند البزدوي والسرخسي وغيرهما. فمثلًا: البزدوي في حديثه عن دلالة العام هل هي قطعية أو ظنية يقرر أنها قطعية لأن: (على هذا ذات فروع أصحابنا) (^٢). والسرخسي في بحث دلالة النص، وإثبات أنها ليست قياسًا، يستدل على ذلك بكثير من الفروع الفقهية المروية عن أئمة المذهب (^٣). ومثل ذلك كثير.
وهكذا كانت رسالة الإمام الشافعي، حدثًا جديدًا أدخل تفسير نصوص الأحكام من الكتاب والسنّة، في طور علمي محدد القواعد، منضبط القوانين والموازين، وحسبها أنها فتحت الآفاق، ومهّدت السبيل حتى جاء الكاتبون بعد الشافعي، فتابعوا الطريق، حيث أوسعوا القول بتلك القواعد والقوانين، وعملوا على تنمية علم أصول الفقه وتنسيقه وتحرير مسائله، وإن كانت بعض المباحث قد زيدت فيه، وهي بعلم الكلام أوْلى وأحرى.
ويبدو أن الأمر بالنسبة للشافعي لم يقتصر على "الرسالة" فقط، بل إن آثارًا متعددة لهذا الإمام بحثت في أصول الفقه وتفسير النصوص (^٤) كالذي نرى في كتابه الموسوعي "الأم" وغيره من مصنفاته.
_________________
(١) راجع: "أصول الفقه" للجصاص (١/ ٤٩ ب) مخطوطة دار الكتب المصرية، وانظر ما يأتي في مبحث: "مفهوم المخالفة".
(٢) راجع: "أصول البزدوي" (١/ ٢٩١) فما بعدها.
(٣) راجع: "أصول السرخسي" (١/ ٢٤١ - ٢٤٢).
(٤) انظر: "البحر المحيط" للزركشي مخطوط دار الكتب المصرية وقد طبع محققًا، و"نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" للدكتور علي سامي النشار (ص ٩ - ١٠) وقال الزركشي =
[ ١ / ٨٥ ]
هذا: وإن المتتبع لآثار العلماء في هذا الباب، يرى أنه كان لهم بعد الشافعي طريقتان أساسيتان مختلفتان:
إحداهما: طريقة نظرية، تقوم على تحقيق القواعد تحقيقًا منطقيًا، وإقرار ما يؤيده البرهان النقلي والعقلي منها، دون تأثر بفروع مذهب من المذاهب أو التقيد برأي إمام معين. فالمقصود في هذا الاتجاه: تحرير القاعدة وتنقيحها، من غير تطبيقها على أي مذهب تأييدًا أو نقضًا.
ومن هنا رأينا أن الكاتبين من الشافعية مثلًا، كثيرًا ما يختلفون في تحديد قاعدة من القواعد، بل كثيرًا ما نرى الخلاف بين واحد منهم أو أكثر وبين الإمام الشافعي واضع الرسالة نفسه، فمثلًا: نرى الإمام الشافعي يعتبر مفهوم الموافقة قياسًا جليًا، بينما نرى أكثر العلماء من الشافعية يفرقون بين القياس من حيث هو، وبين مفهوم الموافقة، ولسوف نرى في المباحث القادمة العديد من هذه النماذج.
وواضح أن هذا التجرد عن الالتزام برأي الإمام نفسه، إنما كان ثمرة من ثمرات اتجاه يقوم على تحديد قانون للاستنباط، مقوماتُه الدليل القائم على صحته، لا رأي هذا الإمام أو ذاك (^١).
وقد ظهر هذا الاتجاه عند الشافعية، والمالكية، والحنابلة، والشيعة الإمامية، والزيدية، والإباضية. ولقد كان فريق كبير من هؤلاء يكتبون وفق أسلوب علماء الكلام، فسميت الطريقة طريقة المتكلمين.
الثانية: طريقة تقوم على محاولة ضبط فروع أئمة الحنفية، بقواعد جديدة تعتبر هي الأصول، ثم رد تلك الفروع إليها، فترى الباحثين قد جعلوا فروع
_________________
(١) = في "البحر المحيط": (الشافعي أول مَن صنّف في أصول الفقه، صنّف فيه كتاب "الرسالة" و"كتاب أحكام القرآن" و"اختلاف الحديث" و"إبطال الاستحسان" و"كتاب القياس" ثم تبعه المصنفون في علم الأصول، قال أحمد بن حنبل: لم نكن تعرف العموم والخصوص حتى ورد الشافعي). وانظر: مقدمة "الحاصل" للأرموي، مختصر "المحصول" للرازي. مخطوطة دار الكتب المصرية.
(٢) راجع: "مقدمة ابن خلدون" (٣/ ١٠٣١) تحقيق الدكتور علي عبد الواحد وافي.
[ ١ / ٨٦ ]
الإمام أبي حنيفة ﵀ وأصحابه كأبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر وغيرهم، هي الأساس في الخط الذي جرى فيه سير القواعد المراد وضعها، فبدلًا من أن تكون هنالك قواعد تخضع لها فروع تستخرج منها، نجد هنا فروعًا تخضع لها القواعد، ولذلك نرى مثلًا أبا بكر الجصاص في كتابه "الأصول" يأتي بالقاعدة، وبعد أن يقررها يقول: على هذا دلّت فروع أصحابنا. وهذا ما نراه عند الدبوسي والسرخسي والبزدوي وغيرهم. وقد أشرت إلى ذلك من قبل.
والأمثلة على ذلك كثيرة وفيرة (^١). . . كما يأتي التفصيل في مواطنه من البحث؛ ومن هنا كانوا إذا لم تنضبط القاعدة على بعض الفروع، شكّلوها بالشكل الذي يتفق مع ذلك الفرع الذي خرج عن القاعدة. فمثلًا: إنهم يقررون أن (المشترك) لا يطلق على معنييه جميعًا مرة واحدة، وحين يخرج من ذلك واقعة من يوصي لمواليه - والمولى يشمل المعيق والمعتَق - خرجوا على القاعدة الأولى وقالوا: المشترك لا يَعُمُّ: في حال النفي، لا في حال الإثبات.
وبيان ذلك أنه على القاعدة الأولى: تبطل الوصية لجهالة الموصى له، وفي الحالة الثانية يمكن اعتبار الوصية غير باطلة، لأن الكلام مثبت لا منفي.
وكما في مسألة (المقتضى والمحذوف) التي سيأتي الكلام عنها في دلالة الاقتضاء؛ فالحنفية لا يقولون بمعموم المقتضى، ولكن عندما اعترضت سبيلهم بعض الفروع: عمدوا إلى التفريق بين المقتضى والمحذوف؛ فالأول لا عموم له والثاني لا مانع من أن يكون له عموم، فما بدا أن له عمومًا - كما في بعض الفروع - فهو من المحذوف، وليس من المقتضى.
_________________
(١) انظر: "الإحكام في أصول الأحكام" لابن حزم (٣/ ٩٨)، مقدمة "الإبهاج شرح المنهاج" لتقي الدين السبكي (١/ ٤) "أصول التشريع الإسلامي" لعلي حسب الله (ص ٧).
[ ١ / ٨٧ ]
ولما كان الحنفية هم الذين ساروا على هذا الاتجاه: فقد نسبت الطريقة إليهم وسميت باسمهم. وتتميز هذه الطريقة بكثرة الفروع والتطبيقات.
وهكذا يكون لدينا بعد تدوين الشافعي لقوانين الاستنباط طريقتان أصليتان هما: طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية هما الأساس لما كان وراءهما من الطرائق.
هذا: وقد غنيت المكتبة الفقهية بالعديد من المصنفات على كل من الطريقتين حيث جرى فيها أصحابها على إبراز القواعد والتدليل عليها، وإيضاح معالم المذهب فيها (^١).
على أن الأمر لم يقتصر في واقعه على ذلك، بل وجد من العلماء من جمع في تصنيفه بين الطريقتين كلتيهما (^٢).
_________________
(١) ومن أقدم هذه المصنفات على طريقة المتكلمين "العمد" أو "العهد" للقاضي عبد الجبار وشرحه "المعتمد" لأبي الحسين البصري تلميذ القاضي، وقد اطلعنا على "المعتمد" في "فيلم" لنسخة مخطوطة بمعهد المخطوطات للجامعة العربية وفيه نصوص من العمد التي تذكر لشرحها. وقد يسر لنا ذلك وكثيرًا غيره - مشكورًا - الأخ الأستاذ رشاد عبد المطلب. وبعد صدور الطبعة الأولى لكتابنا صدر "المعتمد" بجزأين ضخمين عن المعهد العربي الفرنسي بدمشق سنة ١٩٦٤ بتحقيق محمد حميد الله وآخرين. ومنها أيضًا "البرهان" لإمام الحرمين الجويني، ويوجد منه نسخة خطبة مصورة في دار الكتب المصرية، وقد يسر لنا الانتفاع بها وبكثير من المخطوطات غيرها في أصول الفقه والقواعد والاختلاف وفقه الكتاب والسنّة أمين قسم المخطوطات في الدار الأخ الأستاذ فؤاد السيد الذي لم يألُ جهدًا في هذه السبيل شكر الله له ولإخوانه هناك. وقد توفي الأستاذ فؤاد ﵀ قبل البدء بالطبعة الثانية هذه، والله المسؤول أن يجزل مثبوته ويجزيه عن العلم وأهله خير الجزاء. ومن أقدم ما بين أيدينا على طريقة الحنفية "أصول الفقه" لأبي بكر الجصاص، و"تقويم الأدلة" لأبي زيد الدبوسي. وفي دار الكتب المصرية نسخة خطية لكل منهما، وينسب البعض لأبي الحسن الكرخي شيخ الجصاص كتابًا في أصول الفقه، والذين بين أيدينا من آثاره رسالة صغيرة بعنوان "الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية" هي بعلم الخلاف ألصق منها يعلم أصول الفقه.
(٢) كما يلاحظ في كتاب "بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي" و"الإحكام" للمظفر الساعاتي من الحنفية. المتوفى سنة ٦٩٤ هـ.
[ ١ / ٨٨ ]
ومن الخير أن نقرر أن بعض المؤلفين، خرج على الطريقتين ونهج نهجًا فلم يلتزم بأسسهما التزامًا كاملًا، وإنما سلك سبيلًا غير ذلك (^١).
ولقد كان ذلك كله، أثرًا من آثار استنارة الفكر الإسلامي، والعمل على تحديد معالم الطريق في استنباط الأحكام من الكتاب والسنّة. ولقد بلغ علماؤنا في ذلك شأوًا بعيدًا حتى أصبح تحديد هذه المعالم وتذليل طرق الاستنباط وإيضاح سبله مرتبة فضل تقصد، ونافلة خير يبتغي بها رضوان الله.
_________________
(١) كما نرى في كتاب "الإحكام في أصول الأحكام" للإمام ابن حزم المتوفى سنة ٤٥٦ هـ. وقد تميز هذا الكتاب بذكر المصطلحات الأصولية التي نراها في أوله بين يدي مباحثه، ثم العناية بالسنن والآثار في أثناء عرض القواعد، إلى جانب الطابع الظاهري في الكتاب والتطبيقات العملية على الفروع. وكما نرى في "تخريج الفروع على الأصول" لأبي المناقب الزنجاني المتوفي سنة ٦٥٦ هـ. أحد أئمة الشافعية في العربية والفقه، وقد قام هذا الكتاب على تتبُّع المذهبين الحنفي والشافعي في أكثر أبواب الفقه وضبط الفروع فيهما بضوابط من أصول الفقه، والقواعد الفقهية، ورد الاختلاف في الفروع إلى الاختلاف في تلك الضوابط والأصول. وكان عمل المؤلف محاولة منهجية رائعة في بيان كيفية تفرع الأحكام عن أصولها وضوابطها في كلا المذهبين بطريقة منطقية سليمة تتسم بالدقة والتجرُّد. وقد وقعتُ على نسختين مخطوطتين منه إحداهما في دار الكتب المصرية، والثانية في الأزهر - وبها خروم - ثم تيسّر لي - بحمد الله - تحقيقه والتعليق عليه ونشره لأول مرة مقارنًا على النسختين المذكورتين معهدًا ميسّرًا للقارئ، وتمّ طبعه بعد الإنجاز أثناء عملي بالرسالة "تفسير النصوص" في مطبعة جامعة دمشق. ولا ننسى كتاب "الموافقات" للإمام أبي إسحاق الشاطبي، الذي سار في عرض القواعد في ظل العناية بمقاصد الشريعة والمصالح التي يقدّرها الشارع، ويرسم ضوابطها، مع حرص على العناية باللغة والتوجيه إلى معرفة البيئة التي نزل فيها الوحي، ومن الكتب الجامعة كتاب "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول" لمحمد علي الشوكاني من رجال القرن الثالث عشر. هذا: وفي مقدمات كتب الأصول، ومراجع الثقافة الإسلامية، غناء لمَن أراد الاستقصاء في مصنفات هذا العلم العظيم. وانظر: مقدمة "نفائس الأصول" للقرافي، شرح "المحصول" للرازي، مخطوط دار الكتب المصرية؛ ومقدمة "البحر المحيط" للزركشي، مخطوطة دار الكتب المصرية أيضًا.
[ ١ / ٨٩ ]
جاء في معرض الحديث عن القرآن قول الإمام الشافعي ﵀: (والناس في العلم بالقرآن طبقات: موقعهم من العلم، بقدر درجاتهم في العلم به. فحق على طلبة العلم، بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه: نصًا واستنباطًا. . فإن مَن أدرك علم أحكامه في كتابه، نصًا واستدلالًا، ووفّقه الله للقول، والعمل بما علم منه، فاز بالفضيلة في دينه، ودنياه، وانتفت عنه الرِيَب، ونوّرت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة) (^١).
* * *
_________________
(١) "الرسالة" (ص ١٩) بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه لله.
[ ١ / ٩٠ ]