إن ما أوردناه من تعريف الظاهر والنص، وعدم اشتراط سوق الكلام للمعنى المراد في الظاهر، هو صنيع العلماء حتى نهاية القرن الخامس. وقد أتينا آنفًا على ذكر الدبوسي والبزدوي، كما أتينا على ذكر السرخسي المتوفى بعد البزدوي وذلك سنة ٤٩٠ هـ.
ولكن مرحلة جديدة نشأت فيما بعد؛ فحين جاء شرّاح كلام فخر الإسلام البزدوي، نهج أكثرهم نهجًا جديدًا، في التفريق بين الظاهر والنص، فشرطوا في تعريفهم للظاهر .. أن لا يكون الكلام مسوقًا للمعنى المراد. وفي المقابل: شرطوا للنص: أن يكون الكلام مسوقًا لذاك المعنى.
فالظاهر، هو الذي لا يكون معناه الأصلي مقصودًا من السياق، والنص هو الذي يكون معناه الأصلي مقصودًا من السياق.
وقد تابعهم على ذلك كثير ممن جاء بعدهم، بينما سار الفريق الآخر على نهج الأولين، الذين لم يشترطوا للظاهر، كون معناه غير مقصود بالسياق.
_________________
(١) راجع: "كشف الأسرار" لعبد العزيز البخاري (١/ ٤٨).
(٢) انظر: "التلويح مع التوضيح" (١/ ١٢٦).
[ ١ / ١٣٣ ]
ترى ذلك مثلًا عند حافظ الدين النسفي صاحب "المنار" الذي عرّف الظاهر بأنه: (اسم لكلام ظهر المراد به للسامع بصيغته)، كما عرّف النص بأنه: (ما ازداد وضوحًا على الظاهر لمعنًى من المتكلم لا في نفس الصيغة) (^١).
وذلك ما رأيناه عند أهل القرنين الرابع والخامس، حيث لم يشترطوا عدم السوق في الظاهر، وقرروا أن الفرق بين النص، والظاهر، هو زيادة وضوح في النص بمعنًى من المتكلم، لا في الصيغة نفسها ..
أما من ذكرنا من المتأخرين: فقد درجوا على القول بأن قصد المتكلم إذا اقترن بالظاهر صار نصًا، وشرطوا في الظاهر أن لا يكون معناه مقصودًا بالسوق أصلًا، تفريقًا بينه وبين النص.