باب البيان في الأصول - على تشعُّب مسالكه وتنوُّع مذاهب العلماء فيه - وثيق الصلة بمناهج تفسير النصوص، أصيل العلاقة بها، يهدي إلى ذلك ما يجده الباحث في معاني الألفاظ، وتحديد المصطلحات، من صادق النسب بين البيان والتفسير.
لذا كان لزامًا أن يكون هذا الباب سبيلنا للكشف عن ماهية التفسير بالمعنى الذي نريد. ولسوف يعطينا ذلك مزيدًا من الوضوح في معالم استنباط الأحكام.
والبيان في اللغة: إظهار المقصود بأبلغ لفظ، وهو من الفهم وذكاء القلب، وأصله الكشف والظهور، فهو اسم لكل ما كشف عن معنى الكلام وأظهره (^١).
قال أبو عثمان الجاحظ: (والبيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى وهتك الحجاب دون الضمير) (^٢).
ومنه قوله ﵊: "إن من البيان لسحرًا" (^٣) وهكذا يستعمل البيان لغة في الإظهار والظهور.
_________________
(١) راجع: "النهاية" و"لسان العرب" مادة (بين).
(٢) "البيان والتبيين" (١/ ٧٦).
(٣) الحديث بهذا اللفظ رواه مالك (الموطأ: ٧) وأحمد (٤٦٥١) والبخاري (٥٧٦٧) وأبو داود (٥٠٠٧) والترمذي (٢٠٢٨) عن ابن عمر ﵄، وهو عند أحمد (٣٠٢٦) وأبي داود (٥٠١١) عن ابن عباس بلفظ: "إن من البيان لسحرًا". وفي رواية للبخاري عن ابن عباس قال: جاء رجلان من الشرق فخطبا، فقال ﷺ: "إن من البيان لسحرًا". وفي لفظ لأبي داود عن أبي بن كعب قال: - جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فجعل يتكلم بكلام، فقال النبي ﷺ: "إن من البيان لسحرًا وإن من الشعر حكمًا". =
[ ١ / ٢٣ ]
ولم يبتعد الأصوليون عن المعنى اللغوي في تعريفهم للبيان، فهو عندهم (إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب منفصلًا عما تستَّر به).
واعتبار البيان الإظهار دون الظهور، هو ما جرى عليه الإمام الشافعي وأكثر علماء الأصول من الحنفية، وعلى رأسهم فخر الإسلام البزدوي (^١) الذي قرر ذلك بقوله: (والمراد به - أي البيان - في هذا الباب عندنا الإظهار دون الظهور) (^٢).
وقد عزا عبد العزيز البخاري (^٣) شارح "أصول البزدوي" القول بالظهور، إلى بعض الحنفية، وأكثر الشافعية، مبينًا أنهم جنحوا إلى ذلك بناء على أن الأصل في البيان لغةً: الظهور، حيث يقال: بأن لي هذا المعنى بيانًا - أي ظهر واتضح -، وبان الهلال: أي ظهر وانكشف.
ولقد يؤيد ما ذهب إليه الأولون من جعل المراد بالبيان عندهم الإظهار دون الظهور، أي أن أكثر استعماله جاء بمعنى الإظهار، فإن الرجل إذا قال: بيّن فلان كذا بيانًا، يفهم منه العربي أنه أظهره إظهارًا لم يبقَ معه شك،
_________________
(١) = وانظر: "جامع الأصول في أحاديث الرسول" لابن الأثير الجزري (٩٤١٨، ٣٢١٨، ٣٢١٩)، "تخريج أحاديث البزدوي" للقاسم بن قطلوبغا (ق ٣٤) مخطوطة دار الكتب المصرية، وهو الآن قيد الطبع بتحقيقنا، "الجامع الصغير" للسيوطي مع "فيض القدير" للمناوي (٢/ ٥٢٤ - ٥٢٥)، "المقاصد الحسنة" للسخاوي (ص ١٢٩)، "كشف الخفا والإلباس" للعجلوني (١/ ٢٥٣ - ٢٥٥).
(٢) هو علي بن محمد، أبو الحسن فخر الإسلام البزدوي، من كبار الحنفية في الأصول والفقه والتفسير، كان من سكان سمرقند، ونسبته إلى قلعة بزدة. من تصانيفه: "المبسوط"، و"كنز الأصول إلى معرفة الأصول" ويعرف بـ "أصول البزدوي" و"غناء الفقهاء"، و"شرح الجامع الصغير والكبير" في الفقه، و"تفسير القرآن" توفي ﵀ في سنة ٤٨٢ هـ.
(٣) راجع: "الرسالة" للإمام الشافعي "باب كيف البيان" ص ٢١ فما بعدها تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر. "أصول البزدوي" (٣/ ٨٢٤) مع شرحه "كشف الأسرار" لعبد العزيز البخاري.
(٤) هو عبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين البخاري من كبار الحنفية في الأصول والفقه، من مصنفاته: "كشف الأسرار" في شرح أصول البزودي - وهو شرح متميَّز -، و"غاية التحقيق" شرح المنتخب الحسامي في الأصول للأخسيكثي، توفي سنة ٧٣٠ هـ.
[ ١ / ٢٤ ]
وإذا قيل: فلان ذو بيان، يراد منه الإظهار (^١).
ولقد كثر ورود البيان في التنزيل بمعنى الإظهار، كما يرى في قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨] وقوله تباركت أسماؤه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٨، ١٩] أي إظهار معانيه وأحكامه وشرائعه إذا أشكل عليك يا محمد شيء من معانيه، أو إظهاره على لسانك بالوحي حتى تقرأه (^٢). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ٤] (^٣).
وإن رسول الله ﷺ قلّده الله أمانة البيان لما أنزل إليه من كتاب فكان مأمورًا بأن يبين للناس ما ينزل إليه (^٤) ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤].
ولم ينتقل الرسول صلوات الله عليه إلى الرفيق الأعلى، حتى أدّى أمانة البيان كما أمره مولاه وعهد إليه، ولو كان البيان بمعنى الظهور وهو العلم الواقع للمبيَّن له، لما كان رسول الله مؤديًا لتلك الأمانة (^٥).
_________________
(١) راجع: "أصول السرخسي" (٢/ ٢٦)، "كشف الأسرار" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٤٢٨)، "مرآة الأصول شرح مرقاة الوصول" لمنلا خسرو (٢/ ١٢٢) مع حاشية الإزميري.
(٢) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٤/ ٥٢٩)، "كشف الأسرار" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٢٤).
(٣) جاء في "لسان العرب" لابن منظور نقلًا عن الزجاج في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ قيل: إنه عنى بالإنسان هاهنا النبي ﷺ، ويجوز في اللغة أن يكون الإنسان اسمًا لجنس الناس جميعًا، ويكون على هذا ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ جعله مميزًا، حتى انفصل الإنسان ببيانه وتميزه من جميع الحيوان.
(٤) انظر: "الرسالة" للإمام الشافعي (ص ٢١، ٢٩، ٣١)، "أصول السرخسي" (٢/ ٢٧)، "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر (٢/ ١٨٨ - ١٩٣).
(٥) قال شمس الأئمة السرخسي: (وقد كان رسول الله ﷺ مأمورًا بالبيان للناس … وقد علّمنا أنه بين للكل. ومَن وقع له العلم ببيانه أقر، ومَن لم يقع له أصر، ولو كان البيان عبارة عن العلم الواقع للمبين له لما كان هو - يعني رسول الله - متمِّمًا للبيان في حق الناس كلهم). انظر: "أصول السرخسي" (٢/ ٢٧).
[ ١ / ٢٥ ]
ومن هنا قرر عبد العزيز البخاري في "كشف الأسرار": أن (مَن جعل البيان بمعنى الظهور دون الإظهار، يلزمه القول: بأن كثيرًا من الأحكام لا يجب على من لا يتأمل في النصوص، كما أنه لا يجب الإيمان على من لا يتأمل في الآيات الدالة، ما لم يتبين لهم ذلك، ومردُّ ذلك: أن الظهور عبارة عن العلم للمكلف بما أريد منه، ولم يحصل له ذلك، وهذا فاسد) (^١).
* * *
_________________
(١) راجع: (٣/ ٨٢٤ - ٨٢٥) وانظر: "أصول السرخسي" (٢/ ٢٦ - ٢٧)، "حاشية الإزميري على المرآة" (٢/ ١٢٢).
[ ١ / ٢٦ ]