ويهمنا الآن: أن نحدد طبيعة العلاقة - التي أشرنا إليها من قبل - بين البيان، وبين ما نريده من (تفسير النصوص).
ولئن كنا نعني بالنصوص - كما تقدم - نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة (^١) - أعني المقبولة عند أهل الجرح والتعديل -.
إننا نعني بالتفسير: (بيان معاني الألفاظ، ودلالتها على الأحكام للعمل بالنص على وضع يُفهم من النص).
فإذا وضحَ ذلك، علمنا أن ما يرتبط من أوجه البيان السالفة الذكر بما نريد: إنما هو (بيان التفسير).
فبيان الضرورة لا دخل له جوهريًا فيما نحن فيه، إذ إن دلالته قائمة على الضرورة، حيث اعتبر السكوت بيانًا من أجلها مع أن الأصل في البيان النطق، فليس في بيان الضرورة نص يراد تفسيره، وإن كان لا غنًى للمفسر عن الإحاطة بمدلول السكوت في واقعة ما، للاستعانة على تفسير نص مرتبط بها.
والأوجه الثلاثة الباقية من بيان التقرير، والتغيير، والتبديل - عند من يعد التبديل من البيان - كلُّها واقعة من قبل الشارع، وليست من عمل المجتهد الذي يقتصر عمله على البحث عن وجودها؛ فلا علاقة لها بإزالة خفاء، أو إيضاح إبهام من قبله، إلا ما يكون من معرفة وجودها وثبوتها خصوصًا (النسخ).
أما بيان التفسير: وهو: بيان ما فيه خفاء، فينطوي تحته - كما سبق -
_________________
(١) انظر ما سبق (ص ٤٥).
[ ١ / ٥٣ ]
بيان الشارع للمجمل، وبيان المجتهد لبقية أحوال الخفاء؛ فالمجال متسع للكشف عن المعاني وإظهارها وتبينها.
وإذا كان لا بد لمن يقوم بتفسير النص: من معرفة ما وقع لهذا النص من أوجه البيان؛ فإن العلاقة المباشرة كائنة ببيان التفسير، والتفسيرُ بالمعنى الذي أردناه: مرتبط تمام الارتباط بإزالة الغموض إن وجد. فمن وظيفة المفسِّر أن يعمل بالبحث والاجتهاد على إزالة الغموض. ولقد يكون من عمله: إدراك ما إذا كان هنالك بيان من الشارع لما يريد تفسيره، أو نسخ له مثلًا، وما إذا كان هنالك تعارض ظاهري مع نص آخر. وعند ذلك يكون عمله: فيما وراء الساحة، التي صدر فيها عن الشارع بيان.
على أن ما نراه من هذا الارتباط ببيان التفسير: لا ينفي أن التفسير بالمعنى الذي نعنيه، لا يبتعد عن أصل معنى البيان: وهو الإظهار والكشف، عندما نعبر عنه ببيان معاني الألفاظ ودلالتها على الأحكام، للعمل بالنص على وضع يفهم من النص.
فمن التفسير: معرفة مرامي الألفاظ التي منها الواضح، ومنها المبهم، وإن كان بعض الواضح لا يخلو من احتمال - كما سيأتي -.
وكذلك فإن منه: معرفة دلالات الألفاظ على الأحكام، حيث تتعدد وجوهها ومناحيها؛ فليس كل نص تكون دلالته على الحكم بعبارته، بل غير العبارة من طرق الدلالة على الحكم: متعدد، من إشارة ودلالة واقتضاء (^١) وإن شئت فقل: دلالة اللفظ فيها (المنطوق) وفيها (المفهوم)، وتحت المنطوق والمفهوم تنطوي كل طرق دلالة الألفاظ على المعاني والأحكام.
ثم إن من التفسير: إدراك معاني الألفاظ في حالات (عمومها،
_________________
(١) فعبارة النص: هي دلالة الكلام على المعنى المقصود من سياقه أصالة أو تبعًا. وإشارة النص: هي الدلالة على معنى التزامي لم يقصد من الكلام قصدًا أصليًا، ودلالة النص: هي الدلالة على ثبوت حكم المنصوص عليه للمسكوت عنه من طريق علة الحكم التي يمكن إدراكها بمجرد المعرفة باللغة. أما الاقتضاء: فهو دلالة الكلام على مسكوت يتوقف عليه صدق الكلام، أو صحته من الناحية الشرعية، أو العقلية. . . كما سيأتي.
[ ١ / ٥٤ ]
واشتراكها)؛ كيف يكون شمولها، ونوع دلالتها على ما تشمل من أفراد، وكذلك في حالات (حصوصها) حين يكون اللفظ مطلقًا أو مقيدًا، أو صيغة من صيغ التكليف في أمر أو نهي؛ وذلك من حيث علاقةُ المطلق بالمقيد ومتى يؤخذ بالمطلق على إطلاقه ومتى يجب تقييده، ثم من حيث دلالة صيغة التكليف، والعمل الذي في حدوده يخرج المكلف من عهدة الامتثال، وإذا كانت الصيغة نهيًا: ما هو أثر النهي في المنهي عنه (^١). . . إلخ.
وهكذا تكون منافذ الاجتهاد مفتحة أمام المجتهد لبيان ما فيه خفاء في ظل ما ندعوه (بيان التفسير).