المعروف عن الإمام الشافعي ﵀ من كتبه: أنه لم يضع حدودًا بين الظاهر والنص: وهما في تعبيره اسمان لمسمى واحد، فالنص يطلق على الظاهر، والظاهر يطلق على النص.
وقد ذكر العلماء ذلك عنه، وأوضحوه، حين تكلموا عن الواضح من الألفاظ، في معرض بيان منهجهم في تفسير النصوص.
قال أبو الحسين البصري (^١) في "المعتمد": (وأما النص: فقد حدَّه الشافعي بأنه خطاب يعلم ما أريد به من الحكم، سواء كان مستقلًا بنفسه، أو علم المراد به بغيره، وكان يسمي المجمل نصًا) (^٢).
_________________
(١) هو محمد بن علي بن الطيب أحد أئمة المعتزلة الأعلام، له عدد من المؤلفات في أصول الدين وأصول الفقه، منها: "المعتمد" الذي شرح فيه كتاب "العمد" للقاضي عبد الجبار، والذي أخذ فخر الدين الرازي منه كتابه "المحصول"، توفي أبو الحسين في بغداد سنة ٤٣٦ هـ. "وفيات الأعيان" (٣/ ٤٠١).
(٢) انظر: ج ١ ص ٣١٩ بتحقيق محمد حميد الله. وانظر: "البحر المحيط" للزركشي.
[ ١ / ١٦٦ ]
وقال إلكيا الطبري (^١): (نصّ الشافعي على أن النص كل خطاب علم ما أريد به من الحكم). قال: (وهذا يلائم الاشتقاق لأنه إذا كان كذلك كان قد أظهر المراد به وكشف عنه. ثم على هذا ينقسم النص إلى: ما يحتمل، وإلى ما لا يحتمل).
وذكر الغزالي في "المستصفى" و"المنخول" مثل ذلك (^٢). كما ذكر قريبًا منه السبكي (^٣) في "الإبهاج" (^٤).
وفي كتب الشافعي - كما قدّمنا - دليل على ما قاله هؤلاء العلماء.
ففي باب (كيف البيان) من "الرسالة".
قال الشافعي: (والبيان اسم جامع لمعاني مجتمعة الأصول، متشعبة الفروع.
فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة المتشعبة: أنها بيان لمن خوطب بها ممن نزل القرآن بلسانه، متقاربةُ الاستواء عنده، وإن كان بعضها أشدَّ تأكيد بيان من بعض، ومختلفةٌ عند كل من يجهل لسان العرب.
قال الشافعي: فجماع ما أبان الله لخلقه في كتابه مما تعبّدهم به لما مضى من حكمه - جلّ ثناؤه - من وجوه:
_________________
(١) هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري الملقب بعماد الدين والمعروف بإلكيا الهراسي، و"الكيا" في الأعجمية: الكبير المقدّم بين الناس، تفقه على إمام الحرمين، وكان من كبار أئمة الشافعية في الأصول والفقه والتفسير. ودرّس بالمدرسة النظامية، وله عدد من المصنفات منها: "التلويح" في أصول الفقه، "أحكام القرآن" في التفسير، توفي أبو الحسن سنة ٥٠٤ هـ.
(٢) راجع: "المستصفى" للغزالي (١/ ٣٨٤).
(٣) هو عبد الوهاب بن علي، تاج الدين السبكي الملقب بقاضي القضاة وهو من كبار علماء الشافعية، كان فقيهًا أصوليًا مؤرخًا، وكان على جانب عظيم من القدرة على احتمال الأذى والصبر في سبيل الحق، وقد انتهت إليه رياسة القضاء بالشام، ودرّس في كثير من مدارس مصر والشام. من مصنفاته في الأصول: "جمع الجوامع" و"شرح مختصر ابن الحاجب" و"الإبهاج في شرح المنهاج" للبيضاوي، وقد بدأ أبوه تقي الدين السبكي هذا الشرح حتى وصل إلى قول البيضاوي: (الواجب أن تناول كل واحد فرض عين)، و"الترشيح" في اختيارات والده. ومن مصنفاته أيضًا: "طبقات الشافعية الكبرى" و"الوسطى"، و"الصغرى". توفي ﵀ سنة ٧٧١ هـ.
(٤) (١/ ٣٥٩) فما بعدها شرح "منهاج" البيضاوي.
[ ١ / ١٦٧ ]
فمنها: ما أبانه لخلقه نصًّا، مثل جمل فرائضه، في أن عليهم صلاة، وزكاة، وحجًا، وصومًا، وأنه حرّم الفواحش: ما ظهر منها وما بطن، ونصّ الزنى، والخمر، وأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير. وبيّن لهم كيف فرض الوضوء، مع غير ذلك مما بيَّن نصًا.
ومنها: ما أحكم فرضه بكتابه، وبيَّن كيف هو على لسان نبيه، مثل: عدد الصلوات، والزكاة ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل من كتابه.
ومنها: ما سنّ رسول الله ﷺ مما ليس فيه نص حكم. وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله ﷺ، والانتهاء إلى حكمه. فمن قبِل عن رسول الله ﷺ، فبفرض الله قبِل) (^١).
وهكذا أطلق الإمام الشافعي، على ما يحتمل، وما لا يحتمل أنه نص.
وفي مكان آخر يقابل النص بالمجمل فيقول:
(وسنن رسول الله مع كتاب الله وجهان، أحدهما: نص كتاب فاتَّبعه رسول الله كما أنزل الله. والآخر: جملة بيّن رسول الله فيه عن الله معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرضها عامًا، أو خاصًّا، وكيف أراد أن يأتي به العباد، وكلاهما اتّبع فيه كتاب الله) (^٢).
وممن تبنّى تعريف الشافعي للنص، وعدم التفريق بينه وبين الظاهر: القاضي أبو بكر الباقلاني (^٣).
ويبدو أن الإمام الشافعي ﵁، قد راعى المعنى اللغوي حين لم يفرّق بين النص والظاهر. قال إمام الحرمين في "البرهان":
(أما الشافعي فإنه يسمّي الظواهر نصوصًا في مجاري كلامه، وكذلك القاضي، وهو صحيح في وضع اللغة؛ فإن النص معناه الظهور) (^٤).
_________________
(١) "الرسالة" (ص ٢١ - ٢٢) تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر.
(٢) "الرسالة" (ص ٩١).
(٣) هو محمد بن الطيب بن محمد من أفاضل علماء المالكية وأئمة الأشعريين، من مصنفاته: "الإبانة" شرح "اللمع" في أصول الدين، "إعجاز القرآن" ومنها: "التمهيد" و"المقنع" في أصول الفقه، وله "كشف الأسرار وهتك الأستار" في الرد على الباطنية، توفي سنة ٤٠٣ هـ.
(٤) انظر: "البرهان" مخطوطة دار الكتب المصرية نسخة مصورة، ثم طبع محققًا.
[ ١ / ١٦٨ ]
وقال المازري (^١): (أشار الشافعي والقاضي أبو بكر إلى أن النص يسمى ظاهرًا، وليس ببعيد؛ لأن النص في أصل اللغة: الظهور) (^٢).
وقال ابن بَرهان (^٣): (ولعل الشافعي إنما سمّى الظاهر نصًا، لأنه لمح فيه المعنى اللغوي) (^٤).
* * *