أما المفسَّر: فهو (اللفظ الذي يدل على الحكم دلالة واضحة، لا يبقى معها احتمال للتأويل، أو التخصيص، ولكنه مما يقبل النسخ في عهد الرسالة).
وقد عبّر عنه السرخسي بأنه (اسم للمكشوف الذي يعرف المراد به مكشوفًا على وجه لا يبقى معه احتمال التأويل) (^٢).
وبهذا كان المفسَّر فوق الظاهر والنص وضوحًا؛ لأن احتمال التأويل والتخصيص قائم فيهما. أما المفسَّر فلا يحتمل شيئًا من ذلك، ويتبدى هذا في كثير من نصوص الأحكام.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦].
فلفظ ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ وإن كان يحتمل التخصيص، بأن يراد فئة منهم مثلًا دون أخرى، إلا أن كلمة ﴿كَافَّةً﴾ تنفي أي احتمال للتخصيص بفرد أو فئة
_________________
(١) انظر ما سبق (ص ١٣٦ - ١٣٧) فما بعد.
(٢) راجع: "أصول السرخسي" (١/ ١٦٥).
[ ١ / ١٤٠ ]
أو طائفة منهم، فلا يكون الخروج من عهدة امتثال الأمر، في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا﴾ إلا بقتال المشركين كافتهم، دون أي استثناء.
وكذلك قوله جلّ وعلا في حدّ القَذَفة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤].
وقوله تعالى في عقوبة الزنى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
فكل من كلمة ﴿ثَمَانِينَ﴾ في الآية الأولى، وكلمة ﴿مِائَةَ﴾ في الآية الثانية عدد، والعدد لا يحتمل الزيادة ولا النقص (^١)، فهو من المفسَّر؛ لذا كانت الدلالة في الآية الأولى على وجوب جلد القاذف ثمانين جلدة، وكانت الدلالة في الآية الثانية على وجوب جلد الزاني والزانية مائة جلدة: دلالة واضحة قطعية، لا تحتمل تأويلًا ولا تخصيصًا. ولكن هذه الأحكام كلها، كانت تحتمل النسخ في عهد الرسالة.
وهكذا يكون من المفسَّر: العام إذا لحقه ما يمنع احتماله للتخصيص، مثل قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ [الحجر: ص ٧٣]. فإن الملائكة جمعٌ عامٌّ محتمل للتخصيص؛ بأن يرد ما يدل على أن المراد بالملائكة: الأكثرون منهم مثلًا، فانسدّ باب التخصيص بذكر الكل في قوله: ﴿كُلُّهُمْ﴾ وذكر الكل احتمل تأويل التفرُّق بأن يكونوا قد سجدوا متفرقين، فقُطع ذلك بقوله تعالى: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ فصار مفسَّرًا (^٢).
ومن المفسَّر أيضًا: الصيغة التي ترد مجملة، ثم يلحقها بيان تفسيري قطعي من الشارع يبينها ويزيل إجمالها، حتى تصبح مفسَّرة لا تحتمل التأويل.
وذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج].
_________________
(١) وإن كان عدد "السبعين" تستعمله العرب للتكثير أحيانًا.
(٢) راجع "أصول البزدوي" مع "كشف الأسرار" (١/ ٥٠).
[ ١ / ١٤١ ]
فقد سئل أحمد بن يحين ما الهلع؟ فقال: قد فسّره الله ولا يكون تفسيرٌ أبينَ من تفسيره.
وكقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠، النساء: ٧٧] ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣].
فألفاظ الصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، ألفاظ مجملة لها معان لغوية، واستعملها الشارع في معان خاصة، فأصبح لها إلى جانب المعاني اللغوية، معانٍ شرعية، وجاءت الآيات الكريمة على ذكرها جملة غير مفصَّلة فبيّنها رسول الله ﷺ، وفصَّل معانيَها بأقواله وأفعاله؛ فصلّى وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي" (^١) وحجّ وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" (^٢) إلخ. وكتب في الزكاة ما كتب وبيّن حدود الصيام. فأصبحت هذه المجملات من المفسَّر.
وهكذا كل (مجمل) في الكتاب، يصبح (مفسَّرًا) بعد أن يبيّنه القرآن أو السنّة القولية، أو الفعلية بيانًا قاطعًا، ويكون هذا البيان جزءًا مكملًا وذلك ما يسمى اليوم بالتفسير التشريعي؛ وهو الذي يصدر عن المشرع نفسه تفسيرًا لقانون سابق (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٢٨) و(٦٣١) و(٦٠٠٨) و(٧٢٤٦)، ومسلم (٦٧٤)، وأبو داود (٥٨٩)، والترمذي (٢٠٥)، والنسائي (٢/ ٨)، وابن ماجه، (٩٧٩)، والدارقطني (١٠٦٨).
(٢) رواه أحمد (١٤٦٧٣) ومسلم والنسائي من حديث جابر بن عبد الله في رمي جمرة العقبة: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول: "لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه" وفي رواية: "لتأخذوا مناسككم" وقال الإمام النووي عند شرح الحديث: (فهذه اللام لام الأمر، ومعناه: خذوا مناسككم … وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات، هي أمور الحج وصفته، وهي مناسككم. فخذوها عني واقبلوها، واحفظوها واعملوا بها، وعلَّموها الناس) ثم قال الإمام النووي: (وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج، وهو نحو قوله ﷺ في الصلاة: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي") "شرح النووي على مسلم" (٩/ ٤٥). وانظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (٥/ ١٣٠) "منتقى الأخبار" مع "نيل الأوطار" (٥/ ٧٠) هذا: وفي "فتح الباري" للحافظ ابن حجر مع "الجامع الصحيح" قال ﷺ: "خذوا عني مناسككم" (٣/ ٢٦٤).
(٣) راجع ما سبق (ص ٩٦).
[ ١ / ١٤٢ ]
وبيان الكتاب أمانة، قُلدها نبينا صلوات الله وسلامه عليه بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
وهكذا يكون للمفسَّر موردان:
أحدهما: المورد المستفاد من الصيغة نفسها، بحيث لا تحتمل التأويل أو التخصيص.
والثاني: المورد المستفاد من بيان تفسيري قطعي، ملحق بالصيغة، صادر ممن له سلطة البيان؛ شأنَ المجمل الذي بيّنته السنة بيانًا قاطعًا.
ولقد أوضح ذلك البزدوي عندما عرّف المفسَّر بقوله: (وأما المفسَّر فما ازداد وضوحًا على النص سواء أكان بمعنًى في النص أم بغيره، بأن كان مجملًا فلحقه بيان قاطع، فانسدّ به باب التأويل، أو كان عامًا، فلحقه ما انسدّ به باب التخصيص) (^١).