أما المحكَم: فهو (اللفظ الذي دلّ على معناه، دلالة واضحة قطعية، لا تحتمل تأويلًا، ولا تخصيصًا، ولا نسخًا حتى في حياة النبي ﷺ، ولا بعد وفاته بالأولى) وذلك كقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَليمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢، المائدة: ٢٣٦، المؤمنون: ٣٥] فقد ثبت بالدليل المعقول، أنه وصف دائم لا يجوز سقوطه.
والمحكَم: مأخوذ من أحكم: بمعنى أتقن، يقال: بناء محكم: أي مأمون الانقضاض، وقيل: هو من قول القائل: أحكمت فلانًا عن كذا، أي رددته ومنعته، ومنه قول أحدهم:
أبني حنيفة أحكِموا سفهاءَكم … إني أخاف عليكمو أن أغضبا
_________________
(١) انظر: "كشف الأسرار" لعبد العزيز البخاري (١/ ٤٤)، "المنار" وشروحه (١/ ٣٥١) فما بعدها.
[ ١ / ١٤٤ ]
ومنه أيضًا حَكَمة (^١) الفرس، سميت بذلك لأنها تذللها لراكبها حتى تمنعها من الجِماح. وفي "النهاية" لابن الأثير من حديث ابن عباس: "قرأت المحكَم على عهد رسول الله ﷺ " يريد المفصَّل من القرآن؛ لأنه لم ينسخ منه شيء (^٢).
قال السرخسي: (فالمحكَم ممتنع من احتمال التأويل، ومن أن يرد عليه النسخ، ولهذا سمّى الله تعالى المحكمات: أمَّ الكتاب، أي الأصل الذي يكون المرجع إليه، بمنزلة الأم للولد، فإنه يُرجع إليها) (^٣).
فالمحكَم، لا يحتمل التأويل بإرادة معنًى آخر، إن كان خاصًّا، ولا التخصيص بإرادة معنًى خاص، إن كان عامًا؛ لأنه مفصَّل ومفسَّر تفسيرًا، لا يتطرق معه أيُّ احتمال.
أما النسخ: فإنه لا يحتمله في حياة النبي ﷺ - التي هي حِقبة التنزيل وعهد الرسالة - ولا بعدها.
ويبدو الإحكام في حالتين: