إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونصلي ونسلّم على نبينا محمد المبيِّن عن ربه كتابه، المبلغ عنه شريعته، وعلى آله وصحابته.
وَبَعْد: فقد يكون من نافلة القول الحديث عن مكانة وأهمية تفسير نصوص الأحكام من الكتاب والسنّة؛ فإن إلى هذين الأصلين الكريمين مردَّ شريعة الإسلام في مصادرها الأولى؛ إذ إنهما الينبوعان الأساسيان لتلك المصادر التي هي طريق العلماء لاستنباط الأحكام.
فالكتاب: وهو كليُّ الشريعة وأصل أصولها، كان سجلًا مباركًا تناول الأحكام - إلا قليلًا منها - بطريقة يزينها - في الغالب - طابع الإجمال.
وتليه السنّة التي كانت ترجمان بيانه وتفصيله، وطريق الوصول إلى هدايته. وفي ذلك يخاطب الله من أولاء كرامة البيان: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]. وكان البيان … وقال الرسول صلوات الله وسلامه عليه: "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه ".
ومن هنا كان البحث في مناهج تفسير نصوص الكتاب والسنّة، والصلة بمسالك استنباط الأحكام عند الأئمة، جديرًا بمزيد من المعرفة، حريًا بكثير من الدقة والإدراك.
[ ١ / ٩ ]
ولقد وقفت أمتنا في الماضي على سبيل المعرفة - ويدها هي العليا - فأعطت لبني البشر عن طريق أئمتها الأعلام مناهج لتفسير النصوص، قائمةً على قواعد العربية، ومفهومات الشريعة في مقاصدها وأعرافها، فأوضحت معالم الطريق، وسلكت بالاستنباط أقوم السبل، وكان ذلك تحقيقًا لقول الله ﵎: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
وقد مرّت تلك المناهج في مراحل أدخلتها في الطور العلمي القائم على أُسس وقواعد، وذلك بعد أن كان التفسير مبنيًا على السليقة العربية، وفهم من نزل الكتاب بلسانهم في ظل البيان النبوي الحكيم.
وهكذا كانت مناهج تفسير النصوص وقواعده عند أئمتنا الأولين: ثمرة جهود، ونتاج قرائح؛ فكانت الأساسَ الذي قام عليه البناء التشريعي، من حيث استخراجُ الأحكام من النصوص، ضمن إطار علمي من الضوابط، وفي ظل قواعد عامة تمنع الزلل، وتباعد عن الانحراف.
ولقد كان طبيعيًا - والعربية لسان شريعة الإسلام - أن توضع قواعد التفسير في ظل هذه الحقيقة. وهكذا وُضعت تلك القواعد بعد استقراء لأساليب العربية، وإدراك لطبيعتها في الخطاب، ومعرفة ما يمكن أن تؤديه الألفاظ والتراكيب من مدلولات، وإن كان للعرف الشرعي مكانه في التقديم، حين يدخل مدلول اللفظ العربي مع الشريعة في طور جديد.
وقد حفلت المكتبة الفقهية الإسلامية بالكثير من الآثار في هذا الموضوع، غير أن طابعًا من التعقيد طبع كثيرًا من المؤلفات في أصول الفقه، الأمر الذي احتاجت هذه القضية الكبرى معه إلى كثير من البحث والتنقيب، بغية الوصول إلى خيرات تلك الكنوز الدفينة، وراء العبارة الغامضة والأسلوب الذي كثيرًا ما يستعصي على غير ذوي الاختصاص، وإن كان عذر أولئك المؤلفين؛ أنهم التزموا طرائق عصورهم التي عاشوا في ظلها، وتأثروا بأساليبها ومناهج التأليف فيها.
ومن هنا كان لا بد للانتفاع بهذه الثروة المباركة، من جهد دائب، في
[ ١ / ١٠ ]
سبيل عرضها بأسلوب يجعلها قريبة المنال قدر المستطاع، ليمكن استخدامها في الطريق العملي، كما أراده لها الواضعون الأولون.
وعلى ذلك: يبدو لزامًا على الباحث في تلك المناهج، إلى جانب صلته بالكتاب والسنّة والعربية، أن يكون على معرفة بالمفاتيح الأولى لمصطلحات أولئك الأئمة في التعبير والضوابط، كيما يتسنى له دخول حِمَىً فيه - على ما نعتقد - الخيرُ الكثير الوفير الذي يشكل عنصرًا أساسيًا من عناصر ثروتنا الفقهية والتشريعية التي تميزت بها أمتنا عن سائر أمم الأرض.
هذا: ولقد كانت تشدني إلى البحث في (تفسير النصوص)، رغبة في مغرفة طرائق الأئمة في الاستنباط، وكيفية تخريج الفروع الفقهية على أصولها التي تنتمي إليها، وهي رغبة آذنت منذ أيام الدراسة الجامعية في الأزهر وفي الحقوق في جامعة دمشق، حيث أضاءت يومئذ قبسًا في العقل والتفكير وبدأت - والحمد لله - تتفاعل مع النفس بدافع الاقتناع بها طريقًا لخدمة الإسلام، ثم كان من فَضل الله أن يسّر تعهدها ورعايتها بالاطلاع الدائب والمتابعة الواعية … وتوالت الأيام تمضي، وكان هذا البحث الذي أكرمني الله به موضوعًا لرسالة الدكتوراه، في كلية الحقوق - جامعة القاهرة، ولقد رأيتني، وأنا حفِيٌّ به، كَلِفٌ بِحَزْنِه وسهله، أعيش معه أيامًا غالية، أرجو أن تكون ظلالها على خطاي في متابعة الطريق .. طريق الإسلام الخالد الذي أيقظ الإنسانية من سبات، ولسوف تصحو على شريعته من جديد لترى فيها خير منقذ مما تعانيه من جاهلية وظلمات.
وإذا كان لا بد من الإشارة إلى الأغراض التي يمكن أن يؤديها هذا الموضوع، فإنه يحقق أغراضًا كثيرة من أهمها:
أولًا: الخروج من عهدة الامتثال لما جاء من الأمر بتدبُّر القرآن وتعقله ووعي السنّة والعمل بها، لتكون شريعة الله هي المحكَّمة؛ فلا يمكن أن يكون تدبر أو تعقل، ولا وعي أو عمل بتلك النصوص، إلا بفهمها والكشف عن معانيها؛ وذلك عن طريق التفسير.
ثانيًا: معرفة مسالك الأئمة في الاستنباط، والإحاطة بطرائق استخراجهم
[ ١ / ١١ ]
للأحكام من منابعها الأولى في عصور ما قبل التقليد، وهذا أمر ينير السبيل أمام الباحث، ليدرك كيف أن هذه الشريعة الغنية بأصولها وفروعها، كانت - وما تزال - قادرة على أن تُمِدَّ الإنسانية في ميدان الأنظمة والتشريع بما يضمن لها الخير، والقوة، والمنعة، والعدالة المطلقة.
ثالثًا: ولقد يكون من بديهيات القول، أن من الأغراض التي يؤديها الموضوع، إدراكَ جانب كبير من الاختلاف بين الأئمة - فيما اختلفوا فيه - كيف نشأ وإلى أي الموارد ينتمي؛ لأن من أسباب الاختلاف الحكمَ على النص عند التفسير.
وبمعرفة الاختلاف وما يتصل به يسهل على الباحث الناطق بالضاد على الأقل قبل غيره، أن يَقْدُرَ الثروةَ الفقهية على اختلاف المذاهب فيها، حق قدرها، ويؤمن أن تشعُّب المذاهب في العصور الأولى من حضارتنا الفقهية لم يكن عبثًا، وإنما كان صورة لهذا البحر الزاخر من التشريع الذي وُلد - على غاية الكمال - وحيًا، ونما وترعرع - بالنسبة إلينا - بحثًا وفهمًا وتفريعًا، فكان شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
ومما لا شك فيه: أن في معرفة مسالك الأئمة والاختلاف، تنميةً للملكة الفقهية الواعية عند الباحث، لما يرى من نماذج حية عند الفقهاء في القدرة على استخراج الأحكام ورد الفروع إلى أصولها، وكيف تختلف هذه الفروع باختلاف الضوابط والأصول؛ وذلك بعد التثبُّت من صحة النص إن كان من السنة.
كما أن في ذلك ما يعطي القدرة على الدقة وضبط النفس، وعدم التسرع في حكم أو فتوى أو قضاء.
ومن هنا أقام الأولون العلم بالاختلاف، في موضع الإيضاح لمعالم الطريق.
روى ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" أن سعيد بن أبي عَروبة قال: مَن لم يسمع الاختلاف فلا تعدوه عالمًا.
[ ١ / ١٢ ]
وروى عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالمًا باختلاف الناس؛ فإنه إن لم يكن كذلك، ردّ من العلم ما هو أوثقُ من الذي في يديه.
رابعًا: فيما وراء بيان النبي ﷺ الذي هو من نصوص الأحكام، سواء في تقرير حكم قرآني أو بيان لمجمل الكتاب، أو إنشاء حكم جديد: لا بد من الإشارة إلى أن قواعد التفسير التي نحن بصدد الحديث عنها، ليست في موضع القداسة بحيث تحمل طابع الإلزام الديني.
ذلك أن هذه القواعد - كما أسلفنا - قامت على استقراء أساليب العربية، وإدراك المدلول الصحيح للخطاب في لسان العرب، وكذلك إدراك القواعد العامة للتشريع، فمن الممكن أن تكون طريقنا لفهم القانون وتفسيره، وعلى الأخص في بلادنا العربية التي أصبحت العربية فيها لغة القانون.
وإذا كان عندنا - في البلاد العربية - دولة كالعراق ما تزال تستمد قانون الأحوال الشخصية من فقه الحنفية، فالبلاد العربية الأخرى - شأنَ بلدنا - تعتبر الشريعة الإسلامية بمذاهبها المتعددة الغامرة بالخير، مصدرًا لما يسمى بقانون الأحوال الشخصية، والقانون المدني ينتسب في كثير من أبوابه إلى أصولها.
ويمكن القول بلا تحفظ:
إنه حتى القوانين التي كانت تنتمي إلى أصل أجنبي أصبحت الآن عربية، ويجب أن تفسر بناء على قواعد التفسير التي نمت وترعرعت في ظل بيان اللغة العربية.
خصوصًا أن هذه القوانين تمثل واقع هذه الحقبة من حياة الأمة، وأنّ لغتها في خطاب المواطنين الذين يجب أن يفهموا القانون الذي يحكم تصرفاتهم: هي العربية. وإن كان هذا الواقع لا يعفي من تقرير أن واجب أمتنا الذي لا مندوحة عنه هو العودة الصحيحة إلى الشريعة لتكون هي الأصل في كل تقنين تريد.
وتقرر الكثرة من علماء القانون اليوم: أنه حتى عند إبهام النص، لا ضرورة للعودة إلى النص الأجنبي، وإن كان البعض قد أجاز العودة في
[ ١ / ١٣ ]
حالات نادرة من التعارض، ليكون ذلك طريقًا إلى ترجيح حكم على حكم.
وفي ذلك يقول الدكتور عبد الرزاق السنهوري في معرض الحديث عن المادة ٢٩٣ عقوبات قديم في مصر والتي أصبحت ٣٣٦ من قانون العقوبات الجديد بعد أن يبين الرأيين في الموضوع ويوجه الرأي القائل بعدم العودة إلى النص الأجنبي: (على أنه يلاحظ أن مثل هذا الجدل إذا كان مما يسوغ التعرض له في ظل التقنينات القديمة التي وضعت أولًا باللغة الفرنسية، واعتبرت الترجمة العربية صيغة رسمية، فإنه لا يمكن أن تثور بالنسبة للتقنينات الجديدة، إذ لا شبهة في أن اللغة العربية هي الأصل، وعليها وحدها يكون المدار) (^١).
ولقد يبدو الأمر أكثر وضوحًا يوم نستأنف السير فتغدو الشريعة - كما أسلفنا - مصدرنا الأساسي في التقنين، ويكونَ حكمنا حكمًا بما أنزل الله.
ولا شكَّ أن الاستقلال التشريعي لأمة نهضت من عثار، وتحررت من سلطان الغاصبين، يجب أن يساوق الاستقلال السياسي، وإن أمتنا الغنية الثرية في هذا الميدان تفتقر إلى أمرين:
الأول: الإيمان بذاتها وطاقاتها وأرضها الطيبة في شريعتها ولغتها.
الثاني: أن تتولى هذه الثروةَ بعناية، وتعرضَها العرض الصحيح. وهذا لا يتنافى أبدًا مع الإفادة من تنظيم الآخرين، وما عندهم من نظريات كانت ثمرةَ الواقع الحضاري اليوم.
وتبقى ثروتنا الفقهية، ومناهجها في التفسير: محط أنظار العالم، ونحن أجدر أن نستمسك بثروة نبتت في أرضنا، وجاءت دينًا بلغتنا، خصوصًا والعربية عندنا - كما سلف - أصبحت لغة القانون.
وإني لأرجو أن يكون عملي في تفسير النصوص محاولة للإسهام في هذا الباب، والله المستعان.
_________________
(١) "أصول القانون" للسنهوري وأبو ستيت (ص ٢٤٢).
[ ١ / ١٤ ]