أما النصوص التي نريدها بقولنا: "تفسير النصوص"، فهي نصوص الأحكام من الكتاب والسنة (^١).
والكتاب: "هو اللفظ العربي المعجز المنزل وحيًا على محمد صلوات الله وسلامه عليه، المنقول إلينا بالتواتر، المكتوب في المصاحف، المتعبَّد بتلاوته".
أما السنة فهي: ما أُثر عن رسول الله ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير. ويلتقي الكتاب والسنة بأن كلًا منهما وحي من عند الله تعالى، ولكن الكتاب وحي متلو، والسنة وحي غير متلو، والقرآن متواتر فهو قطعي الثبوت، والسنة قليلها متواتر، وأكثرها أخبار آحاد، لذا كانت ظنيَّة الثبوت بجملتها. ولا تستدعي الظنية عدم القبول، كما قد يتوهم البعض في عصرنا ولكنها في مقابل القطعية بالتواتر من الناحية الاصطلاحية.
والحديث الصحيح - ولو كان خبر آحاد - يوجب العلم قطعًا، ويرى كثير من الأئمة: الشافعي وأحمد وابن حزم وغيرهم: أنه يوجب العمل والعلم جميعًا.
على أن لفظ "الظن" من المشترك وقد جاء في القرآن غير مرة بمعنى
_________________
(١) ولا علاقة لنا بمرحلة ثبوت النص؛ فالقرآن متواتر، والحكم على النص من السنّة منوط بعلوم الحديث ومصطلحه، حيث وضع علماؤنا - بمزيد من المعرفة والأمانة - أدق الضوابط وأحكمها لمعرفة الحديث المقبول والحديث المردود، والذي يعنينا في موضوعنا: إنما هو فقه النص، من حيث مناهج الاستنباط وطرائقه.
[ ١ / ٤٥ ]
اليقين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة: ٢٠].
وعلى هذا: فنصوص الكتاب والسنة في تفسير النصوص واستنباط الأحكام: تلتقي في نقطة الاستنباط وتفترق في أن النص لا بد أن يكون على مستوى الاستنباط؛ فالقرآن الكريم مفروغ من قطعية ثبوته.
أما نصوص السنة: فلا بد من معرفة حكم العلماء الأفذاذ ﵏ عليها بالقبول أو الرد وقد حصل ذلك - بحمد الله - على أكمل وجه، ولله الفضل والمنة.
ومن الخير أن نقرر أنه لا بد أن تكون نصوص السنة من ناحية الصحة، على مستوى الصلاحية لأن تؤخذ منها الأحكام.
وإذا كنا نعني بالنصوص: نصوص الكتاب والسنة: فلان مرد سائر الأدلة الشرعية إليها: فالكتاب والسنّة هما أساس التشريع وقوام أحكام الإسلام. وما عداهما من الأدلة مستنبط منهما ومآله إليهما. علمًا بأن المقبول في مجال الأحكام من الأحاديث: هو الحديث الصحيح، والحديث الحسن.
والحديث الصحيح: "هو الحديث الذي اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة قادحة".
أما الحديث الحسن: فهو أدنى درجة من الصحيح وهو عند العلماء على نوعين:
أولهما: الحسن لذاته وهو: "ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط ضبطًا غير تام إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة".
الثاني: الحسن لغيره وهو: "الحديث الذي لا يخلو سنده من راوٍ مستورٍ ولكن ضعفه ليس بكثرة الخطأ أو اتصافه بمفسق كتهمة الكذب، أو أن يروي الحديث شيخ الراوي المستور، أو من فوقه بلفظه أو بمعناه".
وقد تضافرت جهود العلماء على تأكيد مقام الكتاب والسنّة من شريعة الإسلام، ووجوب التزام الأوامر فيهما واجتناب المناهي.
[ ١ / ٤٦ ]
قال ابن حزم في شأن القرآن: (ولما تبين بالبراهين والمعجزات أن القرآن هو عهدُ الله إلينا والذي ألزمَنا الإقرار به، والعمل بما فيه، وصحّ ينقل الكافة الذي لا مجال للشك فيه: أن هذا القرآن هو المكتوب في المصاحف، المشهور في الآفاق كلها: وجب الانقياد لما فيه، فكان هو الأصلَ المرجوع إليه، لأننا وجدنا فيه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فما في القرآن من أمر ونهي: فواجبٌ الوقوف عنده) (^١).
وقال في شأن السنّة: (لما بيّنّا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع: نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله ﷺ ووجدناه ﷿ يقول فيه واصفًا لرسوله ﷺ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ٣] (^٢). فصحّ لنا بذلك أن الوحي من الله ﷿ إلى رسوله ﷺ على قسمين:
أحدهما: وحي متلو مؤلف تأليفًا معجز النظم - وهو القرآن -.
والثاني: وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظم ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ، وهو المبين عن الله ﷿ مراده منا، قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
ثم قال أبو محمد: (ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا القسم الثاني كما أوجب طاعة القسم الأول - الذي هو القرآن - ولا فرق (^٣)، فقال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩].