وهكذا يتقرر لدينا المبدأ الذي يجعل حظر القول في القرآن بالرأي، محدودًا في نطاق التفسير في ظل الهوى والشهوة، والبُعد عن لغة الكتاب التي بها نزل، والمجافاة لما صحّ من السنة وآثار السلف، إذ إن التفسير في هذه الحال اجتهاد لا ينبني على قوانين علم ونظر، بل هو على شفا جرف هارِ، وحسبك أنه قول من غير علم ولا هدًى، وجنوح إلى الرأي والهوى.
والباحث في هذا الموضوع: لا يعجزه أن يجد الأدلة المتضافرة على جواز التفسير بالرأي فيما وراء الحدود التي سلف عنها الحديث.
_________________
(١) راجع: "الإحياء" (١/ ٢٩٨ - ٢٩٩)، "تفسير القرطبي" (١/ ٢٨).
(٢) انظر: "جامع لأحكام القرآن" (١/ ٢٨).
[ ١ / ٦٠ ]
١ - ففي الكتاب: كثير من النصوص التي تدعو إلى تدبُّر القرآن الكريم وتعقُّله وذلك للاستنارة بهديه والاعتبار بآياته، والعمل بأحكامه، والإفادة من إرشاده وعظاته.
قال الله جل ذكره: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أم عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد ﷺ]- أي بل على قلوب أقفالها - وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص].
ومعلوم أن تدبُّر القرآن الكريم - ليتسنى العمل به - لا يمكن بدون فهم معانيه.
وقال جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الزخرف] وعقل الكلام متضمن لفهمه، ولا شك أن كل كلام؛ فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، والقرآن الكريم لفظ ومعنى.
ومن هنا جاء القرآن الكريم على ذكر الاستنباط بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وهذا واضح في الدلالة على أن في هذا الكتاب ما يستنبطه أهل المعرفة العلماء باجتهادهم وعلمهم، بحيث يُعملون عقولهم، ويستخدمون قوانين العلم والنظر، للوصول إلى تلك المعاني.
ومن هنا كانت الحقيقة الراسخة عند العلماء: أن البُعد عن التفسير ضمن حدود اللغة والشريعة: عدول عما تعبّدنا الله به من معرفة الكتاب بفهم آياته وتدبُّره واستنباط أحكامه (^١).
قال أبو الحسن الماوردي (^٢): (وقد حمل بعض المتورعة هذا الحديث - يعني: "من قال في القرآن برأيه. . ." - على ظاهره وامتنع من أن يستنبط
_________________
(١) راجع "البرهان في علوم القرآن" للزركشي (٢/ ١٦٢ - ١٦٣).
(٢) هو القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري المعروف بالماوردي، من وجوه فقهاء الشافعية وكبارهم، كان من العلماء الباحثين ومن أقضى قضاة عصره؛ والماوردي نسبة إلى ماء الورد. من تصانيفه: "الحاوي" في الفقه الشافعي نيف وعشرون جزءًا، "الأحكام السلطانية"، "أدب الدنيا والدين"، "أعلام النبوة"، "نصيحة الملوك والحكومات"، "معرفة الفضائل"، "الأمثال والحكم" وغير ذلك. توفي ﵀ في بغداد ٤٥٠ هـ.
[ ١ / ٦١ ]
معاني القرآن باجتهاده، ولو صحبتها الشواهد، ولم يعارض شواهدها نص صريح. وهذا عدول عما تُعُبِّدنا بمعرفته من النظر في القرآن واستنباط الأحكام منه كما قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ولو صحّ ما ذهب إليه لم يُعلم شيء بالاستنباط. ولما فهم الأكثرُ من كتاب الله شيئًا (^١).
وهكذا يبدو واضحًا، أن على العباد معرفة تفسير ما لم يحجب عنهم تأويله، مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وأنه محال - كما يقول ابن جرير - أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له، ولا يعقل تأويله: (اعتبر بما لا فهم لك به، ولا معرفة من القيل والبيان والكلام) إلا على معنى الأمر بأن يفهمه ويفقهه، ثم يتدبره ويعتبر به. فأما قبل ذلك: فمستحيل أَمْرُهُ بتدبره والعمل به، وهو بمعناه جاهل (^٢).
٢ - لقد ثبت أن النبي ﵊ دعا لعبد الله بن عباس بقوله: "اللهم فقِّهه في الدين وعلّمه التأويل" (^٣) فلو كان التأويل - وهو هنا التفسير - مقصورًا على السماع والنقل كالتنزيل نفسه، لما كان هناك من فائدة لتخصيص ابن عباس بهذا الدعاء.
ولو كان علم التفسير مأثورًا كله عن النبي ﵊ لقال: "اللهم حفظه التأويل". فدلّ ذلك - كما هو واضح - على أن المراد من التأويل الوارد في الدعاء: أمر آخر وراء النقل والسماع، ألا وهو التفسير بالرأي والاجتهاد. ولقد ظهرت آثار دعوة محمد ﷺ في ابن عباس فكان حبر هذه الأمة، خصوصًا في الفقه والتفسير.
_________________
(١) راجع: "البرهان في علوم القرآن" المزركشي (٢/ ١٦٢ - ١٦٣).
(٢) راجع: "تفسير الطبري" (١/ ٨٢).
(٣) أخرجه أحمد (٣٠٣٣) والبخاري (١٤٣) وابن حيان (٧٠٥٥)، والحاكم وقال: صحيح الإسناد. وللبخاري عدة روايات منها: "اللهم فقّهه في الدين" بدون "وعلِّمه التأويل"، ومنها أن النبي ﷺ ضمّ ابن عباس إلى صدره وقال: "اللهم علّمه الكتاب" (٧٥)، ومنها "اللهم علِّمه الحكمة"، وفي رواية لمسلم: "اللهم فقِّهه". وانظر: "تهذيب الأسماء واللغات" (١/ ٢٨٦) من القسم الأول.
[ ١ / ٦٢ ]
٣ - رويت أخبار صحيحة، تدل على أن كثيرًا من الصحابة والتابعين، عُنوا بتفسير آي الكتاب وبيانها؛ ولو كان محظورًا لما فعلوه (^١).
ثم إنهم اختلفوا في تفسير كثير من النصوص على وجوه، وليس كل ما قالوه في التفسير، هو من المأثور عن النبي ﷺ، إذ كل ما ليس مما استأثر الله بعلمه، أو مما لم يكن بيانه خاصًّا بالرسول ﵊، قد فسروه برأيهم واجتهادهم (^٢) ووصلوا إلى معناه من طريق الاستنباط وإعمال الفكر، وذلك ينافي أن يكون الاجتهاد في التفسير محظورًا، بل كان تفسير آي الكتاب، وفقه معانيها، سبيلَهم إلى الخير والمعرفة، حتى قال سعيد بن جبير: (مَن قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي) (^٣).
وجميل ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وكثير من أهل الرسوخ: أن اختلاف الصحابة في التفسير: هو اختلاف تنوُّع لا اختلاف تضاد.
وكان أبو جعفر الطبري يقول: (إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله، كيف يلتذ به) (^٤).
_________________
(١) روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "نِعْمَ ترجمان القرآن ابن عباس"، وأخرج ابن جرير عن ابن أبي مليكة قال: رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه فيقول ابن عباس: "أكتب" قال: حتى سأله عن التفسير. وعن شقيق بن سلمة قال: قرأ ابن عباس سورة البقرة، فجعل يفسرها فقال رجل: لو سمعت هذا الديلم لأسلمت. وقد ورد مثل ذلك عن ابن مسعود؛ فعن مسروق قال: قال عبد الله: والذي لا إله غيره ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمَ نزلت؟ وأين نزلت؟ ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته. وعن مسروق أيضًا: "كان عبد الله يقرأ علينا السورة ثم يحدثنا فيها ويفسرها عامة النهار). انظر: "تفسير الطبري" (١/ ٨٠ - ٨١).
(٢) من أمثلة ذلك رأي الصحابة في العَوْل في الفرائض عند تزاحم الفروض، ورأيهم في مسألة زوج وأبوين وامرأة وأبوين: أن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوجين، ورأيهم في توريث المبتوتة في مرض الموت، ورأيهم في المُحرم يقع على أهله: بفساد حجه ووجوب المضي فيه والقضاء والهدي من قابل، ورأيهم في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما: أفطرنا وقضنا وأطعمنا لكل يوم مسكينًا، ورأيهم في الكلالة وغير ذلك. انظر: "إعلام الموقعين" لابن القيم (١ - ٨٢).
(٣) انظر: "تفسير الطبري" (١/ ٨١).
(٤) انظر: مقدمة الأستاذ محمود محمد شاكر لـ "تفسير الطبري" (١/ ١٠).
[ ١ / ٦٣ ]
وهكذا نعود لنؤكد ما قررناه من قبل أن الاجتهاد الذي نعنيه بـ "تفسير النصوص": هو من الرأي المحمود، الذي لا ينأى عن الشريعة بكتابها وسنتها ولسانها، وليس من الرأي الذي يكون من ورائه الهوى، أو الجهل.
وبعد: فقد تبين مما سبق، أن الرأي على نوعين:
أولهما: الرأي المحمود، وهو الذي يجري على موافقة معهود العرب في لسانها وأساليبها في الخطاب، مع مراعاة الكتاب والسنّة، وما أثر عن السلف.
الثاني: الرأي المذموم، وهو الذي يجافي قوانين العربية، ولا يتفق مع الأدلة الشرعية، وقواعد الشريعة في البيان والأحكام.
وللنوع الأول من وجهة نظر الفقه بمعناه العام: دور هام في الأصول والفروع، للعمل بشريعة الإسلام؛ فهو الرأي الذي يفسر النصوص، ويبين وجه الدلالة منها، ويقررها ويوضح محاسنها، ويسهل طرق الاستنباط منها، حيث يهيئ للمكلف سبيل الخروج من العهدة في امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، وتحقيق الأحكام.
وفي هذه الحدود، يلتقي قبلنا هذا، مع ما أسلفناه عن عبد الله بن المبارك إذ يقول بمناسبة الحديث والرأي: "ليكن الذي تعتمد عليه هذا الأثر، وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث وهذا هو الفهم الذي يختص الله به من يشاء من عباده" (^١).
والنوع الثاني: هو الذي تخوّف منه السلف الأمناء على كتاب الله الكريم، فهو المقصود بكلام عمر بن الخطاب إذ يقول: "ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بيّنٍ فسقُه، ولكني أخاف
_________________
(١) راجع: "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر (٢/ ٣٤) "إعلام الموقعين عن رب العالمين" لابن القيم (١/ ٨٢).
[ ١ / ٦٤ ]
عليها رجلًا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه، ثم تأوله على غير تأويله" وكذلك كلام ابن مسعود إذ يقول: "ستجدون أقوامًا يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطُّع" (^١).
وإذا كان الأمر كذلك: لا بد من حمل الكلام المنقول عن بعض السلف في التباعد عن القول في القرآن بالرأي، على ما يكون من النوع الثاني وهو الرأي المذموم؛ فهم لا يريدون أن يتكلموا فيما لا علم لهم به، خشية أن يقعوا في الخرص والتخمين.
ومن هنا جعل أبو جعفر الطبري إحجام من أحجم من السلف عن الخوض في التفسير، كفعل من أحجم منهم عن الفتيا عن الحوادث والنوازل، خوف أن لا يبلغ في اجتهاده ما كلف الله العلماءَ من عباده وفيه.
وهكذا كان الإحجام عن القيل في تأويل القرآن وتفسيره: الحذر من أن لا يبلغ المفسِّر أداء ما كُلِّف من إصابة صواب القول فيه، لا على أن تأويل ذلك محجوب عن علماء الأمة، غير موجود بين أظهرهم (^٢).
ولقد يؤيد ذلك: ما نرى في سيرة الصدّيق أبي بكر، حين سئل عن الكلالة فقال: "إني سأقول فيها برأيي؛ فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولده".
وهو القائل كما أسلفنا: "أي سماء تظلُّني وأي أرض تقلُّني إذا قلت في القرآن برأيي"، فدلّ ذلك على أن تخوُّفه إنما كان من نوع معين من الرأي؛ فهو يخاف الله أن يقول برأي لا يستند إلى دليل، بل يعتمد على الخرص والتخمين، ولكنه يُقدم على القول فيما وراء ذلك.
_________________
(١) راجع: "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر (٢/ ٣٤) فما بعدها، "مقدمة في أصول التفسير" لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٢٩ - ٣٢).
(٢) راجع: "تفسير الطبري" (١/ ٨٩).
[ ١ / ٦٥ ]
وبهذا جمع العلماء بين الموقفين، ولم يروا فيهما أيَّ نوع من التعارض (^١).
وهذه الوجهة من أبي بكر، ومن وراءه من الصحابة الذين شهدوا التنزيل، ومن جاء بعدهم، كانت من أهم العوامل في تكوين ما نراه من كنوز هذه الشريعة من مفهوم في كتاب الله، تتفق أو تختلف، حتى كانت من أغزر موارد العلم، لمن يريد الاجتهاد والاستنباط.
فلقد سكتوا عما لم يعلموا، ولم يكتموا القول فيما يعلمون، أداءً للأمانة في بيان ما يجب عليهم بيانه.
وقد صدق فيهم وفيمن استقام على طريقتهم قول النبي صلوات الله وسلامه عليه: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" (^٢).
وهذا هو الواجب على كل أحد؛ فإنه كما يجب على المرء السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب عليه القول فيما سئل عنه مما يعلمه (^٣) لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] (^٤) ولما جاء في
_________________
(١) جاء ابن القيم بحديث الكلالة وما قال فيها أبو بكر، ثم جمع بينه وبين كلمة الخليفة الأول: "أي سماء تُظلني" وحديث: "مَن قال في القرآن برأيه. . ." وذلك قوله في "إعلام الموقعين": (فإن قيل كيف يجتمع هذا مع ما صحّ عنه من قوله: "أي سماءٍ تُظلني. . ." وكيف يجامع هذا الحديث الذي تقدم: "مَن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" فالجواب أن الرأي نوعان، أحدهما: رأي مجرد ولا دليل عليه، بل هو خرص وتخمين، فهذا الذي أعاذ الله الصدّيق والصحابة منه. . .).
(٢) أخرجه ابن عبد البر وغيره. وانظر: "تفسير القرطبي" (١/ ٣١).
(٣) انظر: "مقدمة في أصول التفسير" لابن تيمية (ص ٢٩) فما بعدها.
(٤) والآية هي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾.
[ ١ / ٦٦ ]
الحديث المروي من طرق: "مَن سئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" (^١).
والآن وبعد الذي مر، نقف موقف التبصر أمام الأثر الذي أورده أبو جعفر الطبري في مقدمة تفسيره عن ابن عباس، وهو قوله ﵁: (التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها - وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى) (^٢).
وقد وجد العلماء في هذا التقسيم من ترجمان القرآن ابن عباس للتفسير متسعًا حدَّد معالم الطريق، وأصاب المحز في توضيح المجال الذي يخوض فيه المفسر لآي الكتاب.
فأما الذي تعرفه العرب: فهو الذي يُرجع فيه إلى لسانهم، وذلك في شأن اللغة والإعراب؛ فما كان من التفسير راجعًا إلى هذا القسم: فسبيل المفسر - كما يقول بدر الدين الزركشي - التوقف فيه على ما ورد في لسان العرب، وليس لغير العالم بحقائق اللغة ومفهوماتها تفسيره. أما ما لا يعذر أحد بجهله: فهو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام، ودلائل التوحيد، وكل لفظ أفاد معنًى واحدًا جليًا لا سواه، يعلم أنه مراد الله تعالى.
قال الزركشي: (فهذا القسم لا يختلف حكمه ولا يلتبس تأويله، إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وأنه لا شريك له في إلاهيته. . . ويعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضى قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ونحوها: طلب إدخال ماهية المأمور به في الوجود).
_________________
(١) أخرجه من رواية أبي هريرة الإمام أحمد في "مسنده" (٨٦٢٣)، وأبو داود (٣٦٥٨) والترمذي، (٢٦٤٩) وابن ماجه، والحاكم. وانظر: "تفسير القرآن العظيم" (١/ ٢٠٠).
(٢) راجع: "جامع البيان" للطبري (١/ ٥٧)، "مقدمة التفسير" للراغب الأصفهاني (ص ٤٢٣) مع "تنزيه القرآن عن المطاعن" للقاضي عبد الجبار، "مقدمة في أصول التفسير" لابن تيمية (ص ٢٩ - ٣٢) "البرهان في علوم القرآن" للزركشي (٢/ ١٦٨) فما بعدها، "التفسير والمفسرون" للشيخ محمد حسين الذهبي (١/ ٢٦٧).
[ ١ / ٦٧ ]
أما ما لا يعلمه إلا الله تعالى: فهو ما يجري مجرى الغيوب، كما في الآيات المتضمنة قيام الساعة، وإنزال الغيث، وعلمَ ما في الأرحام، وتفسير الروح، والحروف المقطعة. وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق، فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره، ولا طريق إلى ذلك، إلا بالتوقيف من أحد ثلاثة أوجه: نص قرآني، أو بيان من النبي ﷺ، أو إجماع الأمة على تأويله.
أما ما لا يعلمه إلا العلماء: فهو استنباط الأحكام وما يتعلق به. قال الزركشي: (وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدًا: فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعلى العلماء إعمال الشواهد والدلائل وليس لهم أن يعتمدوا مجرد رأيهم فيه) (^١).