وقد مثَل بعض الأصوليين للتعارض بين النص والمفسّر من السنّة، بروايتين لحديث ورد في شأن وضوء المستحاضة للصلاة (^٢).
أما الرواية الأولى: فهي التي جاءت عن عروة عن عائشة ﵂ قالت:
_________________
(١) انظر: "سلم الوصول" لعمر عبد الله (ص ٢٢٣) الطبعة الثانية.
(٢) "كشف الأسرار" لعبد العزيز البخاري (١/ ٥١)، ابن ملك على "المنار" (١/ ٢٥٨)، "نور الأنوار" للميهوي (١/ ١٤٥ - ١٤٦).
[ ١ / ١٥٦ ]
"وجاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: "لا، إنما ذلك عِرق وليس بالحيضة، فاجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة وصلِّي وإن قطر الدم على الحصير" (^١).
وأما الرواية الأخرى - كما يقولون -: فقد جاءت بلفظ: "توضئي لوقت كل صلاة" (^٢).
فالحديث في الرواية الأولى: يدل على وجوب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة، فلا يصح لها أن تصلي بوضوء واحد أكثر من فريضة واحدة، ولو في وقت واحد، أداءً كانت تلك الصلاة أو قضاء، غير أن لها أن تصلي النافلة.
وقد ذهب إلى ذلك الشافعي، وحكي عن عروة بن الزبير، وسفيان الثوري، وأحمد، وأبي ثور.
ويدل الحديث في الرواية الثانية، على وجوب الوضوء على المستحاضة، لوقت كل صلاة، لا لكل صلاة.
وعلى ذلك، يصح لها أن تصلي بوضوء واحد، ما شاءت من الفرائض والنوافل ما دام وقت الصلاة باقيًا.
وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر (^٣).
_________________
(١) رواه أحمد (٢٤١٤٥) و(٢٦٢٥٥) والبخاري ومسلم وابن ماجه، كما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان "نيل الأوطار" (١/ ٢٩٩). وقد ذكره الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٦٢)، وابن حزم في "المحلى" (١/ ٢٥٣). وانظر: البخاري: (٢٢٨)، مسلم (٣٣٣)، أبو داود (٢٨٢)، الترمذي (١٢٥)، النسائي (٣٥٧)، ابن حبان (١٣٤٨).
(٢) ذكره صاحب "الهداية" وانظر: "فتح القدير" (١/ ١٢٥) غير أن الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ٢٠٤) قال: غريب جدًّا، وقد ذكر بعضهم أن الإمام أبا حنيفة رواه.
(٣) "شرح معاني الآثار" للطحاوي (١/ ٦٤)، "المبسوط" للسرخسي (٢/ ١٧).
[ ١ / ١٥٧ ]
فالمثبتون للمثال: يعتبرون الروايتين من باب (النص) في الأولى، و(المفسَّر) في الثانية.
فقوله: "توضئي لكل صلاة" (نص) يحتمل التأويل، وهو أن يكون المراد من قوله: "لكل صلاة" وقت كل صلاة؛ لأن اللام تستعار للوقت. يقال: آتيك لصلاة الظهر، أي وقتها.
أما قوله: "لوقت كل صلاة" فهو (مفسر) لا يحتمل التأويل، لكون لفظ الوقت فيه صريحًا، فيقدم المفسَّر على النص، فيكون واجب المستحاضة الوضوءَ عند الوقت، لا عند الصلاة، وإن كان في تأويل (لكل صلاة) بـ (وقت كل صلاة) جنوح عن الحقيقة إلى المجاز، بلا دليل على هذا المجاز (^١).
والوضوء للوقت: هو ما ذهبت إليه الحنفية - كما قدّمنا - وهو أيضًا مذهب العترة (^٢)؛ فكان المقرر عند هؤلاء جميعًا أن المستحاضة إنما يجب عليها الوضوء، إذا دخل وقت الصلاة، وليس الواجب الوضوء لكل صلاة.
ومن هنا، كان لها أن تصلي بالوضوء الواحد ما شاءت من الفرائض والنوافل، ما دام الوقت باقيًا، وينتهي حكم الوضوء بانتهاء الوقت.
أما على القول الأول: فعند كل صلاة يجب عليها الوضوء، فلا تصلي بالوضوء الواحد أكثر من فريضة، ولكن لها أن تصلي النافلة، كما مر.
وقد فرّق العلماء بين الفريضة والنافلة؛ لأن النوافل تكثر؛ فلو ألزمت بالوضوء لكل نافلة لشقّ ذلك عليها (^٣).
وفي نظرنا: أن التمثيل للتعارض بين النص والمفسّر، وتقديم الأقوى، بهاتين الروايتين، قد ينطبق من الناحية النظرية على ما رسمه العلماء من تعريف هذين القسمين من أقسام (واضح الدلالة) عند الحنفية.
_________________
(١) انظر: "نيل الأوطار" شرح "منتقى الأخبار" للشوكاني (١/ ٢٩٨).
(٢) "نيل الأوطار" (١/ ٢٩٨).
(٣) راجع: "المهذب" للشيرازي (١/ ٤٦).
[ ١ / ١٥٨ ]
ولكن لا بد من ملاحظة أمرين اثنين:
أولهما: أن الروايتين ليستا على صعيد واحد من حيث الصحة، وصلاحية الاحتجاج؛ فالنص في الرواية الأولى حديث حكم عليه العلماء بالصحة، وأخرجته كتب الصحيح، أما النص الثاني المشتمل على ذكر (الوقت): فأقل ما فيه أنه حديث فيه مقال، حتى قال عنه الزيلعي الحنفي صاحب "نصب الراية": (غريب جدًّا).
الأمر الثاني: أن المتقدمين من رجال المذهب يرون - فيما يبدو - أن ذهاب الإمام أبي حنيفة، ومَن ذكرنا من أصحابه ﵏ إلى الوضوء عند كل وقت صلاة، لم يكن لرواية فيها ذكر الوقت، وإنما كان البعض المعاني التي تقوم على النظر. ونحن نثبت هنا رأي أبي جعفر الطحاوي، أحد كبار أئمة المذهب المتقدمين (^١).
فلقد قرر أن مذهب الحنفية في هذه المسألة، قوي من جهة النظر، دون أن يعرض لما عرض له علماء الأصول فيما بعد، من إثبات رواية اعتمدوا عليها فيما ذهبوا إليه.
وقد كشف أبو جعفر عن قوة المذهب التي أشار إليها وأقام ذلك على عدة دعائم:
منها: أن القائلين بوجوب الوضوء لكل صلاة: أجمعوا على أنها إذا توضأت في وقت صلاة فلم تصلِّ حتى خرج الوقت، فأرادت أن تصلي بذلك الوضوء، أنه ليس لها ذلك، حتى تتوضأ وضوءًا جديدًا.
_________________
(١) هو أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري، أبو جعفر الطحاوي، من كبار الفقهاء، انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر. ولد ونشأ في (طحا) بفتح الطاء والحاء المهملتين: قرية في صعيد مصر. وقد صحب خاله المزني الفقيه الشافعي صاحب "المختصر" وتفقه عليه ثم تحوّل إلى مذهب الحنفية. ولد أبو جعفر سنة ٢٢٩ هـ وتوفي سنة ٣٢١ هـ. له تصانيف عدة من أهمها: "شرح معاني الآثار" و"مشكل الآثار" و"اختلاف الفقهاء" و"كتاب الشفعة" و"بيان السنّة" (رسالة). وينظر: مقدمة "شرح معاني الآثار" (١/ ٢ - ٥)، "الأعلام" للزركلي (١/ ١٩٨)، "شرح عقيدة الطحاوي" (٢٣ م - ٢٥ م).
[ ١ / ١٥٩ ]
كذلك، لو توضأت في وقت صلاة، فصلّت، ثم أرادت أن تتطوع بذلك الوضوء كان ذلك لها ما دامت في الوقت.
فدلّ ذلك أن الذي ينقض تطهرها، هو خروج الوقت، وأن وضوءها يوجبه الوقت لا الصلاة.
والمعلوم أن المستحاضة، لو فاتتها صلوات، فأرادت أن تقضيهن، كان لها أن تجمعهن في وقت صلاة واحدة، بوضوء واحد.
فلو كان الوضوء يجب عليها لكل صلاة، لكان يجب أن تتوضأ لكل صلاة من الصلوات الفائتات. فلما كانت تصليهن جميعًا بوضوء واحد: ثبت بذلك أن الوضوء الذي يجب عليها: هو لغير الصلاة وهو الوقت.
قال أبو جعفر: (وحجة أخرى: أنا قد رأينا الطهارة تنتقض بأحداث، منها: الغائط، والبول. وطهارات تنتقض بخروج أوقات، وهي: الطهارة بالمسح على الخفَّين، ينقضها خروج وقت المسافر، وخروج وقت المقيم. وهذه الطهارات المتفق عليها، لم نجد فيما ينقضها صلاة، إنما ينقضها حدث، أو خروج وقت.
وقد ثبت أن طهارة المستحاضة، طهارة ينقضها الحدث، وغير الحدث.
فقال قوم: هذا الذي هو غير الحدث، هو خروج الوقت.
وقال آخرون: هو فراغ من صلاة، ولم نجد الفراغ من الصلاة حدثًا فهو شيء غير ذلك، وقد وجدنا خروج الوقت حدثًا في غيره.
فأولى الأشياء: أن نرجع في هذا الحدث المختلف فيه، فنجعلَه كالحدث الذي قد أُجمع عليه، ووُجد له أصل، ولا نجعله كما لم يجمع عليه، ولم نجد له أصلًا. فثبت بذلك قول من ذهب إلى أنها تتوضأ لكل وقت صلاة) (^١).
_________________
(١) راجع: "شرح معاني الآثار" للطحاوي (١/ ٤٦) وانظر: "نصب الراية" للزيلعي (١/ ٢٠٤).
[ ١ / ١٦٠ ]