ويوردون لتعارض المحكَم مع النص قوله تعالى في سورة النساء الآية ٣: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ مع ما جاء في شأن زوجات الرسول ﷺ من قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
فالأول وهو قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ. . .﴾ الآية - نص في إباحة أربع زوجات. وذلك يشمل زوجات الرسول ﷺ، بعد وفاته.
غير أن الثاني وهو قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ. . .﴾ الآية، دلّ على تحريم الزواج بإحداهن بعد وفاته، والنص على التأبيد جعله محكمًا لا يحتمل النسخ والتبديل، فيقدم على النص في العمل بموجبه، ويحمل النص عليه.
_________________
(١) = وقد نقل الشوكاني في "نيل الأوطار" (٢/ ٢٢٨) ما قاله الدارقطني وهو: أنه لم يُسند الحديث إلى موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان، وأن الصواب إرساله إذ قد رواه سفيان الثوري، وشعبة، وإسرائيل، وسفيان بن عيينة وغيرهم عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلًا عن النبي ﷺ، وانظر "سنن الدارقطني": (١٢٣٣) و(١٢٣٤) و(١٢٥٣).
[ ١ / ١٥٥ ]
على أن بعض الفضلاء قد جعل الآية تتردد بين النص والظاهر (^١) فاعتبر من أمثلة تعارض المحكَم مع النص أو الظاهر قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ. . .﴾ الآية [النساء: ٢٤]، ثم أتى بآية الأحزاب للمحكَم.
ومعلوم أن العلماء يسوقون قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ. . .﴾ الآية، كما رأينا، مثالًا للظاهر في حل ما زاد على الأربع من غير المحرمات، حيث يعارض قوله سبحانه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ وهو نص في الاقتصار على أربع زوجات.
وهكذا تكون الآية الكريمة على رأي أولئك قد استخدمت ظاهرًا في مقابلة النص، ونصًا في مقابلة المحكَم.
وإذا كان الأمر كذلك، فلعل آية التعدد - وهي نص - في تحديد ما احلّه الله من الزوجات الحرائر بأربع: أولى بالتمثيل للتعارض بين المحكَم والنص من آية حل ما زاد على الأربع، في مقابلة آية الأحزاب المحكمة في تحريم الزواج بأي من زوجات الرسول ﷺ بعد وفاته.
وبذلك نكون قد قدّمنا أنموذجًا سليمًا للتعارض بين النص والمحكَم.
فآية التعدد في سورة النساء: نص في حل الأربع من غير المحرمات، وآية الأحزاب محكمة في شأن زوجات النبي ﷺ، فيقدم المحكَم على النص، ويحمل النص عليه.